صمت و خذلان

1493 Words
كان القصر غارقًا في صمت ثقيل ذلك اليوم، كأن كل شيء ينتظر لحظة الانفجار كانت ايرين قد عادت بعد عطلة قصيرة مع عائلتها. في المساء و في غرفة الجلوس الواسعة، جلست مييون بكامل أناقتها على الأريكة المخملية، ساق فوق ساق، تمسك كوب شاي مزخرفًا، وعيناها تتأملان المكان بنظرة متعجرفة. رفعت يدها ونادت بنبرة باردة: "إيرين!" جاءت إيرين بسرعة، ملامحها هادئة كقناع، لكن قلبها كان يخفق بقلق. "أمرك آنسة مييون." لم تنظر إليها حتى، فقط أشارت إلى الطاولة أمامها: "الشاي بارد، أعيديه. وأحضري معه الحلوى … لا أريد أي شيء فيه سكر كثير، و اذهبي بسرعة عقلي لا يحتمل وجودك ." تجمّدت يد إيرين للحظة، لكنها انحنت قليلاً وأجابت: "حالًا." ذهبت بخطوات ثابتة و في تلك اللحظة، دخل كوان وو إلى القصر، عائدًا من عمله، كانت خطواته ثقيلة، وعيناه تبحثان عن ايرين دون أن يقصد… . رآها تمر من أمامه حاملة صينية، رأسها مطأطأ، ومجرد رؤيتها جعل قلبه يضطرب. ثم نظر إلى مييون، الجالسة كملكة تدير مشهد الإهانة بعناية. توقفت إيرين أمامها لتضع الصينية، فرفعت مييون يدها في وجهها فجأة . "انتظري!" ثم أخرجت من حقيبتها منديلاً و هي تنظر لكوان. "نظفي حذائي أولًا، لقد علقت به بقعة ، وأنا لا أحب رؤية القذارة… سواء على الأرض، أو من يقف أمامي." بقي كوان واقفًا عند الباب ، لم يتحرك، لم ينبس بكلمة، لكنه كان يراها. يرى كل شيء. يرى كيف تن**ر إيرين بصمت، دون أن يعلو صوتها شعر بالان**ار. انحنت إيرين بهدوء، تمسك بالمنديل وتمسح حذاء مييون. كانت يدها ترتجف قليلاً. قالت مييون بابتسامة ماكرة، دون أن تنظر إلى كوان مباشرة: "الخادمات الجيدات نادرات، لكن يبدو أن بعضهن يحاولن التظاهر بأنهن مميزات… أليس كذلك، كوان؟" تجمّدت أنفاسه. لكن كوان لم يرد. لم يقترب. فقط بقي واقفًا هناك، يراقب بصمت، عيناه معلّقتان على إيرين، التي رفعت بصرها نحوه للحظة خاطفة… فقط لتراه واقفًا، ولم يتحرك. ذلك وحده كان كافيًا ليُحرق شيئًا بداخلها. أكملت تنظيف الحذاء، ثم وقفت، انحنت باحترام، وغادرت الغرفة. مييون ابتسمت لنفسها، وأخذت رشفة من الشاي الجديد. أما كوان، فظل واقفًا مكانه، جامدًا كتمثال، وعيناه لا تزالان معلّقتين بذلك الفراغ الذي تركته إيرين خلفها. كان الصمت صوته الأعلى. لكنه لم يكن صمت الهدوء… بل صمت الهزيمة.خرج كوان من غرفة الجلوس بخطى ثقيلة، لم يُلقي بكلمة، لم يُظهر سخطه، بل انسحب بصمت يشبه خنجرًا في ص*ره. لم يشأ أن يزيد من ألمها، لم يرد أن تبكي وهي تراه يُعاتب مييون لأجلها. كان صمته احترامًا… لا هروبًا. أما إيرين، فقد خرجت من الباب الخلفي بهدوء، ووقفت قرب المسبح في الفناء الهادئ. كانت المياه ساكنة كمرآة، تع** صورة قلبها الم**ور. رفعت يدها تمسح دمعة سالت دون استئذان، ثم أخرى… وفي لحظة، انفجرت بالبكاء، وحدها، لا أحد يرى، لا أحد يسمع. كانت تبكي بقهر، بحسرة، بصمت امرأة دفنت مشاعرها كي تنجو، فخذلتها دموعها على أول حافة أمان. كانت تبكي لأجل كوان، الذي رأته ولم يتحرك. تبكي لأنها خذلته بكلماتها، ثم خذلها بصمته. تبكي لأن الخطة كانت انتقامًا… لكنها صارت نزيفًا. في الداخل، وقفت مييون خلف النافذة، تشاهدها. كانت ابتسامتها مرسومة بخبث، وكأنها ترى انتصارًا لا يستحق الفخر. رفعت فنجانها وأخذت رشفة شاي، ثم همست لنفسها: "هذا ما يحدث حين تحلم الخادمة بما لا يليق بها." لكن في قلب كوان، الذي غادر القصر ولم ينظر خلفه، لم تكن الأمور هكذا أبدًا.في أحد الأحياء القديمة التي يغمرها ضوء المصابيح الخافتة، جلس كوان على مقعد خشبي أمام محل صغير يملكه رجل مسن يُدعى "سوكجين". كانت طاولة خشبية بسيطة تفصل بينهما، عليها زجاجة "سوجو" وكأسين نصف فارغين. الليل كان هادئًا، يمرّ ببطء، وكأنّه يُنصت لما سيُقال. أمسك كوان بالكأس، شرب جرعة أخرى، ثم تن*د بمرارة وقال: "تخيل، سوكجين... أن يُرغمك أحدهم على زواج لا تريده، فقط لأنهم قرروا أن الحب رفاهية لا تليق بك." نظر إليه سوكجين بعينين صغيرتين ذكيّتين، وبنبرة هادئة قال: "لستَ أول من يواجه الأمر، يا بني. لكن سؤالي… ماذا تريد أنت؟" ابتسم كوان بسخرية، ثم قال: "أنا؟ أنا فقط أحب فتاة لا أحد يرى أنها تستحق… فتاة دخلت حياتي خفية، كأنها ظل، لكنها غيّرت كل شيء." "الخادمة؟" سأل سوكجين بلطف. هزّ كوان رأسه بإيماءة خفيفة. "إيرين… نعم، خادمة بنظرهم. لكن بنظري؟ كانت الشيء الوحيد الذي جعلني أشعر أنني حي." سكت لحظة، ثم أردف: "لكنها صرخت في وجهي أمام الجميع. قالت لي لا تلمسني. أنني السبب في متاعبها. بدت كأنها تكرهني… و… رغم ذلك، ما زلت أحبها." أشاح بوجهه، عينيه تمتلئان بالغضب المكبوت والخذلان والارتباك. أخذ سوكجين نفسًا عميقًا، ثم قال بحكمة الكبار: "أحيانًا، الحب لا يكفي ليمنحك الشخص الذي تحبّه. وأحيانًا أخرى، يُقال ما لا يُقصد… فقط ليُحمي القلب من السقوط. الفتاة يا كوان… قد تكون دفعتك بعيدًا لتحميك، لا لتؤذيك." نظر كوان إلى الأرض للحظة، ثم همس: "لكن دايسيك لن يتركها. لقد هدّدها… وأنا السبب." ردّ عليه سوكجين وهو يصبّ له القليل من السوجو مجددًا: "إذًا لا تكن السبب في ألمها مرتين. إن كنت تحبها، فإما أن تحارب لأجلها أو تتركها بسلام. لكن لا تبقَ في المنتصف." رفع كوان الكأس، تأمل سائلها، ثم قال بصوت خافت: "أحيانًا… المنتصف هو المكان الوحيد الذي يمكنني البقاء فيه دون أن أنهار." سكت سوكجين، ثم ابتسم بتعاطف، ووضع يده على كتف كوان: "إذن تذكّر، يا بني… أن المنتصف لا يمنح نهاية سعيدة لأحد. عاجلاً أم آجلاً… ستضطر إلى اختيار طرف." كانت السماء فوقهم مليئة بالنجوم، لكن كوان لم يرَ شيئًا منها. كان يحدق في الفراغ، وفي قلبه حرب لم تهدأ منذ لحظة ظهور إيرين في حياته. في المساء، اجتمع أفراد العائلة حول طاولة العشاء المزينة بأطباق فاخرة، لكن الجو كان مشحونًا بالصمت الغريب. جلس دايسيك على رأس الطاولة، تنقل نظره بين المقاعد، ثم عبس وهو يلاحظ غياب كوان مجددًا. قال بنبرة باردة متوترة: "أين كوان؟" أجاب أحد الخدم وهو منحنٍ باحترام: "سيدي، لقد غادر منذ فترة طويلة… ولم يعُد. هاتفه مغلق، ولا أحد يعلم أين هو تمامًا." ارتفعت حاجبا دايسيك قليلًا، ثم أومأ للخادم أن ينصرف، وهو يتمتم بغضب: "سيتعلم يوماً ألا يتجاهلني…" في تلك اللحظة، دخلت إيرين بخطوات هادئة تحمل وعاء حساء ساخن، وضعته أمام دايسيك بحذر. عيناها لم تلتقِ بأيٍّ منهم، كانت تُحاول التركيز فقط على مهمتها. لكن مييون، كالعادة، لم تفوّت الفرصة. جلست متكئة برفاهية، تتأمل أظافرها ثم نظرت إلى إيرين بنظرة ساخرة وقالت بصوتٍ مسموع: "أتعرفين؟ لا بأس بمهاراتك في الطهي، ربما أفضل من قدرتك على التمثيل." توقفت إيرين لثوانٍ، لكنها لم ترد. نظراتها انخفضت، وأكملت سكب الحساء للضيوف. تابعت مييون، هذه المرة بصوت أعلى، ونبرة لاذعة: "لكن حذارِ… فحتى الممثلات يسقطن من المسرح حين يُكتشفن." ضحكت شيناي بخفة، بينما بدا الرضا على وجه دايسيك، وكأن الجميع اعتادوا هذا النوع من الإهانات. لكن إيرين، رغم الألم الذي احتشد في ص*رها، تماسكت. اكتفت بالانحناء قليلًا، وهمّت بالمغادرة. لكن قبل أن تغادر، التفتت مييون مجددًا وقالت ببرود: "ولا تقلقي بشأن كوان… أنا متأكدة أنه يشعر بالندم الآن، تمامًا كما ينبغي." لم تلتفت إيرين، فقط واصلت السير خارج غرفة الطعام، والدمعة التي كانت تحترق خلف جفونها لم تجد طريقها للنزول. كانت تُقاوم، كما اعتادت دائمًا. أما كوان… فقد كان بعيدًا عن كل هذا، غارقًا في أسئلته، وألمه.في وقت متأخر من الليل، بعدما تأكدت إيرين من نوم الجميع، أطفأت أنظمة المراقبة بعناية وهدوء، ثم دخلت إلى مكتب دايسيك المظلم. بدأت تتصفح الملفات المبعثرة على الطاولة بسرعة، اختارت بعض الوثائق المهمة التي تثبت فساد دايسيك وأعماله المشبوهة، وبدأت بتصويرها عبر هاتفها لترسلها فورًا إلى ليون. فجأة، سمعت خطوات ثقيلة تقترب من الممر. التفتت بسرعة، ورأت كوان يدخل المنزل متمايلًا قليلاً، واضح عليه أثر السُكر. ارتفعت دقات قلبها، فخرجت من المكتب بسرعة وحاولت الاختباء خلف جدار قريب. وقف كوان في منتصف الرواق، محاولًا تحديد مص*ر الصوت. تنفس ببطء وكأنه يتحدث مع نفسه: "من هناك؟ أظهر… لا تخافي… أنا... فقط... تعبت قليلاً..." لكن عندما تحركت إيرين لتتأكد من أنه لم يذهب، التقى نظرهما فجأة. تجمد كوان للحظة، وكأن وعيه بدأ يستيقظ ببطء وسط تلك اللحظة الغريبة. ثم، بلهجة متقطعة، قال: "إيرين... لماذا تختبئين؟… هل أنت بخير؟" كانت عيناه لا تزال تحملان بريقًا من التعب والارتباك، لكنه كان يحاول أن يبدو مهتمًا، حتى وإن كان في حالة غير مستقرة. كانت تلك اللحظة مشحونة بالتوتر، وكأن حدود بينهما بدأت تتلاشى رغم كل ما حدث من خلافات وألم. توترت إيرين بشدة، أنفاسها تسارعت، ونظراتها تراقب كوان بحذر. كان واضحًا من عينيه الزجاجيتين وصوته المتثاقل أنه قد شرب الكثير، بالكاد يقف، والكلمات التي كان يتمتم بها غير مترابطة، كأنها شظايا مشاعر لم يُحسن التعبير عنها. اقترب منها خطوة، ثم أخرى… قبل أن يرفع ذراعيه فجأة ويضمها إليه بقوة غير محسوبة. تجمدت إيرين مكانها، عيناها اتسعتا من الصدمة، جسدها تجمد للحظة بين ذراعيه، لم تفهم ما الذي يحدث… لكنه همس بكلمات مبعثرة، غير واضحة: "لا تبتعدي... لا تختفي مرة أخرى…" أدركت إيرين حينها أنه لا يدرك تمامًا ما يفعله. قلبها خفق بقوة، لكنها تماسكت، ووضعت يدها على ظهره، تحاول أن تدفعه بلطف، ثم قالت بصوت خافت فيه رجفة: "كوان... أنت لست بخير. دعني أساعدك." أخذت تسانده بذراعه على كتفها، رغم أنه أطول وأثقل منها، وساعدته على الصعود إلى الطابق العلوي. فتح باب غرفته وهو يتمايل، جلست بهدوء على طرف السرير وأرشدته للجلوس. جلس كوان ببطء، أرخى جسده على السرير دون مقاومة، ثم أغمض عينيه وهمس: "أنا متعب... كل شيء... متعب…" غطّته إيرين بالبطانية دون أن تنطق بكلمة. بقيت لحظة تراقبه بصمت، ترى ملامحه التي رغم سكونها كانت تحمل في طياتها الكثير من الألم. ثم أدارت ظهرها وخرجت من الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها. وقفت في الممر المظلم، تضع يدها على ص*رها المضطرب، تهمس لنفسها: "هذا ليس الوقت المناسب للارتباك... تذكّري لماذا عدتِ." لكن قلبها كان يقول شيئًا آخر.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD