كان يجلس فى غرفة المكتب وقد شعر بان الارق والتوتر قد تملك منه فاراد ان يغادر الغرفة لعله ينفث عن روحه هذا الذى اعتلاه
وهم ان يغادر فوقع بصره على تلك المكتبة المكدسة بالكتب القانونية التى تقع فى زاوية الغرفة وتحتل الحائط بكامله
تحرك ناحيتها لعله يجد فيها من يهدىء من توتره فوقف امام الكتب وحدث نفسه غدا نتيجة امتحان القضاء واتمنى ان انجح واصبح قاضيا وقطع حديثه مع نفسه وقع بصره على ورقة مكتوبة بخط ابيه فالمكتبة برمتها من صنعه فهو كان من قبله وكيلاً للنيابة واعتلى فى منصبه ولكنه كان على الع** منه فقد سيق اليه منصب القاضى ولكنه رفضه
قال فى نفسه لماذا لم يوافق ابى على المنصب ؟ ولماذا لم يشرح لى سبب اعتراضه؟
مد يده والتقط الورقة فوجده قد دون بعض البارات عن العدل والقضاء
العدل اسم من اسماء الله الحسنى ولهذا كانت هيبته ليست بالشىء الهين ومعناها لا يدركها الا كل مؤمن ولا يفعل بها من تمتع بالقوة
العدالة هى الضمير الاعم وليست ضمير القاضى الحاكم, اذا رغبت الملوك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة
لم يفهم لما ارتعد من الكلمات ولكنه لم يرد ان يهيبه شىء من الوظيفة او عبارة كان من شانها ان تزيد من توتره فاعاد الورقة الى مكانها ولم يكمل قراءة ما كان مدون فيها ثم مد يده ليلتقط كتاب اخر شد انتباهه عنوانه فقد كان اسمه اخلاق القاضى وما ان فتحه الا وجد فى استهلا المقدمة عبارات اخرى عن العدل فى الاسلام فقرر ان يقرا المقدمة لعلها تشده الى قراءة بقيته يوم العدل على الظالم اشد من يوم الظلم على المظلوم ، كل البشر ينادون بالعدل لكنهم لا يحبون العادلين، كل الفضائل تتلخص فى التعامل بالعدالة
ازداد اضطرابه من قوة الكلمات ولم يستطع ان يغلق الكتاب شغفاً لقراءه البقية ولا هو قادر ان يتجاوز المقدمة فقد كانت فحوى حروفها عميقة وفى النهاية فهو عاجز عن الاكمال بالمرة وما انقذه سوى صوت امه تنادى عليه تخبره بانها قد اعدت له العشاء
شعر ان صوتها جاء نجاه له فترك الكتاب وقد وضعه فى مكانه فهو يعلم اباه فقد نسق تلك المكتبة بعناية ومزاجية فيصعب على المطلع ان يفهم كيف له بهذا الترتيب فهل رتبها بحسب حروفها الابجدية ام بحسب سنة النشر ام بحسب ام بحسب نوعية مواضيعها وفى الحقيقة قد رتبها والده بطريقة تخصه هو لا علاقة لها بالترتيب الطبيعى لاى مكتبه فقد كان مقتنع انها مكتبته الخاصة ووضع فيها كتبه الخاصة التى جلبها لثقافته هو فما دخل العامة فى كريقة ترتيبها فرتبها بحسب الموضعات والموضوعات رتبها بحسب تسلسل قرائته للمواضيع بمعنى لم يهم لا بحروف ابجدية ولا باسماء دور لنشر ولا بسنة النشر بل رتبها بحسب ما رتب افكاره للكتابة فنجده على سبيل المثال انه رتب الكتب التى تشرح معنى العدالة اولا ثم تلك التى تشرح اهم خصائص رجل القانون بصفة عامة سواء كان شرطى او محامى او وكيل للنائب العام او قاضى ثم اتى بعدها الكتب تلك التى تذكر اهم القضاة العرب المشهورين بورعهم وكيف بسطوا العدل فى الارض وقت حكمهم ثم صنف تلك الكتب التى تشرح كيف يعدل القاضى فى حكمه وكيف له ان يتجرد من مشاعر الرافة فى الوقت الذى مجبر ان يكون فيها رحيم
ثم وضع تلك التى تذكراهم القضايا التى صعب على القضاه ممن كانوا قبله اتخاذ راى فى شانه وكيف فصلوا فيها فى نهاية الامر الى اخر ذلك من الموضوعات
هم ان يغادر فوقع بصره على ذات الورقة الاولى فلم يعاود الامساك بها ولكن عيناه وقعت على جميلة فقراها مضطرا
كل الاديان تنادى بالعدالة واول ما جاء به الاسلام العدل فترفق بالعبيد واعطاهم الحرية والمساواه بينهم وبين ملوكهم . كن عادلا قبل ان تكون كريماً فالضروريات تسبق الكماليات
وجد نفسه يبتسم ويردد ما سبق وحفظه عن ابيه وهو يحرك مقبض لباب ليغادر الغرفة متجها لتناول عشاءه " لابد لان يكون القاضى اقوى الناس لان اول استخدامه لقوته يكون بهزيمة شيطانه" " العدالة دون قوة فهى عدالة عاجزة والقوة دون عدالة طغيان وتجبر بينما من يستعمل العدل لا يحتاج الى الشجاعة فيكفيه شجاعة العدالة"
وجد امه قد اعدت له طاولة باكملها مملوءة بكل ما يشتهيه فنظر لها وقال بسخرية على كرم امه له هذه وليمة وليس عشاء خفيف جبن ابيض . فول. طعمية . لحوم مدخنة. بيض. مربى. بطاطس . زيتون. زبادى فلما كل هذا؟
ضحكت امه وقال مفتخرة بنفسها وبسخرية منه : هكذا انا افعل كل يوم ولكنك نسيت بسبب اضطرابك من نتيجة الامتحان غدا ايها القاضى العادل
ابتسم لها وقال فى نفسه لعلها بشرة خير من فمك وقلبك يا امى
اخذ يتناول عشاءه فى **ت وما ان انتهى حتى دلف لغرفته لينام ولكنه تذكر والده فتحرك نحو غرفته فوجده جالسا يسمع الاخبار وفى يده سبحته فجلس جواره وقال دعواتك لى سيادة المستشار المسن
ابتسم له ابيه وربت على كتفه وقال ما دمت طلبت المنصب لاقامة العدل فلا تخاف وان لم يكن لك نصيب فيه فلا تحزن واعلم ان الله خش عليك الف*نه وحماك منها
قولت له كله خير هكذا تعلمت منك
كنت اريد ان اطيل الحديث مع ابى فهو الوحيد الذى بمقدوره ان يزيح عن اى هم او توتر وهو الوحيد الذى طالما لجات اليه فى المعضلات او ربما فى التحقيقات المعقدة علي فاجده يرشدنى الى الحل او ربما الى الدليل ولكن الليلة شرت انه لا يريد ان يطيل معى الحديث ربما لانه لا يحب ان يزيد اضطرابى او ربما لانه اراد ان اريح ذهنى بالنوم بدلا من اكهله بالتفكير فى النتيجة
فى النهاية دعا لى وخرجت وتوجهت نحو فراشى واستسلمت للنوم ولكن للاسف لم يتركنى التوتر حتى فى سبات العميق فجاءتنى الكوابيس تعاندنى فى ثباتى فاخذ عبارات عن القضاء تتواتر على عقلى الباطن واجده يرددها بكل سهوله وكانى مستيقظ وفى قمة نشاطى وصفاء ذهنى " تقول الحكمة الشهيرة فى العدل ان الولاه والقضاه افضلهم هؤلاء من بقى بالعدل ذكرهم "
" ترك لنا امراء العدل والخلفاء الراشدين ما جعلنا نخشى من كلمة العدل ونعلم انها ليست بالكلمة الهينة بل هى السواط التى تجلدنا فى اللحظة الف سوط وسوط فقد قال عمر الفاروق رضى الله عنه ( لا يعجبكم من الرجل طنطنته ولكن من ادى الامانة وكف عن اعراض لناس فهو الرجل )"
استعصيت عليه واستيقظت من نومى وكانى اعصيه بالارق فوجدت اذان الفجر وسمعت فى الخارج دعوات امى لى بالسداد فدب فى النشاط وقومت وتجهزت للصلاة ووجدتنى قد غمر ص*رى ارتياح لا اعرف سببه والاغرب انى بت متقبل النتيجة بعدم القبول وشعرت ان الله ان قدر لى الرفض فهو الخير كله
عدت واستقبلنى فراشى بالترحاب فارتخى جسدى واستسلمت للنوم العميق وهجرنى عقلى الباطن حتى الصباح وكانه شعر انى اصبحت اقوى على مقاومته فقرر الانسحاب واعلان الاستسلام
استيقظت وقد غمرنى نشاط لم اعهده منذ ان دخلت امتحان القضاة والغريب انى عدت لمكتبة والدى برحاية وسحبت الكتاب الى كان يتحدث عن اخلاق القاضى ونظرت فى ساعتى فوجدت انه لازال امامى فرصة على الاقل ساعة لحين المغادرة الى مقر اعلان النتيجة
فتحت الكتاب وبدات اقرا عن عظماء العدالة فى عصورنا التاريخية وبالطبع كان اعظم قاضى محمد ص وقرات عن بعض المواضع التى حكم فيها وكيف اظهر العدل بانصاف ومن بعده الخلفاء وكيف كانوا اشداء وقرات كيف كان هؤلاء العظماء الاقوياء يهربون من تلك الوظيفة فقولت فى نفسى فما بال الضعفاء امثالنا ثم قرات حكمة من فيه اح هؤلاء العظماء قال فيها " العدل ميزان اختلاله يحرقنا قبل ان يحرق من حكملنا لهم او عليهم "
فقولت لنفسى حقا فالعدل اثقل كلمة توضع فى ميزان احد فهو فعل لا يتحمله الا من اهتم واغتم وضاقت دنياه فكيف لانسان يقيم العدل بين الناس وهو اول الناس من يدعوه من بينهم
ثم سالت نفسى كيف يعيش من يتولى مسئولية الحاكم او القاضى ؟ واجبت عليها يظنون انها مهنة مرفهة من يحتلها صار من الاشراف لكنهم لم ينظروا ابدا الا من اضيق ثقوب رؤيتهم
مظرت فى ساعة يدى فوجدت انى التهمت الوقت وربما وصلت بعد الموعد وهذا لم يكن من عادتى ابدا فقومت فى عجالة من امرى واعدت الكتاب وتوجهت نحو المرحاض لآخذ حماماً بارداً منعشا حتى اذهب فى اوج نشاطى
.......................
الان اقف على بوابة القاعة انتظر اعلان النتيجة واتخيل كلا الامرين سواء بالنجاح او الرفض
كنت أؤدب مشاعرى وارتب كيف سابشر والدى ووالدتى بالنتيجة فى كلا الامرين
كنت اتخيل نفسى كيف سازف لهما الخبر بان ابنكما حقق امنيتكما واصبح قاضياً وتارة اخرى ارتب الكلمات التى اهون بها عليهما من وقع رسوبى
كنت اقف مع بقية المتقدمين من زملائى واراقبهم تارة واتناقش معهم تارة اخرى ونشد من ازر بعضنا البعض تاره اخيرة
كنت فيمن ارقبهم هؤلاء اصحاب الوساطة والمحسوبية فكنت اتعجب من هدوء اعصابهم وابتساماتهم التى تملا وجوههم لضمانهم النجاح فى حين كنت ارقب فى ذات الوقت من هم كانوا فى مثل مكانتى لا واسطة معهم ولا هيبة سوى اجتيازهم لامتحانات القبول
قال لى صديقى يونس: انهم منشرحى الصدور بسبب وساطتهم وربما يعرفون النتيجة قبلا ثم نظر لى وقال ان لم تكن معنا نحن الثلاثة واسطة فاسم والدك يسبقك وكانه بمثابة الواسطة فهل هناك من لا يعرف اسمه فكلما مررنا فى قاعة رن سمه
قولت له بصدق: ولكنك اول العارفين بانه لم يتوسط لى ولم يساندنى حتى انى اشعر انه لايريدنى اعتلى هذه الوظيفة رغم انه يبارك لى مقدما ولم يصارحنى بالرفض
خرس بقية حديثنا بخروج المتعهد بذكر اسماء المقبولين وقال لقد علقنا الورقة باسماء المقبولين فى ص*ر قاعة رقم ...
تعجبت من امره فلما لم يعلق الورقة هنا فى مكان انتظارنا وهم من قالوا ان النتيجة ستعلق هنا ولكنى شعرت فيه الصرامة وهو ينطق بالجملة لا اعرف لما شعرت بهذا ولكن هذا ما وصلنى من صوته واستقامة جسده وهو يخبرنا
تعجبت وانا انظر اليه وبدلا من ان يعلق ورقة النتيجة علق بدلا منها ورقة اخرى وكانه حاول بها ان يهدىء من روعنا
كن لصاً او حتى قاطع طريق فذنبك انت تتحمله وحدك ولا تكن ابدا قاضيا فتموت وانت تحمل فوق اكتافك كل من حكمت لهم او عليهم
يخشى القاضى العادل يوم القيامة من اقتصاص من حكم بينهم وهم يشكونه لله فى محكمة عدل الاخرة
قراتها فى عجالة من امر ولم الق لها بالا فكان همى هو قراءة النتيجة
تسابقنا نحن الذين لم يكن لدينا اى واسطة لنقرا الورقة ربما نصف*نا الدنيا ووجدنا اسماءنا من بين المقبولين وكان معى صديقاى هذان اللذان لم يفارقانى يوما منذ المرحلة الاعدادية وكاننا تعاهدنا بان نسلك نفس الطرق حتى يسند كل منا زميليه وها نحن التزمنا بوعودنا ولكن كنت انا وزميلى يونس مضطربين بينما كان موسى وهوثالثنا لا يكف عن الابتسام بل والتنكيت لعله يذهب عنا الهم
بينما نظرنا خلفنا فوجدنا من هم متاكدين من اعتلاءهم المنصب
وما ان اصبحنا عن بعد خطوات قليلة وقد ابصرنا تلك الورقة المدون فيها اسماء المقبولين حتى ثقلت اقدامنا وكأننا صرنا عجزة بينما من كانوا يتاخرون عنا اصحاب الواسطة اصبحوا هم المتقدمين عنا بثقة وكان فى اقدامهم نعال الخيل اثناء القتال
لم نقوى على مزاحمتهم ولكنى قولت لاصدقائى دعونا نبقى فى مؤخرتهم نرقبهم فان وجدنا فرحة على وجوههم رحلنا فى **ت ونعينا نصيبنا وان وجدنا التجهم **اهم علمنا انه العدل بيننا ونتقدم
قال موسى صديقى وهو لا زال يبتسم وهو الوحيد من بيننا الذى لم تضطرب ملامحه لحظة واحدة : اخالفك الراى لاول مرة يا صديقى فان كنا ننتظر النتيجة مثلهما فلما نتاخرعنهم فنحن حتى الان متساوون معهم فى مبدا الانتظار فلما نتنازل عن حقنا لهم؟ فدعنا نتقدم مثلهم ولتكن النتيجة ما تكون ففى النهاية نحن قد عينا فى النيابة وربما يحالفنا لحظ فيما بعد فهذا ليس نهاية المطاف
هنا قال يونس : انا مع راى خالد فلما نزاحمهم والامر كله لن يتعدى لحظات
خالد بضيق: انتبها فهذه اول مرة نختلف فى راى
وما ان انتهيت من جملتى حتى وجدت صديقى موسى يضحك عاليا وقد ازداد اكتساء وجهه بالبشاشة وقال بثقة: ابشرا فقد تم قبولكما
امسكته من عضده وانا اشد عليه واسئله فى لهفة من بشرك بالله عليك يبدو ان بشاشتك هذه لم تكن من فراغ اكنت تعلم النتيجة مسبقاً؟
هنا لم يكف موسى عن القهقه بينما سحب يونس كفى من فوق عضد موسى وقال: اهدا يا خالد فهو مجرد تخمين منه ليس الا فهو فطن واعتقد انه بشرنا بما وجده من ملامح الكدر على وجوه هؤلاء اصحاب الواسطة فانظر اليهم واشار لى بوجهه وبالفعل التفت اليهم فوجدتهم مصدومين و**اهم الهم الذى كان ي**ونا منذ لحظات بينما اعتلت وجوهنا نحن البشاشة وتحررت اقدامنا مرة اخرى وهرولنا نحو الورقة بينما وقف هؤلاء متيبسوا الاقدام وكانننا تبادلنا الادوار بيننا وبينهم
ما ان قرانا اسماءنا حتى قفزت انا من مكانى واخذت اقفز واقفز فى الهواء من شدة فرحتى وكذلك فعلى اخى وصديقى يونس بينما انع** الحال بيننا فقد تجهم وجه صديقى موسى حتى انى ظننت انى قرات اسمه ضمن قائمة المقبولين بالخطا وظننتنى انه من فرط حبى لهما واننا لم نفترق يوما انى قرات اسمه جزافا وهو ليس من ضمن الموجودين
ملامحه حيرتنى وجعلتنى اعود من جديد دون ان احدثه واقرا الاسماء بتمعن وعدت للابتسام وانا اوكزه فى ص*ره واقول له: لقد اشعرتنى بالخيبة فى نظرى ولكن الحمد لله نحن على العهد موفين
ولكن لم يكن لكلماتى ومباركاتى اى تاثير على عبوس وجهه وان كان لها فقد زادته عبوسا
قد اثارت ملامحه فضول يونس مثلى لمعرفة السبب فهل يعقل ان يكون النجاح سبب لعبوس اى شخص؟