غربت الشمس وهدئت الأجواء بالشوارع نسبيا
بينما بهذا المكان
عيادة دكتور ياسين
تجلس فيروز خلف مكتبها وبجوارها وداد مطأطأه رأسها وتفرك أناملها ووجنتها مصطبغه باللون الاحمر من شده البكاء والحرج وهي تقص علي ابنة عمها ما حدث معها يخفيها المكتب لا تظهر سوي جزء من رأسها
لتهمس فيروز بصوت منخفض بعتاب وغضب:
وانتي سبتيه يعمل كل ده !!! ؛ ليه ياوداد
هو انتي رخيصه للدرجادي !! اهلك ربوكي بالرخيص يعني
ولا دفعو دم قلبهم علشان يكبروكي
ليه ياوداد تسمحي لحد اصلا يفكر انه يلمس ايد*كي حتي
- مكنتش فاهمه
اردفت وداد بصوت عالي بعض الشئ وغاضب
لتنظر فيروز بحرج حولها للمرضي المتواجدين بالمكان
ثم الي وداد
لتخفض وداد صوتها وتكمل :
مكنتش فاهمه ولا عارفه يافيروز
كنت زي المشلوله وهو بيحرك كل حته زي م هو عاوز
كنت فاكره ان ده عادي بين اي اتنين مرتبطين
لما كنت بسمع همسات صحابي ف المدرسه والدروس وهما بيتكلمو وبيضحكو بصوت واطي
كنت بحس انهم بيتكلمو عن الحاجات دي
سمعت واحده منهم مره كانت بتحكي ان حبيبها ده كان بيبوسها بردو
انا معملتش حاجه والله ؛ انا بس كنت عاوزه احس نفس الاحساس بتاع صحباتي وهما مرتبطين وبيتكلمو ف الموبايل بالساعات
فيروز :
وانتي مفكرتيش ولو للحظه اذا كان ده صح ولا غلط
مفكرتيش ف اهلك اللي ف البيت ونظره الناس وهما بيبصولهم ويقولو معرفوش يربو بنتهم صايعه وبتدور علي حل شعرها !!
ياحبيبتي الولد ده لو كان بيحبك زي م بتقولي
كان جه لعمي وجدك و قالهم انا بحب وداد وعاوزها ليا قدام ربنا و الناس كلها
مش مستخبيين زي الحراميه
اللي كنتي بتعمليه لو كان صح ؛ يبقي كنتو بتستخبو ليه ! وخايفين من ايه !
اشتدت وداد بالبكاء دافنه وجهها بين كفيها
لتربت فيروز علي كتفها بإشفاق
الي ان صدح صوت جرس لتنهض فيروز بعد ان همست ل وداد :
ثواني ورجعالك اشوف الدكتور
تحركت فيروز لتدلف لغرفة الطبيب تغلق الباب خلفها
ليردف ياسين :
كام حاله بره !
فيروز :
4 حالات يا دكتور وانا كتبت لحضرتك الاجراءات التحفظيه لكل طفل مع الروشته
ياسين :
تمام
اه صحيح ؛ فيروز انتي مهاراتك ف الكمبيوتر كويسه مش كده !!
فيروز بعدم فهم :
ايوه حضرتك
اومئ ياسين بهدوء ليلتقط عدة اوراق من امامه ؛ ليمد يده لفيروز بها وهو يردف :
معلش هتعبك معايا ؛ عاوزك بس تتمميلي شهادة الميلاد دي سكانر مع جواز السفر ده وهتبعتيهم فا** علي ايميل شركه مكتوب ف اخر ورقه
معلش يابنتي
بس قلت ل ابني هخلصهملك النهارده علشان سفره قريب ونسيتهم خالص
فيروز :
لا يادكتور عادي مفيش حاجه
تحت امر حضرتك
ياسين :
اشكرك ياحبيبتي ؛ وريني معلش الكشوفات
مدت فيروز يدها بالاوراق التي معها ليطلع عليها
بينما اخذت فيروز تقلب الاوراق التبي بيدها لتتيع عينها زهولا وفزعا بآن واحد
بينما بذات الوقت
بالخارج
لازالت وداد تجلس علي حالتها الحزينه
تنظر للأرض وتفكر فيما حدث وما سيحدث
لتنتبه لصوت رجولي امامها
مسحت دموعها بسرعه وهي تحمحم كي تعدل من مبره صوتها
رفعت رأسها لتجد شابا يافعا
قريب من عمرها
شديد الوسامه ذو شعر بني داكن
وعيون ذات اهداب كثيفه كحيله كعيون الخيل
ابتسامه جذابه لطيفه علي محياه تظهر اسنانه اللوليه
اومئت وداد برأسها وهي تردف بتلقائيه لهذا الشاب :
نعم !
الشاب مستفسرا :
هو انتي آآآآ....؛ بس مستحيل انتي صغيره ع الشغل هنا
وداد باستغراب :
في حاجه !!
الشاب :
لا لا ابدا متخديش ف بالك
دكتور ياسين موجود
وداد :
ايوه اقعد وهنبقي ندخلك
الشاب باستنكار :
تدخلوني !!
وداد بغضب :
اه في دورك ؛ ولا تكنش فاكر نفسك ابن الدكتور وعلي راسك ريشه وهندخلك قبل الناس دي
الشاب :
يابنتي افهمي انا مقلتش حاجه غير ان الدكتور هن ...
قاطعته وداد :
وبتهيألي قلتلك ايوه جوه ياتترزع يا تطلع بره
نظر الشاب لها بزهول وفاه مفتوح وقد شل لسانه عن الحديث والرد
لتردف وداد بغيظ :
م تيلا يا كوكو متنحش
اردف الشاب محاولا الحديث :
كوكووو !!!
يا آنسة...
في ايه ياوداد !!
قاطعتهم فيروز عند خروجها
التف لها الشاب
لتننفض فيروز وتتراجع للخلف واخذت الرجفه تجتاز جسدها وهي تنظر له بفزع وتهمس بين شفتيها :
عاابد !!
*************
منذ اعوام كثيره
بمنتصف النهار
يجلس بحديقه منزله يطلع علي اخبار اليوم بهدوءه المعتاد وهو يحتسي كوب الشاي الخاص به
وامامه عدة اطباق موضوع عليهم بعض الاطعمه والساندوتشات
انتبه لصوت قادم من بعيد يهتف بأسمه ليجد صغيرته ومعشوقته
تركض تجاهه كطفله صغيره سعيد برؤية والدها والعوده لأحضانه ترتدي فستان سماوي اللون
ضيق من الخصر بحمالات عريضه ويثل طوله الي ركبتها
وشعرها المسدل علي ظهرها واضعه شريط احمر اللون أشبه برباط الشعرعلي مقدمه شعرها
تتقدم ركضا تجاهه وهي تهتف بأسمه :
عااااابد
عاااااااابد انا نجججحت
نهض عابد عن كرسيه وهو ينظر لها بحب وابتسامه جذابة
بسط ذراعبه بحب لها
لتزيد من سرعه ركضها الي ان ارتمت بأحضانه من شده الركض وهي لتهث بشده
شرع الاثنان بالضحك علي طفوليتها
دافنه وجهها بص*ره بحرج
الي ان اعتدلت وخرجت من احضانه تلهث بشده من الركض والسعاده العارمه التي تشعر بها
ليرد عابد بمرح :
مش عيب علي سنك يا فاره ياصغيره تجري ولا الاطفال كده
ثريا وهي تلهث وتضحك كالاطفال :
عيب ايه بس ياعابد
انا نجحت بامتياز ورتبت التانيه علي الدفعه كلها
ابتسم عابد وقبل جبينها بحب واردف :
وانا كنت واثق ف اختياري من الاول ان عمره م هيخذلني وهيفضل رافع راسي دايما
ثريا بلهفه وسعاده ولا زال ص*رها يعلو ويهبط من الركض :
بجدد يا عابد مبسوط !!
عابد :
في حد يشوف الابتسامه الجميله دي وميبقاش مبسوط
يسطت ذريا ذراعيها لتقف علي اطراف اصابعها تتعلق بعنق عابد محتضنه اياه وتردف
انا بحبك قوي ياعابد
عابد :
طب يلا نقعد نتغدي علشان مدام عبد الديدموني
استأذنت تخرج للجامعه وهي ملهوفه ومأكلتش
لوت ثريا فمها بطفوليه
ليبتسم عابد جاذبا يدها لتجلس معه تأكل بشراهه
دقائق حتي انتهي الاثنان من تناول الطعام
ليردف لها عابد :
عاوزك دلوقتي تطلعي تجهزيلنا شنطتين سفر بكل مستلزماتهم
يكفونا اسبوعين تلاته
ثريا بزهول :
شهرين تلاته!!
ليه ياعابد !
عابد :
مش كان نفسك تروحي اسكندريه ؟
انتفضت ثريا بصدمه وهي وتردف بعيون متسعه :
هتوديني اسكندرررييييه؟!!!
ضحك عابد علي حالتها اللطيفه المضحكه
ليومئ برأسه بلطف
ثوان حتي وجدي تركض لداخل المنزل
ليضرب كف بكف وهو يطالع اثرها ويضحك بحب ويهمس :
انت اللي جبته لنفسك يابن الديدموني
بس بحبها
-
-
-
بعد مرور ربع ساعه
صعد عابد لغرفته ليدلف فيجد
ثلاثة حقائب مليئه بالملابس غير مغلقه
ثم نظر لخزانة الملابس ليصدم بكونها فارغه
استمع لصوت فتح باب
التف ليجدها تخرج من المرحاض ترتدي منامه بيتيه بحمالات عريضه
تصل لما فوق ركبتيها بعض الشي
وتجفف شعرها المبتل وتتساقط قطرات المياه منه
ابتلع ريقه واخذ يحمحم ليعدل من نبره صوته الراجفه
ما ان راي محبوبته
ما انت انتبهت له لتردف بلهفه وتعجل :
كويس انك طلعت يلا بسرعه اقفل الشنط دي وخد دش
وانا جهزتلك لبسك اللي هنسافر بيه
وهنزل اعمل شويه سندوتشات كتير علشان ناخدهم معانا
وهنبقي نعدي علي اي مكان نشتري منه شويه مسليات وكده
عابد بصدمه :
مسليات !!
ثريا وهي تتحرك بعجله
وعابد مكانه ينظر بزهول محاولا كتم ضحكاته
ليزفر بقله حيله ويتحرك تجاهها ويردف وهو يمسكها من كتفيها :
لتصبح في مواجهته :
هو مين قال اننا هنسافر دلوقتي !
ثريا بتلقائيه :
انت
نظر لها رافعا حاجبيه
لينفي برأسه بقلة حيله
لفها لتصبح ظهرها مقابلا له
دفعها برفق وخفه
لتتقدم جاعلا ايها تجلس علي كرسي صغير امام المرآه
انحني يلتقط فرشاة الشعر
ليضعها علي شعرها بلطف ، واخذ بتمشيطه بحنيه وهو يردف :
لسه قدامنها يومين
اخلص الشغل اللي ورايا ف المستشفي
واتمم علي عملياتي، والمرضي وبعدها
اخدك ونطلع عليها علي طول
واحنا
مرتبين
ومنظمين
مش نكش الفراخ اللي قدامي ده
طأطأت ثريا رأسها بحزن وتردف بنبره طفوليه :
طيب
اعملي شعري زعرورتين
تجمد عابد مكانه
فقط يرمش بأهدابه بصدمه وقد اوشك علي البكاء مما يراه الان
شهقت ثريا بفزع
حين وجدت نفسها معلقه بالهواء محموله بين ذراعي عابد وهو ينظر لها مضيقا عيونه لتردف ثريا بتلعثم :
فف.ففي ايه
اردف عابد بببراءه :
هعملك زعرورتين
انهي كلماته بغمزه من عينه
لتضرب ثريا ص*ره بقبضه يدها الصغيره
دافنه وجهها حرجا في ص*ره
ليبتسم هو مقبلا جبينها بحب
back
فاقت من ذكرياتها علي شعورها بوخزه بذراعها لم تبالي لها
فقد كانت الابره التي تغرز بجسدها يوميا
انتهت الممرضه لتنهض تاركه هذه العجوز غارقه بذكرياتها مع حبيب قلبها
*********************
حل المساء
وانتهي دوام العمل
وها هي فيروز تعود لبيتها ومعا وداد المتشبثه بها
تقدم خطوه وتأخر عشره
جسدها يرجف حزنا وقهرا
لا تريد العوده لمنزلها
توقفت حين توقفت فيروز
لتنظر لها وداد وتردف ببكاء :
فييروز والنبي مش عاوزه ارجع البيت بالله عليكي يا شيخه
نظرت لها فيوز ثم للبيت الذي بخلفها
لتردف فيروز :
وداد حبيبتي ان شاء الله مش هيحصل حاجه وكل ده عمي بيهوشك بس
وداد بضيق :
من امتي بابا بيهوش يا فيروز
انتي ناسيه ،ناسيه لما غريب كان عاوز يخطب بنت عم مصباح اللي ساكنين ف الدور الرابع عندنا عمل ايه
هدده ان لو مبعدش بنته هيمشيه من البلد دي كلها
وحصل والراجل مشي نهائي
فيروز :
ايوه يا وداد بس انتي كنتي عارفه سمعة البنت دي مش كويسه
غير كده كانت اكبر من غريب ب 4 سنين
وداد :
انا مليش دععوه
انا مش هتجوز الزفت ده
ابوس ايد*كي يافيروز
فيروز بارتباك كأنها لمحت شئ خلف وداد فاردفت لها :
طيب وداد روحي انتي دلوقتي
وانا ثواني وهرجع البيت
وداد باستفهام وضيق :
هتروحي فين دلوقتي
انا مش هروح لوحدي
فيروز :
لوحددك ايه يا وداد البيت اهه
هروح بس اشتري حاجه من الصيدليه نسيت اشتريها
وهرجع علي طول يلا بقي
دفعتها فيروز بخفه
لتلوح وداد بضيق وتتركها مغادره للمنزل
وما ان دلفت وداد حتي نظرت فيروز لهذا البيت المهجور
وهي تبتلع ريقها بخوف
تحركت بسرعه لتدلف من البوابه الحديديه
ثم دلفت لداخل المنزل حيث الظلام
والسكون فقط
ثوان حتي شهقت فيروز بفزع
وهي تري قبالتها عابد ينظر لها بضيق
والانوار مضيئه من حولها
والمنزل بحالته المنظمه والمرتبه كالعاده عند وجود عابد
ابتلعت فيروز ريقها بصعوبه وهي تردف بغضب واضعه يدها علي ص*رها من شده الخوف :
ممكن متظهرش كده مره تانيه
اردف عابد :
وهو انا هتتحايل عليكي علشان تيجي فالمعاد كل مره يعني !
فيروز بضيق :
اعملك ايه انا لسه راجعه من الشغل
عابد بقلة صبر ولهفه :
لقيتيها !!
فيروز :
استاذ عابد حضرتك كنت مجنون قبل م تموت ؟
عابد بعد فهم :
ليه !
فيروز وهي تضرب الارض بقدمها من الغيظ :
يللللهووووي
يا استاذ هلاقيها ازاااااي
انت مواليد سنه كام
عابد ببراءه:
1902
فيروز:
وميت وانت عندك كام سنه !
عابد :35
فيروز بتنهيده:
ولما حسبناها كان بقالك قد ايه محبوس هنا !!!
عابد :
83
فيروز :
حلو
يعني ميت بقالك 83 سنه
والمفروض لو انت عايش دلوقتي
هيبقي عندك
118 سنه
عااااوزني ادور علي وااااحده عندها فوق ال 100 سنه
دي زمانها ماتت وشبعت مووووووت
عابد بجمود :
ثريا عايشه
عقدت فيروز جبينها باستفهام :
عايشه !!
التف عابد بحزن ليقف امام صورة زوجته وهي يتأملها :
عايشه وبسمعها بتناديني كل يوم
عايشه ف قلبي و عقلي قبل م تكون عايشه ف دنيتكم
التف عابد لفيروز وهو يردف بترجي وعيون مترقرقه لامعه :
دوري عليها ارجوكي ، حبيبتي وبنتي عايشه وسطكم ف الدنيا دي
عشت حياتي من صغري وحيد لعند م لمحتها راجعه بيتها ف يوم كانت زي الفراشه وضحكتها كانت بترن ف وداني
كنت عاوز اخبيها عن الدنيا دي كلها
محدش يلمح طيفها حتي
كنت ليها الاب والاخ والصديق والزوج
مفرقتنيش لحظه
كانت دايما بتقولي عابد انا مش عاوزه اخاف علشان هتحبهم اكتر مني
وعدتها اننا مش هنمشي من الدنيا غير وايديها ف ايديا
انا محبتش قدها ولا عاوز غيرها
فورتونا انتي طلبتي وقلتي بلاش تراقبني
وانا وفيت بوعدي
ارجوكي اوفي بوعدك ورجعهالي
نظرت له فيروز باشفاق
لتمسح الدمعه الهاربه من عينها لمدي الخب والتعلق الذي تستمع اليه الان
وهي تومئ برأسها وعزمت امرها علي مساعدته
*******