الجزء الثامن (8)

1989 Words
الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان وبدونها لنسينا ما مضى من أحداث شكلت منحنيات اعمارنا، جلست كعادتها حزينة وحيدة تتذكره للمرة المليار وتسترجع حديثهما سويًا وعهدهما لبعضهما ايعقل أن تمر الأيام بهذه السرعة دون أن تراه ولو لمرة واحدة ثلاث سنوات مضت عليها وهى لا تعلم عنه شئ وكأن الارض شقت وابتلعته، هى لا تلومه فهى من طلبت منه الابتعاد لحين انتهاء دراستها الجامعية لكنها رغمًا عنها تشتاق لنظرة منه لترى ملامحه التي حفرت معالمها جيدًا بداخلها، صبرت نفسها وطمأنت روحها بقرب رؤياه فاليوم هو الاخير في اختبارات عامها الرابع، بالتأكيد هو لم ينسى مثلها وينتظر ذلك اليوم لكي يأتي يطلبها من والدتها كما وعدها سابقًا، تشكلت ابتسامة رقيقة على مبسمها وهى تتخيله يدق بابها في القريب العاجل. جاءت لها بعد أن انتهت من وداع صديقاتها ليعودا سويًا إلى منزلهما، هزت كتفيها بحيرة بعدما رأتها عابسة الوجه ثم سرعان ما تبدل ذلك العبوس بابتسامة ناعمة وهى مازالت شاردة عما يدور حولها، كادت تجن من أفعالها فمنذ معرفتها بذلك الرامز وهى لم تعد وعد التى تربت معها فهى تبدلت كليًا وأصبحت أكثر انطوائية لا تتحدث لأحد الإ قليلًا. جلست بجوارها تربت على يدها بحنو : سرحانة في أيه يا جميل عادت وعد بأنتباها تنظر لها : هكون سرحانة في مين فرح بابتسامة : أكيد فيه هو في حد غيره شاغل دماغك. وعد بسعادة : أخيرّا يا فرح خلصت الكلية وهيجي يخطبني من ماما. فرح بشك : مش عارفه ليه حاسه أنه نسيكي وأنتي ولا له على بال. غضبت وعد من حديثها : أنتي بتقولي أيه مش معقول أحنا بينا عهد لا يمكن يغدر بيه. فرح : أهدي يا حبيبتي وفكري بالعقل معقولة يفوت تلات سنين وميفكرش يجي مرة واحدة بس يشوفك حتى لو من بعيد. وعد باصرار : أنا اللي طلبت منه كدا وهو أحترم رغبتي عشان لما يجي يخطبني افرح لما اشوفه وكأنها أول مرة اشوفه فيها. فرح : ماشي يا حبيبتي حقك عليا بس أنا عوزاكي تجمدي وتكوني قوية بدل ما يجي يلاقيكي مدلوقة عليه كدا والراجل يطفش منك وتعنسي لطنط ألهام اللي هتجنن وتجوزك. وعد : أنا مش عارفه ماما جرالها أيه كل ما يجيلي عريس تفضل تزن عليا مع أني عرفتها بموضوع رامز بس بردو مفيش فايدة. فرح : كل الأمهات كدا مش هتكون أكتر من أمي نفس الوضع بردو. نهضت وعد من جلستها وتأبطت ذراع فرح وهى تسير معها لخارج محيط الجامعة : وأنتي هتفضلي كدا كتير طيب أنا وعارفه برفض ليه لكن أنتي عايشه في سراب وخايفة تصحي منه على جرح يعذبك عمرك كله. فرح بحزن : وأنا في إيدي ايه اعمله مش شايفه غيره ولا عارفه اشوف غيره اصلا. لمعت الدموع بعينيها وهى تتذكره : حتى بعد ما عرفت أنه بيحبك وطلبك للجواز مقدرتش أكرهه ولا أنساه حاسه زي ما يكون مربوطه من أديا ورجليا وماشيه في ضله غصب عني، حاولت كتير واتخطبت عشان احط روحي قدام الأمر الواقع لكن ابراهيم حس بيا وأنه مهما يعمل مش قادرة اتجاوب معاه وأحبه، عارفة يا وعد قالي ايه يوم ما نهى خطوبتنا. نظرت وعد لها بتركيز شديد : قالك أيه. فرح بحزن : انا عارف أنك محبتنيش ووافقتي عليا بعد ضغط أهلك أنا ممكن كنت اطنش واتمم جوازنا عادي لكن صدقيني مش هكون مبسوط وأنتي عايشه معايا جسد من غير روح، أنا راجل غيور وعايز مراتي تبقى ليا أنا وبس كل حاجة فيها ملكي حتى تفكرها زي ما أنا هخليها تملك كل حاجة فيا حتى تفكيري، أنا هسيبك بس كخطيب بس هفضل جنبك كاصديق وربنا يسعدك مع اللي أختاره قلبك. وعد بتأثر : حقيقي ابراهيم ده راجل حر قليل لو لقيتي زيه النهاردة. فرح بدموع تسربت على وجنتيها : معاكي حق وكتير بحس بالذنب ناحيته. وعد بابتسامة : روقي بقى ومتعيطيش وأن شاء الله ربنا هيجعله من نصيبك. لم تتم وعد كلمتها حتى وجدت سيارة بيجاد أبن عمها تتوقف أمامها وهما يخطوان بعيدًا عن بوابة الجامعة، ارتبكت الفتاتان خاصة فرح التي ارتفع الادرينالين في دمها فور رؤيته وصخبت دقات قلبها ت** أذنيها. خرج بيجاد من سيارته وتوجه ناحية وعد : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعد بتعجب : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بيجاد : أخيرًا خلصتي النهاردة. وعد بأندهاش : أه الحمدلله خلصت خلاص بس أنت عرفت منين أن النهاردة اخر يوم في امتحاناتي. بيجاد : مش معنى أني بقالي فترة مشغول ومبجيش ازركم ابقى معرفش اخباركم بالع** أنا عارف كل حاجة عنكم خصوصًا أنتِ بالذات. وعد بخجل : طبعًا أنت أبن عمي وفي مقام أخويا الكبير ومن حقك تعرف كل حاجة عننا كمان، وأنا هستغل القرابة اللي ما بينا واطلب منك تشوف لينا شغل معاك. بيجاد بضيق من تحجيم وعد لعلاقتهما في حدود الأخوة فقط : ليكم مين ؟ وعد وهى تشير لفرح : أنا وفروحتي وخلي بالك أحنا الاتنين مع بعض لوكشه واحدة زي ما بيقولوا. نظر بيجاد لفرح الذي وكأنه لم يراها قبل ذلك : اسف مخدتش بالي منك، دي صحبتك يا وعد ؟ وعد : لأ متقوليش أنك مش فاكر فرح جارتنا في بيتكم القديم أنت صحيح عزلتم من زمان بس ذكرياتنا مع بعض متتنسيش دا أنت ياما جبتلها عسلية من مصروفك لما عرفت أنها بس بتحبها. تذكر بيجاد فرح والتي تغيرت ملامحها قليلا : مش معقولة أنتي فرح تصدقي معرفتكيش ملامحك اتغيرت عن زمان. فرح بضيق من عدم تذكر بيجاد لها : وأنا بردو مكنتش فكراك اصلا على العموم تشرفنا بعد اذنكم. بيجاد : ايه يا فرح مش هتسلمي عليا دا أحنا عشرة عمر. فرح في نفسها : لو فعلا عشرة عمر كنت منستنيش لحظة وكنت فضلت فاكرني زي ما أنا ضيعت عمري في حبك. نظرت له فرح وبكل ثقة أجابت عليه : اسفه مبسلمش على حد مش محرم ليا، أنا ماشية يا وعد عايزه حاجة. وعد : استني هنروح سوى، بعد أذنك يا بيجاد. بيجاد : طيب تعالي أنتي وفرح اوصلكم. فرح : لأ أنا مبركبش عربيات حد لو فرح عايزه تركب هى وأنا هروح بالمترو. نظر بيجاد لوعد بتسأل بعد أن ابتعدت فرح قليلًا : هى مالها زعلانه ليه. وعد : لأ ابدا هى اللي ملتزمه ومبتحبش تتخطى حدودها مع حد، المهم دلوقتي متنساش حكاية الشغل. بيجاد : لو عايزين تشتغلو من بكرة معنديش مانع الشركة تحت أمركم. وعد : لأ مش لدرجادي نرتاح من تعب الدراسة شوية خليها اسبوع ولا اتنين ونيجي نستلم الشغل. بيجاد : زي ما تحبي بس خلي بالك قولي لفرح تفك شويه اصلي مبحبش النكد ماشي. وعد بابتسامة : متخافش لما تعرفها على حقيقتها هتحبها. بيجاد : ايه ؟ وعد : قصدي هتحب التعامل معها. بيجاد : ماشي يا ست وعد يلا سلام وروحي بقى الحقي صحبتك اصلها هتمشي وتسيبك. وعد : ماشي سلام يا أبن عمي. . _رصان يا رصان أنت فين يا حبيب تيته تعالى يلا عشان أنا عملت ليك چيلي الفراولة اللي بتحبه. نطقت نادية بتلك الكلمات وهى تحايل حفيدها الوحيد ذو الثلاث سنوات لأطعامه كعادته معها. جاء لها الطفل مسرعًا لتتلقاه في أحضانها ثم تجلسه على قدمها وهى تجلس على أريكة الصالون وتبدأ في أطعامه. نزل رصان الكبير الدرج برويه وهو يظبط من وضعية سترته وهز رأسه بتعجب من مساكشة ذلك الصغير في جدته التي لم تشكوه يومًا بل كلما زاد في عناده كلما زاد حبه في قلبها واهتمت به أكثر. رصان وهو يداعب خصلات الصغير : ايه يا رصونة هتفضل تتعب ناناه كدا كتير. نادية : ومين قالك أنه تاعبني دا على قلبي زي العسل. رصان : اه طبعًا ما هو رصان الصغير خد كل الدلع والحب مني. نادية : هات أنت بس عيل ولا اتنين كمان ليا زي رصونة وأنا هنسى بيهم الدنيا كلها. رصان بحزن : يعني هو بأيدي يا ماما. نادية : ايوه بأيدك سيب نفسك من بير الذكريات اللي دافن نفسك فيه وفوق لروحك بقى. جمال من خلفهما : سيبي أبنك براحته يا نادية وقت ما يحب يخلف هيخلف متضغطيش عليه. نادية : أنا خايفة عليه العمر بيجري بيه وهو ولا هو هنا. رصان : متشغليش بالك بيا يا حبيبتي ويا عالم يمكن ربنا يبدل حالي من حال لحال بس أمتي قولي يارب. نادية بتمني : يارب يا حبيبي يصلح لك الحال وتفرح قلبي قريب. رصان وهو يقبل الطفل : وبعدين ما هو أنتِ عندك رصان صغير أهو مالي عليكي البيت كله. نادية بابتسامة : ربنا يخليك أنت وهو ليا وميحرمنيش منكم يارب. جمال : طيب وانا ولا هو أبنك وحفيدك عندك بالدنيا وأنا اتركنت على الرف. نادية وهى تمسد على ذراعه : دا أنت الخير والبركة أنت النور اللي بينور حياتنا ربنا يخليك لينا. جمال : ويخليكي ليا يا حبيبتي. رصان : أحم أنا بقول أننا نروح على الشركة عشان منتأخرش. جمال : ماشي يا رصان مع أني كان نفسي أأجز النهاردة بس هعمل أيه يلا بقى خليها لبعدين. رصان : لأ تأجز دا أيه والاجتماعات اللي ورانا دا أحنا عندنا شغل يكفي سنة قدام. نادية وهى تطعم الصغير : قول ما شاء الله. رصان وهو يتوج خارجًا : ما شاء الله، يلا بينا يا بابا هنتأخر. جمال وهو يقبل حفيده : يلا استنى بس هبوس العسل اللي بياكل الچيلي ده بوسة واحدة بس. رصان : هههههههه بيحب الچيلي زي جدوه. جمال : اه طبعا بحب الچيلي وبحبكم اكتر من الچيلي كمان عندك مانع. رصان وهو يتوجه للخارج بعد والده : ولا أي مانع بالهنا والشفا يا حبيبي يا مالك قلوبنا كلنا. ندمت على انصياعها وراء رغبة صديقتها بالقدوم معها لهنا فمنذ دخولها لذلك المول التجاري تكالبت الذكرى عليها بلا هوادة وراحت تنبش في منحنيات عقلها حتى رجعت بها إلى ذلك اليوم الذي اهانها فيه ذلك البغيض وبسببه قاطعت دخول هذا المتجر لما يزيد عن ثلاث سنوات، قوت قلبها الذي ارتجف بمجرد دخوله لذلك المكان واقنعت نفسها أن ما حدث لن يتكرر مرة أخرى وان حدث ستأخذ بثأرها القديم والجديد معًا لن تنتظر احد يثأر لها، بدأت قدامها بالتفتل هنا وهناك وداخلها رهبة من الاقتراب من ذلك المحال، وقفت على بعد عدة خطوات منه وشجعت نفسها على الاقتراب أكثر من مرة حتى جاءت صديقتها تدفعها برفق للدخول هناك، ترددت في البداية وبدأ ذلك واضح على خطواتها لكن حدثت نفسها تبقها القوة. رغد لنفسها : انتي خايفة ليه هو هياكلك ولا هيموتك تجاهليه خالص ولو فكر يتطاول عليا هديله فوق دماغه اه مش هسكت له وبعدين أنا شاغله نفسي ليه تلاقيه نسي الحكاية دي بقالها اكتر من ٣ سنين ويمكن ميكونش موجود اصلا ويكون حد تاني اشتغل مكانه. خطت بقدمها للداخل خلف زهرة صديقتها وجابت عينيها المكان في ثواني تبحث عنه، زفرت بأرتياح عندما وجدت فتاة ثلاثينة هى من تباشر العمل، نفضت الأفكار المزعجة التي شغلت تفكيرها وبدأت في فحص الملابس واختيار ما يناسبها ظلت لبعض الوقت تنتقي ما نال اعجابها، لكنها فجأة احست به حولها تتنفس انفاسه وض*بت أنفها رائحة عطره التي تتذكرها جيدًا، تركت ما بيدها ونظرت حولها وجدته ينزل الدرج الداخلي بعفوية، تلاقت اعينهما في نظرة طويلة صامتة تلاشت حولهما المسافات وتوقفت عقارب الساعة عن الدوران وبدا كأنهما تمثلان نحت من حجر، تعمقت في النظر له وراحت تسأل نفسها هل يعقل أن يكون هذا الوسيم هو ذلك البغيض الذي كرهته يومًا، سرعان ما نفت ذلك بداخلها فمن يقف أمامها اقرب الى نجم من نجوم الدراما التركية ب*عره الاسود الغزير المصفف بعناية فائقة ولحيته التي لم تكن موجودة سابقًا لكنها أضافت المزيد من الغموض والجاذبية لمظهره، ايقنت في النهاية أنه هو بعد أن غاصت بنظراتها داخل عيناه فهما الوحيدتان اللتان لم تتغيرا مازال يملك تلك النظرات القاسية الثاقبة كنظرات صقر لا يهاب احدًا. وقف ينظر لها بجمود بعد أن رأها من جديد بداخل متجره لم ينساها يومًا ثلاث سنوات واحدى عشر شهرًا مرت على اخر لقاء جمع بينهم لكنه يتذكرها جيدًا كيف لا وهى من استطاعت بغرورها ووقحتها سرقت قلبه وتحدى جميع معوقات حياته لأجلها، لأجل أن يأتي اليوم الذي يقف أمامها ويجابهها بماله كما جابهته بمال ابيها يومًا حتى يضعها في حجمها الحقيقي، ثم بعد ذلك يسحبها معه إلى أرض العاشقين يعلمها كيف يكون العشق يجعلها ترتفع معه لأعلى مراتب الحب، يبثها احاسيس صادقة احتفظ بها بداخله من أجلها هى فقط . انزل عيناه عنها وتجاهلها متجهًا إلى مكان جلوس الفتاة التي تعمل لديه متحدثًا معها. مراد : مدام اشجان في اي ايميلات طت من برادا عن معاد وصول التصاميم الجديدة اللي اتفقنا عليها. اشجان : لأ يا مستر مراد الايميل الوحيد اللي جه من شركة فيوتون بميعاد شحن الطلبية بتاعتنا وكنت مستنية لما الانسات يخلصوا عشان اجيبه لحضرتك. مراد : طيب ياريت تبلغي الاستاذ وحيد بمعاد الشحن عشان يروح في الميعاد يستلم الشحنة، وياريت تبعتي ايميلات لشركة برادا وزارا ودولتشي تستعجلي طلبيتنا عندهم. اشجان : حاضر يا مستر مراد اي أوامر تانية. مراد : حاليا مفيش انا رايح ميعاد دلوقتي ساعتين بالكتير وهكون هنا. اشجان : تمام حضرتك .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD