الوجه الآخر للثعبان

2315 Words
_ الوجه الأخر للثعبان ! _ إلتفتت "سمر" وراءها بوجه عاصف لتري الشخص الذي نادي بإسمها لتتسمر بمكانها فجأة و تتبدل ملامحها الثائرة إلي أخري ذاهلة .. -أسـ أستاذ عـ عثمان ! .. قالتها بشيء من الإضطراب و قد أربكها ظهوره المفاجئ أمامها ، ثم أردفت بإستغراب : -حضرتك إيه إللي جابك هنا ؟ عثمان و هو يجيبها بإسلوبه اللبق الذي نادرا ما يستخدمه في تعاملاته مع الآخرين : -إبن عمي عامل حادثة و كل العيلة هنا .. إنتي بقي إيه إللي جابك هنا ؟؟! إنتبهت "سمر" إثر سؤاله للسبب الرئيسي الذي جاءت من أجله إلي هنا ، فشددت ذراعيها الملتفين حول شقيقتها و أجابته : -أختي حرارتها عليت فجأة ماعرفش ليه ! فخدتها و جريت بيها علي هنا .. ثم أطرقت رأسها في تخاذل ، و أكملت : -بس بيقولولي مالهاش مكان ! عثمان عاقدا حاجبيه في إستنكار : -مين إللي قالولك ؟؟؟ -الأنسة دي .. و أشارت له برأسها نحو موظفة الإستقبال ليتجاوزها "عثمان" و يتوجه إلي الموظفة بصوته الغليظ : -لو سمحتي يا أنسة ، معانا طفلة هنا حرارتها عالية ، محتاجين دكتور ، يا ريت تطلبيلنا حد دلوقتي حالا. الموظفة بهدوء مستفز : -أسفة يافندم ، الأماكن هنا كلها مشغولة و الدكاترة كمان مشغولين. عثمان و هو يتبجح برعونة مستهجنة : -يعني إيه حضرتك ؟ بقولك البنت حرارتها عالية و إنتي ملزومة تدخلينا و تستدعيلنا دكتور يشوفها كمان. الموظفة ببرود : -و الله أنا ليا في إللي في شايفاه قدامي ، مافيش أماكن فاضية و مافيش دكاترة متوفرين حاليا ، أد*ك حضرتك شايف قسم الطوارئ و المستشفي كلها زاحمة إزاي ! إرتعشت شفتيه المزمومتين من الغضب ، ليستدير في اللحظة التالية نحو "سمر" قائلا بإقتضاب آمر : -إتفضلي معايا يا أنسة سمر ، هنروح مستشفي تانية .. ثم عاد ينظر إلي الموظفة ثانيةً ، و قال بحدة شديدة : -إحنا ماشيين يا أنسة ، بس أوعدك الموقف ده مش هيعدي علي خير أبدا ، و بالذات عليكي إنتي. و غادر "عثمان" المشفي كلها بخطواته المتغطرسة مصطحبا في إثره "سمر" و أختها الصغيرة .. بينما أتت موظفة الإستقبال الثانية ، و سألت زميلتها : -في إيه يا بنتي ؟ كنتي بتتخانقي مع مين ؟؟ الموظفة الأولي بعدم إهتمام : -ماكنتش بتخانق و لا حاجة .. أهو ناس زي إللي بنشوفهم كل يوم سايبين العيادات و مستخسرين ڤزيتة الدكتور و جايينلنا إحنا هنا يق*فونا عشان مستشفي زفت حكومية. الموظقة الثانية و هي تشهق بصدمة : -ناس زي إللي بنشوفهم كل يوم إيه يا مجنونة ؟ إللي إنتي وقفتي تقاوحي فيه ده عثمان البحيري إبن يحيى بيه البحيري الشاب إللي عمل الحادثة و جالنا إمبارح يبقي واحد من عيلتهم. الموظفة الأولي بإستخفاف : -مين الناس دول يعني ؟ صحاب المستشفي مثلا ؟! الموظفة الثانية بإستنكار : -ماتعرفيش عيلة البحيري ؟ و بتتريقي كمان ؟ دول يشتروكي و يشتروا المستشفي باللي فيها ، محدش في إسكندرية مايعرفهمش و إللي برا إسكندرية كمان ، ناس كبار و إيديهم طايلة و أقدم عيلة هنا. هزت الأخيرة كتفاها بلا إكتراث قائلة : -كبار و إيديهم طايلة علي نفسهم .. و علي كل حال الدنيا مش سايبة. -إدعي ربنا بس مايحطكيش في دماغه و ينسي إللي حصل ، عثمان البحيري ده مش سهل أبدا ، أكتر واحد شراني في عيلته و محدش بيهمه لسا مطلق مراته بنت رشاد الحداد نايب الأنفوشي يوم فرحهم و ماهمتوش الفضايح. -شراني علي نفسه بردو ، و يلا بقي علي شغلك و سيبيني أشوف شغلي أنا كمان .. قالت الفتاة في لامبالاة ، إلا أنها لم تنكر القلق الذي أخذ يتسرب بأعماقها .. -ربنا يستر .. تمتمت لنفسها ، ثم عادت إلي العمل مجددا .. ••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••• في مطار القاهرة ... تصل الرحلة القادمة من مطار "باريس" و تهبط الطائرة تدريجيا علي الأراضي المصرية الموّقرة .. تنفتح البوابة ، لينزل منها "رفعت البحيري" و معه إبنته "هالة" التي لم تكف عن البكاء منذ علمت بخبر الحادث الذي وقع لأخيها يقطعا تذكرتان إلي الأسكندرية ، و فورا يكونا علي متن رحلة أخري ، ليصلا في زمن قياسي جدا .. بعد نصف ساعة فقط ، كانا خارج ساحة مطار الأسكندرية ، ركبا سيارة فخمة شيعت مخصوصا بسائقها لأجل إستقبالهما بأمر من "يحيى البحيري" وصل بهما السائق أمام بوابة المشفي في غضون خمسة عشر دقيقة ، صعدا إلي الطابق الثالث حيث "صالح" هناك بغرفة العمليات .. كان "يحيى" واقفا بمنتصف الردهة جامد الوجه ، متوتر الجسد عندما هرول نحوه "رفعت" هاتفا بلهجة مختلجة : -إبني ماله يا يحيى ؟ صالح جراله إيه ؟؟؟ إعتدل "يحيى" في وقفته و إستعد لمواجهة شقيقه .. -إبني فين يا يحيى .. تساءل "رفعت" بحدة ، ليرد الأخير بهدوء حذر : -إهدا يا رفعت .. ماتقلقش صالح بخير. رفعت بإنفعال : -بخير ! بخير إزاي و هو بقاله 12 ساعة في العمليات ؟ إنت شايفني ع**ط قدامك ؟!! يحيى و هو يجيبه بسرعة : - لأ لأ خلاص هيخرج دلوقتي الدكتور لسا مطمنـ آا .. -إسمع يا يحيى .. صاح "رفعت" مقاطعا ، ثم تابع بعنف شديد : -إبني لو حصله حاجة مش هسامحك ، إبني لو ماخرجش من هنا علي رجليه لا إنت أخويا و لا أعرفك. عبس "يحيى" في حزن ، و قال : -ماتخافش يا رفعت .. إبنك هيخرج من هنا بالسلامة إن شاء الله ! و هنا ، فـُتح باب غرفة العمليات ، ليخرج الطبيب أولا ، ثم "صالح" خلفه ملقي فوق التورللي ، ملفوفا بالشاش و الجبس في معظم أجزاء جسده .. ركضت نساء العائلة صوبه في الحال ، بينما توجه كلا من "رفعت" و "يحيى" نحو الطبيب .. -طمني يا دكتور أرجوك .. قالها "رفعت" برجاء ، و أردف : -إبني عامل إيه ؟ بقي كويس صح ؟؟؟ الطبيب بأرق و هو يخلع الكمامة المعقمة عن وجهه : -إطمن يافندم .. إبن حضرتك بخير ، أنا خرجت من شوية و طمنت يحيى بيه .. هو بلغ حضرتك باللي قولتهوله ؟! نظر "رفعت" بريبة إلي شقيقه الذي تلعثم قليلا هو يقول بإرتباك : -آا ي دكتور أنا بـ برجح إن حضرتك تشرحله بنفسك أحسن ! تنفس الطبيب بعمق ، ثم قال بلهجته العذبة المنمقة : -طيب .. شوف يافندم ، هي معجزة إننا قدرنا ننقذه ، إبن حضرتك إنكتبله عمر جديد بفضل الله ، طبعا مافيش شك إن الحادثة كانت قاسية جدا .. عشان كده للأسف حصلتله شوية مضاعفات ! تجمدت ملامح "رفعت" و جف حلقه فجأة ، فإزدرد ريقه بصعوبة ، ثم سأله بصعوبة بصوت مبحوح : -مضاعفات ؟ .. مش فاهم يا دكتور !! عض الطبيب علي شفته ، و إستغرق منه الأمر لحظات قبل أن يجد طريقة ملائمة ليخبره بما حل بإبنه .. الطبيب بتمهل و لطف : -شوف حضرتك .. بصراحة إبنك إتعرض لشرخ بسيط في عموده الفقري ، الشرخ ده هسيببله إعاقة لفترة معينة ! بـُهت "رفعت" و قد ألجمت الصدمة ل**نه .. لكنه نطق بثقل : -يعني إيه يا دكتور ؟ .. تقصد إنه .. إتشل ؟؟؟ -مش بالظبط كده .. قال الطبيب بحيرة ، ثم تن*د و أكمل : -هو فعلا مش هيعرف يمشي في الأول بس في علاج طبيعي هنتابعه لما يقوم بالسلامة. -و العلاج ده هيجيب نتيجة ؟؟ -أه طبعا هيجيب .. بس ! يحيى بوهن : -بس إيه ؟ أجاب الطبيب و هو يتهرب من النظر في عينيه : -جايز الفترة تطول .. كله بأمر ربنا ! .. ثم إستأذن بسرعة ليذهب : -عن إذنكوا هروح أشوف المريض. ظل "رفعت" واقفا بمكانه كما هو ، تماما كالصنم ، حتي توجه "يحيى" إليه بالقول : -رفعت .. إطمن ، و الله هيبقي كويس. أدار "رفعت" رأسه و أخذ يرمقه بنظرات حاقدة ، ليجفل "يحيى" بتوتر و يزم شفتيه في ضيق ، لكنه عاد يقول و هو يحتضنه بأخوّة : -إن شاء الله هيبقي كويس. ••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••• في إحدي العيادات الخاصة ، و المتخصصة لعلاج الأطفال .. فرغ الطبيب المسن من الكشف علي "ملك" ثم نزع سماعته الطبية و هو يداعب ذقنها بلطف قائلا : -سلامتك يا جميلة ، إنتي زي الفل ، إضحكي بقي و ماتكشريش تاني خالص. إستجابت الصغيرة لمداعبته التحببية ، و راحت تكرر بصوتها الطفولي الرنان ، لتبتسم "سمر" و هي تعدل لها ملابسها ، بينما يقف "عثمان" وسطهم يراقب ما يحدث بإبتسامته الفاترة الدائمة .. جلس الطبيب الوقور خلف مكتبه ، لتحمل"سمر" أختها ، و تعود ثانيةً لتجلس أمامه ، و تسمعه و هو يقول بجدية : -شوفي حضرتك .. مبدئيا الأعراض إللي عند أختك عادية جدا بالنسبة للأطفال إللي في سنها ، التقلصات المعوية حاجة شائعة جدا في الفترة دي بالنسبة لها ، لكن السخونة و الكحة إللي بتشتكي منهم دول حاجات محتاجين نعمل عليهم تحاليل ، و علي حسب بقي لو قالت التحاليل هتخف بالعلاج يبقي خير و بركة ، إنما لو حاجة تانية لا قدر الله هنشوف ساعتها ممكن نعالجها إزاي ! سمر بصدمة : -قصدك إيه يا دكتور ؟ هي ممكن يكون عندها إيه ؟! -أنا مش عايزك تتخضي .. بصي هي بوادر إلتهاب رئوي بس هنحاول نعالجها قبل ما الموضوع يتطور أكتر .. ثم شرع في كتابة روشتة و هو يتابع : -أنا هكتبلها علي أدوية مهمة و هكتبلك إنتي مواعيد كل دوا ، و هاخد منها عينة دم دلوقتي و إن شاء الله أشوفها الأسبوع الجاي زي إنهاردة. إنتهت جلسة الكشف بعد أن أخذ الطبيب عينة من دم "ملك" لتخرج "سمر" من البناية الراقية برفقة "عثمان" و هي تحمل شقيقتها غير قادرة علي محو علامات الوجوم المرتسمة علي وجهها .. أعادها صوت "عثمان" إلي أرض الواقع حين سألها بلطف : -أنسة سمر ! .. إنتي كويسة ؟! إنتبهت إليه قائلة : -هه ! أه .. شـ شكرا أوي يا عثمان بيه ، بجد أنا مش عارفة أشكرك إزاي علي كل إللي عملته معايا أنا بقيت مديونالك بكتير أوي. عثمان بعتاب مصطنع : -عيب كده يا أنسة سمر ، أنا ماعملتش أي حاجة ، و بعدين دي حاجات بسيطة جدا. سمر بإبتسامة رقيقة : -حاجات بسيطة إيه بس ؟ دي الڤزيتا لوحدها بتاعة الدكتور ده أكتر من المبلغ إللي أخدته من حضرتك قبل كده ، أنا بإذن الله هردلك كل ده قريب بس عمري ما هقدر أردلك لطفك و كرمك معايا. عثمان و هو يعبس بضيق : -بجد هزعل منك يا أنسة سمر ، أختك زي أختي بالظبط أنا قمت بواجب طبيعي .. ثم قال بخبث : -و لو إن الدكتور فوق إفتكرها بنتي .. أنا ماحبتش أصلحله الغلط لإني بجد حبيت ملوكة أوووي و من هنا و رايح خلاص هعتبرها فعلا زي بنتي. و مد يده و ربت علي خد الصغيرة بلطف ، لتحمـّر "سمر" خجلا و هي تقول : -حضرتك كل شوية بت**فني بكرم أخلاقك أكتر .. مش عارفة أقولك إيه !! عثمان بإبتسامته الجذابة : -ماتقوليش حاجة .. أنا إتبسطت لما شوفت ملك إنهاردة ، و إن شاء الله في معاد الإستشارة الجاية هاجي معاكوا تاني. سمر ضاحكة بخفة : -لأ إستشارة جاية إيه ! مافيش الكلام ده ، كفاية أوي كده علي حضرتك ، أنا هبقي أخدها أوديها لدكتور تاني تكون الفزيتا بتاعته أقل شوية. -كلام إيه ده يا أنسة سمر ! ماينفعش تسيبي دكتور خلاص شخـَّص حالة أختك و تروحي لواحد غيره لسا هيشخص من أول و جديد ، ماينفعش. -بس آا .. -مافيش بس .. قاطعها بصرامة ، و أكمل : -الأسبوع الجاي زي إنهاردة هجيبكوا بنفسي لحد هنا و هحضر الإستشارة كمان. إبتسمت "سمر" و قالت بإستسلام : -خلاص .. إللي تشوفه حضرتك ! رد لها الإبتسامة و هو يقول : -أيوه كده .. و يا ريت ماتنسيش معاد شغلك من بكره ، و بعتذرلك تاني بالنيابة عن شيري ، إحنا كنا ملخومين في إبن عمي زي ماقلتلك و كل حاجة عندنا واقفة من إمبارح. -لا أبدا مافيش حاجة ربنا يقومه بالسلامة. -أمين .. طيب ، يلا بقي عشان أوصلكوا. سمر بحرج : -يا خبر .. كمان ! عثمان بإصرار : -أيوه .. إنتي ساكنة فين ؟؟؟ -عند محطة الرمل كده ! أومأ مرارا و هو يقول مبتسما : -تمام ، إتفضلي بقي .. و أشار لها لتتقدمه نحو سيارته المصفوفة أمامهم ففعلت ذلك علي إستحياء ... ••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••• -ما أنا مشغل معايا شوية أغ*ية ! .. قالها "رشاد الحداد" بصياح غاضب دوي عاليا بأرجاء حجرة مكتبه ، ليرد عليه أحد رجاله بحذر شديد : -طب و إحنا ذنبنا إيه بس يا رشاد باشا ؟ مافيش حاجة بتخفي عن الصحافة ، و بعدين كل المعلومات إللي إتنشرت دي خدوها من المستشفي. رشاد بإنفعال : -ما إنتوا لو رجالة عدلين ماكنتوش سمحتوا لشوية كلاب تعلي صوتها علينا .. ثم إلتفت إلي المدعو "عباس" الذي كلفه بمهمة إغتيال "عثمان" بدلا من "صالح" : -و إنت يا عباس بيه .. فين نتايج خطتك إللي ماتخرش المايه ؟ بجد خيبت أملي فيك ! عباس عاقدا حاجبيه في إنزعاج : -أنا ماليش ذنب يا باشا ، أنا عملت المطلوب و لو ماكتش إبن عمه هو إللي طلع بالعربية كنت هتسمع خبره زي أمرت. رشاد بتهكم : -طيب و ليه ماسمعتش خبر إبن عمه لحد دلوقتي يا مستر عباس ؟ ده كمان في ناس كلموني و قالوا إنه خرج من العمليات و بقي زي الفل. بـُهت "عباس" و ما عاد للكلام جدوي أمام تصريحات "رشاد" الأكيدة .. -إخفوا من قدامي .. هتف "رشاد" بحدة ، و تابع : -مش عايز أشوف واحد فيكوا لحد ما الموضوع ده ينتهي ، أنا أسف إني إعتمدت عليكوا. أطرقوا رؤوسهم جميعا و هم ينسحبون الواحد تلو الأخر من مكتبه ، بينما إستدار هو بعنف ، و ض*ب الطاولة بقبضته المضمومة و هو يتمتم من بين أسنانه : -فلت من إيدي المرة دي يابن يحيى .. بس و الله ما هسيبك !
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD