مقدمة ونسيت أنني أنثى بقلمي حنين أحمد
خاطرة الرواية للجميلة هند فايد
جُبِلْت على أني ظلٌ بلا قيمةٍ مُوارى،
لا مادة تحمي حقه ضمن دساتير الفرح
لا فرق بينه وبين الصخرةِ ال**اءِ،
ولا بين الخَرسةِ البكماءِ،
ولا بين آلاف المرايا العاكِسة لزيف المرح
غير مرئية كالعادةِ
وكأني مسألة تافهة حلَّها في الطرح
أهمَلوني ببساطة
ولم يُداوي أحدهم ما في القلبِ مِن جرح
نبذوا قضيتي على هوامش صفحاتهم،
وهدموا فوق رأسي الصرح
وقالوا أمثالها لا تستحق الشرح
عاملوني بامتهان
ولم يُراعوا ما في الروحِ مِن تَرح
حمّلوني فوق طاقتي
ولم يعطوني فرصة لأسترِح
حتى عال صبري وكلّ مَتْني
وضاق ص*ري قد اتخذت القرار..
سوف أُعلن عليهم الحرب عاجلًا
ولن أنتظر الفرصةَ
فما عُدت أُبالي إن لاحت لي أو لم تَلُح
في بقعة صحراوية عربية..
منذ سنوات عديدة حيث لا يحكم البشر سوى عادات
وتقاليد جُبِلُوا عليها..
استقرّت أسرة صغيرة في بقعة صحراوية بعد تجوال دام
لسنوات بين البلاد وبمرور الأيام ازداد عددهم وازدادت
معهم مساحة أرضهم وبدأوا بِسَن قوانين خاصة بهم فانطبعت
داخل أذهان أبنائهم وأصبحت تُورّث عبر الأجيال حتى
أصبحت عاداتهم وتقاليدهم هي القانون الأول الذي يعترفون
به ولا وجود لسواه..
ورغم التحضّر الذي غلب معظم حياتهم إلا أن داخلهم ظلّ
صلبا متمسّكا بتقاليده القبلية وبنظام العشيرة وما يتبعه!
******
المقدمة
بدأت الحكاية بأربع أشقاء ولدوا لشيخ القبيلة في بقعة ما..
في البداية شعر بالسعادة فها قد جاء السند والعزوة الذين
كان ينتظرهم منذ تزوّج ولكن كلما شبّ الأطفال كلما ظهر
اختلافهم الكبير عن بعضهم..
فكان الكبير هو سنده وعصاه التي يتوكأ عليها على الدوام..
فجمع بين الصبر والحزم وتحمل المسؤولية والدبلوماسية في
التعامل وهذا شجعه ليُعِدّه حتى يأخذ مكانه حينما يحين
الوقت .
أما الثاني فكان تركيزه على العلم أكثر من القبيلة ف*نبّأ أنه
سيكون العقل المساعد لشقيقه خاصة برزناته وهدوئه
الواضحين وانتمائه الذي يعود دوما للعشيرة مهما ابتعدت
به دراسته وشَغَله علمه.
أما الثالث فكان مثالا للقسوة الخالصة فقلبه وكأنه قُدَّ من
حجر صوان ولا مكان للرحمة بقلبه .. يحاول الابتعاد عن
القبيلة بتقاليدها التي تقيّده خاصة وهو ابن كبيرهم ويطمح
أن يبتعد عن كل ما يمُتّ لها بصلة وهذا جعله أكثر
ت**يما أن يربطه بالقبيلة أكثر حتى لو كان عن طريق
تقليدي كالزواج!
والرابع كان حنونا رقيق القلب, قريبا من النفس, حُلو المعشر
فكان أكثر أبنائه قربا لقلبه فعندما تضيق به الدنيا يذهب
إليه فيجد عنده الراحة والطمأنينة خاصة بترديده لآيات
الذكر الحكيم التي يحفظها عن ظهر قلب وعلى الرغم أن
أبنائه الأربعة حَفَظَة لكتاب الله إلّا أن أصغرهم كان أكثر
قربا لأخلاق القرآن منهم جميعا .
****
المكان: البلدة التي تقطن بها عشيرتهم منذ زمن بعيد
(بلدة الزهرانية).
الحدث: زفاف الابنة الوحيدة لابن عمه والذي كان بمثابة
شقيق له..
امتلأ المكان بالمهنّئين من عشيرتهم والعشائر المجاورة.. وصل
الجميع ماعدا العريس!
كان قد مرّ على موعد وصوله نصف ساعة وقد بدأ يملأهم
توتر غير مرغوب به فبكل تأكيد سيأتي العريس ربما فقط
هناك ما تسبّب بتأخيره والأمر وارد!
تعالت الهمسات أن العريس كان عليه الحضور منذ زمن
وقد بدأت نظرات ابن عمه تزوغ وهو يفكّر أمن الممكن
ألّا يأتي العريس؟!
وكيف سيكون موقف ابنته الوحيدة الآن وقد هرب العريس
بليلة عرسهما وقبل عقد القران؟!
جال شيخ القبيلة بنظراته حوله فرأى ابنه الأكبر والمتزوّج
بالفعل ولديه صبيّين..
أما ابنه الثاني والمتزوج أيضا ولديه طفل بالفعل فقد تخلّف
عن العرس بسبب اختبار بجامعته في المدينة التي يقيم فيها
مؤقّتا بسبب دراسته فاعتذر عن الحضور فلم يتبقَّ له سوى
الثالث المتمّرد والذي يتوق للابتعاد عن العشيرة وربما البلد
بأكملها ويرفض الزواج بطريقة غريبة والرابع الذي تزوج منذ
خمسة أعوام ولديه طفلين بالفعل..
فلمعت عيناه بقوة والفرصة قد أتت له على طبق من فضة
فها هو الزواج الذي سيربط ثالث أولاده بالقبيلة فأشار له
خِفية فهرول إليه يسأله فقال له:"نخيتك يا رشيد.."
"فداؤك روحي يا شيخ عرفان"
أجابه رشيد بحَمِيّة قبلية نشأ عليها وإن لم يفهم مقصد والده
حتى أخبره:
"اذهب وضع يدك بيد عمكَ واعقد قرانكَ على ابنة عمكَ"
اتّسعت عيناه بصدمة قبل أن يقول:
"أعقد قراني على العروس؟ولكن العريس؟؟ ألن..؟"
نظرة من عينيّ والده الشيخ كانت كفيلة بجعله ي**ت ودون
نقاش ذهب وجلس أمام عمه مكان العريس المفترض وهو
يطلب الزواج من ابنته بصوت هزّ أرجاء القاعة فساد
ال**ت على المكان والكل يترقّب ما يحدث.
رفع عمه عينيه لعينيّ من بمثابة أخٍ له بامتنان قبل أن يرفع
رأسه بعِزّة ويضع يده بيد ابنه رشيد قائلا:
"وهي لكَ يا ابن الغالي"
ولم يفكر أي منهما أن ما حدث كان بداية التمرّد
والانفصال فعليا عن القبيلة من الابن الثالث رشيد.
*****
فيما بعد اكتشفوا أن ذلك العريس كان مزيّفا وأنه قد أُرسل
خِصّيصا لوضع الرجل بل والقبيلة كلها موضع سخرية وقد تمّ
معاقبته كأي خائن بعدما علموا أن من أرسله كان قبيلة
أخرى تطمع بهز أركان عشيرة الزهرانية عن طريق أضعف
حلقاتها حتى تستفيد من أعمال غير مشروعة كان الزهرانية
ومازالوا يمنعون ممارستها أو حتى اقترابها من بلدتهم ولكنهم
لم يدركوا أن العبث مع الزهرانية وخاصة فيما يخص
نساءهم وشرفهم كان بمثابة توقيع شهادة وفاة بحق
المتلاعب.
*******
أنثى رقيقة، جميلة، غرقت بحبه سريعا وأغرقته بنعومتها فماذا
يريد أكثر؟!
لماذا لا يشعر بالاكتفاء؟ لماذا شعوره بالاختناق يزداد؟!
يريد الهرب منها ومن والده ومن القبيلة بأكملها فكيف
السبيل لذلك؟!
وجاءته الفرصة بأسرع مما توقّع.. عقد عمل لا يحتاج إليه
فعليا بإحدى الدول الأجنبية ظاهريا أما الباطن فكان هربا
من زيجته التي يحسده عليها الجميع ولكنه لا يرضى بما قُسِمَ
له بل تمرّد وهرب مسافرا بالخفاء بعد رفْض الشيخ القاطع
لسفره حتى ولو لفترة قصيرة ليستيقظ الشيخ ذات نهار
على نبأ سفر ابنه الثالث وحمل زوجته الذي تمّ اكتشافه
بنفس اليوم ليرسل له من يخبره بحمل زوجته علّه يعدِل عن
قراره بالهرب ويعود ولكنه لم يتخيّل أن يكون هذا حافزا أكثر
قوة للهروب بعيدا عن كل قيد قد يستخدموه لتقييده
وتحجيم رغبته بالسفر ورؤية العالم كما يدّعي.
***
"لا تقلقي ابنتي، هي فترة وستمر ويعود لكِ إما ليستقر هنا
أو ليصحبكِ معه"
هذا ما أخبرها به والده الشيخ عرفان شيخ قبيلتهم وهذا ما
منّت نفسها به حتى لا تستسلم للوساوس التي تخبرها أنه لن
يعود مرة أخرى وأنه قد تركها للأبد..
ولكن بقرارة نفسها كانت تعلم أنه قرّر التمرّد ولن يردعه
شيء ولو كان حبها له أو الطفل الذي سيأتي للحياة قريبا,
فهو أبدا لم يكن لها ولن يكون!
*****
أما عنه فكانت حياته تتراوح بين السهر والسُكر والعربدة في
البلد الأجنبي الذي لجأ إليه هربا من العشيرة وما تفرضه عليه
من حصار خانق..
تابع والده الشيخ عرفان أخباره من فترة لأخرى وداخله
يتمنّى أن تكون فورة تمرّد شبابية وستنتهي قريبا أو على الأقل
يعود مطالبا بمال أو يصحب زوجته التي أوشكت على
الولادة خاصة وقد فقدت والدها بعد زواجهما مباشرة ولم
يتبقّ لها أحد ووقتها كان سيتّخذ طريقة أخرى ليجبره أن
يتحمّل مسؤلياته بعيدا عن أنانيته غير المبالية بأحد ولكنه
فوجئ بنبأ زواجه من أخرى تنتمي للبلد الذي أقام بها مؤخرا
وتكون ابنة صاحب البناية التي يقطن بها ولم يكن عليه أن
يكون ذكيا ليستنتج أن ابنه قد خدع الفتاة ووالدها حتى
يستولي على نقودها وربما يلقيها كما ألقى ابنة عمه وشرفه
قبلا تاركا إياها خلفه تنهشها الأقاويل وتنتهكها الألسن
ليرحمها الله من كل هذا عندما يقبض روحها وهي تلد ليأخذ
ولده الأكبر الفتاة لتتربى مع ولديه وقام بإيصال نبأ ولادة
زوجته للفتاة وموتها لابنه ولكن للأسف لم يحرّك الأخير
ساكنا.
انقطعت أخباره ثم بعد تسع سنوات عاد فجأة ليرى طفلته
التي لا تعرفه!
وعلى الرغم من كل الشكوك التي انتابته تجاهه ورغم تحذيرات
ابنه الأكبر عبيد إلا أنه استقبله فاتحا له ذراعيه علّه يعود عن
الطريق الذي يسير فيه ويدرك أن وجوده مع عشيرته وبين
إخوته عزوة وسند له وليس قيد كما يراهم.
يستلقي على فراشه وأفكاره تدور داخل عقله تمنح ابنه
العذر تلو الآخر تارة وتارة أخرى ترتاب من نيّته التي عاد من
أجلها بعد تسع سنوات لم يعلم عنه شيئا خلالها سوى ما
أخبره له بنفسه وأنه قد رُزِقَ بطفلتين الفارق بينهما عامين
فقط من زوجتين مختلفتين.. فبعد أن تزوّج الأجنبية بفترة علم
خطأ فِعلته ولكنه لم يستطع أن ينفصل عنها ويترك ابنته لها
لتموت في حادث ويحلّها الله له فيستقر ببلد أجنبي آخر
ويتزوج بامرأة عربية من نفس ديانته تجيد الاعتناء بطفلتيه..
الأولى من الأجنبية والأخيرة منها نفسها!
لماذا يأتي لرؤية ابنته التي بالكاد يعرف اسمها بعد تسع
سنوات من ولادتها؟!
لماذا الآن وبالكاد الفتاة استقرّت مع ولدي عمها لتصبح
مدللة الجميع فهي الفتاة الوحيدة في العائلة فأولاده جميعا
رزقهم الله بالذكور عدا رشيد..
الوحيد الذي رزقه الله بثلاث إناث ومن ثلاث زوجات
مختلفات!
هل هذه إشارة ما من الله؟!
*****
"لماذا عدت يا رشيد؟"
سأله شقيقه الأكبر عبيد وهو يرمقه بنظراته الصقرية التي
كانت دوما تنجح بزعزعة ثقته بنفسه ولكن الآن بعد
سنوات بعيدا عنه وعن القيود التي طالما كبّلته لم تعد تؤثّر به
أو بمعنى أكثر دقة الآن يعرف كيف يتحاشى شعوره المقلق
حيال شقيقه الأكبر ويتجاهل هيبته الفطرية التي طالما جعلته
يشعر بالضآلة بدلا من الأمان الذي يفترض أن يشعر به
بوجود شقيقه الأكبر.
"عدت لأرى ابنتي يا عبيد.. فهل لد*ك اعتراض؟"
قال رشيد متبجّحا فأجابه عبيد:"لماذا الآن؟ ابنتك وُلِدَت
منذ تسع سنوات فلماذا أتيت الآن وليس قبل ذلك؟!"
"أتيت عندما سنحت ظروفي, هل انتهيت من التحقيق معي؟
أتسمح بإحضار الصغيرة لترى والدها أم أنه لازال لد*ك
المزيد من الاسئلة التي لا تملك الحق بإلقائها؟!"
نظر له بجمود قبل أن يقول:"هل تعلم حتى اسم ابنتك؟!"
همّ رشيد بالرد عليه بعصبية ليتابع عبيد دون الاهتمام
بانتظار رده أو بالعصبية التي ظهرت على ملامحه:
"الصغيرة والتي تدعى شموخ نائمة أخي فإن لم تلحظ الوقت
متأخر على بقاء طفلة صغيرة مستيقظة سأحضرها لكَ غدا
إن شاء الله"
غادر عبيد دون انتظار أي رد فصرّ رشيد على أسنانه بقوة
قبل أن تنف*ج ملامحه وهو يهمس:"تذكّر أخي من يضحك
أخيرا يضحك كثيرا".
*******
دلف لمنزله المجاور لمنزل والده بل هو جزء منه بالواقع ولكنه
منفصل نوعا ما عنه بحديقة صغيرة تعتني بها زوجته وطفلته
شموخ..
أجل طفلته هو وليس طفلة شقيقه الأناني الذي لا يهتم
سوى بما يريده وبما يصب بمصلحته فقط, هو من استلمها
قطعة لحم أحمر وعشقها أكثر من ولديه وأصبحت مدللته
الأثيرة خاصة أنها الفتاة الوحيدة بين سبعة صبية هم أولاده
وباقي إخوته.
مرّ على غرفتها المجاورة لغرفة ولديه ليجدها تتململ في
الفراش قبل أن تفتح عينيها ناظرة له مباشرة قبل أن تبتسم له
وهي تهب من الفراش راكضة لحضنه وهي تهمس بحب:
"أبي اشتقت لكَ, لماذا تأخرت اليوم؟"
وكأنها كانت تشعر به وبما يموج داخله من مشاعر حزينة فكل
ما بداخله يصرخ أن رشيد سي**ق منه شموخ وويهرب بها
بعيدا مهما أحكم القيد حوله خاصة وقد جاء بمفرده دون
أسرته التي أخبرهم عنها..
ضمّها له بقوة يتشمم رائحتها الطفولية المنعشة لروحه والتي
تغسل عناء اليوم بأكمله وهو يقول:"تأخرت بعمل صغيرتي..
وأنا اشتقت لكِ أكثر"
ابتسمت بسعادة وهي المتعطشة دوما لكل لمحة مشاعر منه
وكأنها بفطرتها النقية علمت أنها ستحرم منه ومن مشاعره
الفيّاضة قريبا جدا.
*****
سمعت صوت باب غرفة شموخ يفتح فابتسمت وهي ترى
بعين خيالها زوجها يطمئن على صغيرتهما قبل أن يخلد للنوم
كما هي عادته..
أجل هي صغيرتها التي وُضِعَت بين يديها بعد عدة ساعات
من ولادتها لتكون طفلتها هي خاصة بعدما حُرِمَت من نعمة
الإنجاب بعد ما تعرّضت له في ولادة ابنها الأصغر سلطان
والمضاعفات التي حدثت لها جعلت إزالة الرحم قرارا لا رجعة
عنه فأنعم الله عليها بشموخ بعد ذلك لتكون قرّة عين لها
ولزوجها الذي رفض الزواج مرة أخرى كحق شرّعه له الله
وشرّعته له التقاليد في ظل ما حدث فكانت شموخ النور
الذي أضاء حياتهم جميعا.
تأخّر على غير العادة وهي المشتاقة له والقلقة من عودة
رشيد شقيق زوجها الذي لم تحبه قط ولا تعلم السبب..
فلا ض*به لها صغيرا أو تنمّره عليها كان السبب بل هو كره
استقرّ داخلها ربما بسبب ما فعله بابنة عمهم وصديقتها القريبة الأقرب لها زهوة والدة شموخ عندما هجرها ولم يعد
حتى لحضور عزائها.. وما عانته زهوة من حديث ترويه
الأعين وإن كفّ ا****ن خوفا من مكانتها ككنّة لشيخ
القبيلة.
زفرت مرة أخرى ونهضت لتستطلع ما أَخّر زوجها لتتفاجأ
بمشهد أنّ قلبها وجعا منه وتأكدت أن رشيد أتى ليأخذ
صغيرتهما.. ربما لم يصرّح بها إلا أن تمسّك زوجها النائم
بشموخ بكل هذه الحَميّة أكّد أسوأ مخاوفها!
أغلقت الباب عليهما مرة أخرى واطمأنّت على طفليها قبل
أن تعود لغرفتها وتنام وعلى وجهها دمعة غافلتها وانحدرت
على وجنتها وربما قريبا تليها دموع لن تجف أبدا.
******
"طلبتني يا شيخ؟"
قالتها شموخ بقوة تضاهي اسمها الذي اختاره لها جدها الشيخ
عرفان ليبتسم الأخير وهو يدعوها للدخول للمجلس
الداخلي الذي ينتظرها به ومعه رشيد الذي لمعت عيناه
بنفور غريب حالما وقعت عيناه على ابنته والفكرة الوحيدة
التي لاحت بعقله أنها تشبه شقيقه الأكبر كثيرا!
"تعالي يا شموخ.. اقتربي صغيرتي"
قال الشيخ عرفان فاقتربت الصغيرة وما إن رأت نظرة جدها
المدللة لها حتى استقرت بين ذراعيه بدلال اعتادت عليه منه
ليبتسم بحب وهو يضمها له يقبّل وجنتيها المكتنزتين قبل أن
يقول:"ما رأيك أن أعرّفكِ بأحدهم؟"
أومأت بطاعة وهي تنظر لرشيد بفضول ليقول جدها عندما
لاحظ نظراتها تجاه والدها:"هل تعرفينه شموخ؟"
نفت بهزّة من رأسها ليقول:"إنه والدكِ"
رمقت جدها بدهشة وهي تقول:"أبي الشيخ عبيد جدي هل
نسيت؟"
ابتسم عرفان وداخله غصّة لا يعلم سببها وربما يعلم ولكنه
يتجاهلها أملا في حُسن ظنّه بابنه رشيد..
"عبيد والدكِ الذي قام بتربيتكِ صغيرتي ولكن رشيد هو
والدكِ الذي أنجبكِ.. ألم أخبركِ قبلا؟ هيّا اذهبي لمصافحته"
قال الشيخ عرفان لتومئ بطاعة ممتزجة بضيق قبل أن تذهب
لتصافحه كما أمرها جدها ليضمها رشيد له بشوق مصطنع
وهو يسبل أهدابه مخفيا نفوره الذي لاح بعينيه واضحا رغما
عنه قبل أن تتملّص من بين يديه وتركض لشقيقه عبيد الذي
دلف منذ لحظات ولا يعلم كيف علمت الصغيرة بوجوده قبل
رؤيته!
ضمّها عبيد بحنو وتحفّز لاح بعينيه وهو يجلس بمكانه جوار
والده لتضيق عينا رشيد وهو يطلب أن تبيت صغيرته معه
الليلة حتى تعتاد عليه..
ضمّها عبيد أكثر له وهو يرمق شقيقه مشكّكا بنواياه والآخر
يرمقه ببراءة مصطنعة لا تليق بشخصه قبل أن يدهش كلاهما
إجابة الشيخ عرفان:"حقك يا رشيد"
انتفض عبيد وكتم اعتراضه بقوة وعيناه تبرقان بوعيد لرشيد
لو تعرّض لها بأذى أما رشيد فقد ابتسم رغم شعوره بالدهشة
من موافقة والده الفورية قبل أن يرمق الصغيرة بابتسامة رقيقة
لتزم شفتيها وهي ترمق عبيد باستجداء مسّ قلبه ولكن رغما
عنه لا يستطيع **ر كلمة والده.
*****
"كيف تترك له شموخ يا شيخ؟ ألا تعلم أنه جاء ليأخذها
منّا؟!"
قالت زوجته ليقبض كفه بقوة حتى ابيضّت سُلّاميات أصابعه
قبل أن يقول بجمود:"وهل أرد كلمة الشيخ عرفان يا ذهبية؟"
**تت وهي تشعر به.. صغيرتهما التي تحتل قلبها وزوجها
تنفلت من بين أصابعهما ولا يعرفان كيف يحافظان عليها من
تهديد يمثّله والدها البيولوجي, أهناك عبث أكثر من هذا؟!
"اطمئني ذهبية, لقد وضعت مراقب له يحصي عليه أنفاسه"
شعرت ببعض الاطمئنان ولكن بقرارة نفسها علمت أنها
ستفقدها حقا وقد حدث ما توقّعه كلاهما!
********
نهض الشيخ عرفان يتجهّز لصلاة الفجر كما اعتاد طوال
حياته يساعده حفيده الأكبر مُصعَب ليجفل كلاهما على
دخول ابنه الأكبر عبيد الغرفة وهو يجول بنظره فيها قبل أن
يهتف:"لقد فعلها أبي.. فعلها واختفى هذه المرة بقرّة عيني"
وقعت نبرته بقلب الشيخ مباشرة فوجد نفسه يهوي على
الفراش وهو يسأل بقلق ارتسم على محياه يتمنى لو أخطأ في
فهم ما قاله ابنه:
"ما الذي حدث عبيد؟ ما الذي تهذي به أنت؟"
"رشيد ليس بالمنزل يا شيخ"
قال حميد الابن الثاني للشيخ والذي انضمّ لهم بغرفة الشيخ
مفسّرا قول شقيقه الأكبر فرمقه الشيخ عرفان بقلق وهتف
متظاهرا بالقوة:
"ما الذي تعنيه أن أخيك ليس بالمنزل؟ أين ذهب إذا؟"
"ربما سبقنا لمسجد البلدة يا عبيد فاهدأ يا أخي"
قال سديد الابن الرابع للشيخ عرفان ليقول عبيد بحسرة
وقعت بقلوبهم جميعا:
"بل هرب مثلما هرب قبلا.. وهذه المرة هرب بقرّة عيني"
رفع رأسه متابعا:"هرب بشموخ يا شيخ عرفان".
نهاية المقدمة