الحلقة الأولى
كيتانا:
الحياة عجلة دوارة و لهذا معان كثيرة، منها مثلا أن ما تفعله اليوم سيعود إليك أو عليك -هذا يعتمد على ما فعلته- عاجلا أم آجلا، أو لربما تمثل ذلك في تشابه أيامك التي تتلو بعضها و تتكدس دون أدنى تغيير. و هناك عدة أمثلة ينصصها كل من تطابق فلسفتها على حياته.
بالنسبة لي، هي تكون في بعض الأحايين عجلة و في بعضها قطارا ينزلك في كل لحظة بمحطة إما تكون لوجهة أنت تعرفها أو أخرى مجهولة يجب أن تبتلع رضابك و تتحكم في نبضات قلبك ثم تنطلق لاكتشافها.
هذه إحدى فلسفاتي الشخصية عن الحياة...
فتاة مثلي تضيع في عباب الدنيا تارة و تجد ذاتها تارة أخرى، قد لا تكون بمثل حكمة غاندي لكن على الأقل أملك ما أزن به الأوضاع حولي... هذا من باب العقل لا أكثر.
ماذا عن السعادة؟!
هي شعور، قد لا يقدر المرء على تحديده لكنه أشبه ما يكون بالتحليق فوق السحاب، الرغبة في ضم الغيوم... أمور كهذه اعتدت أن أدونها في مذكرتي لما كنت في فترة مراهقتي... المشاعر مأججة في تلك الفترة بالذات ... بل تلك الذروة.
لكن هل أنا سعيدة؟....
لا أدري ربما. ..
أعيش وسط عائلة ميسورة الحال.... بل الإله من علي بما يفوق اليسر في الواقع،
أمي تملك دار أزياء ذائعة الصيت و عروضها لا تتوقف كأنما هي من تلبس المليارات السبع حول الكوكب الأزرق من علامتها التجارية.. صدقا، هي مشغولة على الدوام. و أبي يدير شركة تواتر أجداده على ترأسها و هي اليوم معهودة الإسم قال لي مرات عديدة وانا صغيرة أنه تعب في إيصالها لما هي الآن... و لأكون صريحة، أمي أيضا كان لها نصيب في شهرتها فهي لا تظهر أمام الإعلام إلا وهي متأبطة ذراعه.
*كيتانا، أيتها الشقية، أين أنت؟ هل أنت بخير؟ أرجوك أعلميني ما إن تقرئي الرسالة.*
العم شين المسكين.
*عمي شين أنا في المعهد الآن، آسفة لعدم الاتصال بك لكني فقد أردت أن أذهب بمفردي.*
أنا مختلطة الأصل، نصف كورية من جهة أبي و نصف يونانية تبعا لأصل أمي... و لهذا اسمي غريب عما اعتاده الناس هنا في كوريا الجنوبية.
ملامحي أيضا مختلطة، عيوني واسعة كأمي و يبدو أن جيناتها قد غلبت بينما ورثت عن أبي أنفه... أحل أنفه، رقيقا حادا، صغير لحسن الحظ لم يتأثر بعوامل البلوغ التي مررت بها و نجا سليما على ع** طولي الذي بقي كما عهدته و أنا طالبة في الثانوية العامة.... حينما كنت بالصف الثاني تحديدا، و كان و لازال و سيظل 1.59سم ...
أطول من الأقزام بسنتمترات لا يستهان بها أليس كذلك؟....
لطالما كانت أمي المسكينة تحلم في جعلي إحدى عارضاتها المميزات لما كنت صغيرة و لكنها فقدت كل ذرة أمل حينما كبرت بينما طولي لم يكبر معي.
و كأنني أهتم... أوليس قصر القامة أحد علامات جمال المرأة؟!
حسنا إذا؟!
أدرس حاليا في جامعة سيئول الوطنية للطب و هذه سنتي الخامسة، لازال أمامي سنتين أخريين حتى أتخرج و أقتحم عالم المستشفيات و العبث بأدوات الجراحة..... إن حدث و رغبت أن أصبح جراحة فلست أدري بعد ماهو التخصص الذي سأنتهجه.
أدرس أيضا و في نفس الوقت بالمعهد المركزي في العا**ة لعلوم التسيير وإدارة الأعمال... أجل أدري، هما تخصصين مختلفين عن بعض اختلاف المشرق و المغرب، لكني مضطرة للتحمل لأجل أبي.
لم يتوقف عن التوسل كي أدرس هذا التخصص علني و عساي أرث منصبه في الشركة بعده بحكم أنني ابنته الوحيدة و وريثة العائلة الوحيدة رغم أني لم أفعل وهو يعلم ذلك. أنا حقا لا يناسبني الجو الخاص بالمكاتب، و الاجتماعات، و المزايدات و المناقصات و إلى غير ذلك من تعقيدات.
لحسن الحظ أني لا أمتلك تداخلا زمنيا بين الحصص الدراسية، فالعميد يدري بانشغالاتي. هو بالطبع لم يغير مو**يت المقاييس لأجلي لكنه ضمني إلى صف حصصه تتماشى مع أوقات فراغي كما أن الدوام لا يتجاوز أربع حصص في اليوم و أحيانا تتقلص لدوامين لا أكثر.... لحسن الحظ تدرس فيه سون-آه أيضا كي تؤنسني.
حياتي متعبة و مليئة بالأعمال الشاقة... و قد ابتدأت اليوم.... يوم العود إلى مقاعد الدراسة و لا أدري كيف سيمر الوقت و ما سأدرسه هذه السنة لكن أتمنى أن يمر على خير مثل العام الذي سبق...لم يبق لي سوى عام آخر و أتخرج على كل حال..
قمت اليوم بما أفعله من روتين يومي غير أني لم أتناول الإفطار لأنني عزمت على التسلل من الحديقة الخلفية كي أذهب بمفردي بما أول حصة لي ستبدأ مع بلوغ الساعة الثامنة و النصف.
فور أن حطت رجلاي على الأرضية المعشوشبة بسلام على فناءنا الخلفي، شمرت سروالي إلى أعلى و قفزت من السور الحديدي تماما كاللصوص و بعدها بلحظات انطلقت راكضة مثل المجانين إلى أن وصلت أمام محطة الحافلات و لم أبق في الانتظار مطولا لأن الحافلة قد أتت بعد وقت وجيز من وصولي...
وصلت الى المعهد عند السابعة و الربع (07:15).... الوقت كان باكرا جدا على بداية الدراسة. من الجيد أن المعهد يفتح على السابعة لأنني كنت سأقضي وقتي أدور حوله مثل المتسولين أو أحد اللصوص... قضيت ربع ساعة في التجول بحديقة قسم إدارة الأعمال و بعض الأقسام الأخرى أيضا لأن المؤسسة كانت تحت إعادة تجديد البناء و هناك العديد من الأماكن و الأقسام تغير مكانها...
كان الجو جميلا جدا صبيحة اليوم قضيت جله في التجول بين حدائق كل قسم من التخصصات و لأكون أمينة حقا حديقة قسمي كانت أجمل و أوسع حتى...
راق لي جدا مشاهدة الأوراق الجافة المتموجة ألوانها بين الأصفر و البرتقالي الغامق يلوح بها الهواء هنا و هناك فتتباهى الأرضية برونقها الخلاب الذي يع** لون العسل الخاص بالأشجار المحيطة هنا و هناك كأنما هو فصل آخر من إبداع الطبيعة يخالف الأربعة المعروفة...
لفصل الخريف مكان خاص في قلبي، أحبه أكثر من فصل آخر... ألوانه تلك تكتسح قلبي بلا رحمة... كنت سأذوب عشقا بالمنظر أمامي إلا أنه كان لمعدتي حديث آخر مغاير تماما، تطالب بالأكل و هذا حقها الذي حرمتها منه...
حملت جسدي حالما أحسست بأمعائي تلتهم بعضها و خطوت نحو قلب المعهد كي أبحث عن المقصف ولم يأخذ ذلك وقتا طويلا أبدا و الفضل يعود لتلك اليافطة التي عثرت عليها معلقة بقلب الردهة بها اتجاهات لكل الأماكن المتواجدة هنا.
كاد ل**بي يسيل لقوة رائحة شهية ص*رت من المكان المنشود... إنه وافل، ياي~.... و هناك العديد من الأمور القابلة للأكل هنا... طلبت طبق وافل و كوب كراميل ماكياتو - المفضلة عندي- ثم جلست الى مقعد مقابل للنافذة و أخذت استمتع بالمنظر الخلاب لدرجة اني لم أدرك الضجيج الذي اقتحم المكان على حين غرة.
التفت الى مص*ر هذه الأصوات لأجد بضع فتيات يصرخن لسبب ما لم أعرفه، و لا أحتاج أن أعرفه لأنه تافه نشهده طوال الوقت... لابد و أنهن لمحن طالبا وسيما و ثريا يمشي الخيلاء و يخط خطاه إلى هنا تماما مثل ما حدث مع الF4 في دراما فتيان ما قبل الزهور. ... لا ادري حتى لما ذكرت الأمر فجأة... لكن أعتقد انه مماثل... اااه تشم، لا يهم.
حملت الطبق لأضعه في سلة خصصت للأطباق المتسخة و أخذت بخطواتي نحو الدرج كي انزل و أباشر محاضرتي الأولى و لكم هو مزعج السير و تلك الأصوات تنخر دماغي، أليس لديهن كرامة، يا للقرف....
و أنا في خضم شتمهن، اصطدمت، ليس بجماد لكنه يوحي بذلك للألم الذي صاحبني، خاصة عيناي و أنفي الذي أدعو أنه لا ينزف.. ياللمفاجأة المبتذلة التي أراها في الدراما، اصطدمت بشخص...
و ليس من عادتي عدم الانتباه و أنا أسير.. لقد باغتني.
جبهتي آلمتني بشدة على إثر ذلك و ما إن وعيت على ما حدث انعقد حاجباي تلقائيا و عيناي ارتفعتا لتقعا عليه...
كان طويلا يرتدي زيا رسميا و يبدو على هيئته الحسن... حسنا ليس تماما... لأن القهوة حاليا تغطي هيئته أكثر من الحسن...لقد انسكبت قهوته على ملابسه... و ها هو غاضب؟... و أنا من اعتدت أن اقرأ أن الشخصيات تصطدم و بأيديها أوراق ما فتتناثر و ينحني كلا الشخصين و يلتقطاها معا و تبدأ من هناك رحلة الحب... لم أتخيل أن القهوة قد تكون بديلا للأوراق...
-" تبا،ألا تنتبهين أين تمشين أيتها القزمة؟... هل أنت عمياء.. انظري لما حدث لملابسي بسببك."
بصراحة كنت سأصفه لكم لأنه و على ما بدا شخصا حسن الخليقة، وجهه لا تشوبه شائبة و عيونه واسعة و قامته طويلة و له عضلات قوية تكاد تمزق سترته التي بدت ضيقة بشكل ما توصل للعقل فكرة كونه يقطن بأحد المراكز الخاصة باللياقة البدنية. لكن، بسبب وقاحته سأسحب ذلك.... ثم هل ناداني هذا العملاق الأ**ق لتوه بالعمياء و القزمة؟؟.
قبل أن أنطق حرفا كنت متفاجئة لكن عقدة ل**ني انحلت و استشطت غضبا لمراقبة نظراته لي بذاك الاستخفاف الشديد، و كأني نملة في حضرته...
-" ماذا؟! أولا أنا لست عمياء أيها السيد. ثانيا أنت هو من لم يكن يرى أمامه لأنك من اصطدم بي و ليس العكس."
أشرت له بيدي نحو الطريق الذي أتى منه و حتما زاوية الانعطاف التي أتى منها تثبت خطأه و أضفت قائلة:
" أليس عيبا عليك أن تلوم الآخرين على خطأ لم يقم به أحد غيرك؟ ثم كيف تجرأ على مناداتي بالقزمة وأنت من تضاهي أعمدة الإنارة في الطول المبالغ فيه؟ عملاق أبله"
انقلبت نظراته المستهترة و استبدلت باتساع عينيه حتى كدت أجزم أنه لو أوسعهما قليلا لوقعتا أرضا ...
هو لم يتوقع هذا من فتاة، و لربما هو فقط مدلل معتاد على تملق الفتيات... لكني لست منهن و لينل جزاؤه بإنصاف.
لم ألبث لحظة أخرى أترقب فيها انقضاضه علي -كلاميا على الأقل- إذ به يمسك برسغي و يسحبني خلفه بضع خطوات ثم دفعني لأجدنا في رواق خال و نفض يدي لأرتد خلفا لاطمة ظهري بالحائط.... صوت وشاوش الطلاب لم يعد يصلني بذات القوة التي كنت أسمعه بها و أنا واقفة في المكان السابق و هذا ما... هل ينوي الاعتداء علي؟!!!
-"مالذي تجرأت على فعله للتو؟! كيف لك أن تلمسني أيها المعتوه؟"
شزرته بقوة و لم يخفى علي غضبه الذي لم يهمني في شيء ...
- " أعيدي ما قلتِ؟ عملاق ماذا؟؟ كيف تجرئين على مخاطبتي هكذا أتعلمين حتى مع من تتحدثين؟... ألم يعلمك والد*ك آداب مخاطبة من أكبر منك سنا أيتها القزمة؟."
هسهس وهو يقترب مني بطريقة تبث في داخلي الخيفة و عروق رقبته تنتفخ حتى أن وجهه أخذ يحمر. حرفيا، كان يشبه تنينا على وشك أن ينفث نار غضبه على فريسته... فكرت مرارا في الفرار بجلدي لكني أتراجع كلما تذكرت أني قوية و يجب أن أواجهه.
أخذ يقترب مني تدريجيا و أنا لم أملك مساحة أكثر كي أتراجع.. تبا لك أيها الجدار ألم تجد أين تقف سوى خلفي؟...
صرت حرفيا محاصرة بينه و بين أذرع ذلك العملاق الذي تفوح منه رائحة القهوة... و الأفكار السلبية شرعت تغشاني و قلبي ينتفض بينما عقلي يفكر في أقرب وسائل الهروب من متناول يدي... رجلي.
رغبت في ركله ما بين ساقيه ثم الهرب لكنه ابتعد في اللحظة المناسبة و حشر يديه في جيوب بنطاله و نطق بحاجب معقوف و ابتسامة أبعد ما تكون لواحد ودودة... و أنا غضبت من نفسي أكثر من غضبي لتركه ينتهز فرصة تخويفي و النجاح في ذلك...
- " ها؟... أين اختفى صوتك.. هل أكلت القطة ل**نك السليط أيتها القزمة؟."
-" سأعلم إدارة المؤسسة عنك ليكن في علمك."
هتفت بثقة كبيرة و عيناي مغروزتان في مجال نظره سوى أني ندمت سريعا لما تفوهت به لأنه قد اقترب مني و حاصرني مرة أخرى... كان قريبا مني لدرجة أن انفاسه تض*ب وجهي الذي سخن و السبب هو غضبي لا أكثر و ليته لا يراه فيسيء فهم الموقف و يظنني خجلت منه فقط. ابتسم مرة أخرى بمكر...و قرب وجهه أكثر... لحد غير معقول، حد سيطرد بسببه لتحرشه بطالبة....
- " اب..ابتعد عني حالا"
لم أقف مكتوفة الأيدي و مددت كفاي نحو ضلعي كتفيه المائلين ناحيتي بلا ذرة أخلاق و غايتي دفعه بعيدا عني بكل قوة أتاحتها لي المسافة القصيرة التي بيننا، لكن بدون فائدة... هو لم يتزحزح إنشا واحدا من مكانه، و ابتسامته شبيهة ابتسامة المرضى النفسيين قريبة مني بخبثها و لم ينطق بحرف واحد... مالذي يفكر فيه هذا العملاق؟...
- " مالذي تظن نفسك فاعلا يا هذا؟... ابتعد عني حالا... سأشكوك لإدارة المعهد و ستطرد أيا ما كان منصبك أيتها المتحرش اللعين."
لأكون صادقة، خشيت لوهلة أن يصفعني أو شيئا ما لكنه خالف توقعي و ابتعد عني أخيرا دون النبس ببن. شفة غير أن عينيه اللتان لم تبتعدا عني ولو في سبيل الرمش محقونتين بالغضب ولم أهتم بل رميت أول خطوة مبتعدة و عندها بالذات تحدث:
- "متحرش؟ بمن سأتحرش؟! بك أنت يا تلميذة الطور المتوسط؟! حتما تمزحين."
فغر فاهي بشدة لما سمعته منه، هذا الطويل اللعين...
-" ألد*ك أي فكرة عن كم تساوي بذلتي هذه أيتها القزمة؟... هل ستعوضين ثمنها، هل ستفعلين؟"
ثري متعجرف حقير ذو صوت عميق... تظاهروا أنكم لم تقرؤوا العبارة الأخيرة... احم، لن أتحمل وقاحته أكثر...
- " لربما لا أعلم كم هي مكلفة بذلتك أيها السيد شبيه أعمدة الإنارة، لكن أستطيع أن أعوض ثمنها بكل تأكيد يمكنك أن ترفقني برقم حسابك و سأرسل لك المبلغ كاملا و إن لم تصدقني فهذا هو رقمي الشخصي و يمكنك التواصل معي به حتى ننتهي من هذه المهزلة.... "
خ*فت أحد الدفاتر من يده و سجلت عليه رقمي ثم أرجعته إليه و استدرت مبتعدة عنه كي ابحث عن قاعة المحاضرة فوقت بدايتها قد اقترب... لكن أوقفني صوت ضحكة عميقة و كان واضحا من أين ص*رت... استدرت لأقا**ه و افهم لما يضحك هذا المخبول، هل جن؟... انه يصفق أيضا... حتما هو قد جن.
-" واه.... هكذا الأمر إذا؟... كان عليك إخباري بالأمر من البداية بدل افتعال هذا المشهد التمثيلي المجهد ... بدلتي المسكينة ليس لها أي ذنب يا صغيرة..."
مالذي يتحدث عن بحق الله... أهو يهذي؟..
-" مالذي تتحدث عنه يا هذا... هل جننت؟"
-" قولي من البداية أنك ترغ*ين بي؟"
-"أ...أرغب بك؟.. أنا؟"...
لقد انفجرت ضاحكة بلا سابق إنذار.... و أكملت بعدما أجبرت نفسي على التوقف..:
" أرجوك... أنت لست جادا أليس كذلك؟... لما بحق الله قد أرغب بشخص وقح مثلك.."
أعتقد أنني جرحت كبرياءه و لذا وجب علي الهروب من هنا و الاختباء، أتمنى فقط انه ليس مسئولا مهما في سلك إدارة قسمي فحسب.... لا ارغب في لقاءه مرة أخرى...
نظراته باردة لم تتغير أبدا وعلى ما يبدو لم يتأثر بكلامي و هذا أمر مريح ....
-" و مالذي تفسرينه بهذا؟ أنت بالتأكيد لست جادة حول تعويض بدلتي الغالية صحيح؟... لن تستطيعي ذلك حتى لو بعتِ نفسك في السوق السوداء يا قزمة "...
تكلم باستخفاف و عينيه الوقحتين تمسحان جسدي كماسح ضوئي لعين ثم أشار لرقم هاتفي المكتوب على احد دفاتره. فقط من يعملون في أسلك الإدارة لهم هذه العجرفة فهم يحسبون كل من ترتاد هذا المكان ترتمي عند أرجلهم... وقح.
-" تفسيري واضح كقرص الشمس بالخارج، أنت فقط من أساء فهم الوضع... لما برأيك؟"
سؤالي ذاك كان ساخرا أكثر مما هو سؤال يحتاج إجابة و أردفت بعد أن ارتديت ملامح وجه هدفها فقع مرارته :
-"آه، دعني أجيبك.. بسبب جنون العظمة الذي يعاني منه حضرتك... أنا ببساطة لا أريد أن أدين بشيء لثري متعجرف مثلك ، و أنا بالتأكيد قادرة على تعويض ثمن بذلتك الغ*ية تلك و إلا ما كنت لآتي و أدرس هنا. مجنون."
استدرت و أسرعت في خطواتي كي أبتعد عنه في أقرب وقت... تبا له كدت أتأخر، ولولا سون آه التي كانت تنتظرني أمام باب القاعة كنت ضعت و فوت علي المحاضرة.
-" صباح الخير؟... ما بك كيت، وجهك يبدو شاحبا هل أنت مريضة؟" [سون-آه]
-" صباح النور، و لا لست مريضة صديقتي، فقط هناك أمر أزعجني و أفسد علي يومي بالكامل.." [كيتانا]
-" مالذي حدث معك؟" [ سون آه]
-" لقد اصطدمت بشخص في طريق خروجي من الكافتيريا و انسكبت قهوته على ملابسه و بسبب ذلك حدثت بيننا مشادة كلامية.. يكاد دمي يتبخر من شدة الغضب... سأقضي عليه ان رأيته مرة أخرى.. لقد اتهمني بافتعال مشهد لإثارة انتباهه،سأجن حقا!"
ربتت سون آه على كتفي و هدأت من روعي بطريقتها المضحكة...
-" إنسي أمر هذا الأبله، ودعينا نفكر بشخص آخر أجمل..."
غمزاتها و ابتساماتها الماكرة لا تبشر بالخير أبدا... مالذي تفكر فيه صديقتي الم***فة الآن؟..
-" مالأمر معك سون آه؟.... لما تبدين لي و كأنك تغتصبين شخصا ما داخل مخيلتك الم***فة؟.."
قهقهت بخفة و ض*بت كتفي ثم عادت تقول:
-" تبا.. أنت تعرفينني أفضل من نفسي حتى،... المهم، لقد سمعت أنه قد تم تغيير أستاذ محاضرة " تسيير المؤسسات" و سيدرسنا الأستاذ ،أقصد الدكتور بارك، و هو في 30 من العمر متحصل على شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال و سمعت أنه سيحصل قريبا على التأهيل مما يعني أنه سيصبح أصغر بروفيسور في البلاد، كما سمعت أيضا أنه يدير شركته الخاصة و قد شق بها نحو طريق النجاح و هاهي الآن قد أصبحت منافسة لخاصة والده ."
ملامحها مضحكة وهي تقص علي الأحداث بعيون حالمة، حينما تندمج في سرد موضوع ما يثير انتباهها فهي تنسى كل ما هو حولها، حتى ولو كان الأو**جين... ليتها تدري أني انشغلت أفكر بحادثة الدقائق الفارطة و لم أعد أستمع...
" ياللروعة.... أراهن بشفاهي المثيرة أنه قد أسر قلوب فتيات الوطن كلهن... آه، لن أنسى الإشاعة القنبلة، يقال أنه لا يواعد و هناك دار صحافة زلزلت الطبقة المخملية كخاصته قبل فترة بعدما ذكروا أنه شاذ بحجة أنهم لم يلمحوه رفقة أي امرأة طيلة ظهوره في للإعلام أو حتى في الحفلات الراقية لكنه نفى ذلك في مؤتمر صحفي قامت به شركة بارك و أخبر الجميع أن السبب هو عدم عثوره على حب حياته بعد.... أوليس رومانسيا.. "
إنها مضحكة جدا، أكاد أرى قلوبا تبرز من عينيها و ل**با يسيل من فمها المفتوح على مصراعيه... بلهاء حقا... من أين لها بهذا الكم من المعلومات؟ و هل هو حقا وسيم لدرجة أن قلب عقلها رأسا على عقب! ... في العادة أي شاب وسيم و طويل يقلب موازينها... تماما كما يفعل بها الأساتذة الذين يدرسونني في الجامعة...
-" أغلقي فمك و إلا سيتخذه الذباب منزلا يا سون آه و توقفي عن أحلام يقظتك الغ*ية.... واضح أن هذا الشخص متعجرف و مهووس بنفسه فدوما ما يكون أصحاب الطبقات المخملية هكذا. "
كانت ستقول شيئا لكن قاطعها صوت صراخ قادم من قلب القاعة، ركضت هي أولا لتستكشف السبب أما أنا فقد مشيت نحو المقعد الأول بهدوء ، ليس و كأنني أهتم لما يحدث مع ضعاف الشخصية مثيلاتهن...
جلست في مكاني و هممت بإخراج دفتري و ثم التقطت هاتفي لأضعه على الوضع الصامت و أفتح مسجل الصوت كي أسجل المحاضرة... بعد دقائق، انضمت إلي سون آه و هي تجر خلفها شابا ما لم أره من قبل لتقول:
-" سأعرفكما عن بعض باختصار لأنَّ الدكتور بارك قادم... آهن-بيك هذه كيتانا صديقتي التي حكيت لك عنها مسبقا ، كيتانا هذا آهن-بيك صديقي الذي انتقل هذا العام من استراليا كي يدرس إدارة الأعمال و يستلم شركة والده بعد عامين .... سنكمل التعارف بعد انتهاء المحاضرة حسنا؟"
-" مرحبا كيتانا-شي، تشرفت بمعرفتك أرجو أن تعتني بي..."
-" تشرفت بمعرفتك أيضا آهن-بيك-شي."
بعيدا كل البعد عن تعارفي غريب الأطوار برجلين في حالتين مختلفتين.... لي سون-آه حقا تدين لي بالمثير من التفسير...
ابتسمت له بتكلف وهو ينظر إلي بين كل فينة و أخرى أظنه ينوي التحدث لكني لست جيدة في الحديث مع الغرباء... تلك المعتوهة تركتني في وضع محرج أكاد أسمع صوت نعيق الغربان لغرابته فما كان مني سوى العودة للقيام بما كنت افعله قبل أن يأتي كل منهما.
فتحت الدفتر لأدون به تاريخ اليوم فقط لتجنب نسيان تاريخ المحاضرة مستقبلا واذا بامرأة تطرق الباب و تدخل فيعم ال**ت بعدها و لم يخفى على أحد كونها نائبة العميد و على ما يبدو ستقدم لنا الدكتور و البروفيسور العتيد بارك...