المقدمة
المقدمة
" القدر ... كلمة كثيراً ما نتداولها ... كثيراً ما نتوقف للحظات عند سماعها ... و كثيراً ما نخاف منها !.
هل حقاً نستطيع ان نتحكم بأقدارنا ؟! ... هل نستطيع ان نغيرها ؟! ... ام انها ثابتة و مرسومة بعناية كخيوط العنكبوت المتشابكة لا تتغير ؟!!
كم من مرة تشابكت أقدارنا مع أشخاص لم نتوقع ان نلتقيهم برحلتنا يوماً ؟!!
كم من مرة حاولنا ان نتمسك باشياء لنكتشف بعدها انها لم تكن مقدرة لنا ؟!
مما يجعلنا نشاهدها و هى تنسل من بين ايدينا كخيوط العنكبوت تلك و هى تتأرجح مع نسمات الهواء الباردة !! .. و أحياناً اخرى نلعن بعض من تلك المواقف التى قُدر لنا ان نعيش بداخلها ولم نستطيع ان نمنع حدوثها !!
هكذا هو القدر .. يأخذنا الى أماكن لم نكن نتوقعها يوماً !! .. مع اشخاص لم نكن نظن اننا سوف نلتقيهم "
تخطو خطواتها و هى تتن*دت بعنف تلعن سائق الحافلة السمج الذى تسبب بتأخيرها كل هذا الوقت بالاضافة الى هذا العجوز الذى لم يتنحى عن باب البناية ينتظرها من اجل الإيجار المتأخر.
أخذت تسارع خطواتها نحو بناية الجريدة غير مهتمة لخصلات شعرها القصير التى انحلت من رابطته العشوائية بإهمال تماشى تماماً مع هيئتها المبعثرة ... لقد تأخرت ساعة كاملة عن موعد دوامها تباً !!
نظرت للمرة التى لا تعلم عددها نحو ساعة مع**ها البسيطة و هى تلعن حظها بينما كانت تردد بنبرات متذمرة غاضبة
(ما هذا اليوم ياربى ... ا****ة)
القت بحقيبتها فور وصولها الى غرفة مكتبها الضيقة و التى تتقاسمها مع ثلاثة من زملائها ... تحاول التقاط انفاسها و هى تتكئ على حافة مكتبها لكن فقط لحظة واحدة مرت قبل ان تستمع الى اسمها بنبرات خافتة أيقظتها من شرودها المختنق
(غمزة !! أين كنتِ بالله عليكِ ؟!!)
مررت غمزة أناملها المرتجفة كانفاسها بين خصلاتها النحاسية و هى تلتفت لكن و قبل ان تلفظ حرف واحد استمعت الى نبرات قاسية تعرفت على صاحبها منذ اللحظة الآولى
(آنسة غمزة و اخيراً تكرمتِ علينا بحضورك !)
تبادلا كل من سوزان و غمزة نظرات مرتكبه قبل ان تردف هى بتوتر بينما كانت تُطالع هيئة مديرها الغاضبة
(سيد علاء .. اعتذر انا)
ابتلعت حروفها و هى ترى كفه التى ارتفعت بحده ملحوظة أمام وجهها و التى تزامنت مع حروفه الأكثر حدة
(لقد مر وقت الاعتذارات غمزة .... أنتِ لم تحصلى على خبر واحد منذ ما يقارب الأربعة اشهر !! ..)
ابتلعت ريقها بريبة و توجس تشعر برتابة مميته بخفقاتها لكنه عاد ليردف بحزم اكبر يقاطع توجسها هذا
(انظرى لى غمزة لن امنحك المزيد من الوقت .... فقط أسبوع !! ... أسبوع واحد لا غير ان لم تستطيعين الحصول على خبر بحق فاعتبري نفسك مفصولة من العمل نهائياً !!)
وكأن دلو ماء مثلج قد سقط على راسها ... فقد تسمرت تماماً اثر الصدمة و كلمة واحدة فقط تدق كالناقوس بعقلها " فصل" هل حقاً سوف تُفصل من عملها!! .. لا مستحيل ... مستحيل ان تسمح بهذا مطلقاً ماذا عن عائلتها ! .... والدتها و اختها الصغرى من سوف يعولهم لقد حصلت على هذا العمل بعد عناء بالغ .. استفاقت و هى تشعر بجسدها يهتز بين كف سوزان التى كانت تتساءل بقلق و هى تشاهد امتقاع وجها بهذا الشكل
(غمزة هل أنتِ بخير ؟! ... ماذا سوف تفعلي الان لقد قلت لكِ من قبل ان تاخذى ذلك الخبر و تقدميه بدلاً عنى هل رأيت ماذا حدث !)
رمشت غمزة عدة مرات تحاول ان تستوعب ما يحدث معها الا انها نطقت اخيراً بتلعثم شارد
(لا اعلم سوزان)
لحظات بطيئة مرت كاعوام عليها و حرقة غريبة أخذت تحرق مقلتيها بعجز لكنها جاهدت لتمنع هذه العبرات الحبيسة داخل عينيها من السقوط و هى تهرب قائلة بنبرات خافتة
(سوف اذهب الى الحمام)
خطوة واحدة فقط هى التى فصلتها قبل ان تشاهد تلك الهيئة المستفزة لكل حواسها والتى ظهرت أمامها بكل غرور كالمعتاد .. هيئة اخر شخص تمنت ان تراه بتلك اللحظة بل ان تراه من الاساس .... ذلك الشخص الذى اجبرها قدرها ان تعمل معه بمكان واحد بالرغم من كل شئ
زفرت غمزة انفاسها بهدوء ينافى تماماً هذا الإعصار الذى نشب بداخلها و هى تستمع الى كلماته الشامته بعد ان قام باعتراض طريقها يلفظ اسمها بنبرات مستفزة ككل شئ به
(يااالهى هل سوف تتركينا؟!)
ارتفعت نظراتها النارية نحوه .... هذه النظرات التى دكن لها عسل مقلتيها أمام خضار عينيه المستهزئتين
نظرات كانت ولا تزال تقتله كصاحبتها هذه الفتاه المشتعلة كاشتعال خصلاتها التى تأرق منامه و صحوته !
خرجت نبراتها اخيراً كما توقع تماماً محملة بكرهها له
(حازم ابتعد عن طريقي)
سحب انفاسه باحثاً عن رائحة عطرها بين ذرات الهواء لينتشى داخله بهياج عاطفى ميؤوس منه قبل ان يتقدم خطوه نحوها يردف و هو يبتلع ريقه يتأمل منها ان ترفق به فهى تجعله يفقد عقله تماماً و ينحدر الى أماكن لم يريد ان يخطوها معها
(غمزة ... انا أستطيع ان أساعدك ... سوف)
انقطع سيل كلماته من نظراتها النارية نحوه و التى اجزم انها لو كانت رصاصة لقتلته و التى تبعتها اهاناتها المعهودة بنبرات كارهه أكثر من قبل
(لو كنت اخر شخص على وجه الارض باكملها لن أتقبل مساعدتك)
كان يعلم ... اجل لقد توقع كلماتها هذه لكن على الرغم من كل ذلك لقد تلبسه ذات الجنون من رفضها ككل مرة ... جنون جعله يهتف بحده تماشت تماماً مع ملامحها القاسية التى ترمقه بها
(ماذا تظني نفسك ... أنتِ لستِ سوى صحفية فاشلة سوف تُصرف من عملها لقد اشفقت على حال عائلتك ليس اكثر !)
ضحكت باستهزاء رغم ارتجافها .. ضحكت من قلبها على هذه الحياة الغريبة تتابع تعابيره المشدوهه و هو يشاهد ضحكتها ثم **تها المفاجئ !! قبل ان يستقبل هذه السكاكين المسمومة التى ألقتها واحدة تلو الاخرى فى وجهه لتمزق داخله الى اشلاء … لتجعله يندم على كل لحظة مرت عليه و هو يقف أمامها
(حقاً ؟!!! و هل سوف تسرق لى خبراً جديداً ام سوف تعطيني من خزانتك العامرة بعرق الأخرون سيد حازم !)
تجمدت ملامحه بل بهتت تماماً و امتقعت .... انها لن تنسى ... سوف تظل تهينه كلما سنحت لها الفرصة على هذا الخطأ
هذا الخطأ الذى ندم عليه اكثر من اى شئ بحياته ... اظلمت روحه بالم ... الم جعله يغادر و نظاراته تشملها بأسى اخذ يتضاعف مع كل خطوة له بعيداً عنها
تن*دت بعنف و روحها لا تزال تشتعل بكره لكن كلمات سوزان التى تسللت من خلفها جعلتها تشتعل اكثر و اكثر
(لماذا غمزة ؟! .... أنتِ بحاجة لمساعدته !)
التفتت لتواجها بحدة تهتف دون سيطره منها على أعصابها المشدودة
(هل فقدتِ عقلك سوزان ... أنتِ من تقول هذا ؟!)
ارتجفت ملامح سوزان للحظة لكنها عادت لتردد بتوجس
(لماذا لا تنسى الماضى غمزة أنتِ بحاجة له !)
ارتدت رأس غمزة بصدمة للخلف و هى لا تستوعب هذه الكلمات بينما أخذت تردد بالم عاد يداهمها مع هذه الذكريات
(انسى ؟! .... انسى ماذا سوزان ؟!! هل انسى كيف سرق مشروع تخرجى و قدمه ليحصل بعدها على اعلى تقدير .. " الطالب حازم الغزالي امتياز مع مرتبة الشرف " .. انا لا أستطيع ان انسى هذه الجملة ما حييت!)
**تت تبحث عن ذرات الهواء التى غادرت رئتيها مع هذه الحالة الغريبة التى تلبستها لتعود و تكمل كلماتها و هى تتساءل بأسى و قهر
(هل انسى نظرة والدى التى كانت تحمل من الخذلان ما يكفى لاتذكره حتى بعد ان توفى انسى حلمى الذى سرقه .... تباً)
غادرت تسارع خطواتها نحو الحمام .... لا لن تبكى ابداً انها عاهدت نفسها على هذا ..... لن تفعل مهما حدث لها.
وقفت أمام مرآه الحمام تسحب انفاسها ببطء ... تجمع خصلات شعرها بعنف داخل رابطته مجدداً
للحظات قليلة أخذت تطالع صورتها التى تنع** أمامها بكل عنفوا … لن تستسلم ابداً !! .... مهما حدث سوف تثبت لهذا النذل انها كانت ولا تزال أفضل منه ... وقعت مقلتيها على هذه القلادة التى تزين عنقها برقه ! ... ذكراها الوحيدة من والدها .. لقد وعدته انها سوف تخلد اسمه .... سوف تحافظ على مكانته مهما حدث معها
اغلقت قبضتها بقوة حول تلك القلادة تردد لنفسها بشرود و كأنها تحدثه هو و كأنها تراه أمامها
(سوف استعيد اسمك يا ابى سوف يردد الجميع اسمك من جديد ... و كيف ان الصحفي و الكاتب الكبير عادل الهاشمى انجب شبيهته ... لن أتخلى عن حلمى … لن اخسر هذه المرة وعد)
……
يتبع…