الفصل الثالث

4308 Words
مالت إليها فتون بابتسامة تهمس لها " لا تدعيه يعتقد أنك ضعيفة ارفعي رأسك يا بنة الساجي " رفعت سجى رأسها بسرعة فهذا هو الاسم الذي أعطاها القوة لتكمل طريقها الصعب حتى الآن وهمست لها " ابنة الساجي تريد أن تخبرك أنها لوكان لديها أخت كانت ستتمنى أن تكون أنت "ابتسمت لها فتون بود وأكملت همسها " أنا فقط ما هذا البخل؟ تمني عشرة إخوة خمسة ذكور وخمس إناث وأنا أيضا لا يضر فقد عشت وحيدة وأشتاق للجو الأسري بشدة، مالت إليها سجى تحتضنها بامتنان غافلين عن الذي يراقب ما يحدث ب**ت مبهم لا يدري ماذا يحدث معه فطويلة ا****ن هذه أصبحت لا تغادر أفكاره لا تجعله يهدأ بمجرد أن يتذكرها يشعر أنه أصبح مشدودا كالوتر، يشعر أنه أصبح صقرا بعيون ثاقبة تراقب أدق اختلاجة لها همس في نفسه بضيق " ماذا يحدث لك يا بن الصالحي يبدو أنه عليك أن تقبل بالمهمة الجديدة الموكلة لك وتبتعد عن هذا الجو الذي بدأ يزرع بداخلك نوعا من المشاعر لم تعتد عليه بتاتا بل عليك أن تبتعد عن ف*نة بالذات " نظر لها ليجدها تشبك يدها بيد سجى كأنها تشد من أزرها فعاد بنظره إلى الصغيرة التي مازالت تفشي أسرار وخبايا تمزق الجميع ليرى تولين تضع يدها على قلبها وتقول بحالمية " ما كل هذا الحب؟ ليت الجميع يستطيعون أن يدركوا روعة الحب وهذا الكلام طبعا ليس له علاقة بمنذر باشا إطلاقا " انتبهت حواس منذر الذي كان واثقا أنه الوحيد الذي سيعبر بسلام من نشرة فضائح اليوم فابتسم بشجن لصورتها التي تتقافز أمامه بحياة يسمعها تقول " إنه ملك هذه الليلة حقا…..فهو الوحيد الذي لا يتعذب ولا يجعل أحدا يعاني، موجود دائما إذا احتجت له غائب دائما إذا كان ما يحدث ليس من اهتماماته، لكن هذا لا يمنع أنه ش*ي في الخفاء فهو صاحب أكبر مجموعة من المجلات الثقافية والتي يخفيها تحت سريره ولا يفرط في أحدها إطلاقا حتى أصبح أسفل سريره مكب نفايات يجب علينا أن نطلب إزالته من قبل جهة ما تعرفونها جيدا " رفع منذر كفيه يغطي بهما وجهه من الإحراج فرفعت أسمهان حاجبيها تشاهد رد فعل خطيبها الطاهر البريء وتتوعده بالويلات هو وسريره والذي بأسفل السرير فقط تعود وسيرى حقا من التي سيتزوجها، كانت الأفكار تعصف بالجميع بداية بعزيزة التي قامت بداخلها نزاعات بين عقلها وقلبها مجددا بعد أن كانت هذه النزاعات رقدت لمدة، حاولت بكل ما تستطيع ألا تلتقي عيناها بعينيه لكي لا يقرأ التشتت الذي عاد يمزقها فيكفي ما سيفعله بها لأنها رحلت بدون إخباره ، أما هو فكان يشعر بها من مكانه كأنه لا يحتاج لعينيها ليفهم ماذا تداري عنه بل يكفي أن ينظر لها ليعلم أنه معها لن يكون هناك سلام أبدا فأولا حرب لأجل غزوها وثانيا حرب لأجل احتلالها وثالثا حرب لأجل الماضي الذي رغم أنه أغلق خلفه ألف باب لا يأمن له ….همس بداخله بغضب " لمرة واحدة كوني في حبي قوية وع**دة واعترفي أنه ما عاد هناك طريق للتراجع وأن عليك الاستسلام لأسدك يا وجعي فقط سلمي…. تسلمي " كان صوت ضحك حذيفة في المقطع يمزق بشر بطريقة قاتله كأنه أخذ شيئا ملكه، دقائق كانت من حقه وابتسامات كانت ستوجه له وضحكات كانت ستطرب قلبه ثم سمعه يقول " أنت لم تتركي أحدا ارحمي نفسك... فمن يراك لا يصدق أنك كنت مصابة بانهيار عصبي، اهدئي قليلا " نظرت له تولين كأنه تخبره أنها الليلة أنهت حروبها جميعا واعتزلت ساحات القتال ووجدت حصنها الهادئ وأخذت القرار أنها ستعيش به وله وأخيرا بعد طول عذاب وجدت طريق الراحة " هل تريدني أن أ**ت الآن وقد وصلت للجزء الأهم والأقرب والأغلى؟ نزار أخي الغالي بل هو أغلى إخوتي ومع احترامي للجميع لم أرتح يوما إطلاقا في أن أنام في حضن أحدكم لذلك كانت غرفته وأحضانه ملاذي الوحيد كان دائما يحتويني ويَقبَلُني في جميع حالتي، ما زلت أذكر آخر ليلة قضيتها بين أحضانه عندما دخلت غرفته لم يسألني عن شيء فقط ظل يستمع لي ثم ضمني إليه بقوة وقبل جبهتي يواسيني ب**ت، كان دائما أماني وحمايتي حتى من بشر نفسه ولكن هذا لا يمنع أن لديه سرا ولكن سأحتفظ به لنفسي فلن يطاوعني قلبي أبدا في أن أجعله يغضب مني " أرسلت لنزار أربع قبلات تطير بالهواء على راحتيها فتدمي قلب الذي يقف بالخفاء بعيدا عن كل العيون، يتذكر هذه الليلة التي غفت فيها صغيرته بين أحضانه، لقد انتظرها ليلتها في غرفة نزار كثيرا فقد كان يعلم أنها لن تستطيع أن تنام بمفردها ورغم أنها تأخرت جدا لدرجة جعلته يشك أنها علمت أن نزار خرج برفقة مؤمن لكنه تمسك بأمل ضعيف فقد كان خائفا أن تظل طوال الليل تتقلب ولا تعرف للنوم سبيلا ولو كان يعلم أنها ستتركه بجوارها تلك الليلة وبعد ما حدث لم يكن ليلجأ لتلك الحيلة أبدا، لكنها كانت دائما وستظل السهل الممتنع، لم يفهم لم دعاه حذيفة إلى هذا المكان وطلب منه الاختباء عن الأنظار لكنه الآن بدأ يفهم الغرض من قدومه، حذيفة يريد أن يثبت له أنه كان شيئا زائدا في حياة تولين، أنه لم يكن يوما بأهمية أي فرد من عائلتها لدرجة أنها كانت تخطط للسفر و تتمنى الزواج وتحب رجلا آخر، لكن كل هذا لم يهز جبال غرامه التي تعالت داخل قلبه في ثمان سنوات، كان يجب أن يظل فحذيفة لا يعرف ما مرا به معا من حزن وفرح كم ضحكا وكم تحدثا، تلك الليالي تشهد وسطح أحد هذه المباني الشاهقة يشهد، شوارع بوسطن وأزقتها والنجوم تشهد...ما بينهما سنوات اشتد فيها عودها بين يديه شبت عن الطوق أمام عينيه، ما بينهما أكبر من أن ينتهي هو لن يلومها يوما على مشاعر المراهقة التي كانت تمر بها فهو يعلم في النهاية أنها كانت ستعرف أن بشر ليس حبا، كانت ستعود لوطنها بين ذراعيه مهما طال غيابها، كانت له وستبقى له وهذا ما لن يتغير، لقد اتخذ قراره منذ أيام سوف يمحو ملامح الماضي ومن بعدها سيعود إلى القاهرة مع رحيل ابنتهما هو وتولين وسوف يربيها ويكون لها الأم والأب، لن يجعلها تشعر أن والدتها ماتت، سوف تكون تلك الصغيرة ترياقه الذي يمده بالصبر من دون ابنة قلبه منيرة حياته وتولين عمره التي سيعيش على ذكراهما للأبد فقد اكتفي من الهروب، عاد من أفكاره الممتدة على صوت معذبته تنطق باسم غريمه في هذه الحياة فهو لم يكره في حياته سوى حشاد الأحمدي وبشر العزايزي " بشر من البداية وأنا أنتظر هذه اللحظة لأخبرك أنني أريد أن اتحدث إليك لأول مرة دون حواجز دون تدخل من أحد أو تأثير، أريد أن أكون ص**حة وواضحة فلا أسرار ولا خبايا ……..قاطعها صوت حذيفة الذي وقف أمامها يقول "تولين لست مضطرة أن تفعلي هذا أمام الجميع، أنت لم تستقري بعد، الأيام القادمة كثيرة بإذن الله تريثي قليلا " امتلأت عيناها بدموع زجاجية رغم أن ابتسامتها مازالت كما هي وقالت " لا ….عليه أن يعلم أنني أبسط وأضعف من أن أخفي سرا كهذا لسنوات لكن الحقيقة أنني اعتقدت لسنوات طويلة أنه أنت وتفعل هذا من أجلي...عقل المراهقة الوردي ظن أنك تتخفى لأنك تريد أن تحافظ على شخصيتك الجدية والحادة أمامي….لم أترك ل*قلي مساحة ليفكر …. كنت أجد خمسين تفسيرا لاختلاف الصوت رغم أنه اختلاف بسيط، لكن أصابعي التي تحفظ ملامحك كانت تصرخ أنه أنت…. وللآن لم أجد تفسيرا منطقيا …. في البداية كنت طفلة ولم أحسبها أبدا لكن مع كل عام كان فضولي حوله يزيد وكل مرة ألمس بها ملامحه أهدأ أكثر وأكثر، كان أنت أقسم كان أنت، هل تظن أنني اقتنعت أن رجلا غريبا يدخل القصر؟ ….كل شيء كان مموها لسنوات وعندما بدأت الحقيقة تظهر كان وجوده في حياتي قد أصبح شيئا أساسيا فقد أصبح كأسد وصفي شخصا مهما تعلقت به وبيني وبينه صداقة عميقة، ومن هنا بدأت تتوالى الصدمات حدث لي الكثير ورغم ما حدث أنا لا أريد سواك ولن أكون لسواك، فأنت تملكني تملك هالة القمر بنت القمر لذلك ليس لي على نفسي سلطان فأنت سلطاني " كانت عروق بشر بارزة بشكل مخيف وعيناه تتوسعان، فوضع حذيفة يده على جيبه يتأكد من وجود إبرة المهدئ لينتفض الجميع على صوت إغلاق باب السطح بعنف فتكلم حذيفة بسرعة ليشتت انتباههم "إنها الرياح يا سادة لا تتحركوا فمازال أمامنا الكثير " اعتدل الجميع يشاهد بقية الحفل غافلين عن الذي رحل تتبعه نيران الجوى كأنها وحوش ضارية لن تتركه حتى تنهي عليه تماما...... كانت سمراء تجلس على مراجل تغلي من القهر والخوف والغضب كيف وصل إلى عائلتها؟ ومتى توطدت علاقتهم معه لهذه الدرجة ليدعونه إلى حفلهم الخاص للغاية؟ ...إلى ماذا ساقه جنونه هذه المرة لم تعد قادرة على تحمل كوارثه… يكفيه أن يجرحها ويعمق الجرح فيها حتى يصل بها إلى مرحلة متأخرة من الألم الذي لا علاج له... فإلى ماذا يظن أنه سيصل بحركة مثل هذه؟ بل في ماذا كان يفكر؟ ألا يكفيه ما حدث لها بعد تهور ليلة الحفل؟ إنه بجنونه يسلبها كل شيء تملكه كما سلبها قلبها منذ سنوات ... هذه الدوامة تبدو بلا نهاية، نظرت نحوه فوجدته ينظر لها بعينه المظلمة بأفكار لا تفهمها إطلاقا، فنظرت له بشرّ فحك طرف أنفه بسماجة يشاهد وجهها الغاضب وملامحها المشدودة وهو يسأل نفسه هل ستفهم ما يفعله؟ ….هل ستدرك أنه يحاول أن يأخذ نحوها ولو خطوة واحدة فقط ؟فطريقهما وعر وشديد الخطورة مملوء بدماء لا يد لهما بها حتى أصبح يشعر أمام قلبه وأمامها بالعجز، يقسم أنه لو كانت أخرى من ملكت قلبه لكان اختطفها منذ زمان وأنهى رحلة ألمه لكن هذه السمراء لن يهدأ إلا عندما تزف إليه أمام الجميع وتصبح على اسمه وكأنه ينتزعها من كل شيء إلا سلطانه واسمه ولكن متى يا ليلي تمنّ على ساهرك وتهديده نجمة ظل سنوات رافعا رأسه يشاهدها ويتمنى وصالها!!قاطع أفكاره صوت تولين وهي تقول " بشر ….سامحني ...سامح تهوري …اندفاعي ….قلة عقلي ….وكثرة أخطائي " أطلت سمراء من خلف تولين تبتسم بسعادة قائلة "تولين كفى لقد تأخرنا كثيرا وعلينا النزول حالا فبشر مؤكد لن يسامحك إذا تأخرنا أكثر من هذا " زمت تولين شفتيها وقالت " مازال لدي الكثير لأقوله ... أخشي أن يضيع ما بقلبي ...أشعر كأنني معلقة بحبل " سحبتها سمراء من يدها وحذيفة مازال يصور ما يحدث وهي تقول "لا لن يضيع اطمئني فقلوبنا جميعا معلقة على نفس الحبل الرفيع … فإما أن نصل بعد عناء وإما أن ينقطع الحبل ونسقط في دهاليز الوجع " وقفت تولين تتخصر كأنها في الحب ترفض منطق ال*قل، كأن عقل المراهقة رغم كل ما حدث لها لا يرى سوى وردية الأمور " الحب هو الوعي الوحيد الذي لا يتمني إنسان الهروب منه وهو الحلم الوحيد الذي يتمنى كل إنسان الوصول إليه " تركت سمراء ذراعها بعد أن فقدت الأمل في أن تتحرك تلك الع**دة وقالت " الحب كأي شغف في هذه الحياة يا صغيرة ينقسم إلى قسمين الأول نظري ويتلخص في حلاوة البدايات بكل ما تحمل من نظرات ولحظات وكلمات جميله تجعلنا نطول عنان السماء بأيدينا ويظل الحلم يطفو بنا إلى أن نحط على أرض الواقع فجأة ويبدأ الجزء العملي فالحب يحتاج حقا إلى الأفعال وصدقيني الامتحان العملي لا يمر منه سوى الشجعان فالحب والجبن لا يجتمعان ومن يجد نفسه أجبن من مواجهة العالم فليظل بعيدا ويترك قلوبنا لمن يستحقها " بهت الجميع كأن على رؤوسهم الطير ، ما هذا الهجوم المباغت لقلوب وحوش ظنوا أنهم شجعان في الحب، ظنوا أنهم قادة في جيوش العشق يعرفون الأحكام والقوانين يتلاعبون بها كما يشاؤون فتأتي هذه السمراء لتعري الحقيقة أمام أعينهم، الجميع يخاف الحرب والمواجهة رغم أنها قادمة لا محالة فإما أن تكون أو لا تكون ليس هناك سبيل آخر …… رفع عاصي عينيه يتأمل ملامحها التي تحمل سحر الشرق وجمال الغرب تميل رأسها بابتسامة خجولة نحو هاتفه كأنها تحاول رؤيته رغم ظلام عينيها وتغضن ملامحها يدل على أن حديث سمراء قد لمس بها وترا حساسا كما فعل به تماما فقد جعله متلهفا ليسمع إجابة سؤال يؤرقه منذ مدة فنادها بهمس "غفراني " لم ترفع رأسها لم تهتز بل ظلت تستمتع بحلاوة الاسم من بين شفتيه قليلا قبل أن تجيبه "نعم " أخذ أنفاسه التي تختلف عن أي أنفاس عبرت إلى ص*ره فهي تختلط بعبق الغفران وقال " العائلة ستصل غدا إلى القاهرة " ردت عليه بهدوء "أعرف " فأكمل قائلا" وسيكون عليّ الرحيل إلى أرض العزايزة معهم " **تت قليلا ثم قالت "أعرف " شد قبضته حول الهاتف يستعد للقادم " وأنوي أن أطلب يدك من الشيخ جعفر فور وصولي " تساقطت لآلئها على يده التي تحمل الهاتف وهمست " الأمر ليس بهذه السهولة أنا لست مثلك فمكاتيب العائلة **لاسل تقيدني ولا أظن أن هناك فرار " غمغم بغضب "لماذا البكاء الآن ولماذا هذا التشاؤم؟.. اطمئني فأنا متفائل خصوصا بعد ما حدث "كانت تعلم أنه يتحدث عن زواج جمال، كانت ستخبره بموقف والدها ولكنها لم ترد أن تفقد الأمل فهو الآن سبيلها الوحيد للنجاة وعليها التمسك به فعاصي يستحق ثقتها وحبها أيضا " أنا فقط خائفة عليك، مكاتيب العائلة وأحكامها خط أحمر لا نقاش فيه " مد يده يمسح دموعها فتراجعت بخجل يزيده اندفاعا لما هو مقبل عليه فقاطع لحظاتهما المسروقة دخول منير الذي جذب عاصي بشدة من ملابسه وزمجر بوجهه " من الذي سمح لك بالدخول إلى هنا؟ هل تريد أن تعجل بموتنا جميعا؟ أأنت غ*ي أم تدعي الغباء؟ " رد عليه عاصي وهو يكاد يذوب من الإحراج لتوبيخ منير له أمامها "منير سنتحدث في الخارج لا يصح أن تكلمني هكذا "كان يشير لمنير بعينيه لعله يفهمه لكن لا حياة لمن تنادي سحبه إلى الخارج يستمع إليه وهو يتوعده وغفران التي نالها جزء من غضبه وبعد فترة كان يقف أمام أحد النوافذ يضع سماعات الهاتف في أذنه يستمع لصوت تولين تختم هذا الحفل الذي أقيم لفتح جراح الجميع … بعد أن ظلت تولين تحدق بسمراء وعنفوان روحها الذي أكد لها أنها تتألم حالها من حال قلبها الذي يئن بين أضلعها فمالت عليها تقول " سمارة أنتِ محقة يبدو أنني ما زلت صغيرة ومازال طريقي طويلا نحو براكين العشق " ضحكت سمراء وقالت " دماء العزايزة جميعا كحمم من نار لا تهدأ ..قدرهم حب يلاحقهم أينما ذهبوا... كأن ما يحدث لهم لعنة دفنت في أرضهم منذ سنين بيد عرافة جرحت على يد وحش منهم " ضحك حذيفة بشدة وقد تعبت يداه من حمل آلة التصوير وقال "آنساتي أظن أن الحوار أصبح خاصا جدا لا تنسيا أن هناك مشاهدين لننهِ هذه الحفلة حالا فقد تأخرنا حقا وبشر يريدني في الأسفل في عمل هام جدا وإذا تأخرت سيطلق جنونه عليّ " تذمرت تولين وقالت " هي من لا تكف عن الحديث أخبرها بذلك "رفعت سمراء حاجبيها تتساءل " وماذا فعلت الآن أيتها المبجلة؟ " ابتسمت تولين بدلال وهزت أكتافها ببراءة تزيد من عذاب من لم يعد له في نفسه حيلة ولا في قلبه الذي أهداه بكل سلطانه إلى السلطانة فرحلت كما يرحل العمر وتركته عالقا في غياهب الزمن يعاني مرارة لن تتلاشى أو تنتهي أو تضيع وقالت " سأنهي هذا التسجيل بشرط "ردت عليها سمراء بغضب "لم يعد هناك وقت لدلالك يا تولين حقا لقد تأخرنا " أحاطت تولين خصر سمراء وقالت "إذاً شاركيني أغنية الختام " همت سمراء بالرفض فمالت تولين تضع رأسها على كتف سمراء بسرعة وهي تقول " أرجوك ، أعدك…. أنها الأخيرة " نظرت لها سمراء بشك لكن تولين أكدت لها بنظرة منها وقالت "وعد شرف إنها الأخيرة ومسك الختام " هزت سمراء رأسها بقلة حيلة وقالت "ابدئي أنت أولا " اهتزت تولين يمينا ويسارا لتجاريها سمراء وابتسامتها تتسع بسعادة فهي تعشق هذه الكلمات، تعشق الوصف والمعنى، تعشق الحالة والأمل فلماذا تنكر فهي في الأساس عاشقة منذ زمن بعيد، انطلقت تشدو بابتسامة رغم اتساعها حزينة و رغم جمالها متألمة غيمةً غيمةً يا حبيبي سوف يكبرُ فينا المطرْ وإنّا على موعد يا حبيبي فليسَ ي**نُ التراب الشجرْ؟ ولو أخّرتنا الجراح قليلا فلا بد أن يستجيب القدر ومن قال إني تركت دياري ما دام قلبك في العمر دار أحبك لا شأن لي باختياري فحبك عاصفة لا خيار بدا التفاعل بين الاثنتين يزيد كأن كل واحدة فيهما تشكو وجعها للأخرى بانطلاق وبدون تفاصيل أو أسئلة أو خوف وسمراء كانت تشكو حبا بلا أمل كأنه مرض بلا سبيل للشفاء وطريق أغلقت فيه كل سبل العودة وحياة واحدة انتهت فرصها ولم يعد هناك سبيل لعيشها غير برجل أبعد ما يكون عنها …... أغمضت سجى عينيها تتذكر أياما مضت كانت فيها تشبه تولين كثيرا تتقافز من قوة الحب واندفاعه، كانت تظن أنها محصنة ضد الجروح والصدمات لتستيقظ في يوم وتجد أن حصنها تصدع والصدمات تتوالى عليها كوابل من رصاص لا يتوقف، كان مأمون يراقبها ويتمنى أن يقبل عينيها المغلقتين بكل ما تحملان من ألم وذكريات لعله يهون ما بداخلها، يريد أن يتأسف أن يعتذر يريد بداية جديدة ولكن هل ستمنحها له؟ مد يده يسحب كأس العصير البارد يتجرعه لعله يطفئ نيرانه ولو قليلا ...مدركا أنها أعلنت عليه الحرب ومن اليوم زمن الركود قد ولى، انحنت تولين تحيي الجميع ومعها سمراء التي تلمع عيونها بحزن يدمر ما تبقى منه حقا يريد لهذه الليلة أن تنتهي، فهذا ليس حفلا إنه دعوة من عذاب، وضع ليل يده على جبهته يدلكها ببطء كأنه يطرد أفكاره التي ستقتله قهرا ….فعادت الشاشة إلى قسمين ورآها بكل روعتها تقف أمام بلقيس التي كانت تحمد الله أنها اختفت خلف سمراء فعينا صفي اللتان تلاحقانها كقضية لا تنتهي وليس هناك حكم نهائي لها، لا تعرف ماذا سيفعل عند عودتها لكن على أي حال ستحاول أن تمتص غضبه وتتفهم عقليته التي لم تكن هكذا يوما ومؤكد سيعود إلى طبيعته يوما ما لذلك ستنتظره، تكلمت سمراء بسرعة وقوة " انتهت الحفلة يا شباب سنتقابل غدا في المطار إن شاء الله،إلى اللقاء "وسحبت مقبس الكهرباء عن الشاشة لينقطع الإرسال فارتمت كل واحدة منهن تلتقط أنفاسها وتعيد حساباتها وتفكر أن القادم ليس سهلا أبدا . يقف أمام خزانة ملابسه ينظر لما بداخلها بغضب يحاول أن يتحكم به لكي لا يجرحها، لكن الموضوع زاد عن حده فلم يعد لديه قميص لم تحرقه المكواة، كم مرة أمرها أن ترسل ملابسه للمصبغة لكنها في نوبات عنادها تستخدم المكواة فتكون النتيجة ملابس محروقة وحرق في إحدى يديها، لماذا لا تفهم أنه لا يريد منها شيئا سوى أن ترتاح وتهتم بصحتها فهي تمر بشهور حمل غريبة تجعلها تتعلق به كالطفلة ولو حاول ثنيها عن تصرفاتها الطفولية تبدأ في بكاء جنائزي لا ينتهي سوى بخضوعه لها و لطلباتها العجيبة، نظر طاهر إلى ساعته ليجد أنه تأخر فعلا على موعد نزوله ف*نهد بأسف على حاله معها فلو كان قد تزوج طفلة لكان أرحم له لكن ماذا يفعل بقلبه الذي أدمن غرامها منذ سنين، خرج من الغرفة يبحث عنها ليجدها تقف أمام الأريكة وتدس أشياء غريبه بحقيبتها وهي بكامل حسنها الذي يزداد يوما بعد يوم فقال بصوت مكتوم "سما من الذي كوى قمصاني؟ " ردت عليه وهي مازالت تعبئ حقيبتها بمؤونتها اليومية " أنا من كويتها لقد قررت الاعتماد على نفسي أكثر فأنا سأصبح أما قريبا وعليّ القيام بأشياء كثيرة بمفردي " **ت قليلا يفكر كيف يخبرها أنها أحرقت ملابسه كلها بدون أن يحزنها ويقتل روح الحماس بداخلها ف*نهد قائلا " لماذا تتعبين نفسك فأنا أرسل لك عامل المصبغة يوميا فلا داعي لوقوفك لمدة طويلة ثم أنا خائف على يد*ك من حرارة المكواة " اقتربت منه وهي تلبس حقيبتها على ظهرها كالأطفال وتقول " لا تخف يا حبيبي، انظر يدي بخير لقد نجحت في كي ملابسك دون إصابات أليست هذه خطوة جيدة؟ " تنفس بقهر يكبحه بشدة وقال " نعم ولكني أفضل أن تستغلي وقت وجودك هنا في الاهتمام بنفسك وصحتك ...فأنت ترهقين نفسك كل يوم من الجري في أروقة المشفى واتركي هذه الأشياء البسيطة عندك " زمت شفتيها بطريقة بات يعلمها جيدا وسألته " هل تقصد سيد طاهر أنني لا أستطيع أن أفعل هذه الأشياء البسيطة؟ أنني لا أستطيع الاهتمام بمنزلي؟ هل تسخر مني؟ " رفع رأسه لأعلى يفكر أن الوقت أضيق من أن يبدأ معها جلسة صلح يعرف أين ستنتهي تماما ولو خرج معها وهي غاضبة بهذا الشكل سيكون يوما خرافيا فكل من في المشفى سيأتي إليه ليعطيه درسا في كيفية معاملة مخلوق رقيق مثلها ولن يسلم من كلام الجميع حتى أم مرزوق عاملة النظافة فهادنها قائلا " يا قلب طاهر لم أقصد شيئا، لماذا أصبحت حساسة لهذه الدرجة؟ كل ما في الأمر أنني قلق عليك ففي الفترة الأخيرة أصبحت تهملين نفسك كثيرا وهذا سيكون له أثر سلبي على صحتك وخصوصا أن هذا حملك الأول " تخصرت بشك تهز جسدها الذي ازداد أ***ة من آثار الحمل ...فزمجر " ثم توقفي عن هز خصرك فلذلك عواقب تعرفينها " احمر وجه سما بشدة وارتبكت هاتفة "هذا ليس موضوعنا لماذا تهرب من الإجابة على أسئلتي؟ أم تعلم أنك مخطئ لذلك تتهرب؟ " زمجر طاهر بغضب "سما لا داعي للغضب فلم أفعل شيئا … ومن فضلك هيا أمامي لتحضري لي ملابسي لأنني تأخرت جدا " وقفت بمنتهى الثقة وقالت له " ملابسك قد وضعتها بيدي في الخزانة جميعها نظيف ومكوي البس ما يحلو لك "اقترب منها يسحبها من يدها برفق وهو يتمتم "لقد احترقت كل ملابسي يا سما ولا أجد شيئا لأرتديه وأنا ذاهب للعمل " احمر وجهها من الإحراج فقد ظنت أنها لأول مرة استطاعت أن تنجز أمرا بمفردها وامتلأت عيناها بالدموع وهمست له "أنا آسفة لقد ظننت ……..قاطع كلامها "سما لا داعي للبكاء فداكِ ألف قميص أنا فقط أحتاج لمساعدتك لكي لا نتأخر " تساقطت دموعها وقالت "لكن هذه القمصان التي اشتريتها بمرتب الشهر الماضي لأني أحرقت قمصانك الأخرى "هز رأسه بأسف وهو يقول " أنت محقة وكان بينهم قميص سماوي عشقته من كل قلبي لكن هذا ما حدث، قررت أنني لن أشتري قمصان مجددا سأكون طبيبا عصريا ليس هناك داعي للأطقم والقمصان فلو استمر الوضع على هذا الحال سيضيع راتبي كل شهر على شراء الملابس " انفجرت في البكاء فنظر لها طاهر بتعجب فهو حتى لم يلمها أو يوبخها ورغم ذلك سحبها وأجلسها على السرير ورفع هاتفه يطلب من هاني زميله أن يحل مكانه لساعتين لأن هناك ظرفا طارئا حدث له ثم مال ينزع حذاءها فسحبت أقدامها بشدة وسألته "ماذا تفعل ألن نخرج؟ " ابتسم بعبث تمنى لو أنها تراه لتشعر حقا كيف هي بعينيه، كيف أنه على استعداد أن يبيع الدنيا ويشتريها والسبعة قمصان المحترقة لن يشكلوا أي فرق ولا أهمية ما دامت هي بخير "لا لقد شعرت أنك غاضبة فاستأذنت لساعتين لكي أصالحك كما يجب " فهمت ما يرمي إليه فوقفت تتكلم بتوتر "طاهر هكذا سأتأخر على غفران وحورية وحور هذا لا يصح أبدا "مد يده ينزع حقيبة ظهرها الذي لا يعرف بماذا تملؤها وهو سعيد أنها توقفت عن البكاء وقال "صدقيني لا أرى أصح من هذا حاليا فخصرك الذي اهتز في الخارج هز كياني وأنا أعاني من تغيرات الحمل التي أصابتك " انكمشت بخجل وهو يزيح عن أكتافها معطفها الثقيل ……. في غرفة مكتب كبيرة نسبيا يطغى على جوانبها الألوان القاتمة التي تمتاز بفخامة واضحة تجلس امرأة في أواخر عقدها الرابع لكن من يراها يظنها قد أنهت عقدها الثاني منذ سنوات تتفحص بعض الأوراق باهتمام بالغ فيما تجلس أمامها فتاة في منتصف العشرينيات أكثر ما يميزها ملامحها التي تدل على أنها تحمل عرقا غير عربي .. قالت نور " أظن أننا هكذا أنهينا الأمور المهمة وهناك من سيتكفل بإدارة العمل في غيابنا، متى موعد الطائرة؟ " رفعت ورد عينيها تنظر لعمتها التي تجلس أمامها بقوة وقسوة لا تعرف كيف اجتمعا بها فوالدها أخبرها دوما أنها في صغرها كانت رقيقة ولا تستطيع أن تؤذي بعوضة " هل ما زلتِ مصرة على أن أسافر معك أنا لا أجد لوجودي أهمية حقا…. لماذا لا أبقى أنا هنا لأهتم بكل شيء أثناء غيابك " خلعت نور نظارتها تنظر لابنة أخيها بنظرة ثاقبة وقالت بحزم"هل سنعود مجددا إلى نفس الحديث يا ورد؟ أخبرتك ألف مرة أن وجودك مهم ليل عليه أن يشعر أنك حوله فالبعيد عن العين بعيد عن القلب كما أنك يجب أن تظهري أمامه بمظهر المظلومة، يجب أن يصدق ما خططنا له سويا " اهتز بدن ورد باشمئزاز ليس له نهاية وسألت بخفوت " ألم يكن هناك طريقة أخرى سوى موضوع الا****ب؟… لا أعرف كيف سأضع عيني بعينه …ألا تظنين أنك تضغطين على ليل جدا ...يكفيه العام الذي قضاه في المصحة أرجوك يا عمتي اتركيه فأنت تعلمين أن طريقه لبنت العزايزة مستحيل ماذا تريدين أكثر من هذا؟ " خبطت ورد بيدها على الكتب وقالت بغضب " وهل سأتركه يعافر حتى يعرف أنه ليس مستحيلا وأن الحل موجود؟…. لا لن أفقد ابني يكفيني ما فقدته عندما دخلت لعبة لا يد لي بها فتورطت مع رجل ضيعني لدرجة أن كل ما وصلت له الآن لم يعوضني عن نفسي التي فقدتها، أنت لا تعلمين شيئا فأنا إنسانة ليس لديها استعداد أن تفقد شيئا مجددا ما بالك بابني، انتهى النقاش يا ورد أنا أنتظر هذه السفرة منذ علمت أن زفافها ألغي هذا العام... كنت أظن أنني أخيرا سأستريح وسيعود ليل لأحضاني لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وهذه المرة حتى الرياح لن تجعلني أتراجع عما أنتويه " ارتجفت ورد بذعر لا تعرف ما الحل في هذه المعضلة فمن تقف أمامها رغم قسوتها وجبروتها هي المرأة التي ربتها وأنقذتها من مصير مجهول، هي من أهدتها حياة كريمة وعوضتها عن كل شيء فقدته، كيف ستقف أمامها وتقول لها لا لن أظلم ليل فهو بالنسبة إليّ مجرد أخ غامض وحاد الطباع لا أكثر ولا أقل؟…. كيف ستظهر لها حقيقة روحها التي أصبحت تغوص في ظلام ستكون عواقبه وخيمة؟ كيف تريد منها أن تقف أمام فتاة لا تعرفها وتتهم شخصا في حكم أخيها أنه مريض نفسي ظل في المصحة لعام و أنه اغتصبها وهي حامل منه وأن عليها أن تخرج من حياته لأنه يرفض الزواج بها بعد فعلته بسبب هوسه بها والذي هو مجرد مرض نفسي وسيأخذ وقته معها وبعدها سيبحث عن أخرى فهذه عادته؟؟كيف؟ " سأراجع كل شيء وأحدد الوقت المناسب لسفرنا و سأحجز وأخبرك " قالتها ورد بارتجاف فلم ترد عليها نور بل عادت تناظر الأوراق التي أمامها وعقلها بعيد جدا كأنه عاد لأكثر من ثلاثين عام عندما كانت فتاة رقيقة تخرجت من معهد التمريض منذ أشهر وكل أملها أن تنتقل مع أمها وأخيها للسكن في مكان أفضل من الشارع المخيف الذي يسكنون به ها هي الآن تسكن في أرقى المناطق لكنها دفعت الثمن غاليا جدا جدا ….. خرجت ورد من غرفة المكتب تحمل هموم العالم على أكتافها التي انحنت منذ زمن وتحديدا منذ وفاة والدها وتخلي والدتها عنها لتتركها فتاة في مهب الريح كانت على بعد خطوات من الضياع عندما أنقذتها عمتها ومنحتها حياة لم تكن تحلم بها والآن تطالبها برد الجميل وبأصعب طريقة وهي ليس لديها خيار فماذا ستختار أن تخرج عن طوع عمتها وتعود للشارع مجددا؟ …..لا هي أضعف من أن تخرج من حصن عمتها فما حدث لها علمها أن عمتها أرحم من الغابة في الخارج كثيرا وأرحم من أن تقع بيده مجددا ...قاطع أفكارها صوت رجل عمتها الوفي الذي أمسك يدها وقال بغضب " لماذا يا ورد تفعلين هذا بنفسك؟ ابتعدي اهربي أنت الآن راشدة وتستطيعين أن تحافظي على نفسك، جنون عمتك يضيعك خذي قرارك وأنا سأساعدك، لكن لا تذلي نفسك لدرجة أن تدعي أنك م***بة وحامل وأنت أشرف من هذا بكثير "تساقطت دموع قهرها فهي كمن وقعت في فخ ليس لها منه فرار، فأن هربت من جنون عمتها ينتظرها في الخارج جنون آخر يسمى حيان البدري جنون أطلقته منذ سنوات ومازال طيفه يلاحقها حتى اليوم فماذا سيحدث إن طالها صاحبه؟ ارتجفت برعب لمجرد الفكرة و نزعت يدها من قبضة الواقف أمامها بعنف " ليس هناك حل فعمتي أرحم وليل لن يؤذيني، لن أهرب فأنا هنا بأمان ومهما حدث لن يكون نقطة ببحر ما ينتظرني خارجا " وسارت كما المغيبة وقد أخذت قرارها أن نار عمتها أهون من براكين حيان .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD