الفصل الأول "الجزء الثاني"

1758 Words
سيد العبث وملكة الرقة!! عبثه ممزوج بقوة، نظراته محملة بالثبات والغموض، هدوء نبرته يجعل أعتى الرجال يخّرون طاعةً له. وسلاحها رقتها، توهج نظراتها بقوة وثقتها العالية! لم تعرف الخوف يومًا ولم تسمع عن الخنوع، تلقي كلماتها ورفضها على ما لا يعجبها ولا تبالي بالرد! واقفة توليه ظهرها بردائها الأزرق، تاركة لشعرها الأصفر العنان هابطًا بتموجات على ظهرها يزينه تاج عبارة عن سلاسل رفيعة. تأمل قامتها الممشوقة، وجسدها الذي يشع أ***ة فارتسمت على شفتيه ابتسامة ذئبية ثم سعل قليلًا جاذبًا انتباهها لقدومه. التفتت له فاكتملت هيئتها الفاتنة أمامه بأحمر شفاه أعطاها مظهرًا فاتنًا. وقف يضع يده خلف ظهره ناظرًا لها بنظراته السوداء التي تشعرها أنها أمام بئر حالك، وصوته الرخيم جذب انتباهها أكثر يميل برأسه للجانب قليلًا : -"مولاتي.. أخبروني رغبتك في رؤيتي، وها أنا هنا" توترت قليلًا تفرك كفيها ببعضهما، لكنها نظرت له بثقة تتمتع بها دائمًا قائلة : -"علمت أنك ستعود في الغد!" أومأ برأسه بمعنى "نعم" لتهز رأسها مكملة : -"سفرًا سالمًا إن شاء الله" ردد المشيئة خلفها و**ت يتأملها بأعين ضيقة، تفرك كفيها حتى أصابهما الاحمرار، ص*رها يرتفع ويهبط من عمق أنفاسها، توتر نظراتها على الرغم من ثقتها التي تصله.. سمعها تسأله بتردد : -"هل.. هل لي أن أسأل شيئاً؟!" -"بالطبع، سلِ ما شئتِ!" رفعت أناملها تزيح خصلة واهية خلف أذنها، تبتلع ل**بها سائلة بعد أن أعادت نظراتها إليه : -"هل من المفترض عليّ حضور الاحتفال السنوي للمملكة؟" للحظات انتابته الدهشة من سؤالها الذي يخفي رفضها المبهم للحضور، ثم رفع حاجبه معجبًا بشجاعتها في إبداء هذا الرفض، لا يعلم لما توقع هذا منها؟! نظراتها.. عبوس وجهها.. ضمة شفتيها أخبروه أنها ساخطة. اقترب منها خطوة فتغضن جبينها باستنكار، ومال نحوها ناظرًا لها بقوة : -"وما السبب التي ترفض من أجله الحسناء الحضور لاحتفال مهم كهذا؟" ظل يقترب منها خطوات لتتراجع للخلف حتى اصطدمت بشجرة خلفها، فوقف على بعد إنش واحد منها متابعًا : -"أليس من المفترض على الملكة المستقبلية الحضور في هذه المناسبة؟!" تقسم أنها لم تشعر بهذا الكم من التوتر في حياتها إلا في هذه اللحظة! حضوره فقط يملأ المكان بالرهبة والتذبذب، فما بال حالها الآن وهي محاصرة بينه وبين الشجرة لا يفصلها شيء عنه؟! شحنات من التوتر تحوم حولها تجعلها للمرة الأولى لا تجد ما تقوله. سعلت قليلًا تستعيد قوتها مرة أخرى أمام هالته، ورفعت نظراتها إليه وصوتها خرج هامس واثق : -"لكنني لا أريد حضور شيء أرفضه" يده تسللت ببطء تستحوذ على كف يدها الصغير، فانتفض جسدها بكامله وإبهامه يتحرك على ظاهره وقال هامسًا : -"وماذا ستفعلين في السنوات القادمة في موعد الاحتفال؟" ليغمز لها يرفع حاجبه بمكر وتابع : -" هل ستهربين؟" رمقته بغضب و الخطوط الرفيعة الصفراء في خضار عينيها يشتد لونهما بشكل ملحوظ. فتحت فاها لتتحدث لكنها **ت عندما وجدته يرفع كفها ببطء إلى شفتيه يطبع على ظاهره قبلة رقيقة يتأمل ملامح وجهها التي تحولت من الغضب إلى الدهشة من حركته، وعيناها تنظر لكفها بين قبضته، ليرفع رأسه عنها يبتعد خطوتين قائلًا قبل ذهابه : -"ستكون المملكة كلها بانتظارك أيتها الأميرة.. فاليوم الذي ستخط فيه قدميك المملكة لابد أن يكون مميز" تابعت طيفه يبتعد بدهشة من نفسها قبل أن تكون منه!! ما هذه الثقة التي يتحدث بها؟! بل ما هذا الغرور المحيط به؟! منذ متى كانت بذلك ال**ت ولم تجابهه؟! أغمضت عينيها بقوة تحاول كظم غيظها من نفسها.. فلا مفر من الذهاب بل لا مفر منه هو! ************* بين ثلوج الشتاء أوراق الخريف حرارة الصّيف ونسمات الربيع تهرول قدميها إليه هو.. بر أمانها وسُكنها الوحيد.. فتجد نفسها كأنها تحتضن فراشات الربيع ترقص تحت أمطار الشتاء تصافح أوراق الخريف تنتشر لشمس الصيف. صداقة من نوع خاص، كنافذة من زجاج صافِ، تطل منها على حياة فعل المستحيل ليؤمنّها لها، لتأتي لحظات وتشوب الشوائب الزجاج، لكن أبدًا لا يُ**ر، بل تمسح عليه برفق، يتفاهمان بحب ويتحاسبان بجد. -"ســارية.. لا تنسِ أني والدك يا فتاة!" هتف بها بدر الدين بقوة عندما باغتته بحركة مفاجأة بسيفها أثناء مبارزتهما استطاع تفاديها بمهارة. ضحكت متخذة وضعية الاستعداد للاستكمال، وقالت غامزة تمط شفتيها بأسى مصطنع تثير به غيظه : -"أرى بوادر الشيخوخة بدأت بالظهور يا بدر الدين!!" رفع حاجبه باستنكار يناظرها بغيظ، لتبادر بالهجوم عليه تدور حول نفسها، فتفادى هجومها بخفض رأسه، ليلوح بسيفه عند قدمها فتقفز بدورها، ويتبادلان الأوضاع ليقول : -"حقًا هل تريدين القول أنني أصبحت عجوزًا لن أتمكن منكِ" غمزت له بمشا**ة تدير السيف أمامه تستفزه للهجوم فطالعها بغيظ نجحت في إخراجه فأشاح بسيفه أمامها فاصطك الاثنان بقوة وسقوط أشعة الشمس عليهما تنع** في الأرجاء. عادت خطوات للخلف تتفادى ض*باته قبل أن تهوى به أسفل قدمه فقفز ببراعة يدور حول نفسه دافعًا إياها للأمام مشيرًا بسن السيف لها قائلًا : -"مازالت في منتصف شبابي يا فتاة، حتى أنني أفكر في الزواج" -"مــاذا؟!" صرخت باستنكار جاحظة العينين قبل أن تلقي سيفها وتقترب منه فانتابته نوبة ضحك كبيرة على رد فعلها وقد صدقت مزحته وهتفت به : - "تتزوج؟! لن يحدث يا بدر الدين، لن تدخل حياتي امرأة غيري" أحاطها بحنان يضم رأسها بين كفيه مقبلًا جبهتها ، جاذبًا إياها في أحضانه مردفًا بحنان : -"طوال الوقت أشعر أنكِ زوجتي ولست ابنتي" دفعت نفسها في أحضانه أكثر تحيط خصره بذراعيها قائلة : -"وما المشكلة في ذلك؟! أنا كل شيء لك كما أنت كل شيء لي" ربت على رأسها الملتف بوشاح أبيض يرفرف خلفها بفعل الهواء، كعادتها ترتديه عندما تتدرب بالسيف أو تبارز، يعطيها هالة جادة وشرسة كعينيها بلونهما النادر التي أنعم الله عليها بها.. اليمنى بلون الزرع الاخضر المشوب بالأصفر.. يعطي صفاء لمن ينظر إليه وراحة وهدوء. لكن اليسرى بزرقة البحر واندفاعه تجذب الجميع إليها خاصةً عندما تغضب، تجعلك كمن يرى هياج البحر وأمواجه العالية، وكأن الله وضع سر جماله في عينيها. كادا أن يدلفا إلى المنزل، لكن جذبهما صوت أنثوي من خلفهما، ليجداها عائشة صديقتها، ابتسم لهم بدر الدين مرحبًا بها ليتركهما بعد ذلك ويدخل المنزل. نظرت سارية بنصف عين تتأمل وجهها المحمر على غير العادة، لتتأكد أن هناك شيء قد حدث، فتقدمت تلتقط سيفها التي القطه في غمرة حديثها تقول : -"وجهك أحمر.. تفركين كفيكِ ببعضهما بتوتر، وعيناكِ تحوم في كل مكان.. هيا أخبريني ما الذي حدث جعلك في تلك الحالة من الهيام يا عاشقة؟" ختمت حديثها بتلك الكلمة كأنها تسبها بمرح ترافقها غمزة ماكرة لصديقتها التي فغرت فاها بصدمة من كلماتها واندفعت بالض*بات عليها لتعلو ضحكات الأخيرة في مرح تسمع صراخها : -"قليلة الحياء.. عديمة التربية.. أنا المخطئة فأنتِ لا تستحقين ما جئت لأخبرك به" تركتها وكادت أن تذهب فجذبتها من ساعدها و مازالت في نوبة ضحكاتها : -"حسنًا لا تغضبي عيوش أنا أمزح معك. هيا أخبريني ما الأمر؟" كتفت ذراعيها بغيظ وأشاحت بوجهها بعيدًا عن تلك المستفزة لتبتسم سارية وتقترب منها مقبلة وجنتها كي تراضيها فاكتسى وجهها بالخجل ونظرت لأسفل تخبرها : -"لقد جاء محمد لطلب يدي للزواج، ووافق والدي" صرخت الأخرى بسعادة تقبل عليها معانقة إياها بقوة هاتفة: -"كنت أعلم كنت أعلم، مبارك لكِ عيوش" بادلتها العناق تبتسم بحب لتكمل حديثها تشدد عليها في ضمها هاتفة في مرح طفولي : -"عيوش ستصير عروس.. يا للمرح!" ضحكت الأخرى بقوة على تصرفاتها، لينتبها إلى صوت والدها الذي خرج مكتفًا يده يقول : -"من ينظر لتلك الطفلة لن يصدق أنها من كانت تحمل السيف وتبارز منذ قليل؟!" ضمت عائشة من الخلف بقوة توجه حديثها لوالدها بمرح : -"لن أجيبك أبي، فأنا الآن في حالة كبيرة من السعادة ، لنرى هذا الأمر فيما بعد" صدحت ضحكات الثلاثة يدلفون إلى المنزل، وسط مشا**ات سارية لأبيها وصديقة عمرها. ★★★★★ حياتنا عبارة عن صدف منها ال**برة ومنها التي تطبع بال*قل علينا تعايشها بكل ما فيها حتى نستمد منها الأفضل لكن ماذا إن كانت تلك الصدفة سببًا في فتح أبواب الماضي؟! حينها هل ستتحول الحياة إلى الأفضل أم جحيم مستعر! عاد إلى مملكته بعدما مكث في الشرق أيام قليلة بعد الخطبة.. ليجد كثير من الرسائل والبرقيات مصحوبة بالعديد من الهدايا من الملوك والأمراء، مباركين له على الارتباط، ومنهم من يهنئوه على حسن اختياره، فهو قد أخذ الأميرة الأجمل في المنطقة كلها. يجلس مع مأمون في حديقة قصره، يتأمل القصر مبتسمًا يفكر أنه لا يوجد أكثر منه جمالًا وإبهارًا.. بلونه الذهبي اللامع وخاصة عند سقوط أشعة الشمس على جدرانه، يميزه أنه يعلوه أربع قباب، كل قبة في اتجاه من اتجاهات الأرض، لينقسم القصر إلى أربع مناطق.. المنطقة الشمالية بها غرفة الملك وأماكن اجتماعاته الخاصة.. الجنوبية خاصة بمكان خيوله وأماكن تدريبه وتدريب جيوشه وحراسه.. أما الشرقية مخصصة فقط للحرمليك، بها غرفة الملكة الأم المسئولة عن إدارة شئون حريمه وجواريه بجانب أراءها في الحكم وإدارة شئون المملكة بالإضافة إلى أعمالها في الخارج. والغربية بها ساحة واسعة لاستضافة الاجتماعات والمناقشات الكبرى، وأيضًا استقبال كبار الزوار من الملوك والأمراء. استحق اسمه "القصر الذهبي" نظر إليه مأمون يخبره : -"لقد حضر اليوم فتاتان قمة في الجمال يا مولاي" أومأ بابتسامة مغرورة يص*ر ص*ره كالطاووس ، وكأنه حصل على جائزة كبيرة، ليلتفت إليه قائلًا : -"جيد.. أجعل الملكة تراهم لحين عودتي من رحلة الصيد" انحنى الآخر باحترام مرددًا : -"أمرك مطاع مولاي!!" -"كل ما أمرت به لرحلة الصيد قد تم تجهيزه يا مولاي" هتف بها أحد الحراس يقف أمامه منحني الرأس ، كفيه مضمومين فوق بعضهما أمامه. دلفا إلى القصر ليجهزا أنفسهم للذهاب، ثم خرج بعد مدة وقد أبدل ثيابه الملكية بأخرى مناسبة لرحلته التي على وشك البدء.. فظهر في هيئة فاتنة وخصلاته المبتلة ساقطة على جبهته. جعلت أنظار الجواري اللاتي تراقبه من خلف الستائر تتسع بإعجاب، وشهقات مفتونة ص*رت منهم يتبادلن الأنظار فيما بينهن. صعد إلى خيله بخفة وبجانبه وزيره على الخيل الآخر وبدأوا رحلتهما إلى الغابة والتي ستستغرق بضعة أيام، تقع بين مملكته ومملكة الجنوب. انتهت رحلة الذهاب.. فوصل مع مجموعة من الحراس إلى المكان الذي سيخيمون به. استراح قليلًا ثم بدأ أول أيام رحلته للصيد.. أحب هواياته بعد المبارزة وترويض الخيل.. يجد متعته في هذه الأشياء، تجعله يشعر ب*عور لا يوصف ولا يوجد من هو قادر عليه. لا يصطاد أي شيء بل يصب تركيزه على النمور والفهود، ويعود لمملكته بكل شموخ حاملًا إياهم ويجعل حراسه يعلقونها على باب قصره؛ فخورًا بما حصل عليه. في الصباح ارتدت سارية ملابسها ووضعت قلنسوتها فوق رأسها لتغطيته، ثم أخذت مهرتها إلى نزهتها في الغابة، نزهة تحاول من خلالها أن تستعيد راحتها ولو قليلًا. وقفت أمام البحيرة الواسعة التي تعشقها وهبطت من فوقها لتجلس على صخرة نازعة قلنسوتها متأملة صفاء المياه.. في نفس الوقت كان في مواجهة مع أحد الفهود، يمسك خنجره في يده ويدوران حول بعضهما، ينظر لعينه بتركيز، ويبادله الفهد نظراته بزمجرة خشنة. جذب صوته انتباه سارية جعلها تقفز من مكانها وتدور حول نفسها بتأهب واضعة يدها فوق خنجرها تحسبًا لظهور أي حيوان. قفزت فوق مهرتها عندما عاد الصوت من جديد، لتسير مبتعدة عن المكان.. لكن أوقفها ذلك المشهد.. فهد أ**د بأعين زرقاء كاشرًا عن أنيابه البارقة أسفل أشعة الشمس المتسللة من بين الأشجار العالية.. يدور حول رجل عارِ الجزع.. ضخم الهيئة خصلاته طويلة تصل لكتفه يضمهم للخلف إلا من خصلات تلتصق بجبينه المتعرق.. لحيته كثيفة فظهر بمنظر شرس على الرغم من الألم البادي على وجهه. ممسكًا بذراعه الذي ينزف بفعل هجومه عليه، يتبادلان الأنظار بقوة وعيني كل منهما تبرق بشدة وتحدي. عقدت حاجبيها بتفكير متمعنة النظر إليه بتركيز تريد التعرف عليه.. لكنها جحظت بصدمة عندما رأت الاثنان كادا أن يهجمان على بعضهما لكن خنجرها كان الأسرع، حيث استقر في رقبته جاعلًا إياه يلقي مصرعه في الحال.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD