(1. الفصل الأول)
المقدمة:
من قال أن الملوك معصومون؟ من قال أن نشء القصور لم يجربوا العصيان؟ اتباع القوانين أساس لاستمرار السلطة.. ولكن ما بيد الأخيرة حيلة أمام العشق.. ذاك الذي يبرر الوسيلة.. ويختزل اللذة من جوف الخطيئة.. فمرض الحب عضال.. وعندما طال الأمير.. عارك الخطيئة وكانت الحرب سِجال..
إسراء الوزير
#خطيئة_الأمير
#الفصل_الأول
***
الصمت هو سيد المكان.. الطرقات خالية.. الكهوف فارغة.. حيث الجميع غادروا إلى مجلس الملك للاجتماع اليوم.. نظرت راوند حولها بتعجب قبل أن تنظر إلى كالي قائلة بدهشة:
_ عجيب! كل الأفاعي سارت باكرا إلى مجلس الملك اليوم!
نظر لها زوجها المستقبلي بينما يقول بفرح:
_ ألم تعلمي عزيزتي؟ لقد أتم الأمير اليوم مائة عام.
اتّسعت حدقتاها بينما تهتف بحماس:
_ يا إلهي! كم هو يوم مبارك!
ثم استطردت تقول بتساؤل:
_ ترى هل سيكون عادلا كجلالة الملك آزر؟!
أكمل كالي السير بينما يقول بابتسامة:
_ ليس عندي شك في ذلك.. إنه طيب القلب لم يؤذِ أحدا قط.. كما أن معه أخاه وسيكون له مؤازرا..
أماءت برأسها بابتسامة:
_ معكِ حق..
وأكملا السير حتى مجلس الملك الذي يحوي موكبا ضخما احتفالا بعيد ميلاد الأمير "سلطان" وليّ العهد الجديد بعالم الأفاعي المتحوّلة..
أصوات المزمار والأجراس تضجّ المكان.. ومجموعة من الأفاعي يتراقصون باستمرار.. أمام الملك آزر الذي يجلس بالمنتصف بشكل يفوق العَظَمة والفخر.. بهيئته البشريّة التي بارك بها إله النور سلالته.. فيتميّز بخِلقة بشرية جميلة لا تشيب.. إلى جانب قِوى عُظمى قلّما يوجد أقوى منها.. على يمينه يجلس وليّ العهد سلطان.. الملك المنتظر بعد والده والذي سيجري اختباره خلال بضعة أيام ليُرى إن كان يستحقها أم لا.. وعن اليسار يجلس أخوه الأصغر نالان ذا السابعة والتسعين.. بهيئاتهم البشرية المؤقّتة التي ستتغير بعد عقد طقوس معينة في عمر المائة.. وسيخضع لها سلطان ليحصل على هيئة بشرية دائمة وقوى عُظمى مُباركة.. وهو حال كل المتحولين.. فإمّا هيئات مؤقّتة لمن هم دون المائة.. ومعها لا يتمتعون بأيّ قوى أو هيئات دائمة يتمتع
وسط الاحتفال نظر أحد الرعيّة إلى أخيه قائلا بابتسامة:
_ إنه احتفال بهيج يعمّ بالبركات!
التفت إليه أخوه بينما يقول بنبرة هادئة:
_ لن يحدث الأمر بسهولة يا أخي.
رفع أحد حاجبيه قائلا بدهشة:
_ كيف؟
أجابه بشيء من الاستهزاء ضاحكا:
_ لأنك لم تتم الثمانين يا صغير فلا تفهم الأمر بعد!
تملّكه الغيظ من سخرية أخيه على صغر سنه فقال بنبرة حانقة:
_ أنا أفهم الأمر جيدا.. سيؤدي الملك المراسم أمام إله النور ليضمّ ابنه إلى عالم الأفاعي المتحولة وحينها سيتّغيّر مظهر الأمير الخارجي وسيكون وجهه الجديد أجمل من السابق بكثير.. وسيحظى بكل القوى التي يتمتع بها الأفاعي المتحولون.
أماء برأسه موافقا لكل ما سبق ثم أردف:
_ هذا ما يحدث مع أمثالنا يا أخي..
حدق به ببلاهة قائلا بتساؤل:
_ لم أفهم قصدك!
قال بنبرة أكثر إبهاما:
_ الأمير سيحصل على هذه الامتيازات ولكن ليس بتقديمه كثعبان بل كقربان.
_ هه!
فتئ بها بعدم فهم ليجيبه بجديّة:
_ أجل سيقدمه الملك كقربان للنار في المعبد.. فإما أن تبتلعه نيران الإله وإما أن يرحب بوجوده خليفة بأرض الأفاعي ويعود مفعما بقوة لا مثيل لها.
كان يكمل كلامه بالشرح وأخاه فاغر الفم يرمقه بدهشة حتى قال باستهجان:
_ وهل سيقبل الملك التضحية بابنه؟!
أجابه ببساطة مع إيماءة من رأسه:
_ الواجب ينادي قبل المشاعر.. وعليه كملك مخلص أن يعرّض ابنه للمخاطر في سبيل سلامة أرض الثعابين!
***
ومن أرض الثعابين ننتقل إلى أرض البشر.. من تميّزوا بالعقول وهبة التفكّر والتمييز.. أولئك الذين تميّزوا عن سائر الكائنات وأصبحوا بحق أفضلهم.. لم يكونوا الأفضل دفعة واحدة.. بل كان سلوكهم حيوانيا.. بربريا يرمي إلى التوحش.. في حقبة ما قبل اكتشاف السلوك الإنساني.. البدائيون أصحاب الأدوات البسيطة.. منازل من الخيام.. أثواب من الجلد.. قلّة في توافر الموارد المعيشية.. اعتماد أعمى على الصيد والقنص وجمع الثمار.. صيد الحيوانات المفترسة وغيرها باستخدام أدوات حادة بدائيّة.. وقد كانوا قديما يأكلون الحيوانات مرتوين بدمائها دون الحاجة إلى استخدام النار.. ولكن حدث تقدم في الآونة الراهنة حيث أصبحوا يعرّضون الطعام للهيب النيران وقد وجدوا طعمه مستساغا أكثر.. طهي الطعام.. تربية الأولاد.. حياكة الملابس.. تنظيفها.. الحرف البسيطة من أعمال النساء بالمنزل..
قريبا من مدخل الخيمة كانت تقلّب الطعام الموضوع بوعاء حديديّ فوق كومة العصيّ المشتعلة التي تقوم بتسوية الطعام.. ووسط الضجيج الذي يصدره الطعام بفعل النار أتاها صوت تميّزه جيدا يهمس جانبها بمديح:
_ كم هي رائحة شهية!!
ابتسمت لا إراديا بينما تلتفت إلى يمينها كي تنظر إليه فتجده يجلس القرفصاء على مقربة منها.. رداؤه الجلديّ يستر أحد كتفيه دون الآخر والتراب يغطّي جلده وملبسه نظرا للمجهود الذي بذله لجلب الطعام.. يرمقها بوَلَه قائلة بحب:
_ بالهناء لحبيبٍ غالٍ.
ناولها بعض سنابل القمح ثم قال بابتسامة:
_ كيف حالكِ جميلتي؟
ظلّت الابتسامة مفترشة وجهها بينما تقول بحب:
_ أنا بخير..
ترك القمح إلى جانبها ثم وقف قائلا:
_ سأقوم بتنظيف ملابسي ريثما تنتهين.
عقدت حاجبيها بدهشة بينما تقول بعدم فهم:
_ ماذا؟!
ثم سرعان ما تمسّكت بطرف رداءه قائلة بنهيْ:
_ لا لا تفعل.. سأقوم بذلك بنـــ
قاطعها بصوته قائلا:
_ وما الضير إن فعلتها؟! أكملي الطهي وسأساعدكِ.
أعلنت استسلامها بينما تقول بامتنان:
_ أشكرك عزيزي.
تابعته حتى دلف بالخيمة ليتمّ مهمته والسعادة تحتل وجهها من الحصول على هكذا زوج رائع وحظ وفير قلما تحصل على مثله.. انتبهت لتوّها إلى صوت إحداهنّ منادية:
_ لورا!
نظرت إلى الجانب الآخر حيث صوت المنادِي لتجدها صديقتها جلير تقترب منها بينما تمسك حربة بيدها فسارعت لورا إلى الوقوف بينما تقول بابتسامة واسعة:
_ أهلا عزيزتي كيف حالكِ؟
أجابتها بابتسامة ودودة:
_ أنا بخير.
ثم ناولتها الحربة التي كانت بيدها بينما تقول بابتسامة:
_ أتيتُ لأعطي الحربة لروكان فقد نسيها مع زوجي.
أمسكت بها ثم نظرت إلى جلير بابتسامة:
_ أشكركِ يا عزيزتي.
بادلتها بابتسامة مجاملة ثم تحركت إلى اليسار متجهة إلى خيمتها بينما لتُصدم برؤية روكان وهو يخرج من الخيمة بينما يمسك بملابس من جلد الماعز مبتلّة ويريد تعليقها في الهواء حتى تجفّ.. تسمّرت للحظات بينما ترمقه وهو يقوم بعمل كان من المفترض أن تقوم به زوجته.. سرعان ما تبدلت معالم الحنان والرقة إلى الغضب والغيظ لتضرب الأرض بأقدامها وكأنها ثائرة على ما يحدث.. فما أكثر من الحقد متزيّنا في قلوب البشر!
_ أنت مستعد؟
فتئ بها الملك آزر بصوت عالٍ صارم مهتز داخليا وقد تملّك منه الخوف ولكن لا يستطيع إظهاره أمام هذا الجمع الغفير من الأفاعي المتحولة والذين ينتظرون صدور القرار بأسرع ما يكون.. أجابه سلطان بثقة:
_ بكامل إرادتي مولاي!
كان جمع الرعيّة خائفين متوترين من تلك التضحية التي سيقدمها الملك ليثبت ولاءه للمملكة والخير بشكل عام.. حيث سيعرض ابنه كقربان لاختبار سلطته على المملكة.. يعلمون أيضا كم الألم الذي يشعر به الملك في هذه اللحظة فضلا عن الأخ الصغير بالإضافة إلى الأمير الباسل الذي رغم حداثة سنّه إلا أنّه مستعد للقيام بهذا الطقس لرضا الإله وخدمة السلالة..
اقترب نالان من صديق سلطان المقرّب فالير بينما يقول بخوف:
_ فالير.. أنا خائف.
نظر إليه فالير ثم قال بنبرة مهتزّة:
_ لا تقلق.. سيكون كل شيء على ما يرام.
في نفس الأثناء.. قام سلطان بالتحوّل إلى هيئته الحيوانيّة حيث يكون ثعبانا بمزيجٍ من اللونين الأخضر والحمر.. التقطه آزر عن الأرض ثم عرضه أمام خندق كبير تسكنه النيران.. ثم رفع رأسه عاليا بينما ينطق بصوت مرتفع:
_ روح طاهرة تريد التحرر.. فلتظهر قواها وترى النور.. يا إله الكون أعطِه مظهره وهويّته والقوة اللازمة ليحكم عالم الثعابين أجمعين.. اجعله مباركا معفيا من الذنوب.. اقبل هديّتي يا رب النور.. وإن لم تقبل فها أنا أقدمه قربانا فإما أن تبتلعه النار أو يعود إليّ متحوّلا على استعداد للإمساك بزمام المملكة برمّتها!
انتهى من هذا الترتيل ثم تناول نفسا عميقا أتبعه بإغماض عينيه قبل أن يلقي وليده بفم النيران.. فلم يكن ليجرؤ على رؤيته وهو يطعمه بنفسه للنار رغم قسوته وصلابته.. ارتفعت همهمات القوم وهم ينظرون إلى النيران التي زادت ثورتها بعد هذا الوقود الجديد.. لينطق فالير بابتهال:
_ مولايْ اقبله لكَ ممثلا ومخلصا ولن يتوانى عن فعل الصالح.. نحن نريده ملكا.. فاقبل به!
بينما يقول آزر على لسان حاله بتوسّل:
_ هو الواجب.. ولكن خسارة ابني ستكون فادحة.. اقبله مولايْ أرجوك.
انتبه إلى صوت هُتاف الجموع حوله بصوت واحد:
_ نقبل سيدنا الجديد! نقبل سيدنا الجديد.. نقبل سيدنا الجديد.. نقبل سيدنا الجديد.. نقبل سيدنا الجديد..
التفت إليهم بحركة لا إراديّة لتعتلي ابتسامة فخر بثغره من اجتماعهم على هذا الموقف.. فلم يكن تأييدهم للموقف لمجرد الوراثة بل حقا يشجعونه ويريدوه بعد ملكهم الحاليّ بالطبع.. كل هذا لم يُضعف من قلقه شيئا حتى شعر بصوت تحجّر عجيب أسكتهم جميعا.. تحولت النيران إلى أكوام من الحجارة وقد أعلنت دفن ما بجوفها.. حلّ الصمت المهيب.. وسكنت الأنفاس حتى صار صوت خفقات القلوب واضحا.. دقائق قليلة مرت كالسنوات حتى تصدّعت الحجارة فتهشّمت بقوّة من المنتصف وقد خرج من جوفها نور ساطع مع جسم غريب.. وضعوا أياديهم أمام عيونهم من شدّة الوهج حتى هدأ شيئا فشيئا ليُصدموا جميعا وقد رأوا جسدا بشريا موليا ظهره لهم.. يرتدي نفس ملابس الأمير ولكن يبدو أنها ضيّقة جدا حيث الجسد الجديد الذي حصل عليه الأمير أكبر من السابق.. عضلات أكتافه العريضة بارزة.. شعره طويل بعض الشيء مع بعض التموّجات البسيطة.. يلتفّ بهدوء كي يواجههم بمعالمه الجديدة والتي يتفقون على كونها أكثر جمالا من سابقتها.. و كأن النار عقدت معه ميثاقا بدلا من تشويه وجهه أعطته منحة بوجه أفضل بكثير.. هدأ نبض آزر المضطرب وعَلَا هُتافهم بسعادة قائلين:
_ لقد قبل الإله بوليّ العهد سلطان.. ملكنا الجديد لقرون من الزمان!
***
نهاية أحداث الفصل الأول