7

2072 Words
كانت ثريا مطمئنة والرقية لا تفارق وجهها .. وحين انقضت النصف ساعة وقررت الفتيات بأنهن يردن التوجه إلى القهوة لم تمانع أبدا .. بل رافقتهن بسرور .. كانت تتحدث وتتحدث دون انقطاع .. وكأن الحياة قد عادت لها من جديد .. فأخذت الفتيات يضحكن عليها .. لأنها كانت تهذر دون توقف .. وأغلب هذرها غير مفهوم .. فقد كان مجرد عبارات غير مترابطة .. مضطربه .. محمومة .. تقولها فقط لأنها تريد أن تتحدث .. تطير .. تضحك .. فقد كانت تشعر بسعادة لا مثيل لها .. دخل إلى المقهى بعدها بدقائق .. واختار الجلوس على الطاولة المقابلة لطاولتهم تماما .. واختار الكرسي المقابل لكرسيها .. وقد كانت السعادة بادية على ملامحه .. سعادة هادئة .. مطمئنة .. وكأنه قد مر بالكثير من العذاب قبل أن يلقاها مجددا .. لمحت في عينيه آثار حزن دفين .. حزن لم تعرف له سببا .. وتمنت لو تستطيع مسح هذه النظرة من عينيه .. كانت مستعدة لتفديه بروحها حتى لا ترى مثل هذه النظرة مجددا .. ترى مابه ؟! هل هي نظرة حزن حقيقة أم مجرد أوهام رسمها خيالها ؟! لا إنها متأكدة بأنها لمحت الحزن في عينيه .. دققت أكثر في ملامحه .. فلاحظت أنه قد خسر الكثير من وزنه .. كما كان لونه شاحبا وأكثر سمرة .. والإرهاق ظاهر عليه .. فعيناه تحيطهما هالات سوداء .. وكأن عيناه قد جافاهما النوم لأيام أو لشهور .. أحست ثريا بأن قلبها يعتصر ألما .. ودت لو تهرع إليه وتسأله عما أصابه ؟! ولم فقد نضارته و إشراقته ؟! لا يمكن أن يكون الحب هو السبب !!! شعرت ثريا بسخافة الفكرة فسارعت بإبعادها عن ذهنها .. لا ليس هو السبب .. فهي ورغم عشقها وتتيمها به لم تتغير كما تغير هو ... لا .. لا بد أن هناك شيئا آخر .. لا بد أن في الأمر سرا .. ولكن .. كيف لها أن تصل إلى السر ؟ كيف لها أن تعرف سبب ما جرى له ؟! ترى هل ستعرف أي معلومة عنه ؟! أم سيظل مجهولا بالنسبة إليها ؟! أبعدت ثريا نظرها عنه .. فلا يمكن أن تبقى محدقة إليه هكذا وإلا لفتت أنظار كل من في المقهى .. اخذت الفتيات تتحدثن عن مخططاتهن للغد .. والمشاوير التي ينوون الذهاب إليها .. وكل واحدة تفكر ماذا ستشتري من ملابس للدعوة التي قدمها أهلهم لعائلة عبد العزيز .. خطيب حسناء المنتظر .. شاركت ثريا في الحديث إلا أن ذهنها ظل مشغولا بحبيبها المجهول .. فكانت تسترق النظر إلى حيث يجلس بين الفينة والأخرى ... لاحظت ثريا تحديق أحد أصدقاء حبيبها بها ، فشعرت بانزعاج بالغ .. ترى ماذا يريد ؟! ولم يحدق بها بهذه الطريقة الغريبة ؟! ثم رأته يلتفت إلى حبيبها ويهمس له بكلمات وكأنه يقول شيئا عنها .. فلاحظت ثريا نظرة غضب عابرة في عيني حبيبها .. أعقبها نظرة برود قاتل .. ورد على صديقه بكلمة او كلمتين .. ثم تعمد عدم النظر ناحيتها لبقية اليوم .. وكأنه يعاقبها لذنب ما .. ذنب مجهول لا يد لها فيه .. وتجهل ما هو .. لو كانت تعرف ماهو الذنب الذي ارتكبته لذهبت إليه ضارعة طالبة منه الصفح والعفو .. شعرت ثريا بضيق غريب .. فانطفأ السرور من عينيها .. واختفت ابتسامتها .. وظلت صامته وشعور بالانزعاج والألم يرافقها لبقية الأمسية .. الانزعاج من نظرات هذا المتطفل الذي يجلس برفقة حبيبها ووقاحتها .. بل وجرأتها .. والألم للبرود الذي أخذ حبيبها يعامله به بعد أن تكلم معه هذا الشاب .. ظل حبيبها ينقل نظراته من صديقه إليها .. فبدت عليه علامات الانزعاج الشديده .. وكأنه يود لو يخنق صديقه بيديه الاثنتين .. نظرت إليه بتضرع لألا يلومها على رعونة صديقه ... فلا ذنب لها في تصرفاته .. فلاحظ نظراتها وتوسلاتها الصامته وابتسم لها باقتضاب .. وكأنه يقول لها " أنا لا ألومك ولكني لا استطيع احتمال هذا الوضع " .. فنظرت إليه وكأنها تسأله " حسنا .. ولكن مابيدي ؟ ماذا أقدر أن أفعل ؟" فنظر إليها وكأنه يقول " خذي صديقاتك واخرجي من هنا في الحال ..." فأسرعت ثريا بطلب الفاتورة .. وكانت الساعة لا تزال الثامنة والنصف .. فاستغربت الفتيات أمرها .. فهي لم تعتد أبدا الانصراف باكرا حين يكون حبيبها موجودا .. لكنها قالت لهن باقتضاب بأنها ستشرح كل شيء لاحقا .. دفعوا الفاتورة واسرعوا باتجاه الفندق .. وكانت ثريا في غاية الحنق والغضب .. فتساقطت من عينيها دموع لا إرادية لكثرة غضبها .. فقد أفسد عليها هذا المتطفل سعادتها باللقاء .. ليته لم يكن موجودا .. ليته لم يولد من الأساس ... هكذا كانت ثريا تحدث نفسها وهي متوجهة إلى الفندق .. بسرعة الصاروخ لتخفف من حدة غضبها .. والفتيات يركضن خلفها ليدركن خطواتها السريعه ... ما إن وصلت إلى الغرفة حتى رمت حقيبتها من يدها وحذاءها من قدميها .. أجهشت بالبكاء .. والكل يسألها : مابك ؟ ثريا ؟! ماذا جرى ؟! لم تبكين هكذا ؟! قالت ثريا : لقد كان كل شيء على ما يرام .. إلى أن بدأ هذا المتطفل يلاحقني بنظراته المزعجه ... هيفا : أي متطفل ؟! عم تتكلمين ؟! ثريا : عن صديقه .. إنه لم يبعد أنظاره عني طوال الوقت الذي قضيناه في المقهى .. كما أنه همس لحبيبي بشيء .. لا أدري ما هو .. لكنه أغضبه كثيرا .. فلم يعد ينظر باتجاهي .. هيفا : لا تنزعجي هكذا .. بإذن الله غدا سيكون كل شيء على مايرام .. ثريا : كيف لا أنزعج وقد أفسد علي أسعد يوم في حياتي .. هيفا : إنسيه الآن وحديثنا عن نظراتكما الهائمة .. وكل ما جرا بينكما من حديث بالعيون ... ثريا : أريد أن أسألكم شيئا ... رقية ، غدير وحسناء بصوت واحد : ماهو ؟ ثريا : ألم تلاحظوا بأنه فقد الكثير من وزنه ؟! غدير : بلا لقد لاحظت ذلك .. حسناء : أنا ايضا شعرت بأن هناك شيء ما متغير به ولكني لا أدري ما هو تماما ،، والآن فقط عرفت ... نعم لقد فقد الكثير من وزنه .. ثريا: ترى ماسبب فقده لوزنه بهذه الطريقه ؟! إنني قلقة عليه جدا ... هيفا : لا تقلقي ، عله يكون فقدان طبيعي للوزن .. كنقص شهية او شيء ما ... ثريا : أتمنى ذلك ,,, أتمنى ألا يكون الأمر خطيرا .. اتصلت الفتيات بطه وطلبن منه أخذهن إلى السينما .. فهذا هو يومهن الأول ولا يردن قضاءه في الفندق .. وافق طه في الحال .. وطلب منهن إمهاله بضع دقائق ليقطع التذاكر ويعرف متى موعد العرض بالتحديد ثم يأتي لاصطحابهن .. اتصل بهن طه وقال لهن بأن الفيلم سيبدأ بعد نصف ساعة من الآن وبأنه سيأتي في الحال لأخذهن .. فذهبوا جميعا إلى السينما .. واستمتعوا بوقتهم كثيرا .. وبعد السينما اصطحبهن طه إلى مطعم جميل ليتناولوا العشاء .. وأخذوا يتحدثون جميعا .. وقد لاحظت ثريا اهتمام اخيها ونظراته لهيفا لأول مرة في حياتها .. فهي لم تفكر قط بأن طه قد يكون منجذبا لهيفا .. كما لاحظت خجل هيفا من طه وترددها في الإجابة على أسئلته .. فقررت الاستفسار من أخيها عن الأمر .. وإن كان فعلا يحب هيفا .. فستحاول قدر استطاعتها التوفيق بينهما .. فهي تحبهما سويا .. وتتمنى لهما الخير ...... في صباح اليوم التالي استيقظت ثريا على رنين الهاتف بالقرب من رأسها .. فرفعت السماعة بانزعاج ... ثريا : ألو طه : صباح الخير .. ثريا : صباح النور .. طه : أما زلت نائمة إلى الآن ؟! ثريا : نعم كلنا نيام .. ماذا هناك ؟! طه : مارأيك في أن أدعوكن للغداء اليوم ؟! ثريا : أنا لا أمانع .. ولكن يجب أن أرى رأي الأخريات بالموضوع .. ثم إن كنت ستدعونا فنحن من سيختار المطعم لا أنت .. طه : حسنا أنا موافق .. اخترن المكان الذي تردن .. ثريا : كم الساعة الآن ؟! طه : إنها الثانية عشر .. لماذا ؟! ثريا : لا لا شيء .. فقط أردت أن أعرف .. لأحزر الوقت الذي سنكون مستعدين فيه للخروج .. طه : ما رأيك بالواحدة والنصف ؟! ثريا : إنك تسأل وكأن القرار بيدي وحدي .. دعني أوقظ الباقين لأتأكد إن كنا سنرافقك أم لا .. طه : حسنا .. أنا انتظر قراركن .. اتصلي بي على هاتفي لأنني سأنزل لأتمشى قليلا .. ثريا : حسنا .. إلى اللقاء .. قامت ثريا بإيقاظ الفتيات وإخبارهن باقتراح طه .. فوافقن بسرور بالغ .. وبدأن بالاستعداد للخروج .. في حين اتصلت ثريا بطه بإبلاغه بأنهن سيرافقنه .. وبأت هي أيضا بالاستعداد للخروج .. مأملة النفس برؤية حبيبها في المطعم ... اتجهوا جميعا إلى المجمع برفقة طه الذي أخبرهن بأنه سيتركهن في الساعة الثالثة ليذهب إلى أصدقائه لأنه اتفق معهم على التوجه إلى السبنما لمشاهدة أحد الأفلام .. ما إن وصلوا إلى المجمع حتى توجهوا إلى المطعم المعتاد .. واختاروا طاولة في وسط المطعم .. وما هي إلا دقائق معدودة حتى دخل حبيبها إلى المطعم وحيدا .. وتوجه إلى إحدى الطاولات المقابلة لطاولتهم ليجلس عليها .. فرحت ثريا برؤيته .. فقد أتى اليوم .. لا بد أنه قد جاء خصيصا لرؤيتها .. نظرت إليه بخجل .. وابتسمت .. فبادلها ابتسامتها الخجولة ثم أطرق برأسه موجها نظره إلى قائمة الطعام ... التفت طه ليطلب من النادل أخذ الطلبات .. فوقعت عيناه على حبيب ثريا .. فأخذ ينظر إليه بتمعن .. أليس هذا خليل ؟! لقد مرت سنوات منذ رأه آخر مرة .. ولكنه متأكد بأنه هو .. ولكن .. قد لا يكون هو خليل الذي يعرفه .. قد يكون شخصا يشبهه فقط .. في نفس اللحظة رفع الشاب نظره والتقت عيناه بعيني طه .. فابتسم له ... وهب واقفا على قدميه .. وهو ينادي .. ألست طها ؟! ذهب إليه طه مسرعا : إنك خليل ... وأخذا يضحكان ويسلمان على بعضهما .. بشوق .. طه : كيف حالك ؟! لقد مرت سنوات طويله دون أن أراك ؟! خليل : إنني بخير .. أنا أيضا اشتقت إليك كثيرا .. لم أرك منذ زمن طويل ... طه : نعم .. لقد مرت سنوات منذ ان أنهيت الجامعة وانشغلت بالعمل .. ولكن قل لي .. هل تخرجت أنت ؟! خليل : نعم لقد تخرجت منذ سنتين والتحقت بالشرطة .. وأنا أعمل الآن في النيابة العامة .. ماذا عنك أنت ؟! طه : لقد امتهنت المحاماة .. فأنت تعرف مدى حبي للمرافعة والدفاع عن المظلومين ... خليل : نعم أتذكر جيدا مهارتك وبلاغتك الكلاميه .. أما أنا فتعرف أنني لا أحب الحديث كثيرا .. وإعداد الخطب .. ففضلت العمل في مجال الشرطة بدلا من المحاماة ... طه : هذا جيد .. والله لقد اشتقت للأيام الجميلة التي كنا فيها سويا في الجامعة .. والمقررات التي كنا ننهمك في دراستها ... خليل : بالفعل لقد كانت أياما رائعة .. أتذكر حين كنا نسهر الليل بطوله نراجع أرقام القوانين ونصوصها .. طه : منذ متى وانت هنا ؟! لا بد أن أراك كثيرا ونخرج سويا ... خليل : إنني هنا منذ فتره .. وسأبقى أيضا لبعض الوقت .. وبالطبع ارغب كثيرا بالخروج معك .. لم لا تتناول الغداء معي ؟! فكما ترى أنا وحدي هنا .. طه : في الحقيقة لقد جئت إلى هنا مع أخواتي وبنات عمومتي .. ولكن .. بما أنني لم أرك منذ زمن سأعتذر منهن .. وأتناول غدائي معك ... فقط أعطني بضع ثوان لأستأذن منهن ... خليل : نعم تفضل بكل سرور ... كانت ثريا تنقل نظراتها بين خليل وطه وهي فاغرة فاها .. منذ متى يعرفان بعضهما ؟! كيف لم تره مسبقا مع طه ؟! لم لم تسمع عنه قط ؟! أهو صديق قديم لطه ؟! أسئلة كثيرة ظلت تدور في رأسها عندما جاء إليهم طه ليستأذن في تناول الغداء مع صديقه ... فقلن له بأنهن لا يمانعن بتاتا بشرط أن يعدهن بتناول العشاء معهن اليوم .. فقوافق طه وابتعد في اتجاه طاولة صديقه خليل .. فكرت ثريا بأنها أخيرا ستتمكن من معرفة معلومات عنه .. ستسأل أخاها طه عنه اليوم مساء حين يخرجون للعشاء ... ولكن .. كيف ستفتح معه الموضوع ؟! وماذا ستسأله بالضبط ؟! وكيف ستستطيع إسكات فضولها إلى أن يحل المساء ؟! ظلت ثريا تنظر إلى خليل .. الذي كان يختلس إليها النظرات بين لحظة وأخرى .. وهو يتبادل الأحاديث مع طه .. ولكنه لم يكن يحدق إليها .. بل كانت نظراته جادة بعض الشيء ويبدو عليه الاتزان والهدوء في حديثه مع طه .. انتهى وقت الغداء وانصرفت الفتيات من المطعم ... وما إن خرجن حتى نظرن كلهن إلى ثريا وصرخن سوية .. هل رأيت ؟! إنه صديق طه ... يا إلهي ما أصغر هذه الدنيا ... لقد ظللت سنة كاملة تبحثين عن معلومات عنه .. ومص*ر المعلومات لا يبعد عنك سوى بضع أمتار ؟! ثريا بسعادة : نعم لقد صدمت بشدة حين سلما على بعضهما ولكنني حاولت تمالك نفسي حتى لا تبدو آثار الصدمة على وجهي بجلاء ... هيفا : نعم لقد لاحظت ذلك .. كان يجب أن تري التعبير المضحك الذي ارتسم على وجه رقية حين قام طه ليسلم عليه .. لقد ظلت تغمض عينيها وتفتحهما بذهول .. وكأنها غير مصدقة لما يحدث أمامها ... رقية : في الحقيقه لم أتصور بتاتا أن يكون صديقا لطه .. لقد كانت صدمة بالنسبة إلي .. فقد كان لدي إنطباع بأنه ليس من قطر ...
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD