دوماً، تبدأ الحكايات من منزلِ أحدهم.
دوماً، تبدأ الحكايات من منزلِ أحدهم.
اليوم ماطرٌ للغايـة.
المطر لا يهطل فقط، بل يطرق الزجاج بإلحاح، كأنّه يذكّر الغرفة بأنها ما زالت حيّة.
انعكس ضوءٌ باهت على سريرٍ غارق بالملابس المتراكمة، فبدا المكان وكأنه توقّف عند لحظةٍ لم يُكملها أحد.
الساعة 5:30
رنّ الهاتف لثانية، ثم أضاء إشعارٌ ما تبقّى من الظلام.
[أمي]
ويلي صغيري، أنا وسبنسر قادمون.
من الأفضل أن تكون قد حزمت أمتعتك.
أخرج ويلي يده من تحت كومة الملابس، نظر إلى الشاشة دون أن يفتح الرسالة.
إشعارٌ آخر.
[أمي]
خذ جميع أمتعتك… وأعنيها جميعها.
ثم آخر.
[كيمبرلي]
هل طُردتَ بالفعل أم لا؟ لول.
ثم:
[أمي]
وأخرج القمامة معك.
وأخيرًا:
[كيمبرلي]
لا بدّ أنه وسيم…
ضغط على اسم كيمبرلي وكتب:
هاها
وقبل أن يُكمل أفكاره، اهتز الهاتف باتصالٍ وارد.
ضغط مجيبًا.
لماذا لا تردّ على رسائلي؟
هل حزمت أغراضك؟
تنفّس ويلي ببطء وقال:
أمي… هل أنتِ متأكدة من قرارك؟
ردت :
أنت تشبه أباك، دائم التشكيك بقراراتي!
رد:
أنا لا أشكك، لكن لم يبقَ إلا سنة واحدة وأتخرج.
البيت قريب من الجامعة… ومن عملي.
ساد صمتٌ قصير، ثم جاء —صوتها قاطعًا.
لن أكرر كلامي.
سأبيع المنزل وأبدأ حياة جديدة مع سبنسر.
حين أصل، أريد أن أرى حقائبك عند الباب.
سيارة النقل ستأتي غدًا لتخزين ما تتركه خلفك.
وإن لم تلتزم… سأتركك في الماضي مع أبيك.
وداعًا.
أُغلِق الخط.
عاد الصمت، أثقل من قبل.
حتى المطر بدا أبعد، لانغماسه بتوتره
تنهد ويلي وجلس على السرير.
سحب حقيبة من تحته، وبدأ يضع فيها ملابس بلا ترتيب، فالترتيب لم يعد مهمًا (لا يوجد وقت) مفكراً.
اهتز الهاتف مجددًا.
اجاب على عجله دون النظر؛ لمن اجاب لانشغاله
آه… حسنًا جاسيكا، ها أنا أوضب ملابسي.
ضحكت كيمبرلي.
يا أحمق… هل هكذا تتحدث مع أمك؟
قلب عينيه وهو يطوي قميصًا.
كيمبرلي: استطيع سماع تلك الرمقات
تأفف...
لدي بعض الاستفسارات—اولاً لما اولياء امرك وضعو اسمي ورقمي للطوارئ سكن الجامعة
فتح الدولاب، قرّب الحقيبة، ودفع فيها كل ملابسه الداخلية دفعة واحدة.
رد ويلي: اولياء امري لا يهمهم امري
لم يسمعني أحد حين أخبرتهم أننا انفصلنا.
ردت :
لا ألومهم، قالت بهدوء وأكملت بصوت مرتفع
لا يريدون التخلي عن أفضل ما حدث في حياتهم.. «أمك لم تتخلَّ عن الفكرة أبدًا،
أطفالنا…
يشبهونك أكثر مما يجب..
توقف قليلاً : ماذا قالت؟
ردت بصوت شاعري {عيونهم كالارض العاشبه المبتله..بُنيه كأبوهم ويلي ويم فاندير واجداده اتمنى بان يسرقو شعرك الذهبي وخديك الوردتن وقبلات الشمس من ابني }
قد أعود إليك فقط لأجل جيسيكا…لديها طريقة بالكلام
فرك شعره متشتتاً ( لماذا؟؟؟؟)
ردت:
تناديني الابنة التي لم تلدها.
أغلق الدولاب، ثم أغلق الحقيبة.
رد: حقًا؟
شهقت بخفة.
لقد صُدمت حين انفصل والداك.
لا أستطيع تحمّل الأمر مرتين.
طبيبتي النفسية قالت إن ما حدث أيقظ ذكريات أليمة.
ويلي قالها قبل أن يفكّر.
لو أننا لم نتضاجع، لأخبرتهم أن يتبنّوك.
ساد صمت قصير وهدئ الجو.
اجابت :لن يناسبني ذلك.
كما تعلم، أحب أن أكون الطفلة المفضلة… والوحيدة.
مرّر ويلي يده على شعره وقال بانزعاج:
حسنًا… ماذا ثانياً؟
ردت: ماذا ثانياً؟!
رد: كان لديك اولاً..
ردت مستذكره: أوه أو أوه أعذرني ثانياً لدي خبر جيد وسيء..
رد: ماةالجيد؟
قالت الخبر الجيد لديك غرفة مشتركة.
قال: الخبر السيئ؟
قالت بتردد :إ..إنها غرفة جيمس…الشاب المفقود لسنه...
في تلك اللحظة، انفتح الباب.
سبنسر قال: جاهز؟
التفت ويلي.
نعم.
أنهى المكالمة.
الساعة 6:00
أخذ سبنسر حقيبة الملابس وخرج.
تبعَه ويلي بعد أن انحنى خلف سريره، سحب حقيبة ظهره،
وقبل أن يغادر، ألقى نظرة أخيرة على غرفته : مصابيحها الصفراء الدافئة، لوحة أفكاره المعلّقة كفوضى صامتة، سجادته الأرضية التي بهت لونها من كثرة ما وطئها، ثم توقّف عند الدريشة… حيث كان ضوء القمر يتغلغل إلى الداخل، على جميع ذكرياته، ثم اغلق الباب ونزل .
وجد أمه جسيكيا تفتح زجاجة نبيذٍ أحمر جديدة.
كأسان موضوعان أمامها، بانتظار شيء لم يُقال بعد.
اقترب منها ببطء.
ويلي قال: حقًا… ستحتفلين بذهابي؟
معه؟
سكبت الشراب، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة.
-إنكِ تحتفلين بالتخلّي عن ابنك…
لأجل رجل لم تعرفيه إلا منذ ستة أشهر.
توقّف.
نظر إلى الكأس.
ثم أضاف بصوتٍ أخف:
وأيضًا… لن يشرب، أليس كذلك؟
هو من سيقود.
ابتسمت بدفئ؛
أوه، إنه لنا.
قالتها بهدوء، واشارت الي اليه.
لي… ولكِ؟ قال
ردت (نعم..علامة لنضجك)
بتوتر (خروجك من العش..)
تقدّم، أخذ الكأس.
تذوّق الطعم المرّ، وتمتم:
أعلم… لكن—
أمسكت جيسيكا بيد ابنها قالت؛
لِنُصلِّ.
أغمضا أعينهما بقولهم ( شاكرَين المسيح على نعمة الدراسة، واستقرار المال، وحتى الطلاق… ذلك الألم الذي تحوّل، مع الوقت، إلى بدايةٍ أقل قسوة).
رد: امين
دخل سبنسر.
هذا كل شيء؟
ردوا :نعم.
خرج مجددًا.
ابتسم ويلي ابتسامة صغيرة لا تشبهه.
شرب الكأس دفعة واحدة.
شكرًا… أمي.
وضعه جانبًا، عانقها، حتى هز اقدامها بقولها ( اوه متى اصبحت بهذا الطول؟)
شعر أن البيت صار أضيق وانه لم يعد يحتويه بقوله( لا اعلم) ثم
خرج
الساعة 6:30
في الخارج، كان سبنسر يعدّل ياقة قميصه أمام مرآه السياره اليسرى ،التي كانت واقفة تحت نور المصابيح ، بالقرب من الباب لونها الأسود عميق كظلال الليل، نظيفه من الخارج والداخل.
ركب ويلي السيارة، ولحق به بقوله
لم أسألك بعد…
ماذا تدرس؟
محركها يهمهم بخفة عند تشغيله، فتح الدرج واخرج مشط صغير ومشط لحيته وبخ بعض العطر.
عقد ويلي حاجبيه بصمت ، كرر سؤاله سبنسر.
رد بأنزعاج : لِمَ تهتم؟
أه… أريد أن أعرفك.
اللتفت نحوة واغلق انفه بياقته بسبب العطر —وبعدم ثقة به رد.
أمي لم تخبرك؟
فلن أفعل أنا.
مدّ يده إلى الراديو ورفع الصوت.
فالموسيقى درعه الوحيد من خوض هذه المحادثة.
اخفضها سبنسر قليلًا باندفاع:
(أمك وأنا… قد نتزوج!!!!)
جذب انتباه ويلي الذي
لم يبدُ متفاجئًا البته.
لو كنتما ستتزوجان،
لكنت تعرف ما أدرس.
قالها بهدوءٍ أدهشه هو نفسه.
ثم أعاد رفع الصوت.
وأغمض عينيه.
تحركت السيارة بسلاسة، من امام المنزل ، خارجين من الاحياء الي الجسر القاطع مابين المدينه ومدخل الجبل الذي ازدحم قليلاً لنقطه تفتيش، لا زالت الموسيقى بالارجاء واضواء المدينه خلفهم .
سبنسر اغلق الموسيقى وفتح النافذه ، واخرج رأسه متفقداً الأمر ، مرت سياره شرطة لضرب ضوئها عيني ويلي فتحها باستياء ( مالأمر الآن ؟؟)
سبنسر رد: اظننا سنتأخر قليلاً..
ويلي بتهكم: جيد...
سبنسر مستغرب: جيد؟
ويلي: كنت اصخر!
سبنسر متفهم ( اه..) اخرج سيجارة الكترونية ، رمقة واسترخى على الكرسي .
ثم قال (عدني..بأن تضع واقي )
سبنسر شفط السيجارة الالكترونيه (ماذا؟)
ثم قال( لا أريد نسل يربطني بك..)
صمت واللتفت نحوة فيرد ويلي على تلك النظرات الضائعه
(العقل البطيء قد يكون جينًا وراثيًا…ينتقل للنسل مثل لون العينين...لكن الفارق احدهما نعمه والاخر نقمه)
سبنسر نفخ خارج السياره ( حذرتني امك بانك اسوء من اباك)
تحرك الطريق ، ثم اغمض عينيه ويلي بعدم اهتمام من جديد.
وقف بجانب نقطه التفتيش واراه بطاقاته (تفضل) .
الشرطي (سبب وجودك هُنا) ليجيب ( توصيل طالب للسكن) نظر الى ويلي الذي اظهر بطاقته الجامعية .
اشار له بان يمشي ، تحركوا ببط ليدخلون الطريق الجبلي ويلي (ذلك..غريب) اغمض عينيه من جديد ويكتف يديه.
الساعة 7:00
عند دخولهم طريق الغابة—
اندفع أييل فجأة من الاشجار الكثيفة؛
اختلّ توازن السياره.
صوتٌ حاد.
اصطدام من جانب السيارة.
توقفت السيارة بعنف.
فتح ويلي عينيه على فراغٍ مهتز.
التفت نحو سبنسر، ناداه.
فكّ الحزام وربت على كتفه ليستفيق ( ماذا حدث..)
ثم جاء الألم.
بطيئًا…
حارقًا.
(س..سبنسر...!!)
شعر بحرارة في جانبه.
فتح الاضاءه، ونظر.
قرن الأييل اخترق باب السيارة،
واستقر في جنبه الايمين.
(يا إلهي…
أنت مصاب!) سبنسر قال ناظراً الي الدم اسفل المقعد.
نظر ويلي إلى بطنه.
(اخترقني ) وضع يده ونظر إلى خارج ليرى أييل ساقط على الطريق من دون قرنه.
ثم إلي سبنسر الذي تمسك بالموقد بهلع ( لا تتحرك)
مدّ يده، أخرج هاتفه بصعوبة وعينيه تنطفئ تدريجياً، واتصل بالإسعاف.
نزل سبنسر من السيارة، ركض نحوه بارتباك.
(لا يُعقل…)
(كيف ما زلت تتحرك؟)
ادخل يده من النافذه المتحطمة ، أخذ الهاتف منه
لم يسمع ويلي حينها إلا صوته المتكسّر:
كنا على طريق الغابة…
خرج إييل…
اصطدمنا…
قرنه اخترق السيارة وجانب ويلي…
عاد سبنسر يركض.
ويلي… لا تتحرك…تنزف
ابتسم ويلي ابتسامة خفيفة،
كأنها اعتذار.
ثم غاب عن الوعي.
أصوات بعيدة.
صافرة إسعاف.
أضواء تومض.
غرفة طوارئ.
غرفة عمليات.
وصوت كيمبرلي:
نعم، سبنسر كان يقود السيارة...
لا، لن يأتي أيٌّ من والديه..
سأوقّع جميع الـ—