(2. الفصل الثاني)

1875 Words
#خطيئة_الأمير #الفصل_الثاني *** _ رأيته يساعدها بتنظيف الملابس جدتي! إنها حقا محظوظة! هتفت بها جلير بنبرة حانقة تمتلئ بالقهر بينما توجّه رأسها نحو تلك العجوز ذات الظهر المحنيّ إثر الشيخوخة.. تداعب قلادتها السوداء دون أن تعقب على حديث حفيدتها حيث تسترسل الأخيرة بغيظ: _ تلك العقيم.. نعمت بزوج واحد فقط على خلاف العادات.. يعشقها ولم يسمح لآخر بمشاركته فيها.. وليس هذا فحسب.. بل يساعدها بكل شيْء! ثم أكملت من بين غيظها بحرقة: _ وأنا هنا متزوجة من خمس! أقوم على رعايتهم مع أولادنا.. يتم إنهاكي بأعمال النهار وتلبية الاحتياجات بالمساء كبقية الفتيات! أجابتها بالصمت للمرة الثالثة مما أثار غضب جلير لتهتف باستهجان: _ لمَ لا تتحدثين جدتي؟! هل أكلم نفسي؟! نقلت عيناها عن القلادة بينما تقول بهدوء: _ ماذا تريدين جلير؟ امتعضت ملامح جلير وهي تقول بألم: _ لم هي مميزة عن كل فتيات القرية هكذا؟ أخبريني! شردت عيناها إلى اللا شيء بينما تفتئ بغموض: _ لطالما كانت مميّزة ولكن صدقيني لن يطول الأمر حتى تحترق وتتحول إلى رماد على قيد الحياةَ! جلست إلى جوار جدتها ثم رمقتها بهدوء قائلة: _ كيف هذا؟! عادت تنظر إلى حفيدتها ثم نطقت بنبرة مطمئنة: _ انتظري وستريْن. أجل إن لورا أكثر الفتيات تميّزا وأوفرهنّ حظا.. ففي مجتمعها البدائيّ وعصرها المتأخر يشيع الزواج الجماعي بين امرأة وعدة رجال.. امرأة واحدة يتزوجها عدد من الأخوة أو أبناء العم.. يتناوب أحدهم على زيارتها كل ليلة.. وفي مقابل ذلك لها الحق بتحديد نسب طفلها لأيٍّ منهم بعد ولادته.. قانون غريب وعادة عجيبة.. ولكنها كانت ضرورة في ذلك الوقت حيث قلة الإمكانيات دفعت الأخوة للاشتراك في الزواج من واحدة بمنزل زوجيّة واحد.. وكأن تلك السيدة ليست إلا سلعة لتلبية احتياجات الرجال فيقمن بأعمال المنزل وتربية الأبناء نهارا.. ثم يكملن العمل لصالح المتعة ليلا دون أن يبدين رأيهنّ في ذلك.. بل ليس لديهن القدرة على التفكير بذلك حتى.. ولكن الأمر لا ينطبق على لورا بكل تأكيد.. فكانت هي الاستثناء من بين المئات.. تزوجها روكان متحديا أهله وأبناء عمومه للانفراد بها دون أن يشاركه فيها أحد كما جَرَت العادة.. وليس هذا فحسب.. بل هو يعشقها إلى حدّ أنه يعاملها كملكة رغم أن تبيّنت عدم قدرتها على الإنجاب.. وهي مشاعر نادرا أن تظهر في هذه البيئة الهمجيّة ولكن حدث أن نبت الزهر من الصخر.. وبالتأكيد لم يرُق الأمر لقريناتها من بنات جيلها اللاتي يلاقين معاملة كالعبيد.. ولذلك جَرَى الحقد عليها من الجميع كبيرهم وصغيرهم.. رجالهم ونساؤهم.. ومن بينهم صديقتها جلير وجدتها ذات الظهر المنحني والقلادة السوداء.. *** كان سلطان جالسا بغرفته المخصّصة له.. بينما يرمق ما حوله بعينيه الليمونيّتين.. وقد اختلفت الرؤية تماما عن السابق.. ابتسامة الفخر تزيّن ثغره.. لا عجب وهو الآن وليّ العهد الجديد بمباركة إله النور.. انتبه إلى صوت فالير عند الباب قائلا بنبرة مازحة: _ هل تسمح لي بالدخول مولايْ؟! حدجه بجديّة قائلا: _ كفى مزاحا يا رجل! بادله بابتسامة واسعة قبل أن يدخل ليقف سلطان ثم يحتضنه فيقول فالير بفرحة: _ أنا سعيد لأجلكَ يا صديقي. ابتعد عنه سلطان ثم رمقه برضا قائلا: _ لم ولن أحظى بصديق مثلك يوما يا فالير.. شكرا لك على كل شيء. _ وأنا؟! كان ذلك صوت نالان الذي دلف مقتربا منهما ليقول سلطان بابتسامة واسعة: _ أنت أفضل أخ على الإطلاق. أسرع نالان يقول بحماس: _ أرني قواك.. حرّك الرياح.. داعب السحاب.. اطلق النيران.. أنا متشوق لرؤية ذلك جدا! هزّ سلطان رأسه ثم قال بهدوء: _ ليس من الحكمة استخدام قوايَ إلا عند الضرورة.. هذه القاعدة الأولى التي أملاني بها أبي حتى لا يغضب عليّ الإله. زمّ شفتيه بينما يقول بنبرة خائبة: _ حسنا فقط أرني لونك الجديد. رأى في ذلك المطلب بساطة لذلك قام بالتنفيذ.. ابتعد عنهما بقليل ثم وضع قبضتيه خلافا على كتفيْه ليتحوّل من هيئته البشريّة إلى كوبرا ضخمة يجمع جلدها بين اللونين الأسود والأصفر.. زاد نالان في القرب منه كي يزيد من التدقيق بتفاصيله حيث قال بإعجاب: _ رائع أصبح لون عينيك ليمونيّ عِوضا عن الأحمر! اقترب منه فالير ثم ربت على كتفه قائلا ببساطة: _ ثلاثة أعوام يفصلونك عن التحول يا نالان.. كن صبورا وستحظى بوجه أوسم من أخيك! نظر له نالان بحزن قائلا: _ لا أطيق الانتظار. عاد سلطان إلى هيئته البشريّة بينما أكمل فالير حديثه مع نالان ببساطة: _ حسنا املأ وقت فراغك في مساعدة أخيك في إكمال بقية الطقوس حتى تنتهي الأعوام الثلاثة. أجابه نالان مع إيماءة موافقة: _ حاضر! *** كانت لورا جالسة على السرير بينما تداعب خصلات شعر زوجها الوحيد.. تبرم خصلاته الطويلة حول أصابعها بينما يسند رأسه على قدمها باسترخاء.. قالت بينما تستمر بفعل ذلك: _ إلى أيّ مدى تحبني روكان؟ قال بنبرة يعلوها التساؤل: _ حب؟! أوقفت التلاعب بخصلاته ليبتعد عن قدمها ثم يعتدل في جلسته قائلا بابتسامة ولهانة: _ إنها كلمة قليلة تعبر عمّا يجيش بصدري نحوك يا عزيزتي.. لا أستطيع وصف حبي بالكلمات.. فقط كل ما أرجوه أن تكوني معي وبين أحضاني.. وإن متّ فأنا سعيد لأن تغادر روحي وجسدي بين ذراعيكِ. أسرعت تضع أصابعها على فمه كي تمنعه عن الإكمال بينما تقول بشيء من الخوف: _ لا تقُل ذلك عزيزي.. لا أستطيع الحياة من دونك يوم واحد. لم يوافقها الرأي حيث قال بجديّة: _ ستستطيعين المواصلة.. أنا أثق بقدرتك على ذلك. أجابته بشيء من العناد والجدية: _ إن رحلت سأركض وراءك وسأرافقك في الحياة الأخرى.. وهذا نهائيّ. قرّب وجهه منها بينما يقول بتحذير: _ لن تفعلي ذلك أبدا.. عِديني! زمّت شفتيها بحزن قائلة: _ لا أستطيع.. عاد يقول بنبرة أكثر رجاء: _ عِديني أن تعيشي من بعدي وتتزوجي بغيري. سلّطت عيناها بخاصتيه بينما تقول بتأكيد: _ لن أشركَ غيرك حياتي يا روكان. همّ ليكمل المجادلة ولكن أوقفته بقولها آمرة: _ كُفَّ عن ذلك.. وهيا عُد كي أداعب خصلات شعرك. لمّا استشعر ضيقها من مواصلة الكلام وهروبها ابتسم بخفّة قبل أن يمتثل لأمرها تاركا وصلة الجدال تقف عند هذا الحد.. لا يعلم لمَ ذكر الموت فجأة؟ أو لمَ دار بذهنه أن يوصيها بالحياة من بعده؟ أو كيف يجرؤ على توصيتها للبقاء مع آخر رغم عدم احتماله الفكرة برمّتها.. أن تبقى مع غيره وتشاركه لحظاتها الحلوة والمرّة.. ولكنه فعل وطلب ذلك دون معرفة الهدف وكأن شيئا داخليّا دفعه للقيام بذلك.. *** على الجانب الآخر.. كان يجلس آزر على العرش أمامه وزيره الذي يقول بابتسامة إعجاب: _ لقد استطاع الأمير مواجهة الاختبار الأصعب وحصل على قواه الخارقة.. الآن صار العرش بملك يده من بعدك خاصّة لحب المملكة له. هزّ آزر رأسه نافيا: _ لا، لا يزال هناك مهمة شاقّة لابد من أن يجتازها حتى يثبت جدارته بحكم عالم الثعابين. حاول الوزير التهدئة من قلقه قائلا: _ لقد أخبرته بها.. وقال أنه على أتم استعداد للقيام بها. أجابه آزر بجمود: _ الكلام أسهل من التنفيذ.. أتمنى أن يخطئ ظنّي ويستطيع فعلها.. إنها مهمة لا تتطلب قوى خارقة بقدر أن تكون النوايا صادقة والقلوب صافية. عاد الوزير ينطق بثقة وإشادة: _ وليس من الصعب تحلّيه بتلك الصفات مولاي.. فقط ثِق بكونه سيستطيع فعلها تماما كثقتك به أثناء اختبار القربان. *** في مكان آخر حيث يجتمع عدد من أبناء عمّ روكان حول حلقة من النار للتدفئة.. يقول أحدهم بنبرة يعلوها الحنق والغضب: _ لم يعجبني يوما ما يقوم روكان بفعله.. بسببه زوجات القرية يُحاولن التمرد.. فكل واحدة الآن تريد الانفراد بزوج واحد فقط! أجابه بالموافقة بغضب: _ يجب أن نضع حدّا لما يقوم به هذا الغبي قبل أن تنقلب الأوضاع وتضيع تقاليد آبائنا سُدى! سارع أصغرهم إلى ردعهم بهدوء: _ لن يحدث شيء يا جماعة صدقوني.. لم تشغلون أنفسكم بهذا الغبي؟! نظر له الأخ الكبير ثم قال باستهجان: _ كاره النساء يتحدث! يا للروعة! ثم أكمل عنه أخوه بصرامة: _ اصمت نيكولا وإلا سوف أقطع لسانك. حاول الكلام بنبرة أكثر لينا علّهم يفهمون: _ أنا أريد مصلحتكم يا إخوتي! لن ترجعوا من التآمر عليه بشيء. عاد الأكبر إلى الحديث بحدّة: _ كل من يخالف العادات مصيره القتل.. وإن كان ابن شيخ القبيلة نفسه.. سيقع عليه العقاب.. وإن أزدت في الأمر سنقتلك معه.. ففي النهاية أنت لم تشركنا الزواج بـــ "بسيل" وقد نقطع رقبتك إن جرؤت على التحدث! قال الأخيرة بتهديد لينكمش نيكولا على نفسه بينما يقول بهدوء: _ حسنا آسف! _ المهم أن تستطيعوا تنفيذ الخطة بإحكام. كان ذلك صوت أنثويّ خالي من الرقّة والضعف.. نظر جميعهم نحو مصدره ليجدوا تلك العجوز ذات القلادة السوداء والرداء البالي القديم وشعرها الرماديّ يصل إلى ركبتيها.. تتّكئ على عصا غليظة بينما تقترب منهم ببطء.. فقال أكبرهم وقد عرفها: _ الساحرة السوداء!! *** في مجلس رئاسة القرية كان يجلس الشيخ جوفا "كبير القرية ورئيسها" مع ابنه استعدادا لبدء مقابلاتهما مع الرعيّة لتدبير أحوالهم.. ودوما يُجلس ابنه أسد إلى جانبه حيث سيكون الشيخ مستقبلا.. ولابد أن يعلمه أصول رئاسة الرعيّة وإن كان يتكبّد عناءا في ذلك.. حيث غروره وعناده يمنعانه كثيرا من المضيّ قدما في هذه المسـألة.. ولكنه يحاول وليس أمامه إلا المحاولة! أردف أسد بنبرة جادّة: _ سأذهب للصيد بعد يومين يا أبي. أجابه جوفا بهدوء: _ يمكنك الذهاب لكن مع اثنين من رجالي الأقوياء. امتعضت ملامحه بينما يقول محتجّا: _ أستطيع الذهاب بمفردي! هزّر رأسا قائلا برفض" _ لا يمكنني الوثوق ببقائك وحدك بعد.. قد يقتلك حيوان مفترس. همّ ليكمل الجدال ولكن أوقفه صوت الحارس قائلا: _ سيدي.. هناك رجال يريدونك بالخارج. أسرع جوفا بالقول آمرا: _ أدخلهم حالا. دلف خمسة رجال ذوي بنية قويّة وملابس من جلود حيوانات غير مفترسة.. ينوون مفاتحة الشيخ بأمر هام.. يظهر عِظَمه مع اجتماعهم أمامه.. نظر لهم وجوفا واسد باهتمام بينما تقدم كبيرهم قائلا: _ نحن جميعا أولاد لأم واحدة وعدة آباء.. متوسطي الحال.. نعمل جميعا بالصيد ونراعي أبناءنا من زوجتنا الوحيدة.. اسمها بسيل. أسرع أسد يقول بتساؤل: _ وماذا تريدون؟ أجابه الثاني مكملا: _ لدينا ابن عمّ وحيد والده رفض الاشتراك معنا بحسب ما تقتضيه العادة وانفرد بأنثى له وحده.. يحبها كثيرا ويرفض أن يشترك أحدهم معها! ثم أكمل عنه الثالث بحيرة: _ والأدهى أنها عاقر وهو متمسك بها ولا يريد أن يتزوج غيرها لكي يحصل على أبناء كثيرين يكونون له سندا! اعتلى الضجر معالم أسد الذي لم يستطع السيطرة على انزعاجه حيث يقول بلذوعة: _ وما المشكلة يا هذا؟ هل تزعج شيخ القبيلة بحكاية ابن عمك الغريب؟! أسرع كبيرهم يقول بهدوء: _ لا سيدي.. نحن فقط نلتمس عقابه منكم. عقد جوفا حاجبيه بينما يقول بتساؤل: _ ماذا تقصد؟ كيف أعاقبه وهو يفعل ذلك بإرادته وطالما معه وفرة من المال لبناء المسكن والمعيشة فلمَ تريدون مني عقابه؟ تحدث الثاني بحزن: _ لقد خالف العادات وجعل واحدة من نساء القرية تنفرد به وحدها.. وهذا دفع العديدات من فتيات القرية يتساءلن عن سبب تميّزها. ثم أكمل أخاه بشيء من القلق: _ ونخشى أن يقمن بالعصيان علينا فيما بعد.. أو يطالبن بتغيير القوانين كلها وأن تنفرد كل سيدة بزوج واحد. تكلم أسد بنبرة واثقة جادّة: _ لن يحدث ذلك.. أنتم تعلمون أن الإناث لا رأي لهنّ ومن تجرؤ على الحديث نلقيها بأحراش الغابة حتى تكون في متناول الوحوش المفترسة. ثم أكمل جوفا موافقا رأي ابنه: _ مخاوفكم لا أساس لها. تحدث الكبير مبررا موقفه: _ مولاي نحن نعلم منذ زمن أن شيخ القبيلة فقط من يحقّ له الحصول على زوجة واحدة.. أما نحن.. عامة الشعب نخاف أن يتحدن سويا لتغيير القانون وسيكون في ذلك مشقة كبيرة علينا.. إن الحياة صعبة جدا ولا يمكن لكل واحد منّا أن يؤمّن مسكنا كاملا لزوجة واحدة لذلك نتشارك بزوجة واحدة.. ولو حدث وتغيرت القوانين فقد يهاجر رجال القرية إلى مكان آخر وتعمّ الفوضى. ثم أكمل عنه أخاه بخوف: _ وقد تشعر النساء بقوتها في ذلك الوقت فيحاولن الاستيلاء على السلطة مع من يدعمهم من الرجال وقد يكون في ذلك تهديدا لملكك! صمت جوفا للحظات يفكر فيها في ماهية هذا الكلام الذي يُجانب المنطق.. فإن زعزعة أحد التقاليد المحكمة سيترتب عليه بالضرورة مشكلات كثيرة أولاها أن يتم طرده عن كرسيّ الحكم.. نظر إلى ابنه كي يستشفّ ردّه ليجده يقول بتاييد: _ في كلامهم شيء من الصواب.. لابد من عقابه قبل أن يتسبب بكارثة تصيب القرية وتزعزع أمنها. وهنا عقد العزم على إنهاء الأمر حيث هتف بنبرة آمرة صارمة: _ أحضروه إليّ ليتم تنفيذ حكم الإعدام فيه. نهاية أحداث الفصل الثاني
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD