الفصل الرابع
قال ساري بجمود " و ماذا أخبرك أبي ، ما الذي حدث لي في الماضي "
نظرت إليه بهدوء زوجها يبدوا مضطربا بشدة و كأنه يعلم ما الذي ستتحدث عنه ، إذن هو يتذكر بعض ما حدث معه في عمره المبكر قالت تجيبه باهتمام " لم لا تخبرني أنت ساري ما حدث معك في الماضي ، أريد أن أسمع منك ذلك ، ألا تجد أنه آن أوان إخباري بما حدث معك لدى زوج أمك "
رأت جسده ينتفض و جبينه يتصبب عرقا و الشحوب ي**وه ، فأقتربت منه قليلاً دون أن تلامسه و قالت سأله بصوت حان مرتجي " أخبرني ساري أرجوك ، أخبرني ما حدث لك لدي أمك عندما أنفضلت عن والدك "
شرد ساري في البعيد و صوتها يخترق الغشاء المحيط برأسه يحثه على الحديث ليجد نفسه يتمتم بصوت مرتجف .
**★
ولجت لغرفته ليلا و هى تهمس في أذنه توقظه " ساري بني ، أستيقظ سنذهب الأن "
رفعته والدته من بين الأغطية الدافئة و هو يرتجف بردا قائلاً
" ماما لأين تأخذيني الآن "
قالت بصوت خافت محذرة " أ**ت ساري حتى لا يسمعنا والدك فيأتي و يمنعنا من الرحيل ، أنه رجل قاس كما تعلم "
بحث ساري الصغير ذو الثمان أعوام عن ذلك الوالد القاسي الذي تتحدث عنه فلم يجد غير ذلك الوالد الحنون الذي يحضر له الأل**ب و يقيم له الحفلات مع رفاقه الصغار ليلعب معهم ، كل ما يتذكره عن القسوة هو صراخ والدته في وجهه و رده الغاضب عليها ، قال الصغير ساري بصوت باك " أمي أبي رجل طيب لم تقولين عنه هذا ، لأين سنذهب "
كانت تجمع بعض حاجياته و تخرج ملابس مناسبة ثقيلة لتجعله يشعر بالدفئ ،بعد أن أرتدي ملابسه أمسكت بذراعه هامسة " لا تحدث صوت و إلا أخذك مني و منعك الرحيل "
و كأنه كان يريد ترك أمان بيته ، و الذهاب معها للمجهول ، فتحت باب الشقة بهدوء و خرج كلاهما من المنزل ، لا يعرف لأين تأخذه و لماذا ، وجدها تتجه لرجل يقف أول الطريق ، كان ضخم الجثة بالنسبة لساري الصغير ، لم يتبين ملامحه في الظلام و لكن جسده الصغير أقشعر منبئا له بدنو الخطر ، سمعه يسأل بخبث " هل هذا صغيرك يا عزيزتي ، جيد أنه كنز لنا سنحافظ عليه كثيرا "
لم يفهم و لم يستوعب ما يحدث والدته و رجل غير والده ينعتها بعزيزتي ، و هى صامتة ، قادهم الرجل لسيارة صغيرة متوقفة على جانب الطريق ليس بالبعيد و أدخلهم ثم استدار و أستقر أمام عجلة القيادة قائلاً بحماس لوالدته " أخيراً أجتمعنا بعد هذه السنوات عزيزتي آمال "
تحرك بالسيارة لوجهه لا يعلم ساري أين هى ، سأل والدته بخفوت مرتعب ” لأين سيأخذنا أمي ، ألن نعود لأبي “
زجره الرجل بحدة ” أ**ت يا صغير ، لولا والدك لكنت تنتمي إلي أنا و ليس هو “
قالت والدته مهدئة ” مجدي أهدئ إن ساري مازال صغيرا غدا سيتفهم “
فكر ساري الصغير و هو ينكمش في حضن أمه , يتفهم ماذا ، و أمه لأين ذاهبة مع هذا الرجل ، همست والدته برقة في أذنه ” حبيبي عمو مجدي يحبك لا تخف هو لن يؤذيك “
و كأن هذا الحديث مؤكداً على ع** ما سيحدث في المستقبل القريب ، أخذهم هذا الرجل لشقة أقل ما يقال عنها مكب نفايات بالنسبة لبيتهم ، كانت الجدران مشققة ، و الطلاء متساقط و السقف يظهر منه عدة قضبان حديدية يتأكلها الصدأ بعد سقوط الطبقة التي تغطيها ، و لا يستطيع أن يتذكر ما كان عليه الأثاث فهو كان متهالك و مهترئ الفراش و الأغطية التي تخفي خشبه الذي ينخر به العت و السوس ، سمع صوت والدته تقول بلوم ” ما هذا المكان مجدي أنه كمكب النفايات ، ألم تجد مكان أفضل قليلاً “
أجابها الرجل باسما بخبث ليتفرس ساري في ملامحه الخشنة القاسية و التي لا تخلو من بعض الجاذبية ليعلم لم والدته تركت والده من أجله ” حتى لا يجدنا زوجك عزيزتي لحين يرسل إليك و ورقة الطلاق “
سألته بقلق ” هل تظنه سيفعل “
أقترب من ساري المنكمش جوار والدته بخوف و أمسك بوجنته بقوة قائلاً بحقد ” بالطبع سيفعل ليستعيده “
قالت والدته بعنف ” و لكنك وعدتني مجدي أنه لن يعود لا أستطيع العيش بدونه “
شددت من ضمها لجسده الصغير ، فقال الرجل مهدئا ” سيفعل يا عزيزتي ، أنه كارت نضغط به عليه ليفعل ، من قال أنه سيعود “
قالت والدته بتوتر ” حسنا ، أين سيغفو ساري أرينا مكان غرفته “
ليدخلهم بعدها غرفة لا تقل سوء عن باقي المنزل ، بفراش صغير مهترئ ، وضعته والدته عليه و ابتسمت في وجهه قائلة بحنو ” كل شيء سيكون على ما يرام حبيبتي “
قبلت رأسه و دثرته ليغفو ...
**★
سألته أرجوان تنتشله من سرده ” و ماذا حدث بعد ذلك ساري “
نظر إليها بوجه شاحب و جبين متعرق و عيون زائغة و هو يكمل بصوت مرتجف ...” ما حدث بعدها هو “
**★
قالت آمال صارخة به ” لنا أسبوع كامل محبوسان في مكب النفايات هذا و لم يحدث شيء ، لمتى ستظل صامت ،لم تخبرني للأن ماذا فعلت مع ممتاز “
كان جسده الصغير منكمشا في جانب الغرفة بعيداً عن غضب الرجل الذي كلما تشاجر و والدته صب جام غضبه عليه فمرة يصفعه و مرة يدفعه بعنف على الأرض و أخرى يسبه شاتما بألفاظ مقيته تجعله يشعر بالغثيان و قد تضررت نفسه و بات يزوي يوماً بعد يوم ، قال مجدي غاضبا ” ذلك اللعين زوجك لا يريد أن يعطيني المال و ورقة الطلاق قبل أن يأخذ هذا الصغير البائس “
رمقته آمال بغضب و هى تندفع نحوه ” مال ، أي مال مجدي ، لقد أخبرتني أنك لا تريد غير ورقة طلاقي منه لنتزوج ، ما الذي حصل لتطلب المال “
أجابها مجدي و ساري ينكمش أكثر و شعوره بدنو الخطر منه آت مع جوابه الغاضب ” و من أين أنفق عليك و على ولدك المدلل ، أنت تعرفين أني تركت عملي حتى لا يصل زوجك إلينا ، لحين نأخذ المال و ورقة طلاقك “
قالت آمال غاضبة ” أيها الحقير كذبت علي إذن و أنت تريد أن تنتفع من مال ممتاز و ليس الزواج بي ، كما كنت تخبرني ، لقد كنت تكذب علي “
وجد ساري الرجل يدفع والدته بقوة لتسقط على الأريكة المهترئه بعجز و ملامح الذهول ترتسم على وجهها غير مصدقه لم فعل ، و الرجل يستصرخ على رأسها ” تبا لك و يوم عدت لحياتي ، هل ظننت أني سأقبل بخائنة مثلك في حياتي بعد تركك لي من أجل ذلك الثري ، لقد أردت تعويضا عن خيانتك لي ، وجدتها في ذلك الصغير ، فزوجك الثري لن يهتم بدفع شيء لخائنة مثلك و لكن سيفعل ليستعيد ولده بالطبع “
قالت آمال ذاهلة ” أيها الحقير الوضيع ، أنا تفعل بي ذلك ، أيها الو*د , لن نمكث ثانية واحدة معك بعد الآن ، سنعود للمنزل اليوم و سأطلب السماح من زوجي على زالتي معك ، و هو سيفعل هو يحبني و سيقبل بإعادتي “
أقترب منها مجدي بغضب ليمسك بذراعها يوقفها من على الأريكة و هو يشدها للغرفة الأخري قائلاً بحقد ” إذن أن أسمح له بقبولك بعد الآن ، من اليوم ستكونين محظيتي تعويضا عما كابدته من أجلك أيتها الحقيرة “
صرخت آمال بذعر و هى تض*ب جسد الرجل و ساري الصغير يشاهد بخوف ما يحدث ، ماذا يريد الرجل من والدته ، كانت تصرخ عليه إن أتركني أيها الو*د ، ليجد ساري نفسه يهب من جانبه النائي ليساعد والدته ، تلفت حوله في الغرفة يبحث عن شيء يض*به به فلم يجد غير تلك المكنسة بيدها الخشبية ، أمسك بها و صرخ بالرجل و هو يض*به بالعصا ” أترك أمي أيها الحقير ، سيقتلك والدي لو علم ما تفعله معنا ، أبي سيقتلك “
استدار مجدي إليه و دفعه بعنف ليسقط على مؤخرته و آمال تصرخ به ” أيها اللعين تبا لك' أتركني سأبلغ عنك الشرطة “
دفعها للغرفة و أغلق الباب بعنف و أدار المفتاح ، نهض ساري عن الأرض باكيا بصراخ مذعور و هو يسمع صرخات أمه من الداخل طرق الباب بعنف و ركله بقوة و هو يهتف به ” أمي ، أترك أمي أيها الحقير ، أبي ، أبييييي أنجدنا أبي “
و ما من مجيب ، أسرع تجاه باب الشقة ليجده مغلق بدوره ظل يطرقه لعل أحدهم ينجده و أمه و ما من ناجد لهم من هول ما حدث و يحدث معه و أمه الآن ..
**★
نهض ساري بإعياء يبحث عن المرحاض و الغثيان يعصف بكيانه كله ، و لكنه لم يستطع الوصول في الوقت المناسب لينحني جوار الحائط و هو يتقيئ بألم ، كانت أرجوان تريد أن تندفع إليه و تحيطه بذراعيها و تخبره بأنه في أمان الآن ، لم تصدق إذنيها ، العم ممتاز لم يخبرها بشيء كهذا ، فقط أخبرها أن ساري ظل محتجز مع هذا الرجل لثلاث أشهر حتى توصل إليه ، و لكن ماحدث معه كان أب*ع مما علمت ، والدته يا إلهي ، قالت برفق و مدت يدها تريد لمسه و لكنها تراجعت حتى لا تغضبه ” حبيبي ، هل أنت بخير “
رفع ساري رأسه غير منتبه لحديثها الحاني ، رفع ذراعه يزيل عن فمه أثر تقيئه بكم سترته ، قبل أن يعود و يتحرك عادا لغرفة النوم و هو يترنح ، كانت تسير خلفه بقلق ، تخشى أن يحدث له كذلك اليوم عندما تحدث معه العم ممتاز أمامها عندما أختفي ليومين بعد زواجهم بأسبوع و هما لا يعلمان عنه شيء ، عندها سأله عن والدته ، الأن تعلم لم هو ثار و غضب لينهار بعدها عند ذكرها ، جلس ساري بتهالك على الأرض جوار خزانه الملابس يستند إليها بتعب ، فعادت أرجوان تجلس أمامه على الأرض جوار الفراش كما كانت تنتظر ليهدئ و يعاود الحديث ثانياً ، مغمض العينين ، لم يعد ساري يهتم بشيء الأن فهو وجد أنه تزوج امرأة هى نفس نوعية والدته ، رغم أنه حاول كثيرا أن لا يفعل و أن لا ينخدع ، و لكنه فعل ، فتح عينيه ينظر إليها بمرارة قائلاً بقسوة ” تريدين أن أكمل لتعرفي أي ماض لي فتسخرين مني ، ألا يكفي سخريتك و خداعك لي ، تماماً كما فعلت هى مع والدي ، هل هذا ما أخبرك به أبي ، أن زوجته امرأة خائنة “
قالت أرجوان تجيبه بهدوء رغم الحزن الذي يعصف بقلبها على حبيبها ” لا ، لم يخبرني بشيء من ذلك ، ربما كونه لم يكن يعرف ما حدث معك وقتها بالضبط “
قال ساري بمرارة ” حقاً ، لم يكن يعرف “
قالت أرجوان بجدية ” لم لا تكمل و تخبرني بما حدث بعد ذلك ساري “
**ت ، و**ت ، حتى ظنت أنه لن يتحدث إلى أن قال ..
**★
فُتح الباب و **تت صرخات والدته ، تقدم ساري من الغرفة بوجهه الغارق في الدموع ، ليرى والدته ماذا فعل بها ذلك الرجل ، صعق لرؤيتها على هذا الوضع ، كانت ملابسها ممزقة و وجهها دامي و خصلاتها مشعثة ، مستلقية في وضع الجنين على جانبها و عيناها متسعة ، لا ترمش أو تلقى نظرة تجاهه ، هتف بصوت مذعور ظنها ميته مندفعا نحوها ” أمي ، أمي ، أمي “ تخرج مرتعشة من فمه بل بائسة حزينة ، وقف أمام الفراش البالي و أمامها جسده الصغير ينتفض ، يكاد يتجمد من البرد ، نعم هذا ما شعر به ساري الصغير جليد يزحف على أعضاء جسده ليجمدها ، قدمين مرتعشتين لم تستطيعا حمله طويلاً ، لينهار جوار الفراش على الأرض يستنجد بوالده مرارا وتكرارا بيأس ” أبي ، أبي ، أبيييي “
دلف مجدي للغرفة صارخا به ” أ**ت أيها اللعين ، أبيك الحقير هو سبب ما أنت به و والدتك لو أعطاني المال لكنت أخذته راحلا من هنا ، و لكني أقسم أن ينالكم عقابي جزاء إمساكه ذلك الو*د الحقير“
فزع ساري ، ماذا سيفعل بهم ، ماذا سيحدث له و لوالدته ، لم لم يدفع والده المال ليعودا إليه ، تساؤل و أخر يدور في رأسه و غيمة سوداء تغشى عقله ليغرق الصغير في تلك الدوامة الحالكة التي لم يستطع الخروج منها و كلما حاول شدته لداخلها مجددا .. مستنجدا بأمه ، مستنجدا بأبيه و لكن لا منجي له ..
**★
**ت عاد يحتل الغرفة من جديد ، و أرجوان لا تجرؤ على الإقتراب منه حبيبها عانى كثيرا أكثر مما ظنت ، و العم ممتاز لم يكن على دراية بتفاصيل ما حدث ، و لكن لم أخفى ساري ما حدث لوالدته عن والده لم لم يخبره بما تعرضت له ذلك الوقت ، تن*دت بمرارة ، و ها أنا أعود و أعرضه للألم مرة أخرى و تذكيره بما فعلت والدته لتهدم حياتهم جميعاً في لحظة ، و هى ، هى فعلت نفس الشيء من وجهة نظره ، تركته لرجل أخر كما تركت والدته والده ، هل تخبره الآن بخطأ ظنونه أم تنتظر لتعرف كل شيء و كيف عاد لوالده ، فربما ما أخبرها به العم ممتاز هو نهاية رحلة ألمه و ما تعرض له صغيره ، و ليس بدايتها التي بدأها بمشاهدته لوالدته تهان و تغتصب بهذا الشكل ، هل تحمد الله أن ذلك الرجل أغلق الباب و لم يدعه يرى ما يفعله بها ، لكان تدمر أكثر مما حدث ، لم تعد تتحمل ال**ت فسألت أرجوان بحزن ” و ماذا حدث بعد ذلك ساري “
التفت إليها بنظرات خاوية ، باردة ، كأنه لا يراها ، بحثت في وجهه عن ذلك الآخر ربما جاء ، لم تجده ، عادت لتسأل بت**يم ” حبيبي أخبرني أرجوك “
حبيبك ، حبيبك ، و الآخر من هو ، أستعاد غضبه و عجزه ذلك الوقت و أمه تستنجد بأحد لينقذها يوماً عن يوم و لا أحد يسمع و لا أحد نجدها و نجده معها ، ارتعش بقوة عندما تذكر ذلك اليوم و ما حدث فيه ، فهو كان مريضاً وقتها و لم يستطع مساعدة والدته ، فيبدوا أن المكان العفن الذي كان يمكثان به لم يكن يلائم صحته و جسده الضعيف الذي إنهار بعد أيام من احتجازهم فيه ، ليسقط في المرض و تصيبه حمى استفذت كل طاقته حتى ما بات يستطيع الجلوس ، أو الوقوف قائماً ، عاد مرة أخرى ليغرق في تلك الدوامة الحالكة من الذكريات السيئة التي كان يحاول لسنوات نسيانها لتعيدها أرجوان إليه و بقوة ..
???❤??????❤