تلألأت الدموع بعينى يحيى هذا الجبل الصخرى المسمى جسده تظهر ينابيع دموعه فقط لذكراها .أو يفقد التحكم بها حين تتحكم ذكرياتها بها وبه .
كيف كانت الحياة كانا عاشقين ينهلان من نهر السعادة الابدى بلا توقف !!
لم يشعرا بالفتور يرواغ حبهما طيلة أشهر .
مرت ايام وشهور وهو لم يفق من
***ة حبه العارمة لم يكن يفكر فى اى سبيل اخر للحياة الا من خلال ذراعيها حيث يرتوى من فيض عشقه لها لتبدأ الحياة وتنتهى بين ذراعيها .
أما ريهام فكانت تتطلع لأمر آخر تحلم به وتنتظره يوما بعد يوم ، لكن طال انتظارها لأشهر تتابعت ...
قبل الذكرى السنوية الأولى لزواجهما
كان يحيى عائدا من المشفى يشعر بالانهاك الشديد فخلع الجاكيت وألقاه على الفراش وهو يلقى بجسده فى إرهاق شديد،خرجت ريهام من الحمام ترتدى روب الاستحمام لتشعر بالراحة لعودته المبكرة فقد عزمت على مصارحته بكل ما أخفته عنه سابقا .
ابتسمت فور رؤيته : جيت امته يا يحيى !! كلمتك وانا نازلة من المركز قالوا لى إنك فى العمليات
رفع يحيى الجزء العلوى من جسده متكئا على مرفقيه ونظر لها بصحوة وكأن ما به من تعب زال لمجرد سماع صوتها: أيوه حبيبتي كانت عملية صعبة وطويلة سرطان قولون ست ساعات فى العمليات.
ريهام بود: معلش حبيبي حمدالله على سلامتك بس كويس انك جيت قبل ما انام عاوزة اتكلم معاك فى موضوع
تبدلت نظرة عينيه فزادت خبثا واتسعت ابتسامته وهو يقول: موضوع واحد انا عاوزك فى مواضيع انا بقى لى تلت ايام مش عارف اتلم عليكى
نهض عن الفراش متجها إليها وهو يخلع حذاءه ويفك ازرار قميصه متسائلا بشوق: اقول انا الاول ولا تقولى انتى !
عادت خطوة للخلف وهى تنظر له رافضة ما يرمي إليه فترفع اصبعها فى وجهه محذرة : يحيى انا بتكلم جد
تن*د وهو يزداد قربا: وانا كمان بتكلم جد
شد على خصرها فتأففت بغضب وهى تدفعه للخلف : يحيى من فضلك اسمعنى بقى
تعجب من أمرها ليبتعد برفق مستدعيا صبره ، لا بأس من تحملها قليلا تبدو مؤخرا بحالة مضطربة
عاد لطرف الفراش قائلا: مالك يا ريهام !! بقى لك فترة متغيرة وانا بقول ضغط شغل بس واضح أن فى حاجة تانية
تن*دت بألم لم يخفي عليه وهى تقول: يا يحيى فى موضوع مهم لازم نتكلم فيه وانت مش مدينة فرصة اتكلم خالص
نظر لها يحيى بحب: اتكلمى يا قلب يحيى سامعك
جلست بجواره وامسكت كفيه لتضغط عليهما برفق فيصل إليه مدى التوتر الذى تواجهه لتخرج مكنون قلبها رفع إبهاميه محتضنا كفيها بدفء لترفع عينيها شاكرة له تلك اللمحة الداعمة التى تحتاج ثم قالت: يحيى انت عارف انا بحبك قد ايه بس بقى لى كام شهر عاوزة افاتحك فى الموضوع ده ومترددة
رفع كفها الرقيق يقبل باطنه برقة متسائلا: ليه يا حبيبتي من أمته بنخبى حاجة عن بعض اتكلمى يا ريهام
نظرت للأرض وقالت بألم: انت عارف إن بقى لنا سنة متجوزين وانا شايفة اننا اتأخرنا شوية فى الحمل
اتسعت عينا يحيى واتسعت ابتسامته معبرة عن شعوره بالراحة لقد ظن الأمر معقدا للغاية نظرا لجم التوتر الذى يراه ثم علت ضحكته وهو يقول: خضتينى حرام عليكى هو ده الموضوع اللى عاوزانى فيه يا حبيبتي أنا شايف اننا ما اتأخرناش ولا حاجة لسه بدري
هى حين قررت مصارحته قررت أيضا عدم التراجع حتى ينهيا سويا هذا الأمر كما ينبغى .
رفعت عينيها بإصرار : لا اتأخرنا يا يحيى وده تخصصى وانا عارفة انا بقول ايه
تن*د يحيى مستسلما لطبيعتها الأنثوية التى تهفو للأمومة ثم زاد قربا منها هامسا بعشق خالص: طب تحبى اعمل ايه؟
فجاءه منها ردا صادما : لازم تعمل فحوصات
ارتد للخلف من أثر صدمته تلك ليقول بعدم ارتياح : فحوصات !!! ليه يعني يا ريهام دا كل الحكايه سنة !!
اقتربت برأسها من ص*ره وأصابعها تتشبث بأطراف قميصه المفتوح: يا حبيبي حس بيا انا بتعذب كل ما تيجى لى حالة حامل بعد شهر وشهرين جواز بحزن على نفسى يا يحيى انا بقى لى اربع شهور بعمل متابعة تبويض وأحسب كويس مفيش فايدة انا عملت كل الفحوصات مش لاقية اى مانع .
انقبض قلبه لما أفصحت عنه ، هو يتمنى اليوم الذى تحمل بين أحشائها جزءا منه ومنها ..يبدو أنه انغمس فى عشقها حتى أذنيه ليهمل ألمها ذا لأشهر دون أن يلتفت إليه أو يشعر به .
ضمها لص*ره وهو يربت على شعرها المندى فقالت: يا حبيبي انا نفسي في طفل يكمل سعادتنا يكون حته منى ومنك بتكون مخلوق تالت مش ده كلامك يا يحيى !!
حين قال هذه الكلمات كان في قمة سعادته وحين أعادتها هى كل مسحوقا تحت راية الألم ، لكن ليس أمامه إلا اتباع ما تريد فهذا حقها عليه وعليه أن يسعى لتحقيق هذا الحلم الذى لم يكن يشعر بمدى أهميته لها .
تن*د بصبر وهو يقول: خلاص يا قلبى هأعمل اللى انتى عاوزاة بس متزعليش نفسك
عاد يحيى من بحر ذكرياته منهك القوى فنهض يلملم شتات أمره عائدا لمقر عمله فهو يحب دائما أن يتوقف عند هذا اليوم لا يريد المضى قدما فهو لا يريد تذكر الالم يكفيه أنه يعيشه .
فى الصباح التالى كان سائرا بأحد ممرات المشفى حين جاءه صوت انثوى: دكتور يحيى ،يا دكتور يحيى
توقف وإلتفت بإتجاه الصوت بهدوئه الظاهرى المعهود فوجد إحدى الممرضات تتوجه إليه بدلال زائد فقال بحزم: خير يا آنسة فى حاجة ؟؟
زادت الفتاة منه قربا ولم تتخل عن الدلال قائلة: فى ولد فى الاستقبال متعور والجرح عاوز خياطة ودكتور الاطفال قالى انادى حضرتك
عاد يحيى خطوة للخلف وهو يومئ بتفهم : طيب اتفضلى وانا هكون فى العيادة فى خلال دقيقتين
تعمدت الإقتراب مرة أخرى تستنشق رائحة عطره الخلاب وهي تقول: ما تتأخرش يا دكتور
عاد خطوة للخلف مجددا قائلا بصرامة شديدة: اتفضلى يا آنسة على شغلك
عادت ادراجها وهى تحدث نفسها عن قسوة هذا الطبيب الجراح ذو القلب المتحجر رغم جماله الذكورى الذى يذيب قلوب النساء إلا أن جميع العاملات بالمشفى حتى الأن يجهلن كيف يحصن نفسه من سهامهن التى لم تخطئ مسبقا .
********
فى خلال دقيقتين كان يحيى يدلف للعيادة ناظرا الى ذلك الطفل الذى لا يتعدى عمره الست سنوات .
اقترب بهدوء وهو يرتدى قفازه العازل ليحاوره بحنان : فى ايه يا بطل !! كل العياط ده علشان التعويرة الصغيرة دى،خلينى اشوف كدة !!
كان الصغير يرتعد ألما وزاد ارتعاده خوفا من هذا الطبيب الضخم فأغمض عينيه بشدة بينما مد يحيى كفيه يفحص جرحه ثم نظر إلى المرأة الواقفة بقلق بالغ متسائلا بهدوء تعجبت له الممرضة : حضرتك والدته؟؟
لتجيبه الأم بقلق: أيوة يا دكتور بالله عليك الجرح في وشه هيسيب اثر ؟؟
هز رأسه نفيا: لا ما تقلقيش مش هيسيب اى أثر
لتقول الأم بعفوية: ربنا يكرمك يا دكتور ويفرحك بعيالك
اخترقت الجملة أذنيه كالبارودة فأصابت قلبه على الفور .. لكنها مجرد أم مذعورة فتنحنح فى محاولة يائسة لاخفاء الالم من صوته : متكشر يلا يا بطل انت راجل والرجالة بتستحمل انا هرش بنج واخيط علطول علشان التعويرة الصغيرة دى تختفى خالص
انتفض الصغير واقفا على سرير الكشف وهو يصيح: خلاص يا ماما ،حرمت والله مش هأحدف طوب مع العيال تانى بس روحينى
احترم يحيى هلع الصغير ليبتسم بحنان وهو يشير للأم بعدم التدخل فعليه التعامل مع الفتى وهو يحدثه بحنان: يعنى انت مش عاوز الشيكولاتة دى ؟؟
ومد يده فى جيبه وأخرج قالبا من الشيكولاتة فنظر الصغير ليده بلهفة طفولية أسرت قلبه ليتابع بود: انا ممكن لو سمعت الكلام يعنى .. اد*ك دى تتسلى فيها واحنا بنخيط وأدى لك واحدة تانية لو طلعت راجل وبطلت عياط
جلس الصغير مرة أخرى قائلا ببراءة مزقت قلب يحيى : ماشى بس كلام رجالة !!
ارتفعت ضحكة يحيى ترفرف ألما كطير ذبح للتو بسكين بارد وهو يقول: كلام رجالة
وبالفعل منحه الحلوى بمحبة ففتحها وشرع في تناولها بنهم وفرحة بينما نظر يحيى للممرضة وقد استعاد شخصيته التى يكرهنها قائلا بحزم: يلا يا آنسة
وتوجه للأم بهدوء: لو حضرتك خايفة استنى برة
اعلنت الأم عن رفضها المغادرة وهى تجلس خلف صغيرها تضمه لص*رها مغمضة الأعين ليفهم يحيى ويبدأ في عمله دون تردد أو تأجيل
انتهى يحيى من الجرح فى دقائق معدودة وامسك بذقن الصغير بعد أن لف رأسه بالشاش الطبى وقال: شفت بقى انا خلصت قبلك
ابتسم الصغير قائلا بصدق : انت حلو يا دكتور ومش بتوجع لما اتعور تانى هاجى عندك
ابتسم يحيى لبراءة الصغير : لا ما هو انت شاطر بقى ومش هتتعور تانى
ومد يده بجيبه ليخرج قالبا آخر من الشيكولاتة ويقول: وادى باقى الاتفاق يا بطل كدة نبقى خالصين !!!
فجاء رد فعل الصغير الذى هوى بيحيى إلى الجحيم حين ألقى الطفل بنفسه بين ذراعيه قائلا ببراءة قاتلة : انت حلو وهتروح الجنة علشان مكدبتش عليا
تمنى يحيى فقط تمنى للحظة واحدة أن يطبق عليه ذراعيه فيشعر بدفء ضمته ويستنشق رائحة براءته لكن الأمر لم يتعدى حد التمنى فقد أسرعت الأم تنتزعه من بين ذراعيه وتقول بأسف :حاسب يابنى وسخت هدوم الدكتور
ونظرت ليحيى بأسف: معلش يا دكتور آسفة والله عيل قليل الأدب
نظر يحيى لملابسه التى تخضبت بدماء الصغير وهو يحاول إخراج بعض الكلمات من بئر ضياعه الذى ألقاه فيه هذا الصغير دون وعى منه فقال: معلش يا ست محصلش حاجه الف سلامة عليه
وانطلق من فوره مغادرا الغرفة يطوى الأرض بقدميه فى خطوات واسعة يرجو أن يصل لغرفته قبل أن يهوى أرضا وقد اختنق قلبه وتلاحقت أنفاسه اقتحم الغرفة بعنف واغلق الباب مستندا إليه يخشى السقوط.
فقد السيطرة على ذكرياته وقد اصرت هذه الذكرى على الظهور لتعود به إلى يوما من اسوأ أيامه على الإطلاق اليوم الذى ظهرت به نتائج فحوصاته الطبية والتى جاءت صادمة فيحيى عاجز عن الإنجاب ولا أمل له فى العلاج .