الفصل الثالث و العشرون
عودة الغائب ( شيطانة ) تأليف سماح عياد .
تامر : ايه اللي خلاكي تغيري رأيك .
سما : علشان إنت إحترمت رغبتي و رفضت تكلم كارم غير بعد موافقتي ، و كمان أنا حسيت إنك زعلت .
تامر : تقصدي تقولي إن والدك لما كلمتيه لقتيه مؤيد رأيي علشان كده وافقتي .
تقترب منه سما بطريقة مغرية و تقول : صدقني يا حبيبي أنا وافقت علشان حسيت إنك زعلت .
إبتعد عنها تامر و قال : أنا خارج عن إذنك .
سما بغضب : إحنا مخلصناش كلامنا .
تامر : إنتي عارفاني يا سما مش بحب الكدب أو اللف و الدوران .
إقتربت منه سما و نظرت في عينيه و قالت : تامر عندك شك في حبي ليك و إنك أغلى حاجة في حياتي .
هرب بعينيه منها و قال : طيب ليه عملتي كده .
سما : لأن الفلوس اللي إنت عايز تديها لكارم دي فلوس أولادي .
تامر : كارم عمل معايا اللي الأخ ميعملوش مع أخوه .
سما : بيرد جميلك ، إنت ناسي هو كان ايه و إنت خليته ايه .
تامر : أنا حاولت معاه و مع غيره لكن غيره رفض و إستمر في طريق الإجرام ، أما كارم أول ما مديت له إيدي مسك فيها و أثبت إنه إنسان نضيف و عايز يغير من نفسه و إنه فعلاً كان ضحية لظروف قاسية .
سما : مختلفناش إنت معاك حق في كل اللي قولته لكن المبلغ اللي إنت عايز تديه لكارم كبير جداً و دا ممكن يلفت النظر لموضوع تسنيم .
تامر : أنا مش هديله فلوس ، أنا هعمل معاه بزنس بعقود و شروط و محاسبين و ورق رسمي ، أنا عارف بعمل ايه يا سما .
سما : كارم حارس شخصي ممتاز و أمين و مخلص و لو ساب شغلة مستحيل تلاقي واحد في أمانته و إخلاصة يبقى ليه تضيعه من إيدك .
تامر : أنا مش بضيعه يا سما أنا محتاجه يكون حارس ليكي و لأولادك من بعدي .
سما بخوف حقيقي و حب : بعد الشر عنك يا حبيبي ، إوعى تقول كده .
تامر : و عنك يا حبيتي ، بصي يا سما كارم أثبت إنه مخلص و أمين و مش طماع ، أنا هخليه حارس بس حارس لأموالي اللي هي فلوسك و فلوس أولادك ، الفلوس اللي في البنك أنا هستثمر جزء منها و طبعاً لا أنا و لا إنتي فاضيين نتابع الشركة اللي هنأسسها دي فكارم هيكون المدير المسؤل ، و له جزء بسيط من أسهم الشركة و لو قدر يكبرها هيكبر معاها و دا حافز إنه يشتغل و يخلص في عمله .
سما : و لو الفلوس غيرته و خانك .
تامر : دي شركة و هيكون في محاسب مسؤل و هنجرب و نشوف .
سما : أوكى يا حبيبي اللي تشوفه .
تامر : ها قوليلي بقى حمايا العزيز قالك ايه .
سما : عايز يدخل شريك معانا .
ضحك تامر و ضمها لصدره و قال بتلقائية و دون أن يشعر : إنتي مجنونة و جننتي قلبي معاكي ، بحبك يا سما .
كلمات قليلة قالها و لكن وقعها عليها مثل العطشان الذي إرتوى بعد أن كاد العطش يقتله .
آه لو تعرف كم أحبك و أتمني أن تبادلني هذا الحب لتتحول كل أيامي لنعيم دائم .
هكذا قالت سما في نفسها .
...........
أم كارم : مين يا ولدي الصبية اللي ماتت دي .
كارم بحزن يحاول أن يخفيه عن أمه حتى لا تعرف أن من ماتت هي مالكة قلبه الذي مات معها و التي أقسم كارم بسببها أن يعيش بعدها راهب لا يقرب النساء لا بقلبه و لا بجسده .
كارم : دي تبقى أخت الأستاذ تامر يا يمه .
أم كارم بحزن لأنها تحب تامر و تحترمه : يا مري يا بتي ، ماتت كيف يا ولدي .
كارم : حادثة ، عملت حادثة و ماتت يا يمه .
أم كارم : يا حبيبتي يا بتي ، ربنا يرحمها و يصبر قلب أمها .
كارم : إيوه يا يمه إدعيلها بالرحمة و خلي خواتي هما كماني يدعولها بالرحمة .
أم كارم : عدعيلها يا ولدي و عقول لكل اللي أعرفهم و لحبايبي يدعولها بالرحمة ، قولي يا ولدي مش واجب أجي أعزي و أخد بخاطر الأستاذ تامر و مرته .
كارم : واجب يا يمه ، بس عتاجي مع مين .
أم كارم : عاجي مع شافعي ، أني كنت سمعت الست خديجة عتقول إن شافعي عيدلى مصر باكر ، عروح دلوقتي و أقوله ياخدني معاه .
كارم : لساتك يا يمه عتروحي تخدمي في البيوت ، ليه إكده يا يمه .
أم كارم : معخدمش يا ولدي ، أني عروح أطل عليها و أراعيها هي و ولدها .
كارم : يا يمه كفياكي عاد ، ناقصك ايه علشان تلفي عالبيوت .
أم كارم : قولتلك يا ولدي معخدمش في البيوت ، أني بروح أطل عليهم و لو عايزين حاجة بساعدهم محبة يا ولدي و جيرة و عشرة عمر .
كارم : يا يمه إنتي شقيتي كتير علينا و منى عيني أريحك .
أم كارم : مرتاحة يا ولدي طول ما إنت و خياتك بخير أني مرتاحة ، ربنا ما يسوني فيكم أبداً .
.............
في صباح اليوم التالي وصلت أم كارم مع شافعي للقاهرة و ذهب كارم لإستقبالهم على محطة القطار بسيارة تامر بعد أن إستأذنه .
أصرت أم كارم على أن تذهب لتعزي تامر و أمه في وفاة شقيقته أولاً .
خاف كارم على أمه من تكبر هالة والدة تامر و إحتقارها لكل من هم أقل منها إجتماعياً فما بالك بأم كارم تلك المرأة الصعيدة التي لم تعرف الراحة يوماً و التي تعيش بطيبة قلبها و فطرتها النقية ، خاف كارم على أمه من أن تجرحها أو تهينها هالة هانم .
أخذ كارم أمه و شافعي لقصر حازم والد تامر حيث أصبح يقيم فيه تامر و زوجته و أولاده ليراعي والدته و والده بعد تلك الصدمة القوية التي تلقوها بوفاة تسنيم .
رحب تامر و فتحي بشافعي و أم كارم ثم إنضمت لهم سما و تمارا ، و كم أعجبوا بطيبة و تلقائية أم كارم التي سافرت مسافة طويلة جداً لتواسيهم في مصابهم .
أم كارم : كنت عايزه أعزي الحاجة أمك .
سما : معلش يا أم كارم أصل طنط تعبانة و مش بترضى تقابل حد .
أم كارم بتأثر : كبدي عليها يا بتي ، ربنا يبرد نارها .
قاطعها كارم و قال : يلا يا أمي ، بعد إذن حضرتك يا أستاذ تامر هوصل الحاجة و أجي لحضرتك .
فتحي الذي تربى في الريف و يعرف عادات و تقاليد أهل الريف و التي لا تختلف كثيراً عن عادات أهل الصعيد : مستحيل تمشوا قبل الغد ، لازم تتغدوا الأول ، تمارا معلش يا حبيبتي ممكن تأمري بالغدا .
شافعي : كلك واجب يا بيه .
أم كارم : لع يا ولدي إحنا مجينش نضايف ، أني بس عايزه أعزي الهانم و أطمنها إن الفلوس اللي بعتتها كلاتها إتوزعت على الناس الغلابه اللي في البلد حدانا و الكل بيدعي للست تسنيم ربنا يرحمها ، و كمان شيخ الجامع دعالها بعد صلاة الجمعة ، و بإذن الله ربنا عيرحمها و عيصبركم على فراقها .
وقفت أم كارم و أخذت يد تمارا و قالت : وديني يا بتي لأمك أخد بخاطرها .
كلمات أم كارم أصابتهم جميعاً بالدهشة و توجهت الأنظار كلها لكارم الذي تغيرت ملامحه بسبب زبوله و فقده الكثير من الوزن و كأنه لم يعد يأكل أو ينام .
والدتهم منذ أن وصل إليها خبر موت إبنتها و خاصة بعدما عرفت بما كانت تخطط له بخصوص شقيتها التوأم تمار و هي في عالم أخر ، و لم تتكلم أو تتحرك من يومها لهذه الساعة فكيف أرسلت نقود لأم كارم لتوزعها صدقات على روح إبنتها و بالأخص و هم يعرفون جيداً بكره أمهم لكارم و كذلك إعجاب كارم بتسنيم و حبه لها الذي كان يخفيه عن الجميع و لكنه واضح لهم كلهم ، هل قام كارم بإرسال تلك النقود ؟ و لكن كيف و هو معدم لا يمتلك أي شيئ .
ذهبت أم كارم مع تمارا و بعدها قال تامر : معلش يا فتحي ، إنت صاحب بيت ، ممكن تاخد شافعي لأوضة السفرة .
نظر لهم فتحي دون أن يتحرك و قال : و كارم مش هياكل .
كارم : شكراً أنا أكلت من شوية .
إستدعى فتحي الخادم و طلب منه أن يصطحب شافعي ليتناول الطعام ، قام شافعي و هو يشعر أن هناك كلام مهم سيقال و لا يرغبوا بالتحدث أمامه ، شعر شافعي بالحرج و لكنه عندما دخل مع الخادم لحجرة الطعام إختفى هذا الحرج بسبب تلك المائدة العامرة ، فشافعي يعشق الطعام .
لم يهتم شافعي لذلك النقاش المحتدم بين كارم و تامر و جلس يأكل بنهم و هو سعيد بكل هذا الطعام الشهي .
فتحي : أنا مش غريب يا تامر ، ربنا يعلم إني من يوم ما دخلت البيت ده بعتبر نفسي واحد من أهله و بعتبرك أخويا زي محمد و مصطفى و فهمي .
تامر بإنكسار لأن فتحي يعرف كل شيئ و رغم ذلك لايزال متمسك بتمارا زوجته و أخت تسنيم : دا شيئ أنا متأكد منه ، لكن أنا حاسس إن شكلنا بقى وحش جداً قدامك فبحاول
قاطعه فتحي و قال : إحنا إتربينا على مبدأ ( ولا تز وازرة وزر أخرى ) و أنا عارف و متأكد إنك و تمارا معدنكم أصيل .
تامر : الله يرحمها شيلتنا العار كلنا .
فتحي : أنا عارف إن الشيلة تقيله و كل واحد بشيلته و اللي نقدر نشيل معاه منتأخرش ، أبويا الحاج معوض ربنا على كده ، و الشيلة دي مش شيلتك لوحدك و حملك لحالك أنا أخوك و كتفي مع كتفك نشيل و نسند بعض .
كارم : و أنا معاكم ، دا لو رضيتم إني أكون أخو
لم يستطيع كارم أن يكمل كلامه و يقول أخوكم فالفارق شاسع بيه و بينهما
فتحي : دا يشرفنا يا كارم إنك تكون أخونا ، رجل جدع و تعرف الواجب و سداد وقت الجد .
سما : أكيد طبعاً يا كارم إنت متأكد إن تامر بيتعامل معاك كأخ .
كارم : ربنا يديم المعروف يا أستاذة .
تامر : سامحني يا كارم ، أنا إنشغلت في العزا و نسيت أسألك صرفت كام في موضوع الجثة و الدفن و الحاجات دي كلها اللي عملتها .
كارم : عيب يا أستاذ تامر ، خيرك سابق ، و الحمد لله مستورة .
تامر بغضب : جبت الفلوس دي منين يا كارم ، أنا متأكد إن إنت مكنش معاك ولا مليم ، و فلوسك كلها بتبعتها أول بأول لأمك في البلد علشان تبني البيت .
كارم : إتصرفت و الحمد لله ربنا دبرها .
تامر بغضب : يعني ايه إتصرفت فهمني عملت ايه رجعت تسرق ولا قتلت و لا عملت ايه فهمني .
كارم بقوة : أنا عمري ما مديت إيدي على قرش حرام .
ثم وقف و قال : ألف شكر ليك يا تامر بيه .
حاولت سما أن تهدء الموقف و قالت : إهدى يا كارم ، تامر ميقصدش .
و قال فتحي ليهدء كارم : إحنا من شوية قولنا إننا إخوات و كتف واحد بنشيل حمل بعض و دا واجب على الأخ يا كارم ، لازم يخاف على أخوه و يسأله عن مصدر الفلوس اللي صرفها و خاصة إذا كان متأكد إنه معهوش .
تامر الذي هدأ قليلاً : أنا مقصدش المعنى اللي فهمته يا كارم ، و بشكرك على اللي إنت عملته ، لكن دي أختي أنا و دا واجب عليا أنا .
أخرج تامر من جيبه كارت بنكي( فيزا ) و مد يده به لكارم و قال : خد يا كارم شوف إنت صرفت كام و خده و إسحب قدهم و طلعهم صدقة على روح المرحومة ، إنت عارف الباس وارد .
كارم : معخدش مليم واحد نظير اللي قمت بيه ، لأن دا حقك عليا و على أمي ، شوف لول دينك في رقبتنا كام و بعد ما أوفيه إبقى حاسبني .
ثم وقف و قال : بستأذنك يا أستاذة تنادي أمي ، أصل شافعي وراه شغل كتير هنا .
ثم تركهم و توجه لحجرة الطعام فوجد شافعي يأكل بنهم فقال له : يلا يا شافعي عنروح .
شافعي : شوية وكل ياواد عمي يستاهلوا خشمك ، تعالى أقعد ، خد الحتة دي .
أبعد كارم يد شافعي و قال : قولتلك ماشيين عاد ، إنت معتفهمش .
وضع شافعي قطعة اللحم الذي كان يمسكها و قال : مالك يواد عمي مين عكر مزاجك .
كارم : عتقوم معايا و لا أهملك تاخد تاكسي .
شافعي : عقوم بس وعد عتحكيلي على اللي مزعلك .
بعد إنصراف كارم و أمه .
تمارا : قد ايه الست أم كارم دي طيبة و كمان عندها معلومات دينية هايلة ، تخيل قعدت تكلم مامي عن الصبر و جزاء الصابرين و عن رحمة ربنا ، أنا حاسة إن مامي هديت بعد كلام الست دي ، ممكن تخليها تجي تاني .
تامر : يعني ماما متنرفزتش و لا إضايقت منها .
تمارا : في البداية حسيت إن مامي كانت متضايقة منها ، بس بعد كلامها الجميل ده اللي ريحني جداً أنا شخصياً حسيت إن مامي هدت و بدأت تتجاوب معاها لدرجة إنها لأول مرة من ساعة الحادثة تعيط .
تامر : معقولة ماما عيطت .
تمارا التي تمسح دموعها : عيطت في حضن أم كارم .
نظروا لبعضهم بتعجب ، هل قبلت هالة هانم أن تلمسها تلك السيدة البسيطة التي جائت من قريتها البعيدة مباشرتاً لهنا و تراب السفر عليها ، لو كانت هالة في حالتها الطبيعية لكانت منعتها من دخول القصر و قامت بتطهير أي شيئ لمسته أم كارم .
سما : لازم نتصل بالدكتور نبلغة التطور الكبير ده .
فتحي : إطلعي يا حبيبتي خليكي جنبها ، هي محتجالك دلوقتي .
نظرت له بإمتنان و قالت : حاضر يا حبيبي .
تامر : متشكر يا فتحي على كل اللي بتعمله معانا .
فتحي : عيب يا تامر لما تقول كده ، إحنا بقينا أهل ، قولي بقى إنت هتعمل ايه مع كارم .
تامر : ولا حاجة ، إنت أصلك متعرفش كارم دماغة ناشفة إزاي .
فتحي : ليه يا عم يكونش صعيدي عاد .
ضحكوا جميعاً و قالت سما : بص بقى أول ما تلاقيه قلب صعيدي يبقى ممنوع الكلام أو الجدال معاه نهائياً .
تامر : فتحي أنا كنت عايز أخد رأيك في حاجة كده .
عرض تامر على فتحي فكرة الشركة التي سيتولى إدارتها كارم و تناقشوا بالتفصيل فأعجب فتحي بالمشروع و قرر أن يثتثمر جزء من أمواله معهم في هذا المشروع .
تامر : على بركة الله ، بعد كارم ما يوصل أمه و يجي نقعد معاه و نكلمه في موضوع الشركة .
................
شافعي : يعني إنت بعت العقد بتاع البت اللي قابلت أمك في المشتشفى .
كارم : تمن العقد دا دين في رقبتي و هرده بإذن بالله .
شافعي : و عتردهولها كيف و هي فص ملح و داب .
كارم : بإذن الله هلاقيها و عرضلها دينها .
شافعي : أمك عتقول البت كنها خوجاية عيونها ملونة و زي لهطة القشطة ، و منى عينها تجوزهالك .
كارم بغضب ممزوج بحزن : يحرم عليا الحريم بعد تسنيم .
شافعي : يقطع الحب و سنينة .
كارم : يقطعه و يقطعني معاه ، نار يا واد عمي قايده بين ضلوعي معتطفاش .
شافعي : الحب علاجه النسوان ، خدها مني نصيحة إتجوز البت دي و هي عتنسيك إسمك .
كارم : يحرم عليا جنس الحريم يا شافعي .
شافعي : جنيت عاد ، دي كانت أمك تموت فيها ، أمك عايشه على أمل تشيل عيالك و تشوفك معمر بيتك بخلفك .
كارم : تعتبرني معخلفش زي عمي الله يرحمه .
شافعي : ليه تقول على روحك إكده ، بعد الشر عنيك .
كارم : أني إتأخرت على تامر ، عتقعد إهنه و لا عتدلى معايا عندك شغل .
شافعي : لع ، أنا عدخل أخدلي تعسيلة على أم كارم ما تحضر العشا .
كارم : عشا ايه اللي عتاكله ، دا إنت واكل سفرة كاملة لحالك .
شافعي : كنك هنيتني عليها ، دا أني يدوبك بسمي لقاتك فوق راسي كيف القضى المستعجل .
تركه كارم و هو يقول : عروح بدل ما تاكلني عاد .
.............