كانت إيرين تقف في أحد زوايا الممر الخلفي للقصر، هاتفها بيدها، وعيناها تتنقلان بين الزوايا بخوف خفي. كانت تحدث ليون بصوت منخفض عبر مكالمة سريعة:
"ليون... لقد كشفني. كوان عرف أنني غيرت هويتي، ويعرف عن عائلتي. هددني… قال إنه سيخبر دايسيك إذا لم أساعده."
جاء صوت ليون هادئًا، لكنه حاد بنبرة تفكير:
"حافظي على هدوئك. لا تظهري خوفك أمامه. أنت أذكى من أن تتركيه يقلب الأمور ضدنا. فقط كوني حذرة، إيرين."
كانت ما تزال تهمس:
"قال إنه لا يثق بأحد في القصر ويريد أن أكون عينيه داخله... لا أعلم إن كان صادقًا أم يريد الإيقاع بي."
وقبل أن يرد ليون، اهتز الهاتف في يدها، وظهرت رسالة نصية جديدة على الشاشة. فتحتها بسرعة، وكان المرسل: كوان.
> "نلتقي بعد العمل. لا تتأخري."
تجمدت أنفاسها للحظة، ثم همست: "لقد أرسل لي للتو. يريد رؤيتي الليلة بعد العمل."
ساد الصمت للحظات من طرف ليون، ثم قال بثقة حذرة:
"اذهبي. لكن كوني ذكية. افهمي نواياه. استخدمي ما تستطيعين لمصلحتنا، وابقَي هادئة. كل كلمة يقولها مهمة."
تن*دت إيرين وأومأت، رغم أنه لا يراها، ثم همست:
"حسنًا... سأذهب."
وأغلقت الخط، تمسك هاتفها بقوة، وكأنها تستعد لمعركة خفية بين الخطر… والفرصة.
نزلت إيرين من سيارة الأجرة ببطء، ترتجف أصابعها وهي تحكم غلق معطفها الطويل. كان الهواء في الميناء بارداً، يحمل رائحة البحر والضباب المالح. تقدمت بخطى مترددة نحو المكان المتفق عليه، وكل شيء في داخلها يصرخ بعدم الأمان، لكنها كانت تعرف أن عليها مواجهة كوان… أو مصيره المجهول.
كان واقفًا هناك، كما أخبرها في الرسالة. معطفه الأ**د يتمايل قليلاً مع الريح، ويداه في جيبيه، وملامحه غارقة في تفكير عميق، كأن البحر أمامه لا يهمّه بقدر ما يشغله ما سيُقال. ما إن لمحها، حتى استدار ببطء… نظراته كانت حادة، لكنها هادئة.
في اللحظة نفسها، وعلى بُعد أمتار قليلة، كانت مييون تمرّ بسيارتها السوداء، عائدة من موعدها مع إحدى صديقاتها. لم تكن تنوي التوقف، لكن لمحت فجأة سيارة كوان المتوقفة على جانب الطريق قرب الميناء. طلبت من السائق بفضول:
"قف هنا لحظة."
خفضت نافذتها قليلاً، ونظرت باتجاه الشاطئ… لتُصدم بالمشهد أمامها.
كوان... وإيرين. وحدهما.
رأت كوان يقترب من إيرين ويتحدث معها بهدوء، وكأن بينهما أمرًا عميقًا لا يخص أحدًا سواهما. كانت إيرين تنظر للأسفل، متوترة، وكأنها تخفي شيئًا. لم يستطع قلب مييون احتمال المشهد أكثر، فقالت بحدة:
"تابع السير."
وأغلقت النافذة فجأة، لكن نظرتها بقيت تائهة، مشتعلة بغضب لم يسبق له مثيل. الغيرة… والشك… والمهانة اجتمعت في لحظة.
أما عند الميناء، فاقترب كوان من إيرين خطوة أخرى وقال بصوت منخفض لكنه حاسم:
"شكراً لأنك أتيتِ. هناك أمور كثيرة يجب أن نوضحها… لكن قبل كل شيء، أريد أن أعرف من أنتِ حقًا، ولماذا كذبتِ؟"
رفعت إيرين عينيها ببطء، وقلبها يخفق بجنون، لأنها كانت تعلم… أن هذه الليلة لن تمرّ بهدوء.
نظرت إيرين إلى كوان للحظة، وكأنها تزن كلماتها جيدًا، ثم قالت بسطحية ظاهرة، تخفي بها عمقًا لا تستطيع البوح به:
"أنا فقط... كنت أبحث عن فرصة عمل. لم أملك أوراقًا رسمية، فاضطررت للكذب. أردت فقط مساعدة أمي وأخي… لا شيء أكثر."
كانت كلماتها بسيطة، خالية من المشاعر الظاهرة، لكنها محمّلة بثقل الحقيقة التي لا تزال تخفيها.
جلس كوان على الحافة الخرسانية للميناء، وأشار لها أن تجلس بجانبه، فترددت لثوانٍ، ثم جلست بصمت. نظر أمامه نحو البحر، صوت الأمواج كان هادئًا، لكنه بدا كأنما يهمس بأسرار خفية، تشبه تلك التي بينهما.
قال بصوت منخفض، دون أن يلتفت إليها:
"عمي دايسيك يريد أن يسلبني كل شيء. الأسهم، المكانة، حتى حريتي في اتخاذ قراراتي."
تن*د بمرارة، ثم أكمل:
"رفضت الزواج من مييون. لا أحبها، ولم أعد أتحمّل تمثيل الدور. ومنذ أن بدأت أقاوم، أصبح كل شيء معقّدًا… وكأن كل ما بنيته يمكن أن يُنتزع في لحظة."
نظرت إليه إيرين، تراقب ملامحه عن كثب لأول مرة دون أن يخفيها خلف الغرور أو الكبرياء. بدا مُنهكًا، وعيناه تحملان خذلانًا لم يعترف به.
أكمل بنبرة منخفضة:
"الأسوأ… أن أحدهم تلاعب ببعض الوثائق الخاصة بالمشروع الجديد. البنوك سحبت دعمها، والخسائر ستكون كبيرة. وعمي… بدأ يضع اللوم عليّ، يشك أنني من خذله."
توقف لثوانٍ، ثم التفت إليها ببطء:
"والأدهى… أنه يظن أنني أتآمر معه. أنني أفشي أسرارنا… لأنني الشخص الوحيد الذي يعرف كل التفاصيل."
ارتبكت إيرين، لم تعرف ماذا تقول، فأخفضت عينيها. الكلمات خانتها، وكان قلبها يرتجف خوفًا من أن تنكشف مهمتها قريبًا.
لكنه أكمل، بنبرة هادئة لكنها عميقة:
"لذلك أنا هنا… معكِ. لأنني لم أعد أثق بأحد. لا في القصر، ولا في الشركة، ولا حتى في عائلتي…"
نظر مباشرة في عينيها، وواصل:
"وأنا بحاجة إلى شخص يخبرني بالحقيقة… مهما كانت."
كانت تلك لحظة مفصلية. إيرين تعرف أنها لم تعد تملك ترف الكذب طويلًا… وكوان، رغم شكوكه، بدا كمن يُعطي فرصة أخيرة قبل الانهيار.
في داخلها، كانت تعرف أن كلمتها القادمة قد تغيّر كل شيء.
عادت إيرين إلى القصر بخطى بطيئة، كمن يُخفي في قلبه أكثر مما تحمله قدمُه. وما إن دخلت حتى تفاجأت بوقوف شيناي عند مدخل الردهة، وذراعاها معقودتان، ونظرة حادة تعلو وجهها.
قالت ببرود ظاهر، يخفي خلفه نية حادة:
"أين كنتِ؟"
رفعت إيرين عينيها إليها بتوتر، ثم أجابت بعد تردد:
"ذهبت فقط لشراء بعض الأغراض... واستنشاق بعض الهواء. لم أتأخر كثيرًا."
صمتت شيناي للحظة، تراقب ملامحها بدقة، كأنها تقرأ ما خلف الكلمات. لم تقتنع، لكنّها لم ترد التصعيد في تلك اللحظة. اكتفت بإيماءة خفيفة، ثم قالت بنبرة صارمة:
"لن أكرر سؤالي مرة أخرى. لكن اعلمي أنني أرى كل شيء، حتى لو لم أعلّق."
ثم استدارت، وتوجهت إلى الطابق العلوي، تاركة إيرين واقفة مكانها، تشعر بثقل يهبط فوق ص*رها.
منذ تلك الليلة، تغيّر سلوك شيناي معها. لم تُصرّح بأي شيء، لكنها بدأت تُعاملها ببرود بالغ، تقسو في الأوامر، وتحمّلها مسؤوليات إضافية، وتُبقيها تحت المراقبة الدائمة. شعرت إيرين وكأنها عادت إلى نقطة البداية، أو ربما أسوأ.
حلّ الليل أخيرًا، وكان التعب قد نال منها. جلست على سريرها، تخرج هاتفها بتردد، ثم كتبت رسالة قصيرة لكوان:
"لا شيء جديد حتى الآن. القصر هادئ… ولكن شيناي ليست كذلك."
أرسلت الرسالة، ثم أغلقت الهاتف، وألقت رأسها على الوسادة بثقل. عيناها تحدقان في الظلام، وقلبها ينبض بأصوات مختلطة من الخوف، الشك، و... الحنين.
وفي تلك الليلة، نامت إيرين، لكن قلبها لم يغفُ أبدًا.
في تلك الأثناء، كان ليون يعمل ليلًا ونهارًا في مكتبه الصغير، تغمره الأوراق والملفات والمستندات. كان يراجع كل وثيقة، كل حركة مالية، كل صفقة مشبوهة في سجل دايسيك. شاشته تعرض بيانات البنوك، عقود مزورة، وخيوط متشابكة، يحاول ربطها ببعضها البعض.
كان صوته منخفضًا وهو يهمس لنفسه:
"لا بد أن هناك ثغرة... شيء واحد فقط يُسقطه."
وبين كل حين وآخر، كان يفتح رسائله ويبعث بتعليمات أو يسأل إيرين:
"هل لاحظتِ إن كانوا يخططون لاجتماع؟ هل تغيرت تصرفات دايسيك أو شيناي؟"
وكانت إيرين تُجيبه بسرية من هاتفها الخفي، وهي تتجنب الشبهات داخل القصر.
في الجهة المقابلة، وفي جناحه الفخم، كان دايسيك يخطط لأمر آخر تمامًا. بعد الأسابيع المتوترة، وبعد أن بدأ يفقد السيطرة على كوان، فهم أن المواجهة المباشرة لن تجدي نفعًا. لذا، جلس في مكتبه يكتب رسالة بخط يده، شيئًا لم يكن يفعله منذ سنوات.
"إلى كوان... ابن أخي، وريثي، وابني الذي لم أنجبه."
كانت نبرته رسمية لكنها محمّلة بثقل زائف من الندم، وانتهى فيها بجملة:
"أريد أن نبدأ من جديد. لقد أخطأت، لكنك ما زلت عائلتي."
وفي اليوم التالي، وبينما كان كوان في مكتبه، تلقّى الرسالة بختم العائلة.
قرأها مرّتين، ولم يتغير تعبير وجهه. لكنه احتفظ بها.
وفي المساء، زار دايسيك الشركة بنفسه، أمام الجميع، دخل مكتب كوان دون سابق إنذار.
تقدّم نحوه ببطء، وقف للحظة، ثم قال بصوت خافت ونبرة غير معتادة منه:
"أنا آسف يا كوان... أخطأت بحقك."
توقفت أيدي كوان عن الحركة، لم يجب في البداية، فقط نظر إليه نظرة طويلة كأنها تبحث عن نوايا مخفية بين الكلمات.
ثم قال بهدوء:
"نحن لسنا في مسرحية، عمي."
لكن دايسيك رد بثبات:
"ولن أكون خصمك بعد الآن. افعل ما شئت بأسهمك، بقراراتك... فقط لا تبتعد عن العائلة."
رغم أن كوان لم يرد مباشرة، إلا أن كلماته تركت أثرًا داخله. ومع ذلك، لم يكن يثق به تمامًا... ولا حتى بنسبة قليلة.
في مكانٍ آخر من القصر، كانت إيرين تُراقب عن بُعد، وتنتظر من ليون ما إن كان يجب أن تثق بهذا "الصلح"... أم تستعد للعاصفة القادمة.