بعد قليل أنزلها ليل بمكان بعيد عن الشركة بشكل نسبي لكي لا يراها أحد وهي تركب خلفه نظر لعبوس وجهها وقال "لم نتأخر استرخي قليلا فأنت متوترة أكثر من اللازم" ردت عليه بغضب "كل هذا بسببك، هل هذا مكان تأخذني إليه؟ ولكن الخطأ مني أنا أني سرت خلفك كالبلهاء" ابتسم يحاول أن ينسى قلبه المقبوض منذ البارحة وقد ازداد انقباضا بعد حديث رونينا وقال "ظننت أنك ستستمتعين فالفتيات يعشقن هذه الأمور"توسعت عيناها بجزع وهتفت به "من الكاذب الذي أخبرك بهذا؟ هل تأخذني إلى بيت الرعب وتظن أنني سأستمتع؟ أنت مجنون حقا"أمسك أصابع يدها بشدة تمتزج بالحنان وقال "أعلم أن ما حدث كان جنونيا لكنني ظننت أني سأجد لديها أي شيء يبث بداخلي القليل من الراحة" ضحكت سمراء وسألته "وهل وجدته؟ لم أفهم لماذا جعلتك أنت البحر وأنا الريح والعواصف مؤكد أنك ضحكت سرا" رفع أناملها يقبلها برقة وهمس بعبث كطفل "هذا لأن سمارتي عاصفة على الدوام وأتمنى لو تبتلعني بداخلها فنكون معا إعصارا مدمرا" غمز لها فتوسعت عيناها بإدراك لعبثه وسحبت يدها بفظاظة تقول "سأرحل أيها الوقح"سارت بضعة خطوات ثم التفتت إليه وقالت للمرة الثانية "فقط وقح أنت وقح" ضحك بشدة وناداها وقد ابتعدت قليلا "سمارة" التفتت إليه بغضب فقال لها "لا تخرجي هذا الوقح من قلبك مهما حدث" تركته ورحلت تدك الأرض بشدة من دقات قلبها التي تحررت لتض*ب ص*رها بجنون، وصلت إلى مدخل الشركة ف*نبهت لصوت هاتفها فأخرجته من الحقيبة لتجد رسالة منه كتب بها
علمني حبك.. سيدتي
أسوأ عادات
علمني أفتح فنجاني
في الليلة آلاف المرات..
و أجرب طب العطارين..
و أطرق باب العرافات..
علمني ..أخرج من بيتي..
لأمشط أرصفة الطرقات
و أطارد وجهك..
في الأمطار ، و في أضواء السيارات..
و أطارد طيفك..
حتى .. حتى ..
في أوراق الإعلانات ..
علمني حبك..
كيف أهيم على وجهي..ساعات
بحثا عن شعر غجري
تحسده كل الغجريات
بحثا عن وجه ٍ..عن صوتٍ..
هو كل الأوجه و الأصواتْ
أغمضت عينيها لدقائق تستعيد روحها التي تفقدها كلما كانت معه وشعرت بحبه ولا تعلم أنه كان ينظر للسماء في نفس اللحظة كأنه يسألها ما الذي يحمله القدر؟
تقف بردهة المشفى ترتجف بخوف وهي تسمع صوت صراخ نزار فهناك رصاصة قد **رت له ضلعه وبمجرد أن يختفي أثر المسكن يكون وجع العظام قاتلا ويجعله يصرخ كالأطفال، هاتفت مؤمن فأخبرها أن أمامه ساعة ليصل إليها فهاتفت حذيفة الذي أخبرها أنه سيكون عندها خلال دقائق، رفعت هاتفها لتطلب سمراء متجاهلة كل الرسائل التي تأتيها من أسد فلا ينقصها رعب ... تشعر بأنه سيعبر لها من الهاتف ….. الأيام التي قضتها برفقة نزار دمرت أعصابها وأي قدرة لديها على التحمل، لكن هذا لا يمنع أنها لا تتوقف عن التفكير به ولا يتوقف قلبها عن الاشتياق له ورغم ذلك لا تستطيع تحمل جنونه فهي أجبن من أن تواجهه ف*جل كأسد عنفه في الحب مرعب، لم تجبها سمراء فهمت أن تعيد الاتصال حين سمعت صوت أقدام تقترب منها ليظهر حذيفة يحمل طفلة صغيرة بين يديه و حقيبة أطفال على كتفه ويتقدم نحوها بملامح ممتعضة فسألته "من هذه الجميلة ؟" وضعها حذيفة فورا بين يديها بهدوء وقال "ابنة صاحبي، والدتها قد توفيت منذ شهور ووالدها يقوم بعملية خطيرة وتركها معي هي والمربية التي تهتم بها، لكنني طردت مربيتها بالأمس" نظرت عزيزة للفتاة بعطف وقالت "حبيبتي مازالت صغيرة، هل سينجو والدها؟" همس لها وهو يزيح الحقيبة عن كتفه "أظن ذلك" تمتمت "الحمد لله " ثم سألته "ما اسمها ولماذا طردت المربية؟ فيبدو أنك لن تستطيع الاهتمام بها بمفردك" رد عليها بإرهاق "اسمها رحيل، طردت المربية لأنني عدت إلى المنزل بالأمس فوجدتها قد دعت صديقها إلى المنزل وقد ….. **ت فجأة بخجل وقال "أنا آسف هل يمكنك الاهتمام بها حتى أجد لها مربية جديدة؟ فقد تواصلت مع مكتب التوظيف اليوم" ضمتها عزيزة وقالت بخجل "لا بأس لكن نزار …..قاطعها قائلا "سأدخل لأراه ….انتظريني هنا" جلست عزيزة على أحد المقاعد بالممر لكن رائحة رحيل التي ظهرت فجأة جعلتها تحمل حقيبتها وتتوجه بها إلى الحمام.........
مرت نصف ساعة وهي تغير ملابس رحيل وعندما انتهت حملتها وتوجهت لغرفة نزار فوجدت حذيفة يقف على الباب ويسالها بقلق "أين كنت؟" ردت عليه بتوتر "كنت أبدل ملابس رحيل، ما أخبار نزار الآن؟" رفع حاجبه وكأنه يفكر في شيء ما وقال لها "لقد هدأ قليلا ادخلي إليه وأنا سأذهب إلى طبيبه لنتحدث حول حالته وسأعود إليك، هل تحتاجين شيئا لأحضره لك؟" هزت رأسها وقالت "لا" فرد عليها حذيفة موضحا "أقصد لها "ابتسمت له بهدوء وقالت "لا تقلق عليها إنها بأمان وإذا احتجت لشيء سأخبرك " قال لها براحة "حسنا شكرا لك" ثم تحرك مبتعدا فدخلت الغرفة تنظر لنزار بحنان وهي تسأله بمزاح "ما أخبارك يا بطل؟" ابتسم لها بإرهاق بالغ وقال "أي بطل وأنا كل يوم أصرخ مثل الأطفال" نظر ليديها وسأل بابتسامة "من هذا؟" اقتربت منه وجلست على طرف السرير تحاول مسايرته لعله ينسى آلامه قليلا تقول "إنها الآنسة رحيل، سلمي يا رورو على عمك نزار" ابتسم مجددا ومال يقبلها قائلا "يا إلهي إنها ملاك وردي صغير انظري إلى جمالها" مررت عزيزة أصابعها على رأس رحيل ذات الشعر الذهبي وقالت "مؤكد أن والدتها رحمها الله كانت رائعة الجمال" نظر نزار لرحيل بحزن وسأل "هل والدتها متوفاة ؟" فأجابته بحزن "نعم ووالدها يقوم بعملية خطيرة وتركها مع حذيفة أمانة فيبدو أنه ليس لديه أحد" همس نزار بشفقة " فليكن معه الله ليعود من أجل هذا الملاك" فتحت رحيل عينيها فجأة ليشهق نزار بذهول "ما شاء الله...ما شاء الله …. لقد عشقت تلك الفتاة" ضحكت عزيزة وهي تنظر للأعين الزرقاء بشدة وأكدت "للصراحة هي تستحق أن تعشق مؤكد سيكون لد*ك يوما مثلها" رد عليها نزار بابتسامة جميلة " نعم أريد خمس فتيات مثلها لكن يملكن وجنتين ممتلئتين كوجنتيك " ردت عليه بضحكة "فعلا لكن رحيل تمتلك أيضا وجنتين جميلتين ألا تراهما؟" مد نزار أصابعه نحو وجنة رحيل التي كانت تلاعب أيديها وأرجلها بالهواء وقال "هذه الفتاة تحتاج إلى تغذية لتكتسب خدود ممتلئة لأعضها كما كنت أفعل بك وأنت …...قاطع كلامه صوت غاضب لأبعد حد لكن لم يشعر بهذا الغضب سواها "وهي ماذا؟" رفع نزار عينيه إلى أخيه وقال بسعادة "أسد متى عدت؟ حمدا لله على سلامتك" انتفضت عزيزة واقفة وضمت رحيل إلى ص*رها كأنها درع حماية من نظرات تكاد تحرقها أو تصيبها في مقتل، وقف أسد كالمستنزف ينظر إليها بخلطة مشاعر غريبة، غضب غيرة حزن قهر جنون، فقد ترك كل شيء وراءه وجاءها يجري كطفل خرجت وحوش أحلامه لتطارده ويحتاج لحضن دافئ يشعره بالأمان، كان يعد الساعات كما لو أن حياته توقفت على قربها أرسل لها أكثر من مئة رسالة يتوسل إليها أن ترد فهو يحتاجها حد القهر الذي يسكن روحه لكنها لم تنظر حتى للرسائل، لم يذهب إلى القصر بل جاء إلى المشفى مسرعا ليراها كان يجاهد للوصول إليها ليجدها تجلس هانئة وتبتسم بسعادة وتسمع الغزل بص*ر رحب وكأنها تركته خلفها ليموت، تقدم إلى داخل الغرفة ببطء وتوجه نحو نزار وانحنى يقبل رأسه وعيناه تحاصرانها وقال له " لقد جئت من المطار إلى هنا كنت قلقا عليك لكن يبدو أنك بأحسن حال" كان الكلام موجها لها لكن بنظرة تهديد فبلعت غصة في حلقها حين قال نزار "لا تقلق عليّ فعزيزة لم تتركني أبدا…. لقد اكتشفتُ أنني كنت نائما منذ زمن، لقد تغيرت مئة وثمانين درجة وسألقبها بصاحبة أفضل جلسة كما كنت ألقب صغيرتي رحمها الله" أسدل أسد جفنه بحزن لذكرى تولين يدعو لها بالرحمة ثم رفعها بغضب نحوها كأنه تحول لإنسان آخر وقال "حقا!! ….صاحبة أفضل جلسة!! نريد أن نجرب هذه الجلسات يوما ما"ضحك نزار وهو ينظر لرحيل وقال " كل يوم تفاجئني، انظر تركتني قليلا وعادت تحمل هذا الملاك الوردي" كشر الأسد عن أنيابه وأتبع " عندك حق لقد أصبحت عزيزة فتاة مليئة بالمفاجئات، من هذه الطفلة يا زوزه؟"ضمت رحيل لص*رها وهمست بصوت مكتوم "إنها ابنة صديق لحذيفة وسأهتم بها بضعة أيام لأن …..قاطعها نزار قائلا " اجلسي وقربيها مني ثانية، إنها جميلة، ستتفاجأ يا أسد عندما ترى عينيها" ضغط أسد على فكه بغضب ونظر لها بشرٍّ فقررت أن تهرب وقالت "لابد أنها جائعة سأذهب لأحضر لها بعض الحليب" ابتسم نزار وقال "حسنا اتركيها معي" همست له بخوف "لكنك متعب وأخاف أن تسقط منك أو تؤذيك" تن*د بعمق وقال "لا تقلقي فقط ارفعي السرير قليلا وضعيها بين أقدامي فقد جاءت لي في وقتها"وضعت عزيزة رحيل بين أقدام نزار ورفعت له السرير فأخذ وضعية الجلوس، كانت تشعر أنها مراقبة من جيش بأكمله وترتعش من الداخل، عندما انتهت قال لها نزار "حسنا لا تتأخري" فتحت حقيبة رحيل تخرج منها كل ما تحتاجه وهي تسمع صوت مداعبة نزار للصغيرة وصوت الرعب يدوي بداخلها من الذئب الذي يلتحف بال**ت همت بالتحرك فسمعت أسد يهمس لنزار بكلام لم تفسره فأسرعت بخطواتها لكن إلى أين ستهرب أوقفها صوته يقول "انتظري خذيني معك لأرى حذيفة، أريده في أمر يخص بشر" أحنت رأسها باستسلام وخرجت بهدوء من الغرفة لتتفاجأ به يسحبها من يدها بشدة لفتت لهما الأنظار لكنه لم يهتم و لم يلتفت لأحد حتى وصل بها إلى باب ففتحه ودفعها إلى الداخل لتجد نفسها أمام مخرج مخصص للطوارئ معه بمفردها، رفعت عينيها له بخوف وتساؤل فنظر إليها بعمق كأنه يحاول سبر أغوارها ثم اقترب منها ووضع يده على الحائط الذي خلفها من جهة واليد الأخرى كان يحركها ببطء وهو يقول بغضب مرعب "أريد أن أعرف إلى أين تريدين الوصول؟" هزت رأسها بعدم فهم وهي تقول "لا أفهم…. ماذا تقصد؟"صرخ بها "بلى، تفهمين جيدا...و أنا أريد فهم ما يدور برأسك الآن" قالت بصوت مخنوق "أقسم لك لا أفهم أي شيء من حديثك، أرجوك لا تصرخ بي هكذا أنا أخاف وبشدة" ض*ب قبضته بالحائط بقوة عدة مرات وهو يصرخ "كفي عن ترديد هذه الكلمة فأنا لن أؤذيك أبدا" سقطت الأشياء التي بيدها على الأرض من هول ما يحدث فرفعت يديها تغطي أذنيها برعشة وهي تقول "توقف، فقط توقف أنا لم أفعل شيئا" رد عليها بحزن "بلى، فعلت الكثير لقد تجاهلتني حتى أصابتني أفكاري نحوك بألم يصرخ قلبي من شدته، حرمتِني من صوتك حتى أصبحت وساوسي لا تفارقني، أرسلت خنجر مسموم إلى قلبي حينما قلت لي أخاف منك أكثر من مرة، مزقتِ روحي حينما رآك آخر وأنا لا…. كلمك سمع ضحكتك وأنا كالمجنون أجري بالمطارات لأصل إليك، لماذا تفعلين هذا بي؟" لمحت جرحا ينزف بيده فقفز قلبها كأنه هو من جرح لا يده وأنزلت يدها لتمسك يده فتركها لها فهمست بألم "أسد"رد عليها بلهفة "يا وجع أسد، أنت تحبينني أليس كذلك؟" انزلقت دمعة كاللؤلؤ من عينيها فقال لها "لا تبكي يا بطتي فقط قولي أحبك" كانت تشعر أنه يأسرها، من يلومها في حبها له؟ في خوفها منه؟ في قصتها المعقدة معه؟ ….همست له ببكاء "أحبك" مال برأسه نحوها أكثر وقال لها "مجددا" فقالت له "أحبك" أخذ شهيقا محملا برائحتها يحمله إلى بلاد العجائب وسألها "من قلبك يا بطة؟" وككل مرة تفقد نفسها أمامه وتندفع وراء حب مهما راهنت عليه لن تعلم ماذا ستكون النتيجة وقالت "أحقا لا تعلم؟ أنا أحبك فعلا ، لكنني أخاف وهناك ألف سببا لخوفي" سألها بهدوء "مثل ماذا؟ " كان من الغريب أن يناقشا مشاكلهما بهذا الشكل بينما هو يتجاهل يده التي تنزف ويتجاهل ألمه لكنها قالت "مثل العائلة وغيرتك وجنونك وأوامرك ونظراتك وجرأتك"قالتها وهي تتململ من قربه فأخفض رأسه نحوها أكثر مقرا "كل ما أفعله من قلبي يا عزيزة هل تشعرين به؟" كانت تشعر بدقات قلبه تتسارع فهمست " ليس مبررا، هل قلبك من يجعلك تقسو عليّ؟ لن أحتمل القسوة منك مهما حدث أنت بالذات لن أحتمل أن تتحول لمجرد قسوة جديدة أضيفت لحياتي" كان يراقبها وهي تتحدث بشغف يصل إلى أعمق مكان بداخله، يشعر أمامها بوساوسه تهدأ وتعب رحلته يختفي، كمسلوب الإرادة همس بشغف " لن أكون سوى رجلا يقتحم قلبك بغزو ولن ينتظر منك الإشارة فعلى ما يبدو أنت بلهاء في هذه الأمور" شعرت بما هو مقدم عليه فقالت بتحذير "أسد ماذا تفعل؟" زفر هواء قهر ورفع رأسه بسرعة يقبل جبينها بعمق وقال بهمس " ابتعدي عن نزار، و ردي عليّ حين أهاتفك، واسمعي كلامي يا بطة فأنا أغار وغيرتي تكوي كالنار" ابتعد عنها يتأمل ملامحها التي وشمت على قلبه فقالت بتوتر "لكن نزار يحتاجني بجانبه كما أنه أخوك " رد عليها "سأظل بجانبه ولن أفارقه ونعم هو أخي وليس أخاك أنت، فقط ابتعدي عنه وكل شيء سيكون بخير" انحنى يرفع أشياء رحيل التي سقطت منها ويقول لها بغيرة " سأنجب منك أ**د صغار مصابون بداء الغيرة وأجعلهم يأكلون كل من يقترب منك " زفرت بقلة حيلة وسارت معه و خاتمه الذي أخذته منه يتراقص فوق ص*رها بعيدا عن عينيه تحتفظ به بجانب قلبها فهمست بداخلها فقط لو يعلم......
شريد ضائع بلا هوية ولا هدف، هارب مجروح بلا قلب ولا مشاعر، حزين فاقد للشعور بالراحة ولا يعرف إلى أين تأخذه أقدامه….فلا طريق له سوى الهروب…. كلما تذكر وجهها الحزين كلما تذكر السلاسل التي حلت وثاقها بيدها يكره نفسه لأبعد حد، حين استيقظ من هذا الحلم ظل يبكي بقهر بفقد ...بذنب.. تعددت أسبابه والغاية واحدة الندم على خطأ يتمنى لو أنه لم يرتكبه، سمع صوت الأذان يصدح من حوله فوقف أمام النافذة يشاهد الحرم الكريم برهبة والأذان دعوة من الله أن تعالَ يا عبدي أنا في انتظار عودتك نادما تائبا، تنفس بحنين فدوما ما كانت العودة إلى الله تحيي بداخلنا ثقةً بعفوه و رحمته، تحرك يتوضأ وهو يتذكر أنه خرج من المشفى يجري ولا يعرف كيف ذهب إلى الفندق وجمع أشياءه وتوجه إلى المطار لا يعلم إلى أين سيذهب، عندها سمع نداء الطائرة المتجهة إلى هنا أسرع بدون تفكير يحاول أن يركب الطائرة كأنها ستحمله لزمن غير هذا الزمن، فرغ من وضوئه وخرج متوجها إلى الصلاة فكان أول ما قا**ه حمام الحرم الذي طار حوله فحلقت روحه داخل غيمة روحانية عانقها بشدة كالذي يتمسك بقشة لتنجيه من الغرق، توافد المصلون من حوله ووقفوا جميعا لا فضل لأبيض على أ**د ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى والعمل الصالح الجميع هنا سواء ..الجميع عباد الله جاؤوا إلى مولاهم يرجوون رحمته ومغفرته وعفوه، يملؤهم الأمل في عطفه، جاؤوا أحبة إلى حبيبهم إلى من برحمته وسع كل شيء وشمله، وقف في الصفوف بضعف بخزي ممن رآه وهو يعصيه وستره، ممن أعطاه من فضله كثيرا رغم الذنوب، أحنى رأسه بخضوع لعظمة العظيم وصلى بخشوع جعله يبكي على ما فات من عمره وهو بعيد عن طريق الله، بعدما أنهى صلاته رفع يديه بتضرع إلى خالقه وقال "اللهمّ إنّي أستغفرك من كلّ ذنب خطوت إليه، ومددت إليه يدي أو تأمّلته ببصري، وأصغيت إليه بأذني، أو نطق به ل**ني، أو أتلفت فيه ما رزقتني ثمّ استرزقتك على عصياني فرزقتني، ثمّ استعنت برزقك على عصيانك فسترتني، وسألتك الزيادة فلم تحرمني ولم تزل تغمرني بحلمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين" كان يبكي وقد نسي الناس ونسي نفسه لم يتذكر سوى أنه في حضرة مولاه يدعوه "يا خالقي ارحمني وارحم قلبي الذي لا يهدأ، اغفر لي ذنبي وارضَ عني ونجّني من تبعات ما حدث، يا رب لا أريد أن أتورط مع كارما أكثر من هذا نجني يا رب العالمين" قاطع ابتهاله رنين الهاتف دليل وصول رسالة فمد يده بأمل يفتحها فكانت من عاصي الذي كتب له "بشر التحاليل إيجابية الطفل طفلك وخالك سيأخذ كارما بعد قليل ل*قد القران بموجب التوكيل الذي معه، أرجوك عد فما حدث قد حدث، هناك طفل صغير ينتظرك " خرّ راكعا كأنه ما عاد يقوى على الوقوف وبكى بانهيار وهو يقول "حكمتك يا رب" ظل هكذا كأنه يحاول أن يضع نفسه أمام الأمر الواقع ويسلم به، كأنه يحاول أن يتقبل ما حدث برضا بقضاء الله و تسليم لحكمه.......
تنام بجانب غفران وعقلها مع الذي طُرد من المنزل بالأمس فأمه نعمة صبت غضبها من الجميع فوق رأسه بحجة أنه الرجل والكبير ومن كان يجب أن يحكم عقله فيما حدث، تشعر بداخلها لأول مرة بأحاسيس قاتلة فهي لم تجرب الشوق وسهر الليالي، لم تجرب أن تظل طوال اليوم تتأمل طيف إنسان غائب لكنه حاضر بقلبها ...أن تنتفض رفضا لأنه بعيد عنها ولا تعرف هل نام وتركها تعد النجوم؟ هل أكل وهي التي لم تضع بفيها شيئا طوال النهار؟ تريد أن تعرف مشاعره في بعدها هل يدور حول نفسه ويتخيلها معه؟….مع ذلك لن تنكر أنها سعيدة وهانئة فقد وجدت بداخلها اليقين الذي لا شك فيه أنها تزوجت من رجل تعشقه بكل ما فيها، أنها بعد سنوات من التعب قد نالت من الدنيا نصيبها في حب لا ينتهي ….من مثلها الآن وقد تربعت على عرش قلب رجل حكم قلبها بقانون الحب وأبرمت لأجله معاهدة سلام مع روحها وعقلها وأهدته قلبها وأنهت زمن الوحدة الكئيب... الآن صار لديها منزل وعائلة، إخوة وأخوات وزوج له من الرجولة ما ليس لغيره، ابتسمت وهي تتخيل لو أنه كان معها الآن ،تقلبت على جانبها تتأمل غفران التي منذ ما حدث وهي لا تتوقف عن البكاء، فاتت ليلة وهي على حالها ولا يبدو أنها ستخرج من هذه الحالة قريبا، حقا تحمد الله أنها خلقت حرة بعيدا عن تحكمات البشر وتجبرهم فبهذه العائلة عادات وتقاليد ليس لها وصف ولا معنى، مدت يدها تمسد على رأس غفران بحنان فسمعت صوتا يأتي من النافذة، انتفضت بسرعة ولهفة فصوته الذي وصل أذنها ساقها لتفتح النافذة فوجدت منير يتسلق سلما خشبيا حتى وصل إليها فسألته بلهفة "منير هل أنت بخير؟ أين أمضيت ليلتك؟ لقد قلقت عليك حقا"نظر حوله بخوف فلو علمت نعمة أنه هنا ستمدد ال*قوبة من شهر إلى عام وربما أكثر وقال بصوت منخفض "أنا بخير لا تقلقي ….لقد أمضيت ليلتي بمنزل عبد الرحمن وأنا أيضا اشتقت إليك، تعالي" مد لها يديه كأنها طفل صغير سيحمله فقالت له بجزع "كيف سآتي إليك؟ هل جننت؟ سنقع سويا وست**ر أعناقنا ونصبح شهداء قصة حب غفران وعاصي" كان المكان مظلما ولا يراها جيدا فصعد إلى الأعلى قليلا ليجدها تقف بروعتها كأنها تسطّر أسطورة من أساطير الحب والجمال فصرخ بهمس "كيف تقفين في النافذة بهذا الشكل؟ هل تريدينني أن أرتكب جريمة قتل الليلة؟ فأنا عريس بدون عروسه ودمائي تفور بمجرد أن أتذكر هذا، ارتدي شيئا ساترا وهيا بنا" ردت عليه بحنق " هيا بنا إلى أين؟ هل تظن أنني سعيدة؟ فأنا أيضا عروس بدون عريس وأحزن بمجرد أن أتذكر أنني حرمت من ليلة عمري" رفع رأسه إليها وقال بمكر "هل أنت حزينة أننا لم نتزوج؟" نظرت له بدلال وقالت "طبعا فأنا أسمع أن هذا فأل سيء" عض على شفتيه بوقاحة أطلق لها العنان أخيرا وقال "جميل جدا، تعالي معي وأنا سأمنع عنك كل ما هو سيء" أمسكت شعرها تلفه على إصبعها وقالت "أين سنذهب؟ "همس لها بنفاذ صبر "بمكان لن يخطر على بال بشر هيا ارتدي أي شيء وتعالي" ابتسمت ورفرفت بأهدابها بحماس وانطلقت ترتدي إحدى عباءات غفران التي كانت تستمع لهم وعلى شفتيها بسمة حزينة وتشق العين دمعة حارقة، جاهدت حورية لتنزل من النافذة ومنير كان ينتظرها يمسك السلم وهو ينظر لها بسعادة لا يصدق أنها تفعل ذلك لأجله، مد يده يتلقفها فقد انتظر لسنوات هذه اللحظة وهو الآن على وشك الانفجار فهمس لها بلهيب حارق "أنت حلم متمرد لا أصدق أنني تمكنت منه" شهقت وقد تغلغلت كلماته إلى روحها فطرقت بابا مغلقا منذ سنين وفتحته على مصراعيه فانطلقت منه ملايين الإشارات إلى عقلها الذي جعلها تنطق بلهفة "أنا أحبك" قاطع لحظات حبهما صوت ذكوري ليس مألوف يملك الكثير من الخشونة "ماذا تفعل يا عريس؟ هل تهرب عروسك من النافذة أم أني فهمت ما يحدث بشكل خاطئ وهذه طقوس خاصة بكما" انتفضا معا ينظران للواقف في الظلام، تقدم منير يقف أمام حورية بحماية وهو يتأكد من هوية من أمامه فعقله لا يصدق أن هذا الشخص تجرأ ودخل إلى هنا فقال له "هل جننت لتأتي إلى هنا بأقدامك؟ أنت هنا مجرد شخص مطلوب للعدالة " رد عليه الآخر ببرود "جئت لأبارك لك يا صديقي ولأخبرك بشيء ما ففوجئت بما يحدث" تقدمت حورية تنظر للذي يقف أمامها بعدم تصديق نعم إنه هو لا مستحيل مجرم آخر يا منير صرخت بصوت مفزع "هل تعرف هذا المجرم؟….هل هو صديقك أيضا؟" نظر منير للذي يقف أمامه بغضب وقد علم بداخله أن هناك معبدا سيهدم على رأسه وعلى رأس الواقف أمامه، ألم يجد سوى هذه الليلة ليكشف بئرا من الأسرار قد دفن منذ زمن؟……...
مر شهر بأيامه الثلاثين كما لو أنه ليلة واحدة من أجمل ليالي العمر….وهذا ما جعله لا يكف عن التساؤل أين كان هذا النعيم من قبل؟ …..لماذا عاش سنوات عمره غافلا عن أن النساء هن سر السعادة؟…. فها هو يعيش السعادة على يد امرأة منذ أن ذاق حلاوة القرب منها وهو يفكر هل لكل امرأة مذاق أم لجميعهن نفس النكهة؟ لن ينكر أنه أصبح مدمنا للتلاشي بقربها المرهف لحواسه لكنه يشعر أنه قليل الخبرة في عالم النساء وهذا الأمر يزعجه و بشدة، يشعر أنها تعلم أنه ليس منفتحا كباقي الشباب وبات يظن أن هذا الأمر يعيبه، كم فكر أن يسألها بماذا تشعر نحوه لكن كبرياءه الذكوري يمنعه من أن يقدم على فعل شيء كهذا، منذ أول ليلة لهما معا وهو يشعر أنه كطفل جاهل لا يعرف كيف يتعامل معها ومع ذلك قلبه الذي يحبها وجسده الذي يشتهيها اندفعا نحوها بقلة خبرة جعلته يتمنى لو أن له تجارب مع النساء وتعامل معهن بشكل خاص…..تمنى لو أنه رجل خبير فيما يخص النساء فقد كان يقف أمامها جاهلا لأبسط قواعد القرب، كان ليلتها مندفعا متسرعا لأبعد حد ولم يفكر في نتيجة هذا سوى بعدما رأى ماذا حدث لها من آلام جعلته يستدعي الطبيبة إلى جناحهما ومن ليلتها والأفكار تلعب بعقله هل هو جيد معها أم أنه مجرد زوج جاهل؟ …..سمع صوت باب الشرفة خلفه فاستدار ليجدها تقف بهدوء وشعرها الطويل سارح بانطلاق كعادتها وتقول "منذر لقد انتهيت من جمع الحقائب، متى موعد الطائرة؟" أسند ظهره على حافة سياج الشرفة قائلا "مازال أمامنا وقت حتى الليل فاجمعي كل شيء بهدوء وتأكدي أنك لم تنسي شيئا" كان يتأملها وأوتار رجولته بدأت تلعب لحنا شديد القسمات عالي المقام، فأدركت نظراته لكنها ظلت ثابتة وأجابته "حسنا تعال ساعدني في اختيار ملابسي التي سأعود بها" ابتسم لها وتحرك خلفها حتى وقف أمام الخزانة وهو لا يستطيع التفكير ولا النظر سوى إلى ملامحها فقال "أظن أن جميع ملابسك جيدة وأي شيء سترتدينه سيكون رائعا"زمت شفتيها بعبوس قائلة "أنا فقط أحتاج إلى رأيك، حاول أن تساعدني فأنا دوما ما كنت أثير جنون بلقيس كل صباح والآن ستتولى أنت هذه المسؤولية" بهت مما تقوله، هل عليه أن يختار لها ملابسها كل صباح؟ هل هذا ما يحدث بين الأزواج؟ قال لها بتفكير "وهل سيكون عليك اختيار ملابسي أم أنه فقط أمر يخص الرجال؟" ابتسمت أسمهان بسعادة لزوجها الذي تشعر أن حياتها معه لوحة بيضاء وقد بدآ بإضافة الألوان لها باتفاق مشترك وقالت "طبعا فأنا سأتدخل في أدق تفاصيلك فقد حصلت على صك ملكيتك يا سيد منذر وأنت بالمقابل ملكتني كلي" رفع يده إلى رأسه كأنه يفكر هل هذا غزل أم مجاملة أم مجرد كلام جاء في سياق الحديث ...**ت قليل ثم قال "سوما، أريدك حرة اختاري من ملابسك ما شئت فلن أعترض أبدا فأنا أثق بك" ظهر على وجهها خيبة الأمل وقالت "حسنا سأدخل لأستحم، فمازال أمامنا وقت طويل، لماذا لا تطلب لنا الطعام حتى أنتهي؟"هز رأسه ب**ت فتحركت بكل بهائها متوجهة إلى الحمام، فيما وقف هو في منتصف الغرفة كمشلول يتوق للانطلاق، لكنه حقا يخاف أن يكون قربه منها مجرد إيذاء لها، دار بنظره بالغرفة وهو يشعر بالاختناق…. إنه يحتاج إلى قربها حقا ولكن كيف وهو واقف كالأبله أمامها يرفض حتى أن يساعدها في انتقاء ملابسها! زفر أنفاسه بقهر وغيظ ورفع هاتف الغرفة ليطلب الطعام ثم تحرك يبحث عن هاتفه يفكر أن عليه أن يسأل صفي هل ما يحدث معه طبيعي أم أن قلة خبرته هي سبب توتره، خرج إلى الشرفة مرة أخرى وأغلق خلفه الباب جيدا كأنه يخشى أن يصل إليها صوته ليطلب صفي....
كان صفي يغط في نوم عميق وهو يشعر براحة تكتنفه و تتوغل بداخله حتى ملأت الكون من حوله ...تعالى رنين الهاتف يصل إلى أذنيه ويسحبه من عالم اللاوعي ففتح عينيه ليجد ملكته تنام كالطفلة بجواره فأمسك الهاتف مسرعا يكتم صوته وتحرك بهدوء خارج الغرفة نحو الصالة الخارجية وهو يشعر بألم لا يطاق بقدمه، ألقى جسده على الأريكة المقابلة لباب الغرفة وأجاب أخاه " أهلا بالعريس أطال الله في عمر من سمع صوتك، أخيرا تكرمت وسألت عني! أين أنت ولماذا لم تصل للقصر حتى الآن؟"رد عليه منذر بخفوت " هل أنت بالقصر؟" تعجب صفي من صوته وقال "نعم وصلت منذ الصباح " فسأله منذر باهتمام " أين بلقيس؟" رد عليه صفي يحاول أن يفهم سبب سؤاله "نائمة، لماذا تسأل؟" **ت منذر قليلا وعاد يسأل بتوتر "نائمة في هذا الوقت ...لماذا ؟"صرخ به صفي "ماذا بك أيها الأ**ق؟... هل جعل الزواج عقلك بلا فائدة؟ سننام وقتما يحلو لنا ما الذي يخصك في هذا؟" رد عليه منذر بسرعة "لا تسئ فهمي، فقط كنت أتأكد أنها لن تستمع لما سيدور بيننا" انحني صفي ينظر إلى الأرض وقال باستفهام "وما هو الذي سيدور بيننا؟" بدأ منذر يحكي لأخيه عن تضاربات مشاعره وأفكاره ….بدأ يخرج كل حيرته وخوفه الذي يعربد بداخله وصفي كان يستمع له ب**ت وبتفكير وتمعن، وبعد أن انتهى من إخراج كل ما بقلبه قال له صفي بقوة "اسمعني يا منذر، إن التي معك بالغرفة الآن زوجتك، حلالك، تعلّم معها ما شئت وعلمها ما تريد، ابدأ معها أولى حكاياتك بقوة واندفاع وحينها ستموت كل وساوسك صدقني، تدخل في أدق تفاصيلها حتى لو أنك تجهل ماذا تفعل تغلغل بين لحمها وعظامها، بأنفاسها، بنبضها، كن أنت الحاكم ….انطلق واحملها معك حينها ستعيش كالملوك" كان كلامه زلزالا زعزع قلب منذر الذي قرر الانطلاق غافلا أن يحدد لانطلاقه حدود ليصبح انطلاقا لا يحكمه عقل ولا قوانين ...أغلق الخط دون أن يستأذن أخاه وتقدم نحو الحمام يلتقط نفسا أشبه بجرعة الشجاعة وهو يأخذ قراره بأن يخوض في بحر النساء وينهل منه غافلا عن أنه لا يملك سوى امرأة واحدة ليخوض في بحيرتها كل تجاربه، أما على الجهة الأخرى كانت بلقيس تشعر أن ما سمعته قانون زوجها فإلى أي حد سيصل بهما هذا التملك؟ تحركت نحوه بهدوء فتفاجأ بوجودها أمامه وسألها "حبيبتي لماذا استيقظت؟ هيا عودي إلى النوم فأنت مرهقة"حين تغدق عيناه العسليتان عليها بهذا الحنان تشعر بداخلها سد من الحب ينهار ويغرقها في عشقه أكثر فهمست "لم أجدك بجانبي فجئت لأبحث عنك، هيا لتنم فأنت أيضا مرهق" بدأ ألم ساقه يزداد لكنه تجاهله يخاف أن يخبرها بذلك، يخاف أن تشعر بضعفه بحاجته إليها فهو يريد أن يكون دائما الطرف القوي الذي لا يعرف الاهتزاز ولا الألم لكن ملامحه التي رُسم الوجع عليها بدقة أخبرتها بما يكتمه صاحب الرأس اليابس والكبرياء الأ**ق، فتحركت نحو الغرفة بدون أي كلام فزاد عبوس وجهه وهو يتساءل هل تركته وعادت لتنام بمفردها، ظل يتأمل باب الغرفة للحظات ليجدها تخرج وبيدها مرهم موضعي لتسكين الألم وب**ت انحنت تجلس تحت قدميه وبدأت تضعه على منطقة الألم وتدلكه ببطء وبأصابع أنسته أنه كان يتألم، شاهدها بحب كمدٍّ بداخله ليس له جزر يفيض ويفيض فلا تراجع فيه …..شعر أن الألم قد اختفى وكأنها تدلل ساقه بأصابعها، كيف بحق الله استطاعت أن تجعل من عقدة السنين مجرد لحظة يملؤها الشغف؟ تململ وهمس لها "تعالي" نظرت له بحزن تحاول أن تداريه في أبعد بقاع عينيها فلو اكتشفه سيكون كالمجنون ولكنها لا تستطيع أن تنحي ألم ما تشعر به حين تعلم أن زوجها مازال يعاني من النقص ويخاف أن يبرز ضعفه أمامها، مد يديه لها فرفعت يدها كطفلة ليسحبها ويجلسها على قدميه ويضع رأسها على ص*ره ويميل برأسه عليها وهو يشعر أن جمال قربها أنساه قهر سنوات….فسمعها تقول "صفي هيا بنا لننم قليلا فأمامنا عمل في الصباح فعلى ما يبدو أن هناك شيئا يحدث في القصر ولم يخبرونا به حتى الآن" رفع حاجبه بتفكير فهو منذ شهر غاص معها ونسي نفسه وكلما هاتف أحدا يشعر أن الجميع يتهرب منه حتى أسد لم يخبره ماذا حدث بموضوع عاصي أو بشر ليهمهم "أنت محقة هناك شيء يحدث هنا وأظن أن الجميع يخفيه لكي لا تخبو فرحتنا ونحن عائدان من شهر العسل، ولكن يمكنني أن آخذ إجازة غدا لأكتشف بهدوء ما الأمر فمنذ عودتنا ونحن هنا لم ننزل للأسفل وأظن أن علينا أن نعلم بأنفسنا ماذا حدث" رفعت رأسها تتكلم بلهفة "لا ارجوك فأنا ظللت لشهر بجزيرة لا يوجد بها بشر سوانا وأحتاج أن أذهب إلى العمل غدا لأرى البشر فقد اشتقت لروح العمل" انتفض عرق بجبهته يخبره أنه قد حان موعد الحقيقة فضمها إليه أكثر ويده تجري عليها بحنان بالغ وقال بهدوء "ملكتي لا أظن أنه لد*ك وقت للعمل كما أنني لا أريدك أن ترهقي نفسك بعد الآن لذلك قررت أنك لن تعملي ثانية سوى بوظيفتك الجديدة بأن تكوني زوجتي" رغم أنه كان يحاول أن يلبس الأمر روح الدعابة إلا أنها تصلبت تحت يديه فانعصر قلبه لكن لا سبيل ليتركها تخرج للعمل، فبعد ما وصل له لن يغامر ويجعل أي شيء ي**ق اهتمامها غيره فأكمل ملطفا لحديثه " بلقيس أنا أحتاجك بشدة، أحتاج أن تكوني لي وحدي ولا شيء غيري ي**ق ولو ذرة من اهتمامك أو تفكيرك مهما حدث، يكفيني السنون التي مرت وأنا أتعذب أمامك ولم يكن يحق لي حتى أن أستكين بجوارك وأستريح، الآن لن يأخذك مني عمل أو غيره، كل ما عانيته في السابق انتهى وها أنت بين أحضاني ألا تشعري بالجنون الذي يشتعل بداخلي كلما ابتعدتِ عني؟ بيلا أريد أن أظل منصهرا بك كحالي الآن، أريد أن أشتعل وأنطفئ بك بألف طريقة ولن أكتفي، أريد أن أعلم بداخلي أنك ملكي وحقي وتنتظرينني في مملكتنا هذه لأعود إليك فنغرق سويا في بحور هوانا" كان يبحث بداخله عن كل كلمات الإقناع وأشدها تأثيرا فهو لن يستطيع أن يتراجع في هذا الأمر أو يراها حزينة، فذلك يمزقه بل ويذ*ح قلبه قهرا وألما، كانت تستمع لكل كلمة تخرج من فيه وداخلها يرتجف بخوف منه ومن القادم، معركة حامية الوطيس تدور بين قلبها الذي يحلل ويبرر وعقلها الذي يرفض وبشدة، تائهة هي داخل أحضانه تريد من يسحب يدها إلى الطريق السليم، تريد من ينير لها دربها معه فحب صفي كثير الغيوم شديد التحكم عنيف بالتملك، وقلبها اللعين منقاد طائع أما عقلها يحاول أن يض*ب بداخلها جرس إنذار قوي فهمست بتحايل" صفي أرجوك أنت لن تتركني بالقصر طوال النهار أليس كذلك؟ لا أستطيع صدقني ثم أنا طوال الوقت سأكون معك وأهتم بك وأحبك فوق حبي ألف حب حتى لو نقلت مكتبي إلى غرفتك لن أعترض أبدا وهكذا سنظل معا دوما، ما رأيك؟"حبيبته لا تدرك أنها تجادله في أمر انتهى به النقاش، صغيرته لا تعلم أن نيرانه استحكمت فحكمت وقضي الأمر فقال لها "أولا أنت هنا لست بمفردك فعزيزة وسمراء معك فكما تعلمين سمراء لم تعد تذهب إلى الشركة، ثانيا هل تعتقدين أن وجودك بغرفة واحده معي وبمفردنا حل؟ حبيبتي أنا الآن أمارس أقصى درجات ضبط النفس حتى ننهي هذا النقاش إلا إذا كنت تريدين أن تشاهد الشركة بأكملها انفلات مشاعري كلما رأيتك، ثم من قال أنك ستبقين وحدك فأنا طوال اليوم سأكون معك على الهاتف، وأنت **يدة بيت أصيلة ستتفننين في صنع جو رومانسي رائع ينسيني العالم كلما جئت إلى عتبة غرف*نا" كانت تهم بالاعتراض فهمس لها "بيلا أنا أريد طفلا في أسرع وقت …. بل طفلين معا، يا إلهي لا أتخيل أن قربي منك أصبح واقعا مباحا سيتحول إلى طفل جميل لا اثنين أنا أريد توءم" نظرت له بضياع لا تدرك ماذا يقول فهمست له بضياع "أطفال!" ضمها بسعادة كأنه وجد حلا لكل عقده بالحياة يفكر أن بلقيس يجب أن تحصل على طفل وفي أسرع وقت حينها لن تجد وقت فراغ لتفكر في عمل أو خروج وسيعود من عمله ليجدها مشعثة الشعر بإغراء تجري خلف صغاره فيساعدها في الاهتمام بهم لتساعده بدورها ليستريح بجوارها بعد عناء يوم طويل …. ماذا يريد أكثر من هذا؟ همس لها بصوت محموم "نعم أطفالنا يا ملكتي لا تفكري أنت بشيء فأنا هنا من سيفعل كل شيء" غابت بين رسائل شوقه التي يستقبلها قلبها وقد غاب عقلها ولم يدرك أن التنازل له بداية بلا نهاية..