في الداخل كانت هناك وليمة صغيرة محضرة ومرصوصة على مائدة المطبخ وكان أسد يحمل سكينا ويرفعه في وجه مؤمن ومنذر وهو يقول "من سيقترب سأقتله، ما هذه الهمجية ألم تروا طعاما من قبل؟ قفوا خلف بعضكم وكلٌّ سيأخذ دوره ، دخل ليل وجاسم اللذان يشعران بألفة وغرابة وروح جميلة تحيط هذا المكان ووراءهم مأمون الذي كان حاضرا بجسده غائبا بعقله ومن خلفه بشر يحمل حزامه ويؤرجحه بشرٍّ محاولا أن يتحامل على آلام روحه ويتعامل معهم بشكل طبيعي فقال بصوت مستهجن "ماذا يحدث هنا؟ " فكر أسد لو كانت عزيزة هنا تشهد العمالقة الذين احتلوا مطبخها لسقطت بين يديه فأجاب " لا شيء شباب يحتاج إلى الأدب يا رجل كأنهم لم يروا طعاما من قبل " رفع بشر حزامه ولاعبه بالهواء ليص*ر صوتا جعل أسد يضع السكاكين على الطاولة بهدوء وقال " من ناحية أنهم يحتاجون الأدب فأنت محق لذلك يا مؤدب هيا لنجهز السفرة لنأكل كالبشر وليس كالهمج " عبس أسد بوجوم وصرخ بمنذر ومؤمن "هيا ألم تسمعا ما قال " تحرك مؤمن بطريقة أنثوية يقول ممازحا "حاضر يا أسد الليالي طلباتك أوامر "صفق أسد بيده بطريقة فجة وأطلق تعليق وقحا فتدخل منذر بالحوار ليعبر بشر المشاهدين ويتدخل وحزامه في الموضوع فتعلوا ضحكات الشباب الصاخبة........
بعد ساعتين كانت الفتيات يجلسن بهدوء بحوض كبير يشبه حمام السباحة تتصاعد منه أبخرة بروائح منعشة تحث على الاسترخاء وكل واحدة منهن سارحة في حالها، إلا فتون التي جلست تراقبهن باستمتاع لتقول فجأة بصوت أفزعهن "وحدوووووووه " اعتدلن جميعا بسرعة يتمتمن "لا إله إلا الله "فض*بتها أسمهان على ذراعها وقالت "هل أنت حجر؟ أين الرقة أين الرومانسية لماذا لا تستمتعين بهذا الجو الهادئ؟ " ضحكت فتون وقالت " أنا إنسانة عاقلة لا أعترف بتلك الأشياء التافهة و لن أسلم قلبي يوما لكائن ذكوري جشع " ابتسمت عزيزة بتأثر وسألتها "وهل الأمر بيدك يا آنسة فتون؟ صدقيني إذا لم تسلميه بإرادتك سيأخذ غصبا عنك لذلك الاستسلام أفضل وسيلة " رفعت سمراء يديها تلاعبهما بالهواء بحالمية وقالت " آه يا فتون تذكريني بأخرى أعرفها كانت تظن نفسها محصنة ضد الحب وسهر الليل حتى جاءها ليل طويل لم ترَ من بعده نهار، أتوقع لك قصة حب ملحمية فمن تظن نفسها أقوى من الحب دائما ما ي**رها " زمت فتون شفتيها بتفكير تقول "لا أظن أنه من بعد ما حدث لوالدتي بسبب أبي أني قد أعيد هذه المأساة فها أنا أعيش حياتي كما يحلو لي لا تحكمات لا وجع لا غيرة ليس هناك سوى حرية صرفة سأعيشها كما يحلو لي وسأدع براكين العشق لهواة الكوارث فأنا لست حمل زلزال حتى " أخذت بلقيس نفسها بقوة كأنها تستمتع ببو**ي الحرية التي مازالت تتمتع بها وتن*دت بحنين " أظن أن حكمك على الحب ظالم يا فتون فماذا سنفعل بمفردنا في الحياة بدون نصفنا الآخر الذي سيكمل نقصنا …. صدقيني لن يكون للحياة طعم ولا معنى، بدونه لن يكون هناك ألوان... ضحكات... جمال... سيختفي كل شيء كأن روحك انطفأت لأن الشيء الذي خلقت له اختفى " نظرت لها أسمهان بسخرية وسألتها " وهل هذا إحساسك تجاه صفي؟…إذا كان كذلك غيريه لعل صفي يتغير قليلا فقد أصبح لا يطاق، بصراحة أشفق عليك " ردت عليها بلقيس بحزن " أنا دائما أعذره فهو فقط يحتاج قليلا من الثقة بحبنا وسيعود كما كان وأظن أنه سيتغير كليا بعد زواجنا فحينها سيضمن أنني أصبحت ملكه وسيهدأ " ردت عليها سمراء بغضب "كفى سلبيةً وخضوعا فهما ليسا حلا لأي مشكلة فالحب قوة ..فإذا تحول لنقطة ضعف بداخلنا إذاً هناك شيء خاطئ" حين تحدثت بصيغة الجمع علمت عزيزة أن الكلام موجه لها أيضا فقالت "فعلا يا سمراء كلنا نحمل نقطة ضعف لأن كل واحدة منا أخطأت وأنا أولكن لكن الآن ما الحل ما حدث قد حدث ولا سبيل للخلاص كلنا وقعنا في فوهة بئر سحيق ولا سبيل للخروج منه فشمس الحرية اختفي نورها منذ أن ظللت أيامنا غيوم العشق " أنهت عزيزة حديثها بحرقة أذهلت الجميع وخصوصا سجى التي لم تتدخل في حوارهن منذ البداية فهي آخر واحدة تستطيع أن تنصح لكنها تكلمت أخيرا بصوت خرج من أعماقها كأنه كان محبوسا منذ زمن سحيق " لا أعلم ماذا أقول لكُنّ لكِنّ الحب ورطة ليس هناك منها فكاك، نلتصق بمن تورطنا بهم في الحلو والمر فنصبح واحدا حتى حزنهم يطولنا لكن وجودهم بجانبنا يهون كل شيء إلا عندما نتألم منهم تضيق الأرض بما رحبت وتتحول الحياة إلى كتلة من البؤس فأصعب شيء هو أن تضطرك كرامتك لترك شيء تريدينه بشدة وكما اخترت طريق الحب في البداية تختارين طريق البعد بإرادتك وتمضين به بكل قوة وشراسة كأنك تنتقمين من نفسك من قلبك الذي أحب الشخص الخطأ وروحك التي تعلقت بعشق أهلكك فلم يبقَ منك شيء كما كان " **ت ...مبهم الملامح والتفاصيل ساد على الجو فماذا يقال بعدما قيل! قطعت الأنفاس وتحجرت الدموع في عيون الجميع فمهما أنكرن هناك بداخلهن خوف من القادم من أن يكون هناك فراق محتوم فجميعهن أضعف من ذلك بمراحل ، فأكملت سجى حديثها قائلة " لن أنسى أبدا لحظة اعترافي بحب مأمون لوالدي حينها كان يجلس على كرسيه المفضل يقرأ كتابا من مكتبته الخاصة فنظر لي وقال
(أتعلمين ماذا قال شاعر المرأة عن الحب؟ )هززت رأسي وجلست تحت أقدامه فنظر بوجهي بشدة كأنه يتأملني وقال :
قصص الهوى قد أفسدتك .. فكلها غيبوبةُ .. وخُرافةٌ ..وخَيَالُ
الحب ليس روايةً شرقيةً ….بختامها يتزوَّجُ الأبطالُ
لكنه الإبحار دون سفينةٍ وشعورنا أن الوصول محال
هُوَ أن تَظَلَّ على الأصابع رِعْشَةٌ …وعلى الشفاهْ المطبقات سُؤالُ …...هو جدول الأحزان في أعماقنا ….تنمو كروم حوله .. وغلالُ.. هُوَ هذه الأزماتُ تسحقُنا معاً .. فنموت نحن .. وتزهر الآمال….. هُوَ أن نَثُورَ لأيِّ شيءٍ تافهٍ ….هو يأسنا .. هو شكنا القتالُ …..هو هذه الكف التي تغتالنا ...ونُقَبِّلُ الكَفَّ التي تَغْتالُ…...
"لم أفهم حينها معنى كلماته لكن ها أنا بعد أربعة أعوام أفهم جيدا معنى كل كلمة وأحفظها عن ظهر قلب وأندم لأنني لم أدركها منذ زمن، أندم لأنني لم أطلب منه أن يشرح لي كل شيء وأندم لأنني كنت أضعف من أن أدافع عن قلبي ضد كائن ذكوري كما تقول فتون "أنهت كلامها بابتسامة كاذبة كأنها لا تريد أن ترى في عيونهن شفقة ولا تعاطف، لا تريد سوى أن تعود يوما كما كانت ولكن هل سيعود بها الزمان للحظة البداية؟ أسرعت فتون تتحدث بحماس تريد أن تنتشلهن من دوامة أفكاهن المريرة "هيا يا فتيات فلم يتبقَ سوى ساعة واحدة ويبدأ الحفل الحقيقي " حاولت أسمهان أن تغير جو الكآبة الذي حل عليهن فقالت "آنساتي الفاتنات من هذه اللحظة لا أريد أن أسمع كلمة حزينة فنحن سنترك همومنا بهذا الحوض لتذوب في الماء وتصبح ماضي…. مؤكد سيكون المستقبل أجمل تفاءلن بالخير تجدنه " **تت تتأمل وجوههن لحظات ثم صرخت فجأة "هناك حفلة هيا بنا " ابتسمن جميعا حتى سجى التي غاصت برأسها في الماء كأنها تنفذ نصيحة أسمهان ثم قفزت واقفة تلحق بهن وهي تعد نفسها أنها ستشرق هذه الليلة بعد طول غروب وكل هذا بسببه.. مأمون... زوجها الدافئ الذي تحول لغول ينهش قلبها منذ عامين.............
نزل عامر السلم وهو يجري بفزع لصراخ والدته الذي أيقظه من النوم فيبدو أن كارما بعنادها وتهورها فعلت كارثة جديدة فبرغم أنها أكبر منه سنا فمن يرى أفعالها يظن أنها مازالت مراهقة تحتاج إلى ألف موجه يوجهها إلى الفعل الصحيح وليست في السابعة والعشرين من عمرها ابنة عائلة كفلت لها كل سبل الحرية والاحترام ماذا تريد أكثر من هذا؟ كم حاول أن يتقرب منها أن ينصحها ويحتويها لكنها كانت تنأى بنفسها بعيدا عنه كأنه ليس أخاها بل شخص يضمر لها كل شر، اقترب من غرفة الجلوس ليجد والده يجلس محني الرأس ووالدته تقف أمامه وتتحدث بعصبية مفرطة "أنت السبب في كل ما يحدث ،أنت من جعلتها فتاة متحررة لدرجة أنها تخطت الجميع وتظن أن هذا حقها ،أخبرني ماذا تعاملنا هكذا كأننا لسنا أهلها لا تأتي إلى المنزل ولا تهاتفنا لأيام لأتفاجأ اليوم برسالة منها تخبرني أنها ستسافر إلى مصر ولا تعلم متى ستعود، هل تريد هذه الفتاة أن تقتلني قبل أواني؟ بماذا قصرت معها لتعاملني هكذا؟ " وقف ساري أمام أروى وهو يشعر بالخوف... يشعر أنه يفقد ابنته شيئا فشيء "اهدئي يا حبيبتي مؤكد أنها كانت تريد إخبارك لكن هناك ما منعها ... فأنت تعلمين كم هي مشغولة " نظرت له أروى بغضب وصاحت "مشغولة عن أهلها! هل تصدق ما تقول؟ ابنتك تخطط لشيء منذ مدة لذلك تستقل بنفسها في تلك الشقة لكي لا نعلم عنها شيئا، كم مرة حاولت أنا وابنك مهاتفتها لكنها لا تجيب وإذا أجابت تختلق أعذار ليس لها وجود لعدم قدومها وفي النهاية تسافر خارج البلاد ولا نعلم سوى برسالة "تدخل عامر يواسي والدته فمؤكد ستجن من أفعال أخته الحمقاء " اهدئي يا أمي فكارما لم تعد صغيرة بل هي راشدة وبكامل عقلها وتعلم الصواب و الخطأ لذلك دعيها تفعل ما تريد ففي النهاية ليس لها سوانا ومهما تأخرت في العودة….ستعود فليس لها مكان سوى هذا البيت " وضعت أروى رأسها على ص*ر عامر الذي ضمها بقوة وقالت "أختك أحيانا تتصرف باندفاع وأنانية وفي الفترة الأخيرة وتحديدا من بعد حادث عائلة العزايزة وهي تحاول أن تختفي عن أنظاري كأنها تخاف أن أرى عينيها وأقرأ ما بهما من خطط " اقترب عامر يملس برقة على يد والدته وقال "أمي ليس هناك أي صلة بين وضع كارما وهذا الحادث ، فانت تعلمين أن التص**ح الذي خرج يوم الحادث عن ارتباط بشر وكارما كاذب وعمي جواد وضح لأبي كل شيء فلا داعي للقلق " رفعت أروى عينيها إلى زوجها تشكو إليه ب**ت مخاوفها فهي تعلم أن ابنتها متعلقة ببشر العزايزي منذ صغرها لدرجة أنها كانت تكره تولين وتؤذيها وهي صغيرة فعندما كانت تولين في الخامسة أمسك بها بشر وهي تض*بها لأنها كانت تغار من اهتمامه بها ومن يومها منعها من دخول القصر بعد أن أعطاها صفعة قوية ردا على ما فعلته ، رد ساري على شكوى زوجته قائلا "ستكون بخير وستعود قريبا وحينها سيكون هناك نظام جديد لحياتها وعليها اتباعه ،لا تحزني أنا سأتعامل معها عندما تعود " هزت رأسها توافقه بقلة حيلة فمال يقبل رأسها بينما كان عامر يفكر عن سر سفرها المفاجئ لمصر ولا يعلم أنها في هذه اللحظات تركب الطيارة يقودها عقلها الخبيث الذي صور لها أنها أقوى من القدر..........
يقف الشباب ببهو القصر يلبسون بدلا رسمية تجعلهم كالنجوم البراقة….ينتظرون بشر الذي تأخر عليهم فقال أسد الذي كان يرتدي بدلة رمادية اللون تبرز عضلاته بشدة وتعطيه طلة سينمائية " سأصعد لأحضره فموعدنا لم يتبقَ له سوى أربعون دقيقة وحذيفة أكد ضرورة الحضور بدون تأخير " رد عليه مأمون "حسنا أحضره بسرعة … فطريقنا طويل قليلا " صعد أسد لغرفة بشر وطرقها مرتين لكن لا مجيب ففتحها وبحث عنه وعندما لم يجده توجه إلى غرفة تولين وفتح الباب بدون أن يطرقه......
كان بشر يدور بغرفتها كعادته مؤخرا يتلمس كل ما حوله ...ينظر لصورها لعله يجد بها بعضا منها لكنه ككل مرة يفشل أن يلجم أنين قلبه وعينيه المتحسرتين على فراقها ومع ذلك اليوم سيحتمل..عليه ذلك فروحها معه تحتفل سعيدة لإخوتها فلا فرح بدونها ولا حزن أعظم من فقدها، انتهى من الشعور فبدونها صار أسيرا لمنطقة اللاشعور و سيتأقلم على هذا ...سيعيش هنا بهذه الغرفة وسط بقاياها حتى يشاء الله ….تولين لم تكن مجرد حب، تولين كانت الهوية والوطن وهو من بعدها مجرد رحالة سائر بلاهدف يجوب العالم كغريب لا وطن له ولا مكان …..قاطع أفكاره أسد الذي اقتحم الغرفة يقول" بشر ...لماذا لم تنزل؟ ...سوف نتأخر فالجميع ينتظرك في الأسفل " رد عليه بشر بدون أن يرفع عينه عن صورتها التي بيده " هذه آخر مرة تطأ قدماك هذه الغرفة أو تدخل دون استئذان وإلا انت تعلم ماذا سأفعل، آخر مرة أنبهك فيها " رجع أسد للخلف حتى وقف خارج الغرفة وتخصر بحنق "هيا يا بشر باشا سنتأخر يا بشر بيه و آسف لحضرتك يا سيد بشر وللغرفة أيضا فأنا أعلم أنها لا تنكشف على رجل غريبة " لم يكن أسد يقصد استفزازه بل كان كل غرضه إخراجه من حالة الشجن التي تتلبسه كلما عاد إلى هذه الغرفة، وكان له ما أراد فبشر وضع صورة تولين بجيب سترته الداخلي وبجانب قلبه مباشرة وخرج يلحق بأسد الذي طالته لكمة عنيفة من يد بشر وعندما اقترب من الشباب نظر لهم بنظرة فخر لم يخفِها فها هم إخوته وأصدقائه وسنده يقفون أمامه كالبنيان المرصوص فقال "هيا بنا أم ستنتظرونني حتى أقتله وأعود لكم "وقف أسد خلف ليل الذي كان يضحك ويجيبه "مؤكد سنرحل يا بشر وإلا سيقتلنا حذيفة أنت تعلم أنه طبيب مجانين ومؤكد أن عدوى الجنون طالته "رفع بشر حاجبه بترفع يداري توتره قائلا "حسنا لكن سنرحل سويا لا أريد أسطول سيارات يخرج من القصر فأنا …..**ت غير قادر على إخراج مخاوفه فعلم الجميع أنه يتحدث عن ليلة الحادث لذلك قسموا أنفسهم على سيارتين الأولى تحمل بشر ومأمون ومؤمن وجاسم والأخرى تحمل أسد وليل ومنذر وصفي ثم انطلقوا إلى حفلهم الذي سيكون ليلة لا تنسى......
جلست الفتيات في كوخ خشبي جميل على شاطئ ميامي يلبسن أثوابا مميزة مملوءة بالألوان الجميلة و يلبسن على رؤوسهن تيجانا من الزهور الشبيهة بـ زهرة تبّاع الشمس لكنها متنوعة الألوان وأمامهن شراب مميز عبارة عن حبات من جوز الهند يتخللها ماصة طويلة ،وقفت بتول تلتقط لهن الصور وتشاهد روح المحبة التي تجمعهن بغيرة واشتياق لدفء فرت منه بكامل إرادتها ...فمنذ سنوات تعمل هنا وتقابل الكثيرين من العرب لكنها لم تجد لها صديقة واحدة تعيش معها حالة من الإلفة ...قالت بعملية " آخر صورة يا جميلات وأريدها أن تكون عفوية لذلك حاولن أن تكون ضحكتكن غير مصطنعة والنظرة بريئة "أخذت الفتيات أوضاع عبثية جعلتها تبتسم ابتسامة نادرة الحدوث فهن كالأطفال الصغار منذ وصولهن لا يكففن عن المشا**ة والمزاح، نظرت إلى رواد كوخها الليلة لتجدهم قليلين ورغم أن الفتيات في منطقة معزولة نسبيا إلا أن أصوات ضحكاتهن يلفت نظر من حولهم والذين أغلبهم من العرب…. حادت بنظرها إلى الساعة لتجد أنه لم يتبقَ سوى دقائق فتركت آلة التصوير التي بيدها واقتربت من شاشة عرض كبيرة جدا تتص*ر الحائط الأمامي للفتيات وأوصلت بها آلة تصوير أخرى وجهزت كل شيء من أجل البث المباشر الذي سيحدث بعد ثواني قليلة........
دخل الشباب إلى القاعة التي لم تكن سوى سطح أحد المباني الشاهقة فوجدوا حذيفة ينتظرهم بجانب السور ويضع يديه بجيب بنطاله قائلا بنزق "يا أهلا وسهلا أخيرا وصلتم كنت أظن أن الحفل سيبدأ من دونكم " تقدم بشر تجاهه بغضب يقول "أي حفل يا حذيفة؟ ما هذه المزحة السخيفة هل أتيت بنا لنتسلل إلى سطح هذا المبنى؟ " ضحك منذر ومؤمن بشدة فيما كان أسد وليل يشاهدان ما يحدث باستمتاع ع** جاسم ومأمون الصامتين حتى يفهما ما يحدث، وحده صفي كان رماديا فلم يأخذ موقفا من أي شيء بل هو ليس معهم بالحقيقة ،أشار حذيفة بيده لمكان على يمينهم ليجدوا شاشة كبيرة كالتي توضع بقاعات المؤتمرات و آلة تصوير وطاولة كبيرة نسبيا يحاوطها عشرة مقاعد يغطيهم جميعا الساتان الأبيض ويقف شابان أدركوا أنهما يعملان لأحد المطاعم المعروفة "هيا بنا لقد بدأ العد الع**ي لا نريد أن نتأخر "
جلس الشباب باستسلام وتعجب للوضع فأضاءت الشاشة برقم خمسة ثم أربعة ثم ثلاثة واثنان وواحد لتظهر الفتيات ويبدو أنهن لم يلاحظن بعد ما يحدث إلا سمراء التي حاولت أن تنبههن ولكن أسمهان لم تنتبه وهي تشا** فتون بشأن عزيزة التي جعلت كل حولهن يلتفت لها، وعزيزة تهتز من فرط الضحك أما بلقيس فكانت تقف فوق كرسيها وتحمل وشاحا تلاعبه بالهواء دليل على بدء جولة مصارعة وسجى تجلس على مقعدها بهدوء وتبتسم بسعادة فصرخت بهن سمراء "كفى لم نعد بمفردنا ،ألم تنتبه واحدة منكن لهذا الحشد؟ " التفتت الفتيات لتقع عين كل واحدة منهن على الذين يشاهدون ما يحدث ب**ت ووجوم وتتفاوت ردود فعلهم ما بين غاضب ومتجهم ومذهول وحزين وسعيد فأصبحن كالتلميذات اللاتي ضبطهن المدرس يرقصن في الفصل... تراجعت كل واحدة منهن تجلس على مقعدها بأدب وبلقيس نزلت بهدوء ونظرت إلى أصابعها لا تريد أن تلمح صفي ومتخوفة من نظراته......
فتحت الشاشة أمامهم ليبدأ الحفل الحقيقي ولكن داخل قلوبهم فكلٌّ منهم كان يرتوي ممن سرقت قلبه ورحلت تاركه إياه وراءها كذئب يعوي على غيابها، كان منظرهم مضحكا في بداية الأمر لكن بعدما وضح الموضوع الذي يتشا**ون عليه اشتعلت النار في عروق الجالسين خصوصا وحش البط الذي علم أن هناك من التفت لف*نة بطته، كان ينظر لها بتوحش سيفتك بها أما صفي فقد شعر أنه يعيش كابوسا فما يحدث هو ما كان يخاف منه فها هي تقابل رجالا بكامل صحتهم يجيدون التغزل ولفت النظر ومؤكد ستنظر ...ستفكر ...ستقارن ….بينما منذر امبراطور أرض الحياد كل ما فعله هو تأمل من ستصبح زوجته بعد أيام وهو يشعر أنه يريد للأيام أن تطير فتصل به للحظة الحاسمة، ...ليل كان يدرك دواخلها أكثر منها يعلم أنه لو كان بيدها أن تعبر من الشاشة وتأتي إليه فلن تتأخر فبمجرد أن وقعت عيناها عليه وهي مشتعلة كأتون متأجج وهو مشتاق لإطفائها لا يعلم بماذا سيبرر لها وجوده وسطهم لكن يكفيه أن تعلم أنه بدأ يخترق حصنها المنيع وبرجها العالي، فغمز لها بخفة تظهر لمن يراه أنه يرمش بأهدابه لا أكثر... أما مأمون كان سارحا في ابتسامتها التي لم تعد كما كانت لكنها على الأقل موجودة كم اشتاق لرؤيتها عن قرب، كم اشتاق لحضنها ولياليها الدافئة يخاف أن تكون النهاية…..فبالنسبة له لم يكن هناك نهاية رغم ما فعله … لا يمكنه أن يتحمل قسوة النهاية فهو لعامين عاش بالأمل أنه سيجدها ولن يسمح لها أن تقتل بداخله الأمل ….. بجانبه كان جاسم يراقب فتون التي لا يعرف ماذا فعلت بنفسها لتصبح مشعة هكذا تلوح بيدها لمؤمن الذي سي**ر له فكه الذي لا يتوقف عن الابتسام، تكلم حذيفة عندما وجد أن الجو مشحون "هل ستتحدثين يا سمراء أم أتحدث أنا؟ " خبطت سمراء قدمها بالأرض تستمد منها القوة تنحي توترها وأجابته "لا يا حذيفة أنا من سيتكلم "توجهت أنظار الجميع إليها حتى الفتيات فأكملت قائلة " ليلة الحفل بعد نزول الفتيات لم يتبقَ سوى أنا وتولين رحمها الله في الجناح فأخبرتني أنها عندما كانت بميامي تعرفت على فتاة اسمها بتول تمتك كوخا صغيرا على الشاطئ فاتفقت معها على هذه الليلة وحجزت وجهزت لنا كل شيء حتى أنها سجلت ليلتها مقطعا مصورا كانت تظن أنها ستشاهده معنا ، لكنها الآن بمكان أفضل بكثير وفي النهاية أريد أن أخبركم أن التصوير كان بقيادة دكتور حذيفة " فجأة انقسمت الشاشة إلى ثلاثة أجزاء ، جزء يضم الفتيات وآخر يضم الشباب والثالث يظهر به جناح الفندق ليلة الحفل وصوت حذيفة يضحك ويقول "هيا يا تولين لقد بدأ التسجيل " كان حذيفة بصالة الجناح فخرجت تجري بثوبها الأ**د كغجرية تسبي ال*قول فاهتز قلب بشر عندما ظهرت أمامه لدرجة جعلته يتراجع بكرسيه قليلا ويحل رابطة عنقه التي تكتم على أنفاسه الحبيسة ويبدأ بهز قدمه بتوتر كأنه على وشك دخول سباق ، وقفت تولين أمام آلة التصوير وانحنت كالأميرات تحيي المشاهدين الذين امتلأت عيونهم بالدموع حتى عاصي الذي دخل إلى غرفة غفران بالخفاء ليشاهد معها هذا الحفل ا****عي فهي كانت تستمع لما يحدث وهو ينوب عن عينيها فيصف لها كل شيء " مساء الخير عائلتي المحترمة ،مساء الخير زوجي العزيز بشر، أتعلم أني أعشق اسمك كأنه موشوم على جدران قلبي، لا أدري سر عش*ي لاسمك … أعشق ملامحك ،سكوتك وكلامك، غضبك وضحكك أنا أعشق كل ما بك يا بشر قلبي، ورغم ذلك أنت تستحق صفعتي وبجدارة لذلك لن أعتذر ، عندما تريد أن تقبلني استأذن بأدب وسأرفض بأدب أيضا لقد أفزعتني بدخول دراكولا الذي دخلته إلى غرفتي ذلك اليوم ، نعود لمحور الكلام بما أنكم تشاهدون هذا المقطع إذن سارت الخطة كما يجب وأنا والفتيات حاليا بميامي وأنتم تجلسون كالضحايا تموتون من الغيظ في الهواء الطلق صدقا أنا سعيدة فلم أفعل بكم مقلبا كهذا منذ زمن لذلك سأبدأ الحفل بتهنئة تخرج من قلبي لعرسان هذا العام وال*قبى لي إن شاء الله … قالتها بتأثر رسم ابتسامة خفيفة على الوجوه رغم أن دموع البنات والشباب بدأت تطفر من أحداقهم بحزن " ثانيا بما أنني انضممت لفريق الفتيات لذلك الليلة سأخبر كل واحد منكم بسر خاص جدا يخصه أقصد سأفضحه أمام الجميع إنها ليلة لن تعوض أبدا …. اممممممم بمن سنبد؟مؤكد بالكبير والغالي أبي الثاني عاصي أين أنت ارفع يدك لأراك مؤكد وسيم كالعادة آسفة لكن يا سادة منذ مدة اكتشفت أن عمنا المبجل غارق حتى أذنيه بقصة حب من طرف واحد مع فتاة كالقمر في ليلة تمامه وسأحتفظ باسمها لأضغط عليه فيما بعد، أسد وحشي المخيف لا أعرف عن أي شيءأحكي بالضبط لكن وجدت أسطوانة بغرفتك تحتوي على أغنية جميلة جدا نسمعها سويا ثم سأخبركم ماذا فعل "تلون وجه اسد بالأحمر القاني ونظر إلى عزيزة التي كانت تشاهد بهدوء و**ت وفجأة صدحت الموسيقي فبدأت تولين تتحرك بخفة وتغني مع الأغنية وكان قد واضحا أنها تقصد بشر
كانت تتمايل بدلال ولدت به فجعلت بشر يشعر للمرة الألف بتمزق نياط قلبه، سمع حذيفة الذي كان يشجعها بحماس فنظر له بشر لكن حذيفة تجاهل نظراته بقوة لتمر هذه الليلة على خير ….عند انتهاء الأغنية ضحكت بانطلاق وقالت "في الأسطوانة أيضا كانت هناك فتاة تغني وأسد يقوم برشها بالمياه وهو يرتدي خوذة رجال الإطفاء" تذكر أسد تلك الأسطوانة اللعينة التي بحث عنها كثيرا ليتلفها مع كل ما يخص الماضي لكنها اختفت فظن أنها ضاعت بلا رجعة ، نظر بطرف عينه إلى عزيزة ليجدها تحني رأسها ،أكملت تولين قائلة ورغم أن هذه الاسطوانة كادت أن تفسد أخلاقي لكنني لن أنسى أبدا أن أخي الأسد عاشق مخضرم يحتفظ بدواوين الشعر بمخبأ سري وصلت له وكنت أقرؤها بنهم جعلني أحفظ أبياتا قليلة منها" وقفت تفرد قامتها ثم أغلقت عينيها وفتحتهما لتقع عيناه عليهما فيذوي في قوة حزنه وبدأت تحرك شفتيها بكلمات قاتلة تذيقه فوق الحرمان حرمانا والعذاب عذابا...
ارجع إليَّ فإنّ الأرضَ واقفـةٌ كأنّمــا الأرضُ فرّت من ثوانيهــــا
اِرجـع فبعدك لا عقد أعلقــه ولا لمست عطوري في أوانيهــا
لمن جمالي لمن شالُ الحرير لمن ضفـائري منذ أعـوام أربيهــا
ارجع كما أنت صحوا كنت أم مطرا فمــا حياتي أنا إن لم تكن فيهـا
شعر بشر أنه سينفجر من الضغط وسال خيط رفيع من الدماء من أنفه فهمس بألم "بالله عليك يا صغيرة كفاك قتلا بي….فقد مت منذ رحلت ولكني لست بحمل عذاب ما بعد الموت"
كل شيء حوله ثابت رغم كل الكوارث التي تحدث رغم فوران روحه وتقيح جروحه التي لا تندمل …. لا يعرف هل سي**د للنهاية أم أن سقوطه أصبح وشيكا ولن تكتب له النجاة هذه المرة، كان يشاهدها تقول الأبيات بحنان فتك به، كانت رغم صغر سنها بعينيه امرأة عاشقة حد الكمال والكفاية، كانت أنثى تبثه أشواقها بأرقى الطرق وأبسطها، كانت تتوج للمرة المليون ملكة على عرش قلبه الذي خلق لأجلها وليس هناك شخص سواها فهي عالمه ، شاهدها تتحدث بسعادة غابت من الدنيا " أشتاق لأن أرى ملامح أسد ولكن أعتقد أنه غاضب ومتجهم لذلك سنكتفي بهذا القدر و…...ننتقل إلى شخص آخر "**تت قليلا كأنها تفكر ثم قالت بصوت مرتفع "صفي "رفع صفي رأسه إلى الشاشة كأنه يلبي النداء "صفقت بيديها بسعادة وقالت " صفي يا صفي أكثر إخوتي هدوءاً على الإطلاق رغم أن هدوءه ظاهري فقط فبداخله ألف حرب وألف صوت وقلب كبير لكنه مشوش، كم أحب ابتسامتك حين تكون عيناك العسليتان صافيتين وكم أحب أسرارك التي تحملها في خزانتك الصغيرة ، أخي الحب ليس لعنة أو ورطة وإن كان فهو أجمل وأعظم الورطات وها أنا أمامك مصابة بحب إنسان يشعلني نارا ويتركني أغلي كالبركان ومع ذلك أنا كالغ*ية أحبه " في هذه اللحظة التفت حذيفة لبشر ليجده يمسك منديلا ويضعه على أنفه كاتما نزيفه وعيونه حمراء كبركة دماء ومثبته على الشاشة كأنه لا يرى شيئا غيرها ، بدأ شعور بالتوتر يتسلل إليه تجاه حالته لكنه عاد ينظر إلى الشاشة " الخزانة ظللت لأيام أفكر كيف سأفتحها وخططت لأسابيع لكي أسرق المفتاح وفي النهاية نجحت، آسفة هذه الحركة لا تعتبر تعدي على خصوصيتك ففي قصر العزايزة لا يوجد مكان لهذه الكلمة، يومها فتحت الخزانة لأجد أكثر من ألف جواب وصورة وكلها لملكتك بيلا وظللت أقرأ كلماتك التي سبت قلبي لليالي طويلة، كنت أتألم أحيانا وأضحك أحيانا وأتن*د بحالمية أحيانا، أتذكر وجود صورة لبلقيس كانت فيها تنام في المشفى وقد علقت بيدها المحاليل وملامحها تدل على أن الصورة أخذت منذ سنوات وكان مكتوب على ظهرها " تلاشيت في حبك منذ بداية عصوري وتركتك تحكمين وتتحكمين وأغلقت عليك مملكتي، وحلمي أن تظلي أسيرتي وبحبي تؤمنين ...تخضعين تشعرين مثلي وأيضا تعش*ين "احمر وجه صفي بشدة وتهرب من أعين الجميع كأن ما قيل كان جريمة في حقه فمنذ سنوات قد ترك لين قلبه بعيدا ولم يعد ينوي تركها تحكم وتتحكم بل هو من سيفعل وسيملكها لعل الخوف الذي لم يعد يتركه يتلاشى وهي بين أحضانه، رفع رأسه بحدة ينظر إلى بقليس نظرة كان تع** شراسة روحه بحبها، كانت تع** حربه ألمه و بعضا من ضعفه ليجدها تبكي كأنها تعلم أن هذه الكلمات كتبت منذ زمن بعيد كان به صفي آخر بقلب آخر وحب لم تلوثه الأسرار... لانت ملامحه قليلا كأنه يطمئنها بنظرة وهي كانت كالطفلة التي تنتظر نظرة أمان منه لتهدأ ، راقب حذيفة ما يحدث وهو يفكر كيف أنه لم يلاحظ تصرفات صفي من قبل فيبدو أن هذه العائلة تحتاج إلى مشفى أمراض نفسية وليس إلى طبيب، كان الحفل نوعا من العذاب للجميع بداية بعاصي الذي يجلس على مقعد بجانب سرير غفران يضع إحدى سماعتي الهاتف بأذنها والأخرى بأذنه يستمعان معا لما يحدث، نبضهما يبكي على أشياء كثيرة أولها تولين وآخرها فيما إذا كانت ستحدث المعجزة ويجمع بينهما رب العالمين، كانت سجى تتجاهل مأمون تماما بل كانت تحاول ألا تفكر به ولا تجعله يعتقد أنها مازالت تذكره وكم كان هذا صعب وفوق طاقتها فها هو زوجها التي تحدت لأجله الجميع يجلس أمامها كالغريب الذي عليها أن تتجاهل كلام عينيه الذي لن ينتهي.........