الفصل الثاني

4958 Words
وقفت سيارة مؤمن أمام أحد فنادق العا**ة فهو لم يجد حجزا في الفندق الذي نزل به مأمون والشباب، ترجل من سيارته وملامحه المرهقة يملؤها الحزن، استدار حول السيارة وفتح الباب لفتون وهو يقول "مؤكد سنجد هنا غرفة لنستريح بها" ترجلت فتون من السيارة وقالت "لا مانع لدي أن أبقى في السيارة حتى موعد العزاء، فقط لا تعبس إلى هذه الدرجة" رد عليها وهو يخرج هاتفه "أنا غاضب لأنني سأضطر أن أتركك لساعة أو أكثر" نظرت له بذهول وقالت "تتركني هنا بمفردي! لا، سأذهب معك" رد عليها وقد ملأ الإرهاق صوته "فتون، أنا مضطر للذهاب إلى المطار ولن أتأخر، أنت متعبة من السفر ومن الإرهاق النفسي الذي تعرضنا له لذلك أرجوك لا تجادليني وابقي هنا وارتاحي قليلا ريثما أعود" قالت له برجاء "مؤمن، لماذا ستذهب إلى المطار الآن؟ ابقَ معي وفي الليل يمكننا الذهاب إلى المطار ومنه إلى دار العزاء مباشرة" سحبها من يدها تجاه بوابة الفندق وهو يقول "أنتِ لن تتحركي من هنا، بل ستستريحين في الغرفة وتأكلين شيئا ما وتنتظرين عودتي ...لتحتويني" لم تستطع أن تجادله أكثر وقد خارت قواها حين تكلم بهذا الاحتياج فذكرها بنفسها وكيف كان الاحتياج داءها الأصعب ولكن قبل أن تعرفه..... بعد مرور ساعة كانت كالمجنونة لا تتوقف عن مهاتفة مؤمن رغم أنه في كل مرة تصلها رسالة صوتية تؤكد لها أن هاتفه مغلق أو غير متاح، كانت تنظر من نافذة الغرفة المطلة على الشارع لعلها تراه عائدا وعقلها يدور في دوائر من القلق والتوتر، وبرغم أنها استحمت وغيرت ملابسها لم تستطع أن تتناول الطعام الذي طلبه مؤمن لها أو تغفو قليلا وهي لا تعلم عنه شيئا، لتكون الطامة الكبرى حين حاولت مهاتفته فوجدت هاتفه مغلقا، أصبحت أفكارها تتقاذفها بشكل وحشي، ابتعدت عن النافذة وقد بلغ قلقها أقصاه وبدأ جسدها يرتجف بقوة من شدة التوتر والإرهاق وفجأة قاطع حربها طرق هادئ على الباب، فأسرعت نحو الباب تفتحه وهي تقول "سقط قلبي مني يا مؤمن، لماذا تغلق هاتفك؟" نظر لها الواقف أمامها رغم أنه جاهد ليتحكم في عينيه اللتين نظرتا لها بشوق جارف وحنين سنوات فاض فيها كيل مشاعره من بُعدها، كأن قلبه تورط مع امرأة كالنار لا ينال سوى حرقتها فقد وهبت دفئها لآخر، أخذ لحظات ليستجمع شتات عقله ويقول "كيف حالك يا …..ف*نه؟" وقفت أمامه فتون كتمثال من شمع من الخارج متصلب ولكن الداخل يذوب رويدا رويدا، لا تصدق أنها بعد هذه السنوات تقف أمامه وجها لوجه وفي أغرب مكان قد يجمعهما يوما، قالت بجمود "أنا بخير والحمد لله، إذا كنت تريد مؤمن فهو غير موجود وكان بإمكانك أن تسأل في الاستقبال عنه لأن وجودك هنا غير مستحب" شعر جاسم أنه كهدفٍ يُصوّبُ إليه سهامها ولكنه أضعف من أن يجاهد جنونَ اللحظة، جنوناً قاده لغرفة امرأة متزوجة، فقال بهدوء "أريد رؤيتك أنت لذلك أتيت" كانت كلمته كصفعة على وجهها جعلتها تقول بغضب "جاسم، ماذا تقول؟ لا يوجد بيني وبينك شيء يجعلك تقف أمامي وتتحدث بهذه الثقة لذلك من فضلك ..ارحل" تقدم نحوها خطوة واحدة وقال "لقد رحلت منذ سنوات حين طلبت مني الرحيل، شاهدتك من بعيد تتزوجين وتكملين حياتك وتتقدمين فيها وأنا واقف كما التمثال أراقبك وأتحسر، ولكنني لم أعلم يوما لماذا فعلت بي هذا، ماذا وجدتِ به لتحاربين قربي بكل تعنت وتتزوجين منه متناسية أن هناك قلبا يحترق لأجلك فعبرتِ فوقه بكل برود وأكملتِ حياتك" نظرت بالممر يمنة ويسرة تتأكد من عدم وجود أحد ثم قالت له "لم يكن عليك إيقاف حياتك، أنا وأنت لم نكن لنجتمع أبدا، المشاعر بداخلك كان بإمكانك أن تئدها وتبدأ حياة جديدة مع فتاة أخرى لكنك ع**د صلب وقاسي جدا" صرخ بها بقهر قائلا "وهل أمر قلبي بيدي لأتحكم به؟ وهل الأمر بتلك السهولة؟ من منا القاسي بربك؟ أنا أم أنت؟ لقد حاولت أن أصل إليك بكل الطرق وأنت جاهدت للبعد بكل الطرق، لا تتهميني بالعناد والقسوة لأنها صفات لا تليق سوى بك" دفعته بص*ره فارتد للخلف وصرخت به "ما سبب وجودك هنا؟ أعطني سببا واحدا يدفعك لطرق باب غرفة امرأة متزوجة رفضتك منذ سنين، هل جئت لتفتح دفاتر الماضي؟ أم هناك خبث لعين سكن عقلك فأخبرك أنك تستطيع التفريق بيني وبين زوجي؟" توحشت عيناه وهو يقول بغضب "أتريدين أن تعرفي سبب وجودي هنا؟ لقد جئت لأسألك، لماذا لا أستطيع أن أمضي قدما بحياتي مثلك؟ أن أعشق فتاة أخرى وأعيش؟ أردت أن أعرف أين كان الخطأ في الماضي؟ ولماذا قلبي الأ**ق مازال مخلصا لك لحد أرهق كياني؟" قالت له بتحذير "ارحل من هنا حالا، ولا تفكر مجددا أن تقترب مني فما حدث في الماضي لم يكن سوى علاقة لم أجد بها ما أحتاجه لذلك سعيت بكل جهدي لإنهائها، الحب وحده لا يكفي أبدا فهناك الكثير من الأشياء التي كنت أحتاجها وآخرها الحب، أشياء أقوى وأعمق وجدتها في زوجي الذي أعطاني كل شيء حتى الحب بلا شرط أو مقابل، وأنا بخلت عليه بكل ما يستحقه فهو يستحق من هي أفضل مني، يستحق امرأة لا تخشى أن تقول له كل يوم ……." **تت للحظة وقد غافلتها الدموع ثم أكملت "أنا أعشقك حد الجنون ولا أتخيل نهاري بدون عينيك فهما شمسي الخاصة، ولا أتخيل ليلي بدون ابتسامتك الدافئة فهي قمري المنير، اذهب يا جاسم وابحث عن امرأة تكملك وتكملها، اذهب وجِد راحةَ قلبك بعيدا عني، لأنني وجدت ما أريده منذ سنوات طويلة ولن أبتعد عنه مهما حدث" وقف جاسم أمامها مهزوما….....م**ورا للمرة التي لا يعرف عددها، وقف يشاهد كيف تتكلم عن مؤمن بكل حب ومطارق غليظة تض*ب قلبه وروحه، نظر لها جيدا كأنه يودعها ثم تحرك مارا من أمامها فوصله صوتها وهي تقول "انتظر" التفت لها فوجدها تدخل الغرفة للحظات ثم تعود حاملة بيدها ورقة مالية لتقول له "دعنا ننهي الحساب كاملا، تفضل" نظر ليدها ثم سألها "ما هذا؟" قالت له بصوت قاطع رغم أنها ليست متأكدة مما تفعل "ثمن دمية وجدتها بجيبي منذ عدة سنوات، لقد أخذتها وهذا ثمنها فأنا لا أقبل أن تهديني شيئا" كانت كل كلمة تنفلت من فمها مأساة جديدة تحل فوق رأسه، مد يده يسحب المال من يدها وقال بسخرية "ولكن هذا كثير، لقد اشتريتها منذ سنوات بنصف هذا الثمن" قالت له "لكننا نصفي حسابنا اليوم، لذلك سآخذها منك بسعر اليوم، أتمنى أن تجد سعادتك قريبا" أنهت كلامها ثم انسحبت إلى الغرفة وأغلقت الباب بسرعة وانزلقت وراءه ببطء تبكي بشدة على قرار تأخرت كثيرا في اتخاذه، قرار لو كانت أخذته منذ سنوات لكانت حياتها مختلفة، قرار لحكاية لازمتها لسنوات طويلة ولكن دوما عند نقطة النهاية يأتي البكاء بدون إرادة منا ……. أما جاسم فسار في الممر نحو المصعد ببدلته العسكرية المهيبة يتمسك بالورقة النقدية بيده وبداخله شعور بالهوان كأنه ما نال من الحب إلا التقليل منه ومن شأنه، أطبق قبضته بشدة يتحامل على ألم قلبه ووجع روحه وجرح كرامته وقد أقسم بداخله ألا ينحني لأنثى مرة أخرى مهما حدث، ألا يدع المشاعر تتدخل في حياته ثانية وألا يعيش القهر أو الان**ار مجددا، دخل المصعد ورفع هاتفه ليهاتف صديقه عمير قائلا بصوت قُدَّ من حجر "أخبر شيخ قبيلة الكواسر أنني قبلت بجيرتكم ونسبكم وليكن الزفاف بعد أيام" أما المتابع لكل ما يحدث منذ البداية فقد تقدم نحو الغرفة فوصله صوتها الباكي الذي سمّره بالأرض للحظات ثم طرق الباب بقوة أفزعتها لتقفز من مكانها تفتح الباب وتقف أمامه كطفلة مذنبة لا تعلم كيف ستحاسب على خطئها ….. منذ سنين وهناك خوف يراودني أنك مأزقي ….. أنك لعنتي و متلفي، أنك من سي**ر بداخلي روح العنقاء، من سي**ر قارورتي الكريستالية التي ملأتُها بقطرات حبك ومن سيستعمر روحي ويحتل قلبي…….. كانت أمور الشركة تسير على قدم وساق في غياب الشباب والعمل يسير على أفضل وتيرة فنساء العزايزة لبؤات لا تخيفهن ميادين العمل أو الحب، دخلت سمراء مكتب أسمهان المنكبة على أوراق مهمة تراجعها بدقة وهي تقول بغضب "هل رأيت هذا الطلب؟" رفعت أسمهان رأسها تنظر لسمراء باستغراب وتسألها "أي طلب؟ فأنا أجلس أمام هذه الملفات منذ الصباح ولم أرَ سواها" ردت عليها سمراء وهي تجلس على أحد المقاعد المقابلة للمكتب "طلب من الشركة الفرنسية بإقامة حفل مشترك للاحتفال بالذكرى الخامسة للتعاون بيننا معللين أن هذا الاحتفال سيكون أكبر ترويج دعائي للمشروع الجديد" قالت لها أسمهان بهدوء "مؤكد هذه أفكار الأ**ق فيلوباتير، ألا يعلم ذلك اللعين أن هذه الذكرى السنوية لا تذكرنا سوى بنكبتنا؟ أرسلي له اعتذارا عن هذا الطلب، ألا يوجد لديه القليل من الدماء؟" قالت لها سمراء وهي تنظر مجددا للطلب "لن أنكر أنه محق بشأن الدعاية ولكن طلبه أن يكون الحفل في نفس التاريخ قد استفزني لأبعد حد، هذا الرجل وقح بشكل لا يصدق، كم أحمل همَّ بشر في هذا اليوم من كل عام فلا يمر عليه إلا وهو داخل المشفى بحمى أو إصابة كأنه موعود بأن يضاعف ألمه" هزت أسمهان رأسها وقالت "أنا معك أن فيلوباتير أكبر عميل لدينا وأنه رجل عملي جدا ولكن عليه أن يراعي مشاعرنا قليلا، فذلك اليوم سيظل عالقا بذاكرتنا كذكرى لن تنمحي" ابتسمت سمراء بشجن وقالت "وكيف ننسى؟ فهناك أيام فارقة في حياة البشر ما قبلها لا يشبه ما بعدها، تكون نقطة تحول ينقلب بعدها العالم رأسا على عقب …..وهذا ما حدث" أدمعت عينا سمراء بشدة فحاولت تغير الموضوع وقالت "لو كنت أعلم أن الاعتذار سيثني ذلك الرجل عن تلك الفكرة لأرسلته فورا لكنه لن يتراجع، لذلك سأطلب منه تغيير الموعد وأحاول أن أناشد فيه الضمير الإنساني لعله يستجيب، فإعداد حفل ضخم كهذا سيتطلب منا مجهودا مهولا، وأفكر أن أجعل الاحتفال يضم إعلان افتتاح الفرع الجديد للشركة كنوع من الدعاية، فإذا أصر ذلك الأ**ق علينا أن نستغل هذا الحفل لصالحنا أفضل استغلال" ابتسمت أسمهان وقالت لها "أنت محقة علينا أن نستغل هذا الأ**ق، لكن أظن أن أسد مازال يبحث عن مكان يتولى تجهيز الفرع وهذا سيأخذ وقتا، عليك التواصل والتنسيق معه ووضع خطة زمنية محددة والالتزام بها" ردت عليها سمراء "هذا ما أفكر به، أولا سأتواصل مع فيلوباتير لأرى إلى أين سأصل معه وإذا أصر سأتواصل مع أسد، فبرغم أنه مازال أمامنا شهور إلا أنها مع كم العمل المطلوب إنجازه تبدو قليلة" قالت أسمهان بتساؤل "و بشر؟" مطت سمراء شفتيها وقالت "لا أعلم، لن أستطيع أن أضغط عليه في أمر كهذا، حاليا أفكر في المصلحة العامة ولكن على الجانب الآخر أنا أعلم أنه لن يعارض إقامة هذا الحفل لأنه يصب في مصلحة الجميع ولكن كعادته سينأى بنفسه حتى ينتهي الأمر" سألتها أسمهان بحزن "لماذا لا يتزوج ويحاول أن يخرج نفسه من دوامة الماضي؟ هو وتولين يحتاجان إلى امرأة لتحتويهما وتهتم بهما، أشعر تجاهه بالشفقة وحقا أريد أن أساعده، ما رأيك أن نفاتحه في موضوع الزواج؟" توسعت أعين سمراء وقالت "إذا استطعت فعلها فافعليها، هل نسيت في حفلة عيد الأم العام الماضي عندما أتت تولين لتسألنا من منا أمها؟" أجابتها أسمهان بقلة حيلة "نعم، أذكر أن بشر أخذها وغاب عنا لأسبوع ولم تحضر ذلك الحفل ولكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، فبعد عدة أشهر الذكرى الخامسة لوفاة تولين، لماذا لا يحاول بشر أن يتقدم في حياته؟ إن لم يكن لأجل نفسه فليكن لأجل صغيرته التي تستحق أن تحيا حياة طبيعية فقد أصبحت واعية لما يدور حولها، وصراحة أخاف أن تعود كارما و تستغل تولين كخطوة تجاه بشر فهذه الأفعى ليس لها أمان ويمكنها أن تدمر نفسية الفتاة لأجل مصالحها" قالت سمراء بغضب "فلتقترب منها فقط وترى ما سأفعله فلدي تنازل رسمي عن حضانة تولين دفع بشر مقا**ه الكثير، تلك اللعينة أصبحت تملك أكبر دار أزياء بمال أخي، فلتحاول فقط وسأجعلها تخسر كل ما تملك" قاطع حديثهما دخول عزيزة التي كانت ترتدي بنطالا أ**د وفوقه ثوب أ**د بأكمام طويلة يصل لركبتيها فملابسها القديمة لم تعد تناسبها فقد فقدت الكثير من وزنها، وجهت كلامها لأسمهان قائلة"أسمهان، هناك فواتير من محل السيد آرتشي وصلت مكتب بشر عن طريق الخطأ" قالت سمراء باستفهام "هذا محل مجوهرات، أليس كذلك؟" أجابتها أسمهان "نعم، إنه محل مجوهرات يتميز بتصاميم خاصة ويبتاع منذر كل مجوهراتي منه، لكن لمن هذه الفواتير؟" نظرت عزيزة للفواتير كأنها تتأكد ثم قالت "جميعها لمنذر" وقفت أسمهان واقتربت من عزيزة تأخذ الفواتير وهي تقول "غريب، منذر لم يخبرني أنه ذهب إلى هناك" ابتسمت سمراء وهي تقف وقالت "لعلها مفاجأة، اللهم لا حسد" عبست أسمهان وهي تنظر للفواتير وقالت بتفكير "إذا كانت مفاجأة فلماذا كل الفواتير لتصاميم أملكها بالفعل؟" نظرت سمراء وعزيزة لبعضهما بتوتر فقالت سمراء "لعلها فواتير قديمة أرسلها المحل عن طريق الخطأ" هزت أسمهان رأسها وقالت "ليس هذا ما تقوله تواريخ الفواتير" تجهم وجه سمراء فهي تلاحظ تغير أخيها منذ فترة لكنها دارت ما بداخلها وهي تسحب الفواتير وتقول "اتركي أمر هذه الفواتير لي، سأتأكد من صحتها، لا تشغلي رأسك بهذه التفاهات وركزي في الملفات التي أمامك" همت أسمهان بسحب الفواتير من يد سمراء فحدسها يؤكد لها أن هناك ما لن يعجبها أبدا ليقاطعهن صوت صراخ خارج المكتب فاندفعت الفتيات لتتسمر أقدامهن أمام ما يحدث.......... قبل قليل جلس صفي يعمل وعقله مشغول بأكثر من أمر، عقله يدور ولا يتوقف عن التفكير فما سعى لدفنه في الماضي عاد مجددا وبقوة، عاد ليقف في وجهه ككوابيس تطارده في صحوه ونومه وهو حقا خائف، في الماضي صبّ جام غضبه وقهره على بلقيس التي تجلدت بصبر زاد عشقه لها أضعاف، تحملت منه كل شيء واحتوت نوبات جنونه حتى ما تركت بداخله شيئا له فأصبح بلقيسي الهوية والانتماء وليتها تعلم …...وتفهم…….وتغفر، ليته يمتلك الجرأة ليخبرها عن سبب تعلقه المجنون بها وعشقه السرمدي الذي آلمها أكثر مما أسعدها لكنه أجبن من أن يغامر، يخشى من رد فعلها، لن يتحمل أن تحزن، أن تنظر له بعيون مجروحة أو أن تقتله وتبتعد عنه …..لن يحتمل، زفر بحزن وهو يقف ويقترب من نافذة مكتبه ليفتحها ويستنشق الهواء الطلق بقوة كأن الأفكار كانت تخنقه، ثم رفع هاتفه وقد شعر أنه لن يهدأ حتى يسمع صوتها ...تعويذة سعادته الخاصة ….. استمر رنين الهاتف وانقطع ولا مجيب، فأعاد الاتصال مرة أخرى ليأتيه صوتها المتعب وسط أصوات الأطفال وهي تقول "صفي، هل تسمعني؟" ابتسم كأنه يراها وقال "أسمعك يا ملكة سبأ، كيف حالك؟" ساد **تها للحظات كأنها تتمعن فيما قال ثم ردت بصوت جاهدت أن يخرج ثابتا "بخير، ولكن الأطفال يقودونني للجنون، جواد لا يريد لأخته أو لتولين أن تلعبا مع صبية غيره وأحمد غاضب، أما قمر ومحسن فيجل**ن في ركن بعيد عن هذه الحرب ولكنني أشعر أنهما يرتكبان كارثة كالعادة فسكونهما مقلق" ضحك صفي من قلبه وقال "ليتني الآن معك وملتصق بك كطفل مثلهم، أشعر أن هذا كل ما أريده الآن" قالت له بخفوت يدعوه لترك كل شيء والهروب إليها "إذاً لا تتأخر وأسرع في العودة، أنا أنتظرك" زفر أنفاسه ببطء ثم شردت عيناه في زرقة السماء وهمس بصوت غامض "بلقيس، هل تحبينني ؟" **تت بلقيس وبدأت أصوات الأطفال تخفت حتى اختفت كأنها تحركت مبتعدة عنهم ثم وصله صوتها تقول "هل تسأل حقا؟ أما زال بداخلك شك في مشاعري نحوك؟" هز رأسه كأنها تراه وقال "لم ولن أشك بمشاعرك يوما، أفعالي منذ البداية لم تكن شك بل إنها خوف، وأنا الآن لا أسأل ولا أشك….أنا فقط أحتاج أن تقوليها لي" افترقت شفتاها بابتسامة حزينة وقالت "تريد أن تسمع ماذا؟ هل كلمة أحبك تكفي لوصف ما بيننا؟ صفي، لا تنتظر مني أن أختزل أحاسيسي في كلمة من أربعة أحرف فمعك عشت ما يفوق المشاعر، أنت بحر عاصف أمواجه تلاطمني بحب وعشق ووجع، أنا لا أحبك وحسب فبداخلي تجاهك شعور بأنك جزء مني، شعوري نحوك أبلغ وصف له ال**ت فلا كلام سيوفيه حقه، أنت كنت وما زلت كل ما أريد" تضخم ص*ره ب*عور متخِم، شعور أقوى من الحب فقال لها بصوت أثقلته العاطفة "أنا قادم" أغلق الهاتف وأسرع يرتب الأوراق القابعة فوق مكتبه ويضعها في الدرج ثم ارتدى معطفه ليصدمه صوت صراخ قادم من الخارج، فأسرع خارج مكتبه ليجد فتاة تقف في صالة الاستقبال والأمن يحاول إخراجها وهي تصرخ بإصرار قائلة "لن أرحل إلا عندما أقا**ه" ض*به الصوت بقسوة فأسرع نحوها يقول بصوت صارم رغم أنه يرتجف من الداخل "ماذا يحدث هنا؟" أفسح رجال الأمن له الطريق لتصعقه ملامحها التي رغم جمالها لا تمثل له سوى كابوس لا ينتهي، اقتربت منه الفتاة بحركة مدروسة كأنها أفعى حين تسير ترسم خطا متعرجا متقنا لأبعد حد وقالت "أهلا صفي، اشتقت إليك، هل ترى ما فعله رجال الأمن بي؟ كانوا يمنعونني من الوصول إليك ولابد أن تعاقبهم وتخبرهم من أنا" كتمثال وقف أمامها لا يدري كيف يتصرف وعقله لا يفكر سوى ببلقيس التي تنتظره، لمح سمراء تقترب بوجه متجهم وخلفها عزيزة وأسمهان فنظر لها بأعين تستجدي العون لتلتقط سمراء نظرته وفي لحظة وقفت أمامه تحول بينه وبين أروى وهي تقول "ما هذه المهزلة؟ من أنت؟ هل تظنين نفسك في الشارع؟" ردت عليها أروى بلهجة عربية صدمت سمراء وأخبرتها أن ما يحدث ليس بالهين "سمراء هانم! يا مرحبا، أخيرا سأقابل نساء الأسرة الملكية، هذا يوم سعدي إذاً" قالت لها سمراء بلهجة ألقت في قلبها الرعب "احفظي ل**نك أفضل لك فأنا أستطيع مقاضاتك على أقل كلمة تخرج من فيكِ، أستطيع أن أجعلك تندمين أنك فكرت في الوقوف أمامي، لذلك بمنتهى الهدوء انسحبي الآن وعلى وجهك ابتسامة عريضة ليظن هذا الجمع أننا معارف فأنا متأكدة أن كل ما يحدث الآن يُصور" ضيقت أروى عينيها تستشف صدق سمراء ولكن عيون سمراء القوية جعلتها تبتسم وتقول بهدوء "سأرحل ولكن لقاءنا القادم يا صفي سيكون في القصر وأمام بلقيس، فكر أن تتجاهل ما أريده هذه المرة وسترى ما سيحدث، لقد أخذتَ مني الكثير والآن أريد الثمن …..وسآخذه" أنهت كلامها والتفتت منسحبة بأقدام تطرق الأرض بغل، فالتفتت سمراء تسأل صفي بغضب "من هذه؟" نظر لأخته كالتائه ثم أسرع يتحرك تاركا خلفه كل ما حدث وقلبه يحدثه أن القادم سيكون عواصف لا تنتهي، وقفت سمراء بابتسامة دبلوماسية تحاول أن تشرح للعملاء الذين شاهدوا العرض الفج أن هذا مجرد مزاح ثقيل من صديقة قديمة وقلبها مُثقَل بأسرار أخويها فهي تشعر أن صفي ومنذر يحملان من الأسرار ما سيدمر أسرتيهما ولا يُبقي ولا يذر …….. رنين الهاتف سحبه من عمق نوم جاهد لساعات ليحصل عليه، فمنذ مقابلة السمج المستفز ظافر العزايزي وبعد ما قاله وجُلّ ما يفكر به هو كيف ستهدأ براكين روحه التي تشتعل ولو للحظات، فهو متعب وقلبه مثقل بهمٍّ وعشق لم يكن على استعداد لهما، اعتدل على السرير وبحث عن الهاتف بيده ليرى اسم أسد يلح بالرنين فزفر بإرهاق وألقى برأسه على الوسادة وهو يرد عليه قائلا "سامحك الله يا أخي، أنا أجاهد لساعات من أجل أن أنام قليلا وأنت تأتي لتسرق النوم من عيني، ماذا تريد؟" وصله صوت أسد وهو يقول "آسف يا نزار ولكنني أريدك أن تذهب إلى الشركة حالا" اعتدل نزار جالسا وسأله بقلق "ما به صوتك؟ هل حدث شيء؟" أجابه أسد يقول باستعجال "هناك اجتماع أريدك أن تحضره نيابة عني فإياد سيغضب إذا علم أنني لن أستطيع الحضور، لذلك أرجوك أسرع فلم يتبقَ سوى ساعة على بداية الاجتماع" رد عليه نزار بغضب "أين أنت؟ أنا مرهق وعقلي يكاد يسقط من رأسي وأنت تريد مني حضور اجتماع لا أفقه عنه شيئا، أسد اذهب للاجتماع وتوقف عن استهتارك ولا تدع المشاكل تتفاقم بينك وبين إياد فهو يحمل الشركة على أكتافه" قال له أسد وقد فاض كيله ولا وقت للتبرير "نزار، للأسف أنا خارج العا**ة وسأحاول أن ألحق العزاء ليلا من أجل مأمون لكن حاليا من المستحيل أن أصل للاجتماع، هناك صديق تعرض لظرف طارئ ويحتاج مساعدتي، أرجوك الحق الاجتماع وسنتكلم لاحقا" هم نزار بالرد ولكن أسد كان قد أغلق الخط، ألقى نزار هاتفه بعيدا بغضب وتحرك بسرعة نحو الحمام وعقله يخبره أن كل ما يحدث حوله محض جنون أوله ظافر السمج ونهايته أسد…… بعد قليل خرجت تولين تسير بجانب ملاك وخلفهما سارة تتحدث بالهاتف مع مؤيد الذي أرسل حراسته و سيارته الشخصية إلى المشفى من باب الحرص فهو يشعر أن ذلك الرجل الذي ظهر فجأة يحمل بعينيه أطنان من الإصرار والعزيمة نحو تولين، من بين كل ما يدور حوله كان حريصا على أن يُشعِر أخته أنه يهتم بأدق التفاصيل التي تخصها، كانت تولين قد غيرت ملابسها بأخرى عملية تناسب الاجتماع فارتدت بدلة بت**يم أنثوي بلون رمادي كملتها بقميص أبيض طويل محتشم وحجاب أبيض، كانت كعادتها جميلة لكن مرهقة و مستنزفة مما يحدث، أنهت سارة المكالمة وتقدمت تلحق بتولين وملاك وهي تقول "سنصل إلى الشركة في موكب ملكي، هذا رائع سيحسبون لنا ألف حساب" ابتسمت ملاك برقة وقالت "تقصدين سيخشون التعامل معنا، نحن مكتب مقاولات وليس شركة حراسة" أحاطت سارة تولين بدعم وقالت "هذا أفضل، أنت تعلمين أن كنزي كانت دائما تدير المقابلات بحزم أنثوي يُخضِع التفاخر الذكوري للعملاء، انظري لنا الآن….ثلاث فاتنات لا نستطيع سوى أن نرفرف بأهدابنا" ابتسمت تولين وسألت "ألم يصل خبر عن كنزي بعد؟" هزت سارة رأسها وقالت "لا، ولكن مؤيد طمأنني أنها بخير ومؤكد ستعود قريبا" قالت ملاك بنعومة "اشتقت لها ولزوابعها، المهم، هذا الملف وضحتُ به كل ما يجب معرفته عن الشركة ونشاطها، هل تريدين الاطلاع عليه يا حور؟" قالت لها تولين "رأسي لا ينقصه متاهات، أنت مسؤولة عن العلاقات العامة لذلك تفحّصي الملف كما يحلو لك، أنا معكما لأتحدث فيما أفهمه ألا وهو التصاميم والد*كور، والحسابات تقوم بها الآنسة سارة وأي شيء يحتاج لوجود كنزي سنؤجله حتى اجتماع عرض التصاميم" قالت ملاك "حسنا يا زوجة الرئيس، فلننطلق" ركبت الفتيات السيارة وانطلقن غافلات عن أعين كانت تراقب ما يحدث بنظرات صقر وقلب عاشق ولهفة طفل وغضب مارد وإصرار أسد انطلق يتبع هدفه الذي لن يتراجع أبدا حتى يطوله…... بعد قليل وصلت الفتيات أمام الشركة وترجلن من السيارة وكل واحدة منهن بلغ توترها أقصاه فهنّ أمام أكبر صفقة دخلت لمكتبهن الصغير على الإطلاق، لتتوسع أعينهن حين وجدن دراجة نارية تقترب منهن بسرعة وفجأة تقف أمامهن بشكل محترف لتترجل فتاة ترتدي خوذة لم يحتجن لأن تخلعها ليتعرفن عليها، فانطلقت صرخة سارة الحماسية متزامنة مع قول كنزي "لقد أتيت، هربت من حصار ابن الجوهري لأجلكن" ارتسمت أجمل ابتسامة على وجه تولين جعلت المراقب لها يتمنى لو نما لقلبه جناحان وطار إليها لينعم بإشراقة مبسمها فكم اشتاق لبسمتها، رفع هاتفه يلتقط لها عدة صور ثم هاتف أحد رجاله وأبلغه باسم الشركة طالبا منه أن يعرف سبب وجودها هنا ويخبره لمن هذا الصرح في أسرع وقت" عادت عيناه العاشقتان تشاهدان تولين وهي تلقي بنفسها في حضن صديقتها، إحساسه أنها مازالت على قيد الحياة يدفعه إلى قمم الجنون ولكن حين سقطت عيناه على يدها المصابة ارتد قلبه بص*ره بقوة كأنه يتساءل كيف قسا عليها لهذه الدرجة....... جلس نزار على رأس طاولة الاجتماعات بوجه عابس بينما جلس إياد على يمينه وأمير على يساره يسأل نزار بسعادة "هل أنت مرتبط؟" التفت له نزار وقال بحنق "أهذا سؤال للتعارف؟ أم لد*ك عروس لي؟" قال إياد وهو يهندم عنق قميصه "لا هذا ولا ذاك، توقف عن العبوس فالاجتماع سيحلو بحضور الج*س اللطيف، لا نريد أن نخيفهن من اللقاء الأول" ازداد عبوس نزار فقال أمير بقلة حيلة "كنت أخشى أن يهربن من وجه أسد فجاء الوحش عوضا عنه، لماذا يحدث لي هذا؟" قاطع حديثهما دخول حنان تقول بامتعاض "لقد وصلت المهندسة كنزي وفريقها" وقف إياد يقول بحماس "فليتفضلن، أنارت الشركة" دخلت كنزي ببنطالها الممزق الذي يعلوه قميص أبيض وسترة جلدية وشعرها الأحمر المشتعل ثائر بفوضى مهلكة جعلت إياد يتقدم قائلا "أهلا وسهلا، إياد القاضي رجل أعمال" هزت كنزي رأسها بدماثة لا تناسب مظهرها وقالت "كنزي الجوهري وهذا فريقي، الآنسة سارة، الآنسة ملاك والسيدة حور" تقدم أمير مبهورا بحضور الفتيات الأربع وخصوصا سارة التي غار قلبه بص*ره حين ابتسمت فغاصت غمازتها للداخل وقال "تفضلن، أمير القاضي أخو إياد القاضي معيد في كلية هندسة وأعمل هنا في الشركة" قالت كنزي بترفع وعيناها تراقبان الجالس على رأس طاولة الاجتماعات متجاهلا لأبسط قواعد اللباقة "أنت زميل، هذا رائع، لنبدأ" تحركت الفتيات حول الطاولة وتولين تنظر لهاتفها بتوتر فممرضة عادل أرسلت لها رسالة تطلب منها عدم التأخر لأن طبيبه الخاص يريدها، اقترب إياد من نزار وهمس له "من باب اللباقة عرّف عن نفسك وتوقف عن عبوسك، أنت تحرجنا" رفع نزار رأسه ونظر لكنزي التي تجابهه في النظرات بقوة وقال "عسى أن يكون تعاونا مثمرا وبداية لتعاون لا ينقطع، آسف فقد كنت مشغولا بالأوراق التي أمامي، أنا نزار رجل أعمال وشريك إياد القاضي" سقط الهاتف من يد تولين فالتفتت لها الأنظار وتستمر جسدها لثواني قليلة ولكن إحساسا مكلوما م**ورا دفينا في أعمق حناياها جعلها تنحني بسرعة وتسحب هاتفها وتلتفت نحو سارة الواقفة بجانبها وتقول بصوت خافت "عليّ الرحيل، عادل متعب ويحتاجني" أسرعت نحو باب الغرفة فأوقفتها يد كنزي التي أسرعت نحوها تقول بتوتر "حور، ماذا حدث؟" جاهدت تولين ألا يصل صوتها لأحد وهي تقول "أريد الرحيل" نظرت كنزي لغرفة الاجتماعات ومن بداخلها كأنها تبحث عن سبب لما يحدث ثم قالت "حسنا انتظري، سنرحل جميعا" قالت لها بهمس "أرجوك لا تتركي الاجتماع، أنت تعرفين أهميته" نظرت لها صديقتها بشك وقالت "لا شيء أهم منك" تحركت سارة وملاك ووقفتا بجانب كنزي التي قالت "نأسف يا سادة لكن لظرف طارئ علينا إلغاء الاجتماع، سيكون من دواعي سرورنا الاتفاق على موعد آخر ونرجو منكم تفهم الموقف" قال إياد بحيرة "لا عليك آنسة كنزي نحن متحمسون للتعامل معكن ونقدر ظرفكن، سأتواصل معك في أقرب وقت لتحديد موعد آخر" هزت كنزي رأسها فسأل أمير "هل السيدة بخير؟ هل تحتجن إلى مساعدة" ردت عليه سارة بهدوء "شكرا لاهتمامك ولكن علينا الرحيل" التفت إياد لنزار الذي لم يتكلم فوجده ينظر بصدمة للمرآة المقابلة للغرفة فبدا صَعِقا، نظر إياد للمرآة فوجدها تع** ملامح حور، فاقترب منه يسأله "نزار، لماذا تنظر لها هكذا؟" تحرك نزار خلف الفتيات اللواتي ينسحبن وأسرع يقف أمام تولين ليسد طريقها فأغمضت تولين عينيها حين رأت أقداما تسد طريقها وأحنت رأسها المن** أكثر وفرت دموعها، تفاجأت الفتيات بما حدث فقالت كنزي بغضب "ماذا تفعل؟ أفسح لنا الطريق" لكن نزار كان تائها يقيس فرق الطول بينهما ويستنشق عطرها ويستفتي قلبه الذي أمره أن يرفع أصابعه إلى ذقنها ويرفع رأسها المن** إلى الأعلى وكلما ارتفع تض*به صواعق القدر حتى فتحت عينيها الضبابيتين فتهالك كل ثبات لديه وسألها بصوت ذاهل خافت "من أنتِ؟" جذبه إياد يقول بحرج "نزار، إنها السيدة حور، هل تعرفها؟" دفع نزار إياد وعاد يمسك وجهها بين يديه وهي مستسلمة له ودموعها لا تتوقف، تحركت يداه على وجهها بجنون والجميع يشاهد بذهول وفجأة نزل على ركبته أمامها يخلع فردة حذاءها الأبيض من قدمها اليمنى ثم رفع طرف البنطال قليلا لتظهر علامة حمراء لجرح قديم كأنها نجمة زادت قدمها جمالا فرفع عينيه اللتين امتلأتا بالدموع إلى عينيها اللتين تنظران له بحزن وتبكيان بقهر وقال "سيدة حور، هل كنا إخوة يوما ما؟ ربما في حياة أخرى، حياة انتهت منذ خمس سنوات، حياة حين انتهت ان**رنا" توحشت عيناها بقهر، ستموت وتلقي نفسها بأحضانه، تحمل على أكتافها حملا ثقيلا وتريد أن تريح رأسها على ص*ر أخيها…. إنه نزار الأحب إلى قلبها، أخوها الغالي الذي لم تزده السنوات سوى وسامة ورزانة، ولكن كيف تهدم معبدا عافرت لسنوات لكي تبنيه؟ لم تشعر إلى أي مدى استسلمت أو إلى أي حد وصل به يقينه، فقالت بتخبط "اترك قدمي، كنزي دعينا نرحل" وقف نزار بغضب وسحبها بعنف إلى غرفة مكتب أسد وهي تسير خلفه تلبس بقدمها فردة حذاء واحدة وتصرخ "لا ...لا ….لا" أدخلها المكتب وأغلقه من الداخل متجاهلا الطرق والصراخ والتوعد، ثم نظر لها وقال "أستطيع أن أكّذب عينيّ لكن قلبي الذي يض*ب ص*ري بشدة لا يكذب، أنت أختي، أنت من رحلت و**رت قلبي، أنت من تعلقت بي منذ صغرها وعلقتني بها، اسألي ظهري كم مرة حملك، اسألي ل**ني كم مرة دللك واسألي عيني كم بكت فراقك، لقد **ر فراقك ظهورنا يا تولين" قالت بانهزام "لا أعرف عمّ تتكلم" رد عليها بغضب "ليست هذه الإجابة التي أنتظرها، مستعدٌ لأن نبقى معاً سجينَي هذه الغرفة حتى أحكي لك كيف كنتِ ترتكبين مصائب لا نهاية لها وتلجئين إليّ لأتستّر على حماقاتك، انطقي وأريحي قلبي، أنتِ أختي التي نزفت عيوننا دما لفراقها، أنتِ صغيرتي الجميلة" صرخت به بغضب حملته بداخلها لسنوات طويلة "أنت كاذب لم يبكيني أحد، لم يتذكرني أحد ولم يبحث عني أحد، رميتموني وأكملتم حياتكم كأني لم أكن، أنا أكرهكم جميعا" شهق بعنف لا يصدق ما يحدث وفجأة حملها متجاهلا لصراخها كأنها لا تزن شيئا وضمها إلى أحضانه بقوة يبكي لدرجة جعلت جسده يختض، ف**تت تولين تشاركه بكاءً تأجل لخمس سنوات طويلة، بكاء تحتاج أن تنهيه فهو كعبء ثقيل على ص*رها وحان الوقت لينزاح بأكمله….. رأيتُ بعينيك خطاي الثقال تعود بي أعواما إلى الوراء، تعيد السهام المارقة لتعبرني مجددا وتفتح جروحي وتذكرني بكل ما مضى رغم أني ما عدتُ أستطيع العودة، فلقد قطعت في رحلتي أميالا بل ملايين الأميال التي أصبحت تحول بيني وبين الماضي……. وقفت كنزي تطرق باب المكتب بغضب وهي تقول لإياد "أقسم بالله إذا أصاب صديقتي شيء لن أكتفي بحرق هذا المكان" نظر إياد حوله بضياع وحرج لا يفهم ماذا يحدث وقال "آنسة كنزي، نزار من المستحيل أن يؤذي صديقتك، مؤكد هذا مجرد سوء تفاهم وسيُحلّ" صرخت سارة التي تحاول المرور إلى كنزي وأمير يقطع دربها "فلي**ر أحدكم هذا الباب أو سأحضر من ي**ر المكان بأكمله، من تظنون أنفسكم؟" قالت حنان التي تقف بعبوس وحولها بعض من الموظفين "واحدة ستحرق المكان والأخرى ستدمره، أشعر أنه سيكون تعاملا مثمرا" التفتت لها سارة وقد توحشت عيناها بشكل أرعب أمير وقالت "إذا سمعتُ صوتَك مرة أخرى يا كائن الحيزبون سترين كيف سيكون تعاملي معك مثمرا حين يتلون جسدك بالألوان الطبيعية" نظرت حنان لأمير وقالت بميوعة "سيد أمير، هل رأيت كيف تتكلم معي؟ أرجوك اطلب الأمن لهذه المتوحشة" نزعت سارة حقيبتها وألقتها لملاك التي ترتجف ودموعها تتساقط ب**ت من هول الموقف وهي تقول لها "اطلبي سلطان وأخبريه أنني على وشك ارتكاب جريمة قتل" ثم هجمت تسحب حنان من شعرها وأمير يقف مذهولا وهو يشاهد كائن الرقة كيف تحول لفك مفترس ولكن صراخ حنان جعله يتدخل حائلا بينهما ويقول "آنسة سارة اهدئي، هذا لا يصح" كان شعر حنان مازال بيد سارة وهي تقول "تحرك أيها اللامع من أمامي وإلا ستأخذ نصيبك من الأدب، هل تظنون أننا لن نستطيع أخذ حقنا؟" هز رأسه برفض وقال "لا أقصد أبدا ولكن انظري لصديقتك، إنها ترتجف من شدة الخوف، أرجوك الموقف لا يحتمل تعقيدا، من فضلك اهدئي" نظرت له سارة للحظة ثم تركت شعر حنان بق*ف وهي تقول لها "لو كنا بموقف آخر وليس هناك ثور يحتجز صديقتي لجعلتُك كيس ملاكمة وتدربتُ عليك لأسبوع كامل، فإن كنتِ تجهلين من أنا فاسألي عن أخت سلطان العطار وستعلمين أن من ينظر لي أو لأحد يخصني بطرف عينه سأقتلعها ولن يرف لي جفن" نظرت لها حنان بذهول ثم ابتعدت فنظر أمير للجمع المشاهد لما يحدث وقال "لقد انتهى العرض يا سادة، هل يمكنكم العودة إلى العمل؟" انسحب الجميع وعلى وجوههم علامات الخيبة لأنهم لم يعرفوا ماذا يحدث ولكن عيونهم ظلت تراقب وقوف الثلاث فتيات والشابين أمام مكتب أسد بفضول، ض*بت كنزي الباب بقدمها ونظرت لإياد الذي يضع أذنه على الباب وقالت "حتى الآن أحاول أن أتعقل وألا أتخذ موقفا يضر الجميع لكن إذا لم يُفتح هذا الباب الآن وتخرج لي صديقتي فورا فلن يعجبك ما سيحدث" قال إياد بغضب وهو يتمنى أن يمسك بأسد وأخيه ويوسعهما ض*با "لا أعلم ماذا أقول حقا فأنا لا أفهم ما يحدث والموقف محرج للغاية" قاطع حديثهما رنين هاتف ملاك التي كانت تحتضن حقيبة سارة فأخرجت هاتفها لتجد اسم ممرضة عادل فتراجعت للخلف تجيبها بخفوت وقد اقتربت سارة من كنزي تقول لها "كنزي، ماذا يحدث؟ من هذا الرجل؟ ولماذا أشعر أن حور تعرفه؟" تغضنت ملامح كنزي وقالت "لا أعرف أي شيء، وليس وقتا للحديث، كل ما أفكر فيه هو الرحيل من هنا، مؤيد عاجلا أم آجلا سيكتشف رحيلي وأخاف أن أكون قد ورطتُ حور في أمر لا تستطيع مواجهته" نظرت لها سارة بشك وقالت "ماذا تقصدين؟ لماذا أشعر أنك تخفين عني شيئا؟" هزت كنزي رأسها برفض لفكرة مخيفة هاجمتها ولم ترد على سارة التي تأكدت أن هناك شيئا يحدث فاقتربت منهما ملاك تقول برعب "ممرضة عادل أخبرتني أنهم يحتاجون حور في المشفى في أسرع وقت، لقد حاولوا مهاتفتها أكثر من مرة ولكنها لا تجيب، الطبيب يريدها في أمر هام" نظرت كنزي لإياد الذي يحدث أخاه بتوتر ثم طرقت على باب المكتب قائلة "حور، علينا الذهاب إلى المشفى فورا، هناك أمر يخص عادل وطبيبه يريدك على وجه السرعة"
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD