الحقيقة المظلمة

1079 Words
في تلك الشقة الصغيرة، كانت رائحة التوبوكي الحارّ تملأ المكان. جلست إيرين على الأرض، بجانب الطاولة المنخفضة، تحمل عيدان الطعام بيد وتطعم أخاها باليد الأخرى، تضحك كلما عبس وجهه من طعم الفلفل. "أومّا، إنه حار!" ضحكت الأم وهي تضع كوب الماء أمامه: "هكذا يصبح أقوى." نظرت ايرين إلى والدتها بابتسامة تعب، ثم همست: "أنتِ من تجعليني أقوى…" في ذلك الوقت، في القصر الكبير، كان البخار يملأ الحمام الفاخر الخاص بـ كوان. خرج عاري الص*ر، قطرات ماء متناثرة على جسده ممسك بمنشفة حول خصره وأخرى على كتفه، وهو يجفف شعره المبلل. اقترب صوت خافت على الباب، ثم دخل خادم يحمل ملفًا بنيًا. "سيدي… المعلومات التي طلبتها عن الخادمة… إيرين." لم يقل كوان شيئًا، فقط مدّ يده وتسلّم الملف. فتح الغلاف السميك، وجلس على الأريكة، الماء لا يزال يقطر من شعره. بدأ يتصفّح ببطء: الاسم الكامل: بارك إيرين تاريخ الميلاد: قبل عامين ممّا هو في ملفها الرسمي في القصر. العنوان: الحي الشعبي، نفس المنزل الذي تبعها إليه. الأم: مي سون الأخ الأصغر: دايهون ثم نظر إلى نسخة بطاقة الهوية… صمت للحظات، أخذ الملف الثاني، ذلك الذي قدمته إيرين عند التحاقها كخادمة في القصر. فتح الصفحتين جنبًا إلى جنب. كل شيء مختلف. الاسم مقلوب ترتيب الحروف، السن مزيف، لا ذكر لأي عائلة. ضغط على الورقتين بقوة، وكأن عينيه لا تصدقان. وقف، اقترب من النافذة، نظر للحديقة الكبيرة تحت ضوء القمر. لماذا كذبت؟ كانت تلك الجملة ترددها أفكاره بصمت خانق. هل كانت تهرب من شيء؟ هل أُجبرت على العمل هنا؟ هل تخفي سرًا أخطر؟ أم أن كلّ شيء كان تمثيلاً؟ لم يعد يعلم. وما أحزنه أكثر… أنه تذكّر عينيها حين صرخت في وجهه: "لا أريدك… لا تلمسني!" هل كانت تحميه من شيء؟ أم تحمي نفسها؟ جلس مجددًا، أسند رأسه للخلف، وأغمض عينيه، وكأن الحقيقة تركت جرحًا أعمق من الشك. شعر بألم و هو يتذكر كيف كانت تحدثه انها وحيدة بدون عائلة ... مرر اصابعه على شعره بغضب و توتر و كانت هناك اسألة تملأ رأسه . في الصباح دخل كوان مبنى الشركة بخطوات سريعة وثقيلة. ملامحه جامدة كالصخر، وعيناه لا تركزان على شيء سوى الأرض أمامه. كان الموظفون يحيّونه كالعادة، لكنه كان يرد ببرود. حتى سكرتيرته لم تجرؤ على التحدث، فقد كانت الهالة حوله كئيبة ومتوترة. دخل مكتبه، ألقى بحقيبته على الطاولة، ثم جلس وفتح حاسوبه بعنف غير معهود. كان ذهنه لا يعمل… بل يغلي. "إيرين كذبت…" "ما الذي تخفيه؟" "هل كل لحظة كانت تمثيلًا؟" دق الباب بخفة، ثم دخلت مييون، بابتسامتها المعتادة، حاملة كوبًا من القهوة الساخنة. "صباح الخير، أعددت لك هذا بنفسي…" لم يرد. وضعت الكوب على الطاولة واقتربت أكثر، محاولة تلطيف الجو لمست كتفه و قالت: "أعتقد أن بعض القهوة ستخفف عنك… تبدو متعبًا، هل نمت جيدًا؟" رفع كوان نظره إليها ببطء، كانت نظرته باردة، مجرّدة من أي دفء. "مييون، من فضلك ابعدي يدك … هل بإمكانك التوقف عن التمثيل؟ لا وقت لدي لك الان انا مشغول بعملي " تجمدت ابتسامتها و ابعدت يدها و وقفت قرب المكتب . "ماذا تقصد؟" نهض من مكانه بحدة، وأشار إلى الباب: "أنا لست طفلًا. لا أحتاج من يحاول التقرّب كل صباح بكوب قهوة لا طعم له، ولا برائحة عطر مبالغ بها او بألوان من المساحيق او احمر شفاه فاقع ... لا احب التمتيل و التظاهر اعتقد انك اكبر من فعل هذه الاشياء التي بلا معنى." اندهشت مييون، نبرة صوته كانت غير مألوفة، قاسية كأنها صفعة. "كوان… أنا فقط أحاول–" قاطعها بلهجة مشتعلة، وعيناه لا ترفّ: "لا تحاولي شيئًا. لا تلعبي دور الحنونة، ولا تجعلي من وجودك عادة. أنا لم أطلب شيئًا منك، ولن أفعل." "لكنك ابن عمي و سنتزوج و والدي دايسيك هو من–" "كفى!" صاح فجأة، حتى ارتجف الكوب على الطاولة. "كفى استخدام اسمه كدرع. أنا من أقرر من يدخل حياتي، وليس هو… ولا أنتِ." كانت مييون تشعر بالذل، بالصدمة. حاولت التماسك لكنها تمتمت بخفوت: "لماذا تعاملني هكذا… ما الذي تغيّر؟" تقدّم منها بخطوتين، ونظر إليها بنظرة لاذعة: "ما تغيّر؟" "ظهرت الحقيقة." "وأنا لا أملك ترف المجاملات بعد الآن." ثم التفت مبتعدًا، وصوته ينخفض قليلًا: "اتركيني وشأني، مييون… ابتعدي من هنا اخرجي قبل أن أكرهك فعلًا." خرجت مييون من المكتب بخطوات متوترة، تخفي دمعة في عينها، لكن بداخلها اشتعلت نار أخرى… نار لم تكن حزينة فقط، بل غاضبة، مجروحة… وربما حاقدة. في الخارج، كان الموظفون يتهامسون، قد سمعوا جزءًا من الحديث… والشركة كلها تعرف اليوم أن ما بين كوان ومييون… لا يمكن ان يكون حبا. أما كوان، فقد جلس على مكتبه مجددًا، مسح وجهه بكفه، وأغمض عينيه. لم تكن المشكلة في مييون… بل في قلبه الذي لم يعد يفهم إيرين. كانت مييون تحاول حبس دموعها وهي تندفع إلى مكتب والدها في الطابق الأعلى. لم تطرق الباب، فقط دخلت دفعة واحدة، بصوت مختنق: "أبي… لا أستطيع تحمّله أكثر! كوان… كوان أهانني أمام الجميع!" رفع دايسيك رأسه من فوق أوراقه، نظر إلى ابنته للحظات بصمت، ثم وقف بهدوء مخيف واقترب منها. "ماذا قال لك؟" "قال إنه لا يريدني، و... وصرخ في وجهي! الجميع سمعه… أبي، لا أريد أن أراه مجددًا… لا أحتمل!" ضاقت عينا دايسيك، ثم استدار دون كلمة، وخرج من مكتبه بخطوات بطيئة لكنها مشتعلة بنية المواجهة. فتح باب مكتب كوان بقوة، لدرجة اهتزت الجدران. كان كوان ما يزال جالسًا، لكنه رفع نظره بثبات. صرخ دايسيك بصوت غاضب: "هل فقدت عقلك؟! كيف تجرؤ أن تتحدث مع ابنتي بهذا الشكل؟! هل تعرف من هي هل تعي مكانتها " لم يرد كوان، فقط وقف بهدوء، وواجهه بعينين باردتين. "هذه مشكلتي معها، وليست مشكلتك ، و لا شيء يقاس بالمكانة الاجتماعية سواءا كانت وريثتك او صاحبة الشركة او موظفة لا يهم انا ايضا مثلها و الان لا داعي للنقاش" اقترب دايسيك حتى كاد أن يلتصق به، ونبرة صوته أصبحت منخفضة لكنها أكثر تهديدًا: "لا… كل ما يتعلق بمييون هو مشكلتي. أنت تنسى نفسك، يا كوان. انها وريثة و صاحبة الشركة و ابنتي هل تفهم" أجاب كوان دون أن يرمش: "أنا لم أطلب هذه العلاقة. أنت من فرضها. وهي من تعيش الوهم." "وهم؟!" صرخ دايسيك. "هل تسمي ابنتي وهمًا؟ بعد كل ما فعلته لك؟ بعد أن اهتميت بك وربيتك كابني؟" اقترب كوان أكثر، صوته منخفض كالسُمّ: "أنت لم تربِّني، أنت امتلكتني تتحكم في مصيري كأنك نسيت انني ابن اخيك و لست عبدا لك" صمت للحظة، ثم أردف: "وانتهى زمن الطاعة العمياء، عمي." احمرت ملامح دايسيك، اقترب خطوة أخرى، وأشار بإصبعه في وجهه: "اسمعني جيدًا… إن لم تعد إلى رشدك، سأجعلك تندم. سأقصّ جناحيك وأرميك من القمة التي صنعتُها لك." رد كوان بنبرة واثقة وقاسية: "افعل. لكن تأكد أنني سأهبط على قدميّ… لا على ركبتي." تجمّد الجو في المكتب، كان الصمت حادًا كالسكاكين. أخيرًا، استدار دايسيك، وصفق الباب خلفه بقوة، صوته يتردد في كل الأروقة، بينما مييون كانت واقفة خارج المكتب، ودموعها تحولت إلى غضب… وغصة. أما كوان، فجلس مجددًا، وضع يده على رأسه، وعيناه تحدقان في الفراغ. كل شيء ينهار… لكنه لن يندم.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD