في الصباح التالي، كانت أشعة الشمس تخترق نوافذ القصر برفق، لكن الدفء لم يصل إلى أروقة المكان، حيث بدأ الهمس ينتشر كالنار في الهشيم.
"أحد الخدم رأى إيرين تخرج من جناح سيد كوان في منتصف الليل."
"هل هذا صحيح؟"
"يقولون أنها كانت تمسك بذراعه…"
كانت الألسنة لا تتوقف، والهمسات تتنقل بين الخادمات مثل شرر يُنتظر أن يشعل حريقًا.
في المطبخ، كانت إيرين ترتب الأواني وتُحضّر الإفطار بهدوء حين التقطت أذناها الكلمات. توقفت يدها للحظة، ثم تابعت عملها كأن شيئًا لم يحدث، لكن نبضها كان يتسارع. لم تكن تتخيل أن لحظة مساعدتها لكوان ستتحول إلى فضيحة مصغرة.
لم تمضِ سوى دقائق حتى دخلت شيناي المطبخ، وأناقتها المعتادة لم تُخفِ قسوة نظراتها. وقفت عند المدخل، وصوت كعب حذائها يسبقها في الإعلان عن حضورها.
قالت بنبرة جامدة، لكن تحمل تهديدًا ضمنيًا:
"سمعت شيئًا غريبًا هذا الصباح، إيرين."
رفعت إيرين رأسها بسرعة، قلبها خفق، لكنها تماسكت وقالت بهدوء:
"ماذا سمعتِ، سيدتي؟"
تقدمت شيناي خطوة، عيناها تحدقان بثبات في وجه إيرين:
"يُقال إنك خرجت من جناح كوان بعد منتصف الليل. هل هذا صحيح؟"
تسمرت إيرين في مكانها، ثم أنزلت عينيها للحظة، تحاول أن تسيطر على ارتباكها.
"لا، سيدتي. لم أذهب إلى هناك."
قالتها بصوت واضح، لكن شيناي لم تقتنع.
"أتنكرين ما رآه الخدم؟"
رفعت إيرين نظرها هذه المرة بثبات، وكأنها قررت أن تتمسك بكلمتها:
"نعم، أنكر. لم أدخل جناحه قط، وما يُقال ليس صحيحًا."
صمتت شيناي، تمعنت في ملامح الفتاة أمامها. كانت تعلم جيدًا أن وراء هذا الهدوء أسرارًا، لكن لا دليل لديها الآن.
قالت أخيرًا، بنبرة تنذر بالخطر:
"أتمنى أن تكوني صادقة، لأن الكذب في هذا القصر... ثمنه باهظ."
ثم استدارت وغادرت، تاركة إيرين وحدها، تتنفس ببطء، تحاول تهدئة العاصفة داخلها قبل أن تبدأ العاصفة الحقيقية في الخارج.كانت الغرفة لا تزال تغرق في سكون ثقيل، وستائرها تسد ضوء الشمس إلا من شعاع خافت تسلل بين أطرافها. على الأريكة، كان كوان نائمًا بملابسه، معطفه نصف مغطٍّ لجسده، وزجاجة سوجو فارغة ملقاة على الطاولة القريبة. وجهه بدا مرهقًا، وجفونه متورمة من قلة النوم… أو من كثرة التفكير.
دخل أحد رجاله بهدوء، لكنه سرعان ما توقف للحظة، ورفع حاجبيه باشمئزاز خفيف وهو يشمّ رائحة السوجو المنتشرة في الجو. سحب الستائر فجأة، فغمرت الغرفة أشعة النهار، جعلت كوان يتأفف ويتقلب بعصبية.
قال الرجل، وهو يقترب ويمد يده ليوقظه:
"سيدي… هناك أمر عاجل."
فتح كوان عينيه بتثاقل، أدار رأسه ببطء وهو يهمهم:
"ما الأمر الآن؟ هل اشتعلت الشركة؟"
قال الرجل بجدية واضحة، متجاهل المزاح:
"الأمر يخص الخادمة… إيرين."
انتبه كوان فورًا. جلس مستقيمًا، وقد بدا أثر التعب على وجهه، لكنه أصبح يقظًا، كأن اسمه وُضع في الجملة مع إيرين أشعل فيه شيئًا داخليًا.
"ما بها؟ هل حدث لها شيء؟" سأل بقلق لم يُخفِه.
تردد الرجل للحظة، ثم قال بصوت حذر:
"انتشرت شائعة هذا الصباح في القصر… أحد الخدم قال إنه رآها تخرج من جناحك الليلة الماضية."
تجمد كوان. رفع نظره ببطء وكأن الكلمات لم تصل إليه كاملة. ثم استند بيديه إلى ركبتيه، وقال ببرود خطر:
"من قال هذا؟"
"لا نعرف بالضبط، سيدي… لكن يبدو أن شيناي علمت بالأمر، وبدأت تحقق معها."
مرر كوان يده على وجهه، وتنهّد بعمق، ثم تمتم ساخرًا:
"بالطبع، لم يستغرق الأمر كثيرًا قبل أن يهاجموها."
نهض من مكانه، بدأ يرتدي سترته، وعيناه تحترقان بالغضب المكتوم. لم يكن قلقًا من الشائعة على نفسه… بل على إيرين. يعرف جيدًا ما يعنيه أن تكون هدفًا في قصر مثل هذا، حين تُساق التهم دون رحمة.
قال أخيرًا، بنبرة قاطعة:
"راقب الخدم، وتأكد من معرفة من نشر هذه القصة. وإذا اقترب أحد من إيرين مرة أخرى… أبلغني فورًا."
ثم غادر الغرفة، والشرر يشتعل في عينيه، لا يدرى هل عليه أن يواجه شيناي الآن… أم يبحث عن إيرين أولًا.دخل كوان إلى قاعة الفطور بخطوات واثقة رغم ما يعتمل في داخله من قلق وغضب، كان يرتدي بدلته الرمادية الداكنة وعيناه أكثر قتامة من المعتاد. على الطاولة، كان دايسيك قد بدأ فطوره مبكرًا، يقرأ تقريرًا صغيرًا بيد، ويحتسي قهوته بيد أخرى.
رفع دايسيك عينيه فور رؤية كوان، ابتسامة خفيفة وباردة ارتسمت على وجهه وقال:
"ها قد قررت أن تظهر بعد ليلة طويلة، أليس كذلك؟"
لم يرد كوان، فقط جلس بهدوء في مكانه، التقط كوب الشاي دون أن يرفع عينيه عن المائدة.
تابع دايسيك بنبرة أكثر جدية:
"وصلني صباح اليوم تقرير مثير… يقول إن أحد الخدم رأى الخادمة… إيرين، تخرج من جناحك الليلة الماضية."
توقف كوان عن الحركة للحظة، ثم ارتشف من كوبه بهدوء، قبل أن يجيب بصوت بارد:
"لا أذكر الكثير… كنت ثملاً. طلبت من السائق إيصالي إلى القصر. لا أعلم ما الذي حصل بعد ذلك."
ضيّق دايسيك عينيه قليلاً، وألقى الورقة من يده على الطاولة، ثم قال:
"الأغرب من هذا… أن أنظمة المراقبة كانت معطّلة تمامًا ليلة الأمس. هل تعلم كم يصعب تعطيلها دون تصريح إداري؟"
نظر إليه كوان، نبرة هادئة لكن مشوبة بشيء من الاستفزاز:
"هل تتهمني بتعطيلها؟ أم تتهم خادمة؟ في كل الأحوال… لا يبدو هذا منطقيًا."
أسند دايسيك ظهره للوراء، عبّر بإصبعه على فكه متفكرًا، ثم قال:
"أنا لا أتهم… أنا أحذر. إذا كانت هناك خادمة تسعى للتلاعب أو... التقرّب من أحد رجال هذه العائلة، فالأمر لن يمر بسهولة."
رفع كوان نظره أخيرًا، وعيناه ثابتتان في عيني عمه، وقال بهدوء جليدي:
"أحيانًا... من يحاول فرض سيطرته على كل شيء، لا يدرك أنه خسر أكثر مما ظن أنه يملك."
ساد صمت متوتر للحظة، قبل أن ي**ر دايسيك الجمود بابتسامة ساخرة:
"عد إلى عملك، كوان. أنت تبدو بحاجة لبعض التركيز."
نهض كوان ببطء، التقط سترته، ثم قال قبل أن يخرج:
"التركيز؟ لا تقلق، أنا مركز جدًا… على كل شيء."
وغادر القاعة دون أن ينتظر ردًا.في الممر الطويل المؤدي إلى قاعة الطعام، كانت إيرين تقف بهدوء خلف أحد الأعمدة الرخامية، تحبس أنفاسها وتتجنب إصدار أي صوت. يداها ترتجفان قليلًا وهي تمسك هاتفها الصغير بإحكام، تتابع بعينيها شاشة الرسائل بينما أذناها تلتقطان كل كلمة تُقال بين كوان ودايسيك في الداخل.
كانت الكلمات تصلها كصفعات متتالية:
> "الخادمة خرجت من جناحك؟"
"أنظمة المراقبة كانت معطّلة."
"من يحاول التقرّب من رجال العائلة لن يمر بسلام…"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأبعدت الهاتف قليلاً عن ص*رها. ثم أعادت النظر إلى الشاشة، وبدأت تكتب رسالة لـ ليون بصمت وخوف:
> إيرين: "دايسيك عرف أن الكاميرات كانت مطفأة… ويتهمني ضمنيًا."
ليون: "ابقِ هادئة، لا تعترفي بشيء. هل شك كوان بكِ؟"
إيرين: "لا… لكنه كان موجودًا وقتها، وكان ثملاً، وقال إنه لا يتذكر."
ليون: "جيد. هذا لصالحك. لا تفعلي شيئًا حتى نقرر الخطوة التالية. هل استطعتِ إرسال الصور؟"
إيرين: "نعم، أرسلتها الليلة الماضية قبل أن يراني كوان…"
توقفت للحظة، تسمع وقع خطوات تقترب من الممر. بسرعة أخفت الهاتف في جيبها وعادت إلى أداءها كخادمة، رأسها منخفض ويديها خلف ظهرها، وكأنها تنتظر أمرًا.
مرّ بها كوان وهو يغادر القاعة، نظراته مرّت عليها ببرود ظاهري، لكن عينيه كانتا تفحصانها في صمت. كأنه يشعر بشيء… أو كأنه رأى في عينيها ذكرى الليلة السابقة.
ما إن ابتعد عنها حتى أخرجت هاتفها مرة أخرى:
> إيرين: "ليون… لقد نظر إلي بطريقة مختلفة. لا أعلم ما إذا كان يشك… أم أنه فقط يتألم."
انتظرت الرد، ثم جاءت رسالته سريعًا:
> ليون: "ربما كلاهما. لا تنسي لماذا أنتِ هناك. الألم ليس جزءًا من خطتنا."
نظرت إيرين إلى شاشة الهاتف، وعينيها تملؤهما مرارة لا تستطيع البوح بها.
ثم أغلقت الهاتف، وقلبها يتساءل:
"وماذا لو كان الألم... أقوى من الخطة؟"
في المساء، جلس ليون وحده في مكتبه الصغير، محاطًا بأكوام من الأوراق والوثائق التي أرسلتها له إيرين في الليلة السابقة. كانت الغرفة هادئة، لا يُسمع فيها إلا صوت تقليب الأوراق وصوت ساعته القديمة المعلّقة على الجدار.
كان الضوء الأصفر الخافت للشمعة الصغيرة على الطاولة يكشف ملامحه المتوترة… وعينيه المتعمقتين في السطور.
أعاد ترتيب الوثائق مجددًا، ثم أخرج دفتراً خاصًا وبدأ يُسجّل ملاحظاته بخط يده:
> "صفقات مزيّفة… تحويلات مالية غير مسجلة في النظام… توقيعات مكررة…"
"مشروع مزعوم لمصنع في الجنوب – لا وجود له فعلياً."
"أسماء وهمية مدرجة كمستفيدين – جميعها تقود إلى حسابات تحت سيطرة دايسيك."
وضع القلم، تن*د ببطء، ثم ضغط على صدغيه بأصابعه.
همس في نفسه:
"دايسيك ليس فقط فاسدًا… بل ذكي جدًا في إخفاء فساده. هذا لن يكون كافيًا لإسقاطه في العلن."
نهض من مكانه، وبدأ يتمشى في المكتب بتوتر، كأنه يبحث عن ثغرة في الجدران، كما يبحث عن ثغرة في المخطط.
ثم توقف فجأة، وعاد إلى المكتب، فتح الدرج وأخرج منه ملفًا قديماً مغبرًا، مكتوب عليه:
"مهمة: سقوط دايسيك – المرحلة الثانية"
فتح الملف، بداخله مخططات ورسومات وملاحظات تعود لأشهر سابقة، ثم دوّن بخط سريع على الصفحة الأخيرة:
> "نحتاج إلى:
إثبات تورط دايسيك في تهديد مباشر أو فعل إجرامي.
شاهد داخلي… شخص من قلب القصر.
اتصال مباشر مع أحد المستثمرين المتضررين."
أغلق الملف بقوة وهمس:
"إيرين هي المفتاح… لكنها تضعف أمام كوان. يجب أن تتذكر الهدف. لا مجال للمشاعر الآن."
وفي تلك اللحظة… رنّ هاتفه.
كانت رسالة قصيرة من إيرين:
> "دايسيك أصبح أكثر حذرًا. بدأ يراقبني… وأشعر أن كوان لم يصدق كذبة الليلة."
ضغط ليون على الشاشة، ثم أجاب:
> "اصمدي. اقتربنا من قلب اللعبة… ولدي خطة."
رفع عينيه إلى السقف، وعقله يعمل بسرعة.
الخطة لم تعد فقط لإسقاط دايسيك… بل لإنقاذ كل من دمّرهم على مر السنين.