02| غياهب اللقاء.

2688 Words
إصابة روح، الفصل الثاني بعد الصّفر - أتريد الخلاص بيكهيون؟ مُت بجيـنا ! - لا أدري أيُّكما أسوء.. أهي حقيقة أنِّي لم أكُ أموت إلا في قربكِ؟ أم حقيقة أنِّي لازلت أموت حتَّى ببعدكِ ! - •فبراير من عام 2015• حين قرّرت ترك كلّ شيء خلفي والالتحاق بالجيش ظننت أنّي كنت قد وضعت لكل شيء نقطة في نهاية السّطر، لكن غفلت حينها أنّها كانت بداية ونهاية كل شيء في الآن ذاته. -كنت جاهلةً كفاية كي أغفل عن الموت الذي كان باِنتظاري- بالرّغم مِن أنّي تنبّأت بأعماقي أنّها ستكون اللّفة الختامية وعدّاد عمري اقترب من نهايته. فكرت كثيرا، وأصبح التفكير كلما أجيد في حالات اللاوعي التي أشغلها حتى وإن كنت بكامل وعيي. أرى خُطوط الغيم تتقاطع لتلتقي من جديد، وأؤمن بداخلي أنّ ما خسرته يوماً سيعود بحلّة أفضل ولو كان ذاك الإيمان ضعيفاً بداخلي. أعلم أنّي لازلت أرى الدنيا ببصيرة من غشاوة، لكنّي لازلت قادرةً على إبصار ما تخفي بين براثنها. كحبّات الغبار التي لا تُجيد شيئاً سوى تعكير صفو الهواء تبقى تلك الشوائب أسفل تحتيّة القدر تنتظر ساعة الوعد. وكلهفة اِنتظارها لتُدمّر اِستقرار حياة ربّما حملت تحت طيّاتها العلل، بقيت أنا أتلهّف رجل القدر أن يستدير نحوي... أن ينظر بزرقة عيني ويتفحّص الأسرار التي حملتها وهمّي سويّاً.. أريه كم أنّ السنتين الفارطتين منذ رحيلي كانت مجحفة بقدر آلاف من قرارات الحياة وأحكامها التي سَنّتها بحقّي. أنا لم افقد الأمل، لازلتُ أقف على قيد الحياة أُريق دماء صبرها بإرادتي. -علمت أنّي إن وقعت لا يد ستمدّ نفسها لمساعدتي - الفتاة التي كانت تقف يوماً بقربي، شقيقتي التي لطالما منحتني من شرارة الصّبر ما يُدفئ داخلي ولو قابل ذلك اِنطفائها في سبيل اِشتعالي. نفسها التي خسرتها يوم غرقت بالنهر وأفلتّ أناملها من بين أناملي. ذلك الحب الذي زارني في لحضة سهوه فحسبته سيدوم دهراً فاجأني بغرار حياتي وكانت الصدمة صدمتين لقلبي. إن لم تقتلني خيانتهما ليلتها فهي جعلتني أشدّ صلابة من ذي قبل، والمحكمة التي تُسقط أحكاماً لا رجعة فيها بداخلي لازالت لليوم تسير بحكم أنزَلَته عليهما يوماً. أنا لست قاسية، أنا أحترم الصواب واُسقط الخطأ من محضري، إن كان هناك بي سوء فهو إن أنا أحرمت على نفسي شيئاً لن يُحلّه بنظري سبب ولو قاتلت الموت في سبيله. مرّت الأيام هنا ولا أستطيع تحديد إن كانت للأفضل أم للأسوء، لكني أعلم جيداً أنّي فقدت شيئاً لن أستعيده. عاطِفتي لجي يونج اِندثرت مع كل يوم قضيته بعيدةً عنهم.. أكان ذلك حبَّاً حتَّى؟ كلَّا، لم يكن كذلك أبداً.. قلبي لطالما اِحتوى حبا واحداً ما حييت، وحين جاء جي يونج لم يجِد قلباً ليحتويه.. لأن قلبي بالفعلِ لا ينتمي إليّ أو إليه ! والدتي لم تسأل عنّي ولم يخطر ببالها أن تستفسر أحوالي. أعلم أنّي لم أكن أروق لها منذ صغري، لطالما أفصحت أنّي أُشبه والدي لكنّي اِلتمست الكذب بكل كلمة تقولها. أنا لا أشبه والدي أبداً، شيء ما يخصّ خالتي يزعجها وأمر شبهي لها يزيدها اِمتعاضاً. بالرغم من أنّي و يونا توأم وأمر الشبه بخالتي يشملنا سوياً، إلا أن أمي اِستثنت يونا من مشاعر الكره التي تكنّها لي. وكلما تخطّيت مرحلةً عمريّة معينة اكتشفتُ أنّ تلك المشاعر السلبية تتعلق بشخصيتي لا بشبهي لها. حين كنت طفلة و أسمع حكايا والدي عن خيانة والدتي له لم تتّضح الصورة بمخيلتي المحدودة وقتها. كانت التساؤلات ببالي كثيرة وأذكر أنّي لم أكن أفقه كلمة خيانة حتّى ! تودّدت تاي كثيراً ليخبرني معناها، قصصت عليه ما سمعت من والدي فكان في كل مّرة يعتكف و يتعمّد تضليلي. حين كبرت علمت كم كان من الصّعب عليه سماع ما كنت أخبره به، وكم كان عسيراً عليه إتقان الجهل في حين يعلم ما كانت ترمي إليه أسطري. في السنتين الفارطتين أيضاً تدرّبت بجهد وأصرّيت أن لا أبقى على حالي.. كانت العوائق كثيرة أجل، وتعدادها أصعب من تجربتها لكني نجحت. كانت قيادة البعثة كالحلم الذي تحقّق في عزّ ليلة صيفية إلا أنها اِكتملت وتحقّقت. قال الكثير أن مجندة لا خبرة لها غير جديرة أن تكون قائدة لكنّي فعلت. -جعلت من ترّهاتهم عنّي تردّ عليهم فأسكتوها بأنفسهم- واليوم على نفس الساحة التي سقطت فيها وعلى كفّ يدي صنعت من ضُعفي حبلاً أخنق به المتاعب وأنفيها خارج محضري أنا أقف، على يميني نجمة وعلى يساري مثيلتها. ثمرة النجاح حلوة، رغم أنّ المرارة سبقت إلا أنّها اِندثرت بحضرتها. ثنيتُ قدمي ورميت على اِنطوائها ثقل جسدي، أضمد آخر جرح على قدم طفل كانت آخر هجمة شُنّت على هذه المنطقة قد أدمت الكثير من جسده. هذه المنطقة بالتّحديد وضعها غير مستقر ألبته، وفي سبيل إخماد تلك الحرب المشتعلة يموت الكثيرون. أصبح ذكرها كالسّم بكيان سامعيها وكأنّ كلمة أوروك باتت البطلة بأحلام الناس المرعبة. -أوروك هي مدينة نائية تقع في هامش شبه جزيرة البلقان- نحن هنا -بأشدّ المناطق عزلة بمدينة أوروك- منذ ثلاثة أيام رابعها يكاد ينقضي، كل البعثة التي اُشرف عليها تطوّعت للمساعدة. بقائي هنا جعلني أوقن أنّي لست الوحيدة التي تعاني في هذا الكون، رأيت أنّ الكفاح بداخلي أقلّ عسراً من الكفاح في خضمّ حربٍ لا تحدّد الحق من الصواب ... فقط من بقي على قيد الحياة لتزهقه. رفعتني نحو الصغير ومسحت على شعره أهديه اِبتسامة صغيرة. -عليكَ أن ترتاح لمدّة أقلّها أسبوع، لا تضغط على قدمك كثيرا الحرب هنا لم تكن بفعل أيادٍ خارجيّة بل صنعتها أيادي سكانها وأقامت حفلة دماء على شرف الأبرياء. تناحروا فيما بينهم حتى حلّ الرُّعب بهذه المنطقة بالتحديد، وجودنا هنا كان نتيجة لعزلة المكان عن بقية المناطق. المجيء لم يكن إجبارياً ونحن خدمنا هنا لمدة سبعة أشهر. تسألون لما قد نرمي بأنفسنا في التهلكة بإقدامنا على المجيء؟ الإجابة بسيطة.. ذلك الطريق كان على أحدهم قطعه ! و إن كان من المحتّم علينا الموت فلنمت بشرف -ذلك كان مبدأي- اللغة لم تكن عائقاً أيضاً-على الأقل بالنسبة لي- تتعدد اللغات هنا لكن أغلب من يعيش على تلك الأرض يتقن اليونانية، ولأنني أفعل تواصلت معهم جيداً. لاحظت أننا لسنا الكوريين الوحيدين هنا، فئة من المجندين الذي يخدمون في الصفوف لسنتين جاؤوا هنا بعد قرار البيت الأزرق بإرسال مساندات للمناطق التي تأذّت بشدّة-وأوروك واحدة منها- دقّت أجراس المعبد أعلى التل ونثرت على سيمفونية الألم المحيطة بالمكان جوّاً مغاير. أفسدت الأجساد اِنطوائها على الأرض حتّى المصابين منهم وكانت وجهتهم واحدة. -مالذي يحدث؟ سمعت همس مين يونج بقربي فأدركت أنّها لا تفهم شيئاً-ومنذ متى تفعل أصلاً؟- -وقت الصلاة لربّما مالت برأسها يساراً واِندثرت معالم الحيرة بعد إجابتي فأيقنتُ أنها ستقول شيئاٍ لن يروقني -ألا يعبد أولئك القردة، الأصنام، وماشابه ذلك؟ قطّبت حاجباي لثانية ثم بدّدت غشاوة الغضب من على ملامحي، هي لن تتغير وإهدار غضبي عليها لن يأتي بنتيجة -لنذهب تلمّست حقيبة الإمدادات بكفّ يدي ثم قاسمتها مع الهواء حيّزاً وأدخلت ذراعي الأيسر بفجوة ذراعها لأحملها جانبياً. -إلى أين؟ -إلى المعبد، سأقوم بالتبرع بكِ لتصبحي راهبة ! جفلت للحضة واِكفهرّت ملامحها بالسُّخط حين اِلتمست السخرية بنبرتي. هزّت رأسها باِستسلام وحملت حقيبتها لتلحق بي ومن خلفها جميع من أتى معنا منذ ثلاثة أيام. لم يكن المعبد ببعيد وإقدامي على بلوغه كان بسبب أنّ معظم السكان الذين تعرّضوا للأذى يبقون هناك، سيتسنّى لنا إيجاد المزيد من الضّحايا لمعالجتهم قبل رحيلنا. وقفت على عتبة أسواره أتأمَّل زخرفة المكان، ذلك كان الجزء الوحيد الذي سلم من الخراب، ربَّما مازال بقلب البعض قليل من الرحمة كي لا يمسُّوا المعابد بالأذى. كان كبير الحجم يتربَّع على مساحة معتبرة من التل، أسواره عالية وعلى علِّيته تقوَّست التقاطعات لتنحني وتنفرد مرَّتين بشكل جميل. أحببت كل شيء به ما عدا الأنات التي كنتُ أسمعها من المصابين الذين كانوا كما توقَّعت تماماً يبقون بالداخل خشية حدوث هجمة أخرى. معالجتهم كانت شاقَّه والكثير منهم على وشك بلوغ مرحلة الإلتهاب، الشُّكر للأطباء الذين رافقونا ومن حسن الحظ أيضاً أننا خضعنا لتدريبات أوليَّة قبل المجيء. تحسَّستُ القشعريرة بعد أن لامست أنامل مين يونج الباردة بشرتي، اِستدرت إليها ونفضت الجراثيم عن يدي بعد أن مسحتها بالمعقم. أشارت إلى المصابين الذين يجثون على عتبة جدار نصفيّ في الجهة المعا**ة، يطوون أقدامهم أسفلهم ويتضرَّعون بأيد متشابكة لتمثال داخل القاعة. -أيظنُّون أنَّ تلك التماثيل يُمكنها سماعهم؟ سألت بشيء من الإمتعاض وبداخلها أدرك جيداً أنها تستعصِ تصديق تلك الأشياء -نحن أيضاً نفعل يونجي... نحن أيضاً لم يطل صمتها طويلاً كما توقّعت تماماً، بمخيِّلتها الصغيرة التي تُصوِّر لها أنَّها تفقه كل شيء هناك ثغرات كثيرة، ودوما أكون ضحيَّة أسئلتها و اِستفساراتها العقيمة. -كيف نكون مثلهم ونحن نعتكف على إتِّباع عقيدة واحدة؟ لففت الشاش الأبيض على رأس ذلك الصغير والذي سرعان ما اِنتشى البياض به ولوَّث تعانقه الأحمر القان. جرحه لازال مفتوحاً ويحتاج خياطة لكنّي عمدت لبعض المطهرَّات ريثما أحصل على عدَّة الخياطة. -صدقيني نحن نعتنق كلَّ شيء ما عدا معتقداتنا يونجي أطرفت بينما أفكُّ تعانق وانطواء قدمي ورحت أجول في المكان أبحث عن عدة الخياطة. و كطفل يقتفى نهاية مفتوحة لأسطورة بحتة كلما اِعتقد أنَّها انتهت ضهر سطر جديد اِتبعتني مين يونج بينما تحمل معها دفتراً وقلماً. -عادة لن تتغير ولن تقلع عنها، تظهر كلمَّا دار حديث حساس بيننا- -وكيف ذلك؟ تنفست بعمق بينما أحمل العدَّة بين تعانق كفّي وعدت أدراجي نحو الطفل الذي تركته يتقعَّد الأرضية ومن تحته لحاف أزرق. -ستؤلم قليلاَ لكن إن كنت طفلاً جيداً ولم تُثِر جلبة سأكافئك سمحتُ لشبح الإبتسامة أن يشقَّ له حيِّزاً على جدار شفتيّ ومسحت على شعره بخفة.. الأطفال أبرياء وأصغر الهدايا تكون كالنعيم ببصيرتهم المحدودة. أحيانا أتمنَّى لو يُقلب الكبار صغاراً ويروا كم أنَّ تلك الحياة فانية ولا تستحق تلك الجلبة، ربما وقتها فقط ستنتهي كل مشكلة عويصة أحرمت على نفسها الحلول. أومأ لي بابتسامة نقيَّة بينما يشدُّ على طرف اللحاف فور مباشرتي إزالة الشاش الأبيض، أحسست بتحديقات مين يونج تخترقني فعلمت أنَّها مازالت تبحث عن أجوبة -نحن نعتنق المساوئ مكان الدين يونجي، والعقائد التي وُضعت على رفات الصواب اِنتشت من بقاءنا على ملَّتها تمثيلاً لا حقيقة ضغطت على طرف شفتي السفلية واِزدردت ل**بي بقسوة، رؤية الصغير يتألم لحضة غرزي للإبرة على صفحة جبينه مشهد لا أحد يرغب برؤيته، نفضت سهوتي وعزمت أن لا أتوقف كي ينتهي الألم بسرعة.. عقدت طرف الخيط على آخر الجرح وقطعته بعد اِنتهيت، بياض جبينه اُفسِد ببشاعة الجرح، سيبقى طويلاً و سيترك ندباً، لكن الجانب المشرق أنه لم يلتهب ولا مضاعفات سلبية.. في النهاية حياة بندب أفضل من اِنعدامها ! أعدت العدة مكانها ونظرت نحو مين يونج التي بتُّ أرى نصف ملامحها بسبب خصلات شعري التي تمرَّدت ودسَّت رؤيتي ببعض من الضبابية، وبنصف طرفة من زاوية عيني أردفت : -مهما أتقنَّا التمثيل أنَّنا نعتنق الدين تبقى حقيقة الزِّيف واردة، نحن أسوء من أن نعتنق ديناً يونجي و الدين أرفع من أن ننسبه لأنفسنا، سيكون لنا فقط حين نتعلم حبَّه عن إرادة ! اِكتفيتُ بذلك القدر لأنِّي لو تكلَّمت مزيداً هي ستغرق أكثر فأكثر ولا شخص غيري مسئول عن إخراجها. مشيت نحو الخارج بعد أن اِتَّفقت مع نفسي على الراحة قليلا لأني متعبه والعمل بوضعي قد يؤدي بي لاِرتكاب أخطاء كثيرة. تنفَّست بعمق وأدرت زاوية عيني نحو الجهة التي كان الناس يتعبَّدون فيها سابقا، انتفضت دواخلي بعد أن سهت طويلاً على نفس النقطة حين اِستشعرت كَفَّ أحدهم على كتفي... كانت امرأة على مشارف اِنتهاء عقدها الخامس والكِبر مع العمر حفر بها حتَّى شبع -لا تتردَّدي كثيراً، يمكنكِ الدخول إن أردتِ فصلتُ تعانق عدستي بخاصتها وفكَّرت مليّا قبل أن أردّ عليها : -أنا مسيحية رأيت في ذلك اختصاراَ لِما أردت قوله، في النهاية ذلك مكان لعبادة آلهة أخرى.. أبصرت جانب شفتها الأيسر يرتفع ولم يدم الأمر طويلاً حتى رافقه الجانب الأيمن في ذلك، بين تقاطع التَّجاعيد في ساحة وجهها هي ابتسمت وعلمت أنها أكثر حكمة من أن تتوقف بنقطة كتلك -قد تختلف الأسماء وقد يضيف الناس مِما يشتهون عقائد تحت إسم الدِّين مع مرور الزمن، نحن لم نكن هناك لنجزم أنَّ كل معتقد صحيح أو أنَّ كل عقيدة خائبة، نحن نتَّفق فقط أن جميعها يستدرج جزءً فينا، فإذا كنَّا نعتنق ملَّة لا نثق فيها ألن يجمعنا مكان واحد ولو اِختلفت العقيدة؟ نظرت من خلفها إلى الأفق الذي يكاد ينطبق على نفسه ولويت الأفكار بداخلي أعتصر أفضلها، لطالما رأيت أنَّ الأديان معقدة لكني لم أكن لأجهر بشيء كذلك، خصوصاً بمكان مِلئه اِختلاف المِلَل -أتخبرينني الآن أنَّك لا تعتنقين عقيدة محدَّدة؟ سألت وبجوفي كلِّي ثقة أنِّي سآخذ إجابة هذه المرة لا أعطيها -أنا لن أعتنق إلا ما أراه صائباً، وإلى أن أجد ما يُسكت كل صوت يهتف بداخلي ويشير إلى المساوئ والنواقص سأصلِّي كل يوم إلى إله أجهل اسمه، ولأنِّي كلِّي ثقة أنَّ من خلقنا أرفع من أن أنكر وجوده سأنتظر أن يعثر عليّ قبل أن أجده ابتسمت لأولِّ مرَّة منذ سنتين خلت ابتسامة حقيقية لا ردَّ مجاملة، لامست كلماتها داخِلي وعلمت أني وإن وقعت ببحر الحيرة سأجد مجيباً أدركت أيضاً أن بعض الأسئلة لا تحتاج بحثاً بل تبتغي اِنتظاراً ! قطعت مسافة بيني وبينها لكنِّي ارتأيت أن أستدير في اللَّفة الأخيرة -سأصلِّي له... الإله الذي سيجدكِ ويجدُني ! - جُلت الأروقة التي تفصل بين الساحة ومكان العبادة، رأيت النِّساء تحتجبُ حرمة خصلات شعرها تحت ستر قماش موحَّد كان قد علّْق على الجدار تماماً بقرب المدخل.. تلمَّست بأناملي ذلك القماش على الحائط و تفحصته بحدَّة عدستي مرات عديدة قبل أن أجزم أمري وأتناوله. بع** ما توقَّعت هدأ وقع النسيم على خصلات شعري التي لم تَسكن بمكانها منذ دخلت.. سكنت بهدوء تحت حرمة القماش فلففته على النقيض المعا** فوق كتفاي. دخلت المكان وكان بع** ما تخيَّلت بسيط للغاية لكنه منفرد بنفسه في الآن ذاته، الزخارف ليست بمختلفة لكنَّها أقلُّ لمعاناً وأكثر اِحتشاماً رأيتُني الوحيدة التي تقف لكنِّي كنت أجهل ما هي الخطوة القادمة. إتَّبعت حدسي وجُلت بين الأروقة أين كان الناس يمرُّون صفّاً طويلاً حول جدار به أشكال هندسية أشبه بالأسطوانة، لكنَّها بع** الجماد ليست ساكنة، كانوا يدفعونها بيدهم الحرَّة لتدور حول نفسها. السُّكون كان غريباً وكأنه كان الشيء الوحيد المسموح به في بؤرة المحارم. -ذلك كان ما جهلته- يومها حين وقفت أتَّبع ما يفعلون لم أكن أعلم أنّ بيكهيون كان خلفي ويبعث الحياة في كل مكان شاغر كنت قد خطوت عليه لمرَّة.. و في مرحلةٍ ما أردتُ أن أستدير بغية اللِّقاء.. لكن كان بيننا ألف ميل وهميِّ بنَته فينا خيانتي له.. حين وقعت بالحبِّ للمرَّة الأولى أنا لم أدرك حينها أنَّه كان حبَّاً لن ينتهي ما إن أنا أعدو خارج حدوده، ولم أدري أيضاً أنِّي كنت أركض بداخِله ولم أغادره يوماً و حين وقفتُ أربط خيط أمنياتي على الخشبة في آخر الرواق وقف هو في اللَّحظة ذاتها. عيناه كانت فاتنة كما اِعتادت أن تكون، لكنَّها لم تتعدَّى أن تكون فتنة متخصِّرةً بالألم، و لم أرنِي داخِلها.. أين الأنا التي كانت تسكُن عينيكَ بيكهيون؟ وبينما أربط الخيط في جوف الإطار الخشبيِّ القائم حاجِزاً بيننا قابلني هو -بيكهيون- دون اِستحياء يتلَّمس ظاهر إصبعي، كانت لمسةً عفيفة لا دافِع لها أيقنتُ جيِّداً أنَّ بع** خواء عينيه منِّي كنتُ مُمتلئةٍ به، وأدركت أيضاً أنَّ الحبَّ الذي كنَنتهُ لازال حيَّاً لم يمُت.. و بيكهيون اِبتسم، على طلعة عينيه لمعةٌ فريدةٌ تُواري خفوت اللَّون العسليِّ بمُقلتيه، أخذ منِّي الأمر وهلة لأغيب.. و لم أدري برحيله سِوى حين عُدت أغرق إلى الفجوة التي كنتُ فيها - كانطباق الأفق على نفسه واِنطواء الغيوم تحت علِّية السماء وقف هو يتوسَّط الساحة التي خلت من البشر اِنسدلت غرَّته على جبينه ولحِظتُ تعانق ذراعيه أسفل ص*ره، تُعانِق صفحة ص*ره بذلةٌ عسكريَّةٌ وخوذة كانت قد سكنت بقبضة كفِّه اليُسرى والتي حدث أن كانت مدفوعةً إلى جانب خِصره. شيئٌ ما بي كان يصرخُ أن أبتعِد، ربما لأن بيكهيون اليوم خواءٌ منِّي، وربما لأنه لم يعُد يظهِر العاطفة لي كما اِعتاد أن يفعل.. اِستكانت على مُضطجع شفتيّ اِبتسامةٌ ذاتُ رِفعة، رِباط حذائه مفكوكٌ ومحجوب داخِل هيكل الحذاء الصَّلد.. بيكهيون من الأمس لم يكُ يربط خيط حذاءه أبداً وجينا من اليوم سقطت إلى الأرض لتفعَل ما اِعتادت.. تداركت الخيط بمثيله بين اِلتحام أناملي وطويت الأربع تاركة الخيط يتمايل بين سبابة يداي الإثنتان. بيكهيون أنتَ ثابتٌ على مِحرابٍ من النَّقائض، كلما ظننت أثبت لي أنَّني خِبت ! Writer : أماطت جثوتها إلى زاوية الماضي حين اِستقامت وظلَّت مُقلتاها بحالة الرُّكود لوهلة، خمس سنواتٍ مذُّ آخر لقاء.. ولم يكُ لقاءً حميميّاً أبداً جينا حين هربت إلى هنا لم تدري أنَّ بيكهيون قد يعود، ظنَّت كثيراً.. وكثيرٌ من ظنونها خابت زفرت الأنفاس طلوعاً من ص*رها وأعلت عيناها عن الأرض لتراه، عيناه ثابِتتان بخيلاءٍ عليها، نديَّتان تكادان تذرِفان سِوى من كبرياء رجلٍ لن يُسرِفها على اِمرأة، اِمرأة كان يعشق..! حمل يده الحُرَّة عن جثوة السُّكون و حطَّ حِطاطها بالقرب من وجهها، ما حظِيت سِوى بتلامسٍ يكاد يُكنَّى تلامساً من فرطِ الاِبتعاد. حجب عينيه أسفلِ جفنيه وجمَّد يده على الشاكلة التي كانت عليها، تكاد تلمِسها والفلك المحجوز بينهما يحتضنُها.. كان هناك صوتٌ يهتِف بداخِله، ماضٍ لن يغدو ماضياً أبداً -ظننتُ حقَّاً أنِّي عنيتُ لكِ بقدرِ ما فعلتِ همَس كلَماً مُقفَّاً بالألم يداه مجموعتان في عناقٍ حميميٍّ تُسنِده ركبتاه المُتفرِّقتين، كذلك غرَّته تحجِب جبينه وكذا عينيه.. جلَّس الغصَّة المُستكينة في حُنجرِته وغمغم بِما هو أشبه بالاِختناق : -لكن يبدو أنَّ حبَّنا حربٌ وهميَّة لم تقُم من الأساس، لم تقُم سِوى بداخِلي ! حين ظنَّ حقاً أنَّها ماتت منهُ أثبتت له أنَّ الحياة فيها تصحو، وهاهو ذا يردعُها عن العبثِ فيه رُغم أنَّها نجحت، بوداعٍ كلَّ ما فيه من جُحفٍ رغبةٌ ملحَّةٌ للقاء -وداعاً ! اِستدار إلى ناصية اليمين ومشى على بُعدٍ قريبٍ يكاد يصير اِلتصاقاً من زميله، هو الذي همهم له يسأله من تكون المرأة التي وقف بقُربِها فنبتت شبه اِبتسامة باهتة على شفتيه وقال : تلك المرأة التي كنتُ أحب !
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD