(( ضروب العشق ))
_ الفصل الرابع _
وصل أخيرًا إلى المنزل وصعد الدرج ركضًا حتى وصل إلى الباب ودخل فورًا عندما وجده مفتوح فرأى الظابط يجلس على المقعد في الصالون وبمجرد رؤيته لكرم هب واقفًا وهو يقول بتعجب :
_ إنت مين ؟
اقترب منه كرم وقال بتلهف ووجهه فرت منه الدماء :
_ أنا كرم العمايري صديق سيف المقرب ، قولي حصل إزاي ده ياحضرة الظابط ؟
تن*د الضابط بحزن وشجن وقال بأسف :
_ كانت في لحظة اشتباك قواتنا مع العدو وسيف الله يرحمه اتصاب والإصابة كانت خطيرة لدرجة إنه اتوفى في لحظتها فورًا ، سيادة الرائد سيف كان حقيقي مثال للبطل وكلنا في حالة صعبة من ساعة ما وصل لينا خبر وفاته أنا من اصدقائه المقربين في الشغل ومن وقت ما وصل ليا الخبر وأنا مش مصدق
أثارته كلمة " الله يرحمه " فهو لا يزال يحاول تقبل وفاته ، مسح على وجهه وهو يحبس دموعه التي على أتم الاستعداد للسقوط وأشاح بوجهه للجهة الأخرى وهو يردد آية واحدة :
_ والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون .. إنا لله وإنا إليه راجعون
لملم أشلاء قلبه الممزقة واستعاد رباطة جأشه وقال بثبات مزيف :
_ طيب هي فين ....
قبل أن يكمل جملته قاطعه وقال الآخر :
_ طلبت الدكتور وجالها هي جوا من بنتها
أجابه كرم وهو يتصنع الظهور بطبيعية :
_ تمام شكرًا ياحضرة الظابط لو في أي حاجة هتصل بحضرتك أكيد
_ تمام .. البقاء لله وربنا يصبركم
أماء له بتفهم وانتظر رحيله ثم توجه نحو أحد الغرف وانتظر أمام الباب خروج الطبيب وعند خروجه هرول إليه وقال بتلهف حقيقي :
_ خير يادكتور طمني عليها ؟
_ إنت ابنها ؟
قال بدون تردد في قلق :
_ أيوة
_ طيب هي عندها انهيار عصبي وأنا ادتها حقنه عشان تهديها وياريت تحاول تهديها عشان ضغطها ميعلاش وتتعب أكتر لقدر لله ، والبقاء لله ربنا يصبركم
_ سبحان من له الدوام
ثم هم بإخراج النقود حق كشفه فأخبره بأن الضابط دفع حقه قبل أن يأتي ، فشكره كرم ثم استأذن الطبيب ورحل ، فاقترب هو من باب الغرفة وطرق على الباب بلطف ففتحت له شفق التي كان وجهها عبارة عن دموع فقط وعيناها غارقة في دموعها كالبحر وحمراء كالدم ، تمتم في صوت ممزق ومبحوح :
_ البقاء لله يا أنسة شفق
لم تجيبه فقط اكتفت بالبكاء العنيف فلم يعرف ماذا يقول لها حتى ، ولكن كيف له أن يخفف عن ألمها وهو يحتاج من يخفف عن ألمه أيضًا ، ولكن يتوجب عليه الثبات والقوة في مثل هذه المواقف كما اعتاد دومًا أن يظهر نفسه قويًا فغمغم في ابتسامة متألمة وعيناه شبه دامعة :
_ سيف شهيد وهو دايمًا كان بيتمنى الشهادة وربنا ناولها ليه ، العياط مش هيفيده أدعيله ربنا يرحمه هو في مكان أحسن منينا كلنا
رفعت نظرها له وقالت ببكاء عنيف وصوت متقطع :
_ أنا وماما ملناش غير سيف منقدرش نعيش من غيره وماما ممكن يحصلها حاجة من زعلها عليه
_ لا إن شاء الله هتبقى كويسة اطمني بس إنتي حاولي تمسكي نفسك قدامها وتواسيها الدكتور قال الزعل الشديد وحش عليها ، أنا هستنى برا وأول ما تفوق اندهي عليا
أماءت له بالموافقة وبمجرد رحيله انفجرت باكية بشدة وهي لا تلفظ سوى اسم شقيقها ، ثم جثت على الأرض ضامة ساقيها لص*رها وتكمل بكائها وحزنها على حبيب قلبها وأخيها .
***
داخل مقر شركة العمايري .....
قادت خطواتها الواثقة والثابتة نحو المصعد الكهربائي وضغطت على زر الطابق الثالث ، وبعد لحظات فُتح الباب وخرجت وهي تعبر الطرقة الطويلة المؤدية لمكتبه وعند وصوله لم تنتظر سماحه لها بالدخول حيث فتحت الباب بقوة بسيطة ودخلت فوجدت الغرفة كأنها ثلاجة ، وتلقائيًا رفعت نظرها للمكيف الذي في السقف وأدركت أنه على أعلى درجة ، وكان هو مسترخي على مقعده مغمض العينان وقام بفتح أول أزار قميصه وسترته الجلدية ملقية على الأريكة الصغيرة في آخر المكتب .
فتح عيناه على أثر صوت إغلاق الباب وعندما وقع نظره عليها قست ملامحه واعتدل في جلسته هاتفًا بحدة :
_ إزاي تدخلي كدا مش في حاجة اسمها باب
لم تظهر أي تأثر بنبرته وحدته وعلى الع** تمامًا ابتسمت ساخرة واقتربت من مكتبه الخشبي ذو اللون الأ**د ثم جلست على المقعد وقالت بنظرة شرسة :
_ لو فضلت بالوضع ده صدقني هتندم أوي ياحسن
أطلق ضحكة رجولية متأججة وقال باستنكار :
_ عايزة إيه يايسر ؟!
استقامت ونزلت بكامل قوة يدها على سطح المكتب فاختفت هو إبتسامة فورًا واظهر مكانها الدهشة ولكن دهشته لم تندم طويلًا وتحولت إلى ضجر حيث سمعها تهتف بعنف وغضب هادر :
_ أنا كنت متوقعة إنك هتقول عني كلام وحش بس توصل بيك الوقاحة إنك تفكر بالقذارة دي ، إنت مشوفتش مني حاجة لسا ياحسن ، وإياك تقارني با**** اللي بتقعد معاهم في الكباريهات ، وقبل ما تتكلم أعرف إنت بتتكلم عن مين يا أستاذ .. بس معلش أصل واحد زيك هيعرف الشرف والرجولة منين .. تقريبا عمي محمد الله يرحمه مجبش رجالة غير كرم وزين لكن إنت أشك إنك تعرف حاجة عن معنى الكلمة دي أساسًا
أيقظت بركانه الخامد ، وهي تهين رجولته أمامه بجراءة .. رجولته التي تراها معدومة !! ، ولا تعلم أنها ارتكبت خطأ لا يُغفر عندما فكرت تهينه بهذه الطريقة .. فقد أثارت عواصفه وهيجت أمواج غضبه العاتية ، فلم تجد منه إلا أنه وثب واقفًا وقبض على ذراعها صائحًا بها بأعين نارية :
_ متخلنيش أوريكي الوقاحة والقذارة بجد يايسر ، احترمي نفسك !!
دفعت يده بعيدًا عن يده صارخة به بسخط شديد :
_ أبعد إيدك ، إياك تلمسني فاهم .. ياخي يلعن اليوم اللي حبيتك فيه ، واعتبر اللي هقوله دلوقتي ده تهديد أو أي مسمى ميفرقش معايا ، بس صدقني ياحسن مش هتردد لحظة إني أقول لمرات عمي عن قذُراتك وأقولها إنت قولت عليا إيه لو فكرت بس تضايقني بالكلام مجرد بالكلام
لاحت اباسامة مستهزئة على جانب ثغره وقال وهو لا يزال الغضب يستحوذ عليه :
_ وأنا قولت إيه بقى عنك ؟!
أخرجت هاتفها ثم بدأت تريه صوره مع تلك الفتاة الساقطة وقد اتسعت عيناه بدهشة واستياء وزادت الوضع سوءًا عندما قامت بتشغيل التسجيل الصوتي له والذي كان يقول فيه بحقها أب*ع الكلام ، وعند انتهاء التسجيل نظرت له غمغمت بنظرات شيطانية :
_ مفكرتش لو بابا سمع التسجيل ده هيعمل إيه ولا علاء لما يعرف ، وزين لما يشوف صورك دي ، أو سيبك من ده كله أنا عارفة إنه مش هيفرق معاك قد ماهيفرق مامتك اللي هي مريضة قلب ، يعني لقدر الله لو سمعت التسجيل ده أو شافت الصور دي ممكن يحصلها حاجة
لحظة ذكرها لاسم أمه غضبه منذ قليل لم يكن شيء أمام ماهو عليه الآن لدرجة أنها انكمشت قليلًا بخوف بسيط عندما سمعت تهديده الصريح له :
_ اقسم بالله يايسر لو أمي عرفت بحاجة ، مش هخليكي تشوفي يوم عدل في حياتك وأنا لغاية اللحظة دي عامل حساب إنك بنت عمي فمتخلنيش استخدم معاكي القذراة فعلًا
استعادت شجاعتها مجددًا وضحكت بسخرية وهمست بتحدي :
_ وأنا مبتهددش ومحدش يعرف يهددني ، وحط اللي هعمله فيك ده تحت شعار انتقامي من كل كلمة قولتها في حقي ، وتحت اسلوبك القذر معايا ، واعتبره قرصة ودن بس ياحسن بيه
ثم استدرات وانصرفت وهي تشعر بال
***ة تعتريها فقد نجحت فيما تريده وهو إثارة غضبه ورؤية الخوف في عيناه ، وبالطبع هي ليست حقيرة بقدره لكي تخبر المرأة المريضة بحقيقة ابنها الب*عة وتتسبب في قتلها ، ولكنها ستستمتع باللعب على اوتاره حتى تشفي غليلها منه ! .
***
فتحت هدى باب غرفته دون سابق إنذار فوجدته ساكن في فراشه ويقرأ القرآن بصوت منخفض ، فاندفعت نحو كالسهم وابتسامتها كادت تشق طريقها لأذنها ، وعندما جلست أمامه على الفراش هتفت بحماس وسعادة غامرة :
_ ملاذ واقفت يازين
توقف عن القراءة تلقائيًا وهمس " صدق الله العظيم " ثم رفع نظره لأمه يطالعها بجمود وهو لا يستطيع مقاومة مشاعر الفرحة في نفسه ، فا إنكار إن تلك الفتاة تركت في نفسه أثرًا كبيرًا منذ رؤيته لها ، أمرًا لا يمكن إنكاره !! ، هو ليس من هؤلاء المراهقين الذين ينجذبون للشكل أول شيء ، ولكن ماجذبه بها أنه شعر في قرارة نفسه إن هذه هي الذي يريدها زوجة وأم لأبنائه ، لا يعرف سبب شعوره ولكنه حتى بعد أدائه صلاة الاستخارة لم يقل شعوره بل ازداد وازدادت رغبته بها وكان ينتظر اجابتها بالموافقة وها هي وافقت أخيرًا ! .
_ مالك ساكت كدا ليه إنت مفرحتش ولا إيه
قال بثبات وبرود كعادته التي لا تظهر مشاعره للعامة :
_ خير إن شاء الله يا أمي
_ يارب صبرني عليكم والله أنا هتجرالي حاجة بسببكم
قالتها بنفاذ صبر فانفجر هو ضاحكًا ومسك بكفها يقبله بلطف وحنو هامسًا من بين ضحكاته مازحًا :
_ بعد الشر عليكي ، بعدين إنتي عايزة تسمعي إيه يعني .. أيوة فرحان أوي أوي كمان ومش قادر استني اللحظة اللي هتجوزها فيها ارتحتي كدا
نزعت يده بغيظ وقالت بضيق :
_ اتريق اتريق يابايخ
رتب على ص*ره كدليل على امتنانه لها وهو يقول مكملًا مشا**ته وضحكه :
_ تسلمي ياست الكل
ثم عاد لجديته وأكمل باسمًا بنعومة غامزًا لها :
_ شوفيهم بقى ياهدهد عشان نروح نتقدم رسمي
تهللت أساريرها مجددًا عندما رأت حماسه الذي فشل هو في إخفائه عنها وقالت بموافقة :
_ بس كدا من عنيا ياقلب هدهد إنت
اقتحمت الغرفة رفيف وعلامات الزعر على وجهها وهتفت بصدمة :
_ الحقي ياماما
ثبت كل من أمها وأخيها نظرهم عليها في تعجب بينما هي فأكملت بهلع :
_ كرم كلمني دلوقتي وصوته كان باين عليه إنه مضايق جدًا وقالي إن سيف اتوفى وقالي كمان نروح أنا وإنتي على بيتهم لإن حالة أمه وأخته صعبة وهو مش هيعرف يتصرف وحده
وثبت الأم واقفة وشهقت بزعر وهي تقول :
_ سيف مات !!! .. إزاي ده ؟
_ مش عارفة ياماما أساسًا كرم كان صوته غريب أوي ومتكلمش معايا غير أنه طلب إننا نروحله
مسحت هدى على وجهها ورددت بألم وحزن شديد على هذا الشاب الصغير ، وقد أدمعت عيناها بالدموع :
_ إنا لله وإنا إليه راجعون .. ربنا يرحمه يارب ، روحي البسي طيب يارفيف وأنا هلبس عشان نروحلهم
هرولت رفيف لغرفته وكذلك هدى همت بالرحيل ولكن زين قال بجدية :
_ أنا هلبس وآجي معاكم
قالت هظى بصوت باكي ومتأثر :
_ أيوة تعالى أقف مع أخوك ده تلاقيه هيموت من حزنه على سيف ، ربنا يرحمه يارب ويصبر أمه وأخته
تن*د هو بحزن مماثل لأمه فسيف كان صديق العائلة كلها والجميع يعتبره فردًا منهم من شدة تعلقهم به بسبب علاقته القوية مع كرم .
***
مرت أربعة أيام بدون أحداث جديدة ...
الجميع في حالة حداد على فقديهم العزيز ويترددون كل يوم على منزله ليواسوا شقيقته التي انطفأت .. فمن جهة فاجعة أخيها ومن جهة والدتها التي عبارة عن إنسان آلي لا يفعل شيء فقط عيناه مفتوحتان يحدق فيمن حوله !! ، أما كرم فكان يتردد عليهم أكثر من مرة في اليوم ليطمئن على احوالهم .
مساء اليوم الرابع لم يتبقى معهم سواه هو ووالدته وشقيقته في المنزل وكان يقف في شرفة المنزل يتأمل كل شيء من حوله بشجن ، فأربعة أيام بدون صديقه كانوا كالأربعة سنوات ، وكل لحظة يتخيل أنه لن يراه مجددًا يحترق قلبه بنار الشوق له ، ومع الأسف لم تحرق النار قلبه فقط حتى وجهه انطفت بهجته وضوئه والبسمة لم تعد تعرف لوجهه طريق .. فقط الحزن هو اللي يظهر على محياه . وبينما هو واقفًا شاردًا ولفت نظره شفق التي كانت عائدة من الصيدلية والتي أصرت على أن تذهب هي لتجلب بعض مستلزماتها هي وأمها فلم يعارضها وتركها تذهب هي هذه المرة .. ولكن جمد نظرته عليها عندما رأى شابًا ينتظرها أمام باب المبنى وعند وصولها له وقفت تتحدث معه في حوار لم يستطع سماعه .
كانت غائصة في جلبابها الأ**د وحجابها كذلك وتسمرت بأرضها فور رؤيتها له وبعفوية هتفت :
_ عمر !!
أجابها بخفوت ونبرة خشنة :
_ البقاء لله ياشفق
_ سبحان من له الدوام .. إنت بتعمل إيه هنا دلوقتي ؟
بدا عليه جادًا وصارمًا على غير عادته مما أصابها بالتعجب ، وعندما هتف بوضوح :
_ أنا كنت بروح وباجي طول الأربع أيام بطمن عليكي وبسأل جارتكم عنك وفي واحد كنت دايمًا بشوفه وبشوفك معاه علطول .. مين ده ؟!
قالت بتلقائية وعفوية :
_ قصدك كرم ؟!
كان واضح عليه الغضب الشديد وازداد غضبه عندما قالت اسمه بوضوح حيث قال :
_ مليش دعوة باسمه ، أنا سألتك مين ده ياشفق وبتقفي معاه ليه ثم إني مرتحتلهوش الراجل ده وباين عليه إنه مش كويس ؟!!
حتى هي لم يكن لديها طاقة لتتحمل أي عبء آخر أو جدال ، وقلبها يلتهب بالنيران وتجاهد في البقاء صامدة فقد من أجل والدتها ، وهو الآن يلعب في عداد علاقتهم المحدودة حيث صاحت به منفعلة وغاضبة وأكثر ما أثارها هو إهانته لكرم :
_ اللي بتتلكم عنه ده إنت متساويش ضفره أصلًا ، لا وجاي بتحاسبني وعامل فيها بتحبني ، بس إنت أساسًا عمرك ماحبتني .. ووفاة أخويا وضحتلي مين حبيبي من عدوي ، وبعدين أنا مشوفتكش في العزا ولا مرة ، وكنت متوقعة إنك هتكون أول واحد تقف جمبي في المحنة دي ، واللي بتقول عليه مش كويس ده طول الأربع أيام مسبناش لحظة واحدة ، ده صديق سيف الله يرحمه من طفولته وطول السنين اللي فاتت مشوفناش منه أي حاجة غلط ، فمتجيش تحاسبني على حاجة قبل ما تبص وتشوف نفسك بتعمل إيه ياعمر
همت بأن ترحل ولكنه اعترى طريقها وأخرج هاتفه وفتحه على صورة لها يريها إياها فحدقت بالصورة بصدمة .. أنها هي عندما ذهبت لمقابلة الرجل الذي يبتزها بصورها وكانت الصورة غير لطيفة بتاتًا حيث أنه كان قريب منها جدًا ، ولم تصدمها الصورة بقدر ما صدمها هو برده الوضيع :
_ وده صاحب سيف كمان .. ولا إنتي كنتي طول السنين دي عملالي فيها الشريفة وإنتي ...
منعته من تكملة جملته بكفها الذي سقط على وجنته بقوة وهي ترمقه بنظرة متق*فة ومشمئزة ، امتزجت بخذلانها وأعينها الدامعة ، ولكنه لم يكتفى ويبدو أنه يريد أقوى من مجرد صفعة حيث قبض على ذراعها وهتف باستياء :
_ بتبصي كدا ليه ، أنا اللي مصدوم فيكي ياشفق إنتي آخر واحدة كنت أتوقع منها ده
سالت دموعها بغزارة ، فكما يقولون " في كل شر خير " وماحدث معها أخرجها من محيط عميق كانت ستغرق فيه وجعلها تدرك أنها مخطئة عندما ظنت أن هذا الرجل يمكن أن يكون زوجًا لها ، كيف كانت ستكون بينهم علاقة وهو ليس لديه درجة فقط من درجات الثقة فيها .
لم يدم الوضع كثيرًا حيث وجد عمر يد تقبض على ذراعه وتسحبه بعنف من على ذراعها ، فرفع نظره لها وأتضح أنه هو الذي كان محور حديثهم منذ قليل .
_ شيل إيدك دي .. إنت مين ؟
انتصب عمر في وقفته وقال ساخرًا بشجاعة :
_ حاجة متخصكش أنا مين ، وإنت مالك أشيل إيدي ولا مشيلهاش ..
لمحت شفق لمعة الشر والسخط تلمع في عيني كرم فاسرعت وهتفت محاولة تهدئة الأمر بتوسل ولأول مرة تلفظ اسمه بدون مقدمات !! :
_ كرم مفيش حاجة صدقني اهدى وبلاش تعمل مشكلة بالله عليك
ثم حولت نظرها إلى عمر وصاحت به بضجر :
_ امشي .. ومتورنيش وشك تاني
_ لا أنا حابب أشوف البيه هيعمل إيه
قالها عمر بتحدى واستهزاء واضح فلم يحرمه كرم من لكمة أطاحت به أرضًا وسالت دماء شفتيه على أثرها ، وهاتفه وقع على الأرض بجانبه وهم بأن يكمل لكماته له ولكن الصورة الذي كان مفتوح عليها الهاتف أوقفته بأرضه وهو يحدق بها بذهول ، فانتبهت هي إلي ما ينظر له وارتشعت بخجل وتوتر وهرولت إلى عمر وأول شيء فعلته هو أنها التقطت الهاتف وانهضته من على الأرض وهي تضع الهاتف بين يديه وتدفعه بعنف صائحة به :
_ امشي بقولك .. منك لله ياخي
هم بأن يقترب من كرم فدفعته بعنف أكبر وهي تصرخ به :
_ امشي إنت مبتفهمش
رمق كرم بنظرة نارية أخيرة قبل أن يستدير ويرحل ، ف*نهدت هي بألم وأحست بأنها ستعاود البكاء مجددًا ، وفي لحظة غضب تسأل الله لماذا يحدث معها كل هذا ثم تعود وتستغفر ربها وتردد " الحمدلله على كل شيء " ، وقفت للحظات تتابعه وهو يتوارى عن ناظريهم وتفكر فيما ستبرره له عن هذه الصورة ، وأخيرًا التفتت له لتقابل نظراته التي المندهشة وهو ينتظر منها تبرير فقالت مخترعة كذبة سخيفة :
_ دي صورة مفبركة !
مسح على وجهه وهو يتأفف ثم قال بخفوت ونبرة شبه حادة :
_ بصي ياشفق أنا كنت ممكن أقولك إنك مش مضطرة تبرري حاجة وأنا مليش دعوة لو كان سيف لسا عايش ، بس حاليًا إنتي مضطرة لإن أخوكي موصيني عليكي وإنتي مسئوليتي ، ففهميني إيه الصورة دي ومتقوليش إنها متفبركة لإنها باينة أنها حقيقة جدًا
اطرقت أرضًا وسالت دموعها بحرقة وارتفع صوت شهقاتها فلانت نبرته وقال بتفهم :
_ من غير عياط الموضوع ميستهلش عياط ، أنا مش بقولك إنتي غلطانة ولا عملتي حاجة غلط ، أنا واثق تمامًا إنك متعمليش حاجة زي كدا ، فلو في حد بيضايقكي قوليلي عشان اساعدك ؟!
رفعت عيناها الدامعة لتنظر له بشيء من الصدمة ، فالرجل الذي احبته وكان يعرفها جيدًا لم يثق بها وهو الذي لا يعرفها سوى بالشكل لسنوات ، فكيف له أن يثق فيها ، وجدت نفسها تطرح سؤالها بتلقائية تامة :
_ وإيه اللي يخليك واثق كدا ؟
قال مبتسمًا بنفس نبرته السابقة ولكنه قالها بشيء من الإحراج وهو يجفل نظره عنها :
_ لإني واثق في تربية سيف ووالدتك ليكي ، وده سبب كافي اعتقد
ازداد حدة بكاءها وقالت بصوت مرتجف :
_ هو فعلًا في حد بيضايقني ، بس أنا آسفة ياكرم أنا حاليًا في وضع ميسمحش ليا بالكلام نهائي ، بكرا إن شاء الله صدقني أنا بنفسي هتصل بيك وهقولك على كل حاجة
كرم بهدوء ورزانة ولكن صوته برغم لطافته امتزج به شيء من الحزم :
_ طيب براحتك .. بس خلي في علمك موضوع زي ده مينفعش يتسكت عليه فبكرا إن شاء الله لازم تكلميني وتفهميني إيه اللي بيحصل
اماءت له بالموافقة وجففت دموعها ثم همت بالرحيل فوجدته لم يتحرك ، لتنظر له باستغراب فيبتسم بإحراج ويقول :
_ لا كفاية على كدا الوقت اتأخر ولما تطلعي فوق قولي لماما ورفيف إني مستنيهم تحت
بادلته الابتسامة وقالت بامتنان حقيقي :
_ طيب .. شكرًا ياكرم
لم يجيبها واكتفي بإماءته البسيطة وهو لا يزال يرسم ابتسامته التي تخ*ف قلوب النساء دون أن يدري ، أما هي فولته ظهرها وقادت خطواته إلى داخل المبنى وبعد دقائق جاءت أمه وأخته واستقلوا بسيارته ورحلوا وكانت هي تتابعهم من الشرفة بالأعلى ! ....
***
كان إسلام ساكنًا وهادئًا على مقعد في غرفته أمام النافذة يتأمل النجوم التي تنير في السماء .. فقط عيناه معلقة في هذه السجادة السوداء ولكن عقله على بعد أمتار بعيدة منه ثابت عند تلك اللحظة الذي رأى فيها ذلك الملاك وعلق بمخيلته ولم يتمكن من إخراجه ! ، ولكنه يحاول مقاومة ومحاربة هذه السخافة فمن تلك التي ستقبل برجل عاجز .. رجل ناقص ! ، ولهذا يكره أن يعرض نفسه لموقف انتظار موافقة فتاة بعد شفقة منها ، أو ربما لأن عائلتها اقنعوها بأن عاهة قدمه ليست معضلة في حياتهم فوافقت مرغمة ، هو كأي رجل لا يريد عيش حياة مجبرة أو حياة خالية من الحب والود والتضحية والتفاهم .. لا يريد أن يكون لديه أبناء من امرأة قبلت به مجبورة .. فقط يتمنى حياة زوجية طبيعية كباقي البشر !! .
فتحت ملاذ باب غرفته ببطء فوجدته ساكن هكذا وشارد الذهن ، ابتسمت بنعومة واغلقت الباب بحرص ثم تتسللت خلفة ووضعت يديها على كتفيه هامسة بمداعبة :
_ سرحان في مين هااا
انتفض بفزع بسيط ثم التفت برأسه لها وقال في اندفاع :
_ إيه ياملاذ هزارك البايخ زيك ده
فغرت شفتيها وعيناها بدهشة مزيفة وقالت بتصنع الضيق :
_ بايخ زي !!! .. أخص عليك يا إسلام وأنا اللي جاية افضفض معاك شوية ، وقولت أخويا الكبير حبيبي هحكيله وهيفرفشني
لانت نظرته ونبرته وقال بحب :
_ طيب اقعدي ياختي وقولي مالك ؟!
جلبت مقعد مماثل لمقعده وجلست بجانبه ثم قالت بلؤم وابتسامة :
_ لا قولي إنت الأول كنت سرحان في إيه ؟
رفع حاجبه اليسار واطال النظر في وجهها بغيظ ثم قال في حدة مزيفة :
_ إنتي جاية عشان تفضفضي معايا مش تتطفلي عليا !
قهقهت بصوت مرتفع وقالت معتذرة :
_ طيب خلاص مش هتكلم حقك عليا
ساد ال**ت بينهم للحظات قبل أن تبدأ في سرد الكلمات التي تخنقها في ص*رها بشجن :
_ العريس جاي بكرا عشان يتقدم .. كان نفسي بابا يكون قاعد
_ ما إنتي عارفة الوضع ياملاذ بابا ميقدرش ينزل بسبب الشغل .. وأنا موجود وعمك موجود
تنفست الصعداء بخنق وأسى فدقق النظر في قسماتها ثم قال بترقب :
_ ملاذ هو إنتي متأكدة إنك عايزة زين وموافقة عليه
طالعت أخيها بارتباك بسيط وقالت مسرعة بتأكيد :
_ ايوة طبعًا موافقة ، هو لعب عيال ولا إيه ده جواز يا إسلام .. أنا بس خايفة يكون مش كويس زي أحمد ومكملش معاه
تمتم بنبرة رجولية خشنة وصوت رخيم :
_ أحمد إنتي اللي **متي عليه ولا أنا ولا أبوكي كان عاجبنا ، لكن دلوقتي أنا بقولك أهو زين أحسن واحد مناسب ليكي وأنا واثق إنه هيحافظ عليكي إن شاء الله .. وحتى أبوكي فرح أوي لما أمك قالتله إنه متقدملك ، يعني المرة دي أنا وأبوكي اللي اخترنا مش إنتي واختيارنا هيبقى في محله اطمني
هي تثق مثلهم أنه رجل يمكن لأي امرأة أن تتمناه ، ولكنها ارتكبت جريمة ب*عة في حقها وحقه حين قبلت الزواج به وعقلها وقلبها ملكًا لرجل آخر ، وستأخذ من زواجها منه انتقام وصفقة لكي ترضي به كرامتها التي بعثرها خطيبها السابق .. هي تعلم أن الأمور ستصل لنقطة صعبة إن تم زواجهم وهو عَلِمَ بسبب زواجها منه ، ولكن الحقيقة أن الأمور ستفوق تخيلاتها تمامًا !!! .
***