الفَصلُ || 22

4816 Words
الأيَّام تمُرّ في سراديبِ الزّمن بسلاسَة كمَاء ينسَاب رقراقًا بينَ وديَان فيّاضة و الزّمن يحتَال علينَا مسرّعًا لحظَات السَّعادة في أيَّامنَا فتغدو سريعة الإنقضاء خفيفة المرور. إنتهت رحلتنَا على الأراضِي الأوروبِية مليئة بالسَّعادة ، غمرنَا الوئام و زرعنَا خلالهَا بذور الهَنَاء فسقَاه حبنَا بسخَاء حتّى أظلنَا عن متاعبِ الحَياة و بتنَا نشدو أشعارَ حبنا بنغمَات عذبة و إيقاع مغرٍي تعزفهُ قلوبنَا تحتَ لمَسات مرهفَة. مرَّ يومٌ منذ وصولنَا إلى نيويورك و جونغكوك يمتلك شقّة فاخرة هنَا لا عجبَ في ذلك و هو يعقدُ صفقَات عدّة و إجتماعات كثيرة هنَا ، الشُّقة متواجِدة في مجمَّع سكنِيّ ضخم في قلبِ المدينَة و تصمِيمها الحديث يروقُ لي أكثَر من قَصر العَائلة في كوريَا ، حَصلتُ على إتّصالات عدّة خلال هذه الفترة من هوسوك و ليلي و لكن مؤخَّرا إنقطعت ليلي عن مراسلتِي و هو ما لم تعتَد على فعله سَابقًا و لكننِي أوّلتُ ذلكَ لعدَّة أسبَاب كإنشِغَالهَا بالعَملِ أو معَ حبيبهَا فقد تطورّت العلاقة بينهمَا و طالت لتعقدَ سنَة من الألفة و الإنسجام. كُنت و جونغكوك نُشَاهدُ التِّلفَاز و نَستمتعُ بالوَجبَات الخفيفة التّي تزيدُ من جَماليّة أمسيتِنَا ، يمكننا مُشاهدَة المَدينَة و أضوائهَا السّاحِرة من خلالِ الجدار البلورِي الضخم الذي يحتَلُّ جزءا كبيرا من الغرفَة ، جونغكوك يضعُ ذقنه على فروة رأسي و يداعب خصلاتي الغرابِيّة بحركَات لعوبَة تأسرنِي بسلاسَة و تسكرنِي بنَجاعة. أنَامله المُقدَّسة تمَارسُ المجونَ بإتقَان فتبدُو إنتهاكاته طُقوسًا تترقرق من أعلَى رأسي لتنزِل برقَّة مدَاعبَة وجهِي حتَّى آخر المطَاف حيث تنتهي عندَ مؤخّرتي ، أخذتُ بضع قطَرات من كأسي الكريستاليّة التّي تحتوي على شرابا شعيريًّا بلون أصفر فاقعٍ علًّها تروي عَطشي بعد أن جَفّ حلقي في ظلِّ الحَرّ الذي يجتَاحني حين يكون بقربي ثمَّ نهضتُ عن صَدره و سألت بفضولٍ حينَ ظَلَّت الأسئلة تتَراكمُ في رأسي " حَدِّثني عن الحَفل الذّي سيُقامُ غدًا ، هل سيكٌون كبيرًا" إبتسَم بخدَر بينَمَا يتلاعَب بالكَأس بين سبابته و وُسطَاه و يراقبُ إرتجاجَ محتواه على الضوء الخَافت " سأكون كَاذبًا لو أخبرتك أنَّني أعتقدُ ذلك ، لأنّي متأكّد أنه سينفقُ ثروة كي يكُون حدث الموسم و حديثَ نيويورك إنّها تَصرّفات بارك جيمين " ظللتُ أتابع كلامَه بإهتمَام و كلّي شوقٌ للقَاء صديقه الذّي يبدُو كأنَّه هاربٌ من أحدِ الكتُب التّي تصوّر بطَلا غنِيًّا لعوبًا و ذا سمعة تتَشدّق بها الألسنَة عبر القارّات " منذُ متى و أنتُمَا صَديقَان " إبتسم بخفّة كأنمَا يسترجع شريطا من المَاضي ثمّ بدأ بالحديث عن آصرتهما و قد إلتمست في كلامه العديد من المشاعر ، كل كلمَة نطقها كانت تحمل نوعًا مختلفا مما يخزنه لصديقه. الحنين، الحزن ، شيء من الإنفعال كل ذلك إمتزج مع مسحة من الثمالة مما جعله أكثر صراحة " أيَّام الجَامعَة ، لقد كانَ بغيضًا و أرادَ منافَستي في كلّ شيء ، حَاول سرقة مَا هو لي حتّى صديقي تايهيونغ. دَائمًا يقلّدني في كلّ ما أقوم به. سيّارتي ، مَاركة ملابسي ، حتى نوع العطر الذي أضعه. لقد كنتُ أمقته " بدَى منزعجًا بينما يعبّر عمّا يجول بخاطره و أنا عالمَة تمام العلمِ أنّ شخصا بمواصفات زوجي لن يحتمَل وجود منافسٍ له في السَّاحَة " إذن كيفَ أصبحتمَا على وفَاق ؟ " سألتُ و قد بدى على ملامحي الفضول أكثر من ذي قبل "طفَحَ كيلي ذات مرّة فأشبعتهُ ضربًا و لم يتوانى هو الآخر عن تشويه وجهِي المثَاليّ بكدَمات لم تُمحى إلا بعد أسبُوع لقد بدَى واضحًا أنه يغار منّي و من وَسامتي " كنت على وشك الإنفجار ضاحكَة ، جونغكوك يستغل كلَّ فرصَة ليَمدحَ ذاته يتّهم غيره بالإساءة لها لكنّي خيّرت مواصلة الإستماع إلى هذه القصّة الشّيقة فكتَمت ضحكاتي برشفة أخرى من كأسي تخفي ما مَا بداخلي من قهقهات محبوسَة خشية أن يتمّ معاقبتي بعدم سماع تتمَة الحكاية " وَاصل ، لقد أعجبتني القِصّة" حينَ بدأ بإسترجاع الذكرايات لانت ملامحه و سرعان ما لمَع بريقُ بسمة ساحرة على شفتيه ، جَعلني ذلك أشعر أنه يمتلك الكثير من الجوانب في حياته التي لا يَزال لم يطلعني عنها بعد و التي تجمع بدَاخله مَشاعر متناقِضَة " لقد أمضينَا ليلة في الحجز في مركز الشرطَة بسبب الشجار الذي إفتعلناه يومها لا أدري كيفَ بدَأنَا بتجَاذب أطرَاف الحَدِيث بعد حربٍ من الشتَائم و لكن إنتهى بنا الأمر بالخروج كصديقينِ بعد أن دخلنَا عدوينِ مع الكثير من الندوب و الكدمات و الجروح " إبتسمتُ ملئ شدقَيّ تلقائيًّا و سارعت في الإفصاح عن رغبتي في رؤية منافس جونغكوك القديم " أثرت حَمَاسي لمقابلته " لا بدّ و أن كلماتي التّي كانت بغاية النّقاء حرَّكت فيه غروره و غيرته القاتلة إذ سرعان ما أخذ كأسي من يدي و طرحها على الطّاولة ثمّ جذبني ناحيته ، إنهالت يدَاه بلمَسات مَاجنَة تسرقُ من جسدي المزيد و تزحَف نحو القمّة ببطء حتّى نالت المنشود و إقتطف من ثمَاري ما يشفي حاجة نفسه الجَائعة و يوقعني في هُوّة الضَّعف ، يربكُ إحساسي و يزيد من إستسلامي. حَالمَا نجحَ في ترويضي بسهولة كعادته قارب من رَومي فأخذه بين أسنانه و أفقدني صوابي لا بُدّ بأنَّه شعرَ بإهتزازي ضدَّ جسده و الرّعشة التي سرت فيّ كأنّه بعثَ فيّ روحًا بعد أن سلبهَا و بهَمسٍ مغرٍ أشار إلى رُكن مظلمٍ في علاقتنا ، إنه لا ينفك يذكرني بتعالبمه و قواعده الصّارمة " لا يجدُر بك نسيَان القوانين التّي إتَّفقنَا عليها مسبقًا" بالكَاد إستطعتُ الإيمَاء بخفة و بصعوبة أف*جتُ بصوت رقيق معذّب تحت سطوة اللّذة " لا تقلق عزيزي ، أوامرك مطاعة " أمسكت بياقة قميصِه و جذبته ناحيتي برغبة حارقَة ، لم يكفيني لقاء وحيدٌ ، قصيرٌ فلاقيته ثانية في جَزرٍ إحتضن شواطئي ، سقى شوقي و لو كانَ بحَلاوة مُرّة شعرتُ بكاملِ إتصالنَا و إنغمَاس شفاهنا كعنصرين لا يفترقان كأنِّي لم أثمل لقد كان إحساسا قويًّا و رغبة جامحَة جرفت عقولنَا و أسكرت قلوبَنا فبات الخمر في مجلسنَا مهانا منكورًا. كم من اللحظات، الدّقائق ، الساعات بقينا على تلك الحَال ؟ لا أذكر و لكنّه كان فتنة يصعبُ تجاهلها و ذنبًا ما تاب قلبي من إرتكَابه. _ حِينَ أفقتُ من نومِي كنت مستلقية على الأريكة التي شهدت إثمنَا ليلَة أمس و لكنّي لم ألمح لجونغكوك أثرا يذكَر ، تجولت في أرجاء الشّقة و لكنني لم أعثر عليه مما جعلني أستغرب غيابه. فركتُ مؤخِّرة رأسي بقلّة حيلة ثم بحثت عن هاتفي كي أتصل به لكنَّني صادفت رسالة من ليلي وصلتني منذ ثواني معدودة ممَّا جعلَ عينايَ تتسعُ فرحًا رغم النعاس الذي يثقلُ أجفانِي و يغَالبنِي لا أعلم كيف نسيتُ أمر الإتصال بجونغكوك و إنسقت نحو مراسلتها " أنا في نيويورك الآن أرغب برؤيتك ، لا داعي لإستقبالي في المطار سأتدبّر أمري بنفسي لكن أرجو أن ترسلي لي عنوان إقامتك سآتي على الفور " بدت رسالتهَا مقتضَبة و جافة لم نعتَد التواصل بلغة خالية من المشاعر و مجرّدة من التحيَّات ، الكلمات اللطيفة و التعابير الالكترونية. سارعتُ بالنقرِ على شاشة الهاتف و أرسلت لها عنوان الشقة و عقلي لا يتوقف عن التّفكير آملة أنها بخير ، في خضمّ أفكاري المتزاحمة تذكرت أنّي لم أتّصل بزوجي الغائب عن البيت دون علمِي و لمَّا رفعت الهاتف للمكالمة رأيته يدخل من الباب الرئيسي للشقة و يداه مشغولتَان بحمل شيء ضخم تبيَّن لي فيمَا بعد أنَّه كَلبٌ ، بنيّ اللون و بعينين لامعتين هرعتُ ناحية جونغكوك و تفحّصت الضيف الجديد لقد كان لطيفًا على ع** ما توقّعت ربّت على رأسه بخفّة و قلت بسعادة غامرة " لا أصدّق! من أين حَصلتَ عليه ؟ " وَضعَه أرضًا و شرع في تمرير يده على ظهره الأملس برفق في حين ظللت أتمعن في تفاصيله لطالمَا أردت الإحتفاظ بجرو أو قطة و هذا الكلب خَطف قلبي منذ إتصلت عيناي بخاصته " كنتِ تريدينَ طفلا في الآونة الأخيرة فقررت أن نحصل على حيَوان أليف في الوَاقع لا فرقَ بينهمَا ، مَا رأيك في مفاجأتي لمَلأ وقت فراغك " ظللت أُعمِل عقلي الصغير كما يدعوه أحاول إيجاد قاسم مشترك بين هذا الكلب و طفلنَا الذي لن يُبصر نور الحياة أبدًا و لكنّي لم أجد سبيلا ، لا أفهمُ أي منطق يستعمل و لا كيفَ يفكّر إنه الرجل اللغز الذي لن أحلّه مهمَا حاولتُ. سرعان ما عدت للتّركيز على صديقي الجديد و بلطف داعبتُ قدمه اليمنى كأني أصافحه " أعجَز عن التّعبير ، إنّه رائعٌ! مرحبُا بك في بيتك الجديد يا... ماذا سنسَمّيه ؟ " رفع رأسه ناحيتي و أجاب بإبتسامة جانبية "بالطبع لن تطلقي عليه اسمَ آدمي " أطرقت أفكر لبُرهة من الزمن ثمَّ رفعتُ يدي كمن أضاءت أفكاره العبقرية غياهب الجهل و عتمته و بكل حمَاسٍ هتفتُ مفتخرة بإنجازي " وجدتها ، مَا رأيك في كوكي " رفع أحد حاجبَيه و قد رجمني بنظرات حامِية أكره قسمات وجهه حين تتحَوّل إلى أكثر شيء يرعبني في الحياة لكنه لم يسمح لي بمجال للخوف إذ لم يلبث أن ردّ عليَّ بقساوة " و لمَا لا نسميه تشوي آرين " كَوّرت شفاهي في عبُوس خفيف و شكيتُ إستيائي منه بينمَا أتحاشى نظراته " كَان ذلك تصرفًا لئيمًا بحق! " لم يكن أقل مني إستياءً إذ إستقام هو الآخر كأنه كان ينتظر الفرصَة كي يحتَجَّ و لكنَّ سبب غَضبه جعلني أقتنع أنه مجرّد طفل في الواقع خاصّة حين نتشَاجر على أتفه الأسباب " تُطلقين عليه إسمي و لا تريدين منّي أن أنزَعج " ظللت أحدّق به لوهلة حتَّى شعر بقدر الإحراج الذي تسبب به لنفسه و أخطائه الفَادحة تجاه كبريائه المهيمن فحاول إستعادة مكانه أرضا و التَّظاهى بأن شيئا لم يَحدُث لكنّي سارعتُ بعرقلة حركته و الإرتماء بين ذراعيه ، ظللت ألثم فاه مع كلّ كلمة أنطقها و قد ملأت ضحكاتنا المكَان " أخيرا إعترفت أنّك كوكي ، تعجبني حين تكون مُطيعًا" حَاوطت يداه وجهي و غمرتني لمسته الفيَّاضة فإستسلمتُ له طوعًا و أسبلت جفوني أنتظر مصيري بين يديه و آمل أن يحكم عليّ بجبروت و طُغيان كما إعتادَ ، لو يزُجّ شفتيَّ في فاه و يحكم إغلاق قواطعه على سُفلاها فلا منافذ لها لتُهاجرها إنه سجن أشتهي أن يحكم عليّ به أبد الدّهر فلا أغادره إلا رفاتًا إحترقَ في حبّه. رَفعَ خصلات شعري الطويلة و ربطهَا بخفّة و هي بادرة خيرٍ لي ثمَّ بعثَ على القرب منّي أنفاسه الحارة مصحوبة بكلمات جذّابة " و ما رأيك أن تكوني مطيعَة أيضًا أميرتي " طاردت أنامله المتمرّسة أزرار قميصي و شرعت في فتحه دونمَا هوادة حين رَنّ الجَرس و قاطعَ غزوته على أراضيَّ المحتلًّة بفرسَان الشَّبَق ، تَراجَع بضع إنشات عنّي مستَعيدًا قبلاته التي إنفجرت على كتفِي المَكشوف قنَابلَ لا تعرفُ الرّحمة ثمَّ وَجّه نظراته نحو الباب لقد كان الحقدُ و الغضبُ باديانِ على وجهه. " من قد يأتي لزيارتنا ؟" نبَس كاتمًا غيضَه بينَ أنْفَاسه المُتسَارعَة و مرّرَ يده بخشونَة ما بين خصلاته المتناثرة على جبهته فأعادها قسرًا ، توجّهتُ بغية فتح الباب و في ذهني صورة شبه مؤكّدة للوّائر لكنّي ما ظنتت أنها قد وصلت بالفعل " بهذه السُّرعة! " تمتمت خفية و سارعتُ بفتح الباب و لم أكن مخطئة إذ رأيتُهَا تَقِفُ قبالتِي و شعرهَا مصفوفٌ إلى نصفين ينسابان كجداول على كتفيها لقد غيّرت لونه مؤخّرا إلى الأشقر و نَاسبَها كَثيرا خَاصّة مع غرَّتها ، لقد كانت ترتدِي سروالاً أسوَد و قَميصًا قصيرًا بنفسِ اللَّون لقد كانت تحمل معهَا حقائبَ سفرها ما يدُلّ أنعا حديثَة الوصول. ضممتُها إليَّ و بادلتنِي العنَاق فقد طال غيابها عنّي و إفتقدتها لكن هناك خطبًا ما يشغَلها و هو ما بدَى جليًّا حينَ قابلتها شخصيا دَعوتها للدُّخول و لم تَبدُو على جونغكوك السَّعادَة لحُضورهَا أعلمُ أنّه منزعجٌ لمُقاطعتها لنَا و لكنّها صديقتي أضعفُ الإيمَان أن يرحّب بها لا أن يرمُقها بتلك النَّظرات الباردة. جلست ليسا على الأريكة و ضمَّت ساقيهَا و قد بدَت متوتِّرة لم تَكفّ عن التلاعب بأصابعهَا و فرك كَفيْها طوال الوقت ، راقبتُ تصرّفاتها بوجوم و خَشيتُ أنها تمرّ بوقتٍ عصيبٍ. " آسفة لأنّ قدومي كان مُفاجأة" هتفَت في نوع من الخجَل فربّت على كتفهَا بحنوٍّ و أجبتُ " أوه عزيزتي ليلي لا دَاعي لذلك ، عدِّي البيت بيتكِ أوَليس جونغكوك " إستدرتُ ناحيته و حثثتُه على الحديث و الخروج عن صمته المم**ت بلغة العيونِ خشية أن تتفَطَّن لي ليسا و أنا أجبره على التّصرف بلطفٍ ، رفعَ كِلا حاجبيه دَليلا على فهمه لإشاراتي ثمَّ بادر بالحديث لكنَّ كلامه زاد الطّين بلّة " لابأس لَيسَ و كأنِّنا كنَّا على وشَك القيَام بشيء مهمّ " أعلمُ أنّه لا يجيدُ تلطيفَ كلمَاته الجَارحة و لا يستطيع التَّصرف بلباقة لكنَّ صمته كان أفضل من كلامه ، حَدّقتُ به في غَضَبٍ لأوّل مَرة و عقدت حَاجِبيَّ و قد خنقته بين عدستيَّ دون أن أخليَ سبيله و قد لاحَظ ذلكَ فوَضع يده على فمه معلنًا عن إعتزَاله الحديث و عودته إلى صف الصَّمتِ عدتُ لمعانقة ليسَا و قلتُ في صرامَة أنوِي عقاب جونغكوك على فَظاظته في إستقبال ضيفتي " جونغكوك هل يمكنك تركُنَا على إنفراد لو سمَحت ؟ " كانت الصَّدمة على وجهه كَفيلة بشرح ما يشعر به حَاليًّا ، بجدّية هل قمتُ بطرده من بيتِه للتّو! ظَلّ يراقبني بصَمتٍ آملا أن أتراجع عمَّا قلته و حين فقد الأملَ ، تملمَل في مكَانه قبل أن يستَقيم بنيّة المغادرة لكنّ ليسَا أوقفته " لا دَاعي لذلكَ إجلس أرجوك ، أحتاج رأي كليكمَا في الموضوع " حَدَّق بي في غرور مُتَظَاهرا بالفوز عليَّ ثمَّ جَلس جلسة الملوك على العرشِ و كُلّه فخر و خيلاء ، يالهَا من تصرّفات صبيانِية! " تعلمينَ أنَّه بعد وفاة والديّ في ذلك الحَادث المُريع رَفضَ جميع أقاربي الإعتنَاء بي و أرسلُونِي إلى الميتمِ، بالأمسِ إتَّصلت بِي عَمَّتِي المُقيمة هنا ، هي مَن دفع مراسيمَ دراسَتِي الجَامعية لقد ظَلّت تعتذرُ بشأن المَاضي و أخبرتني أن زوجها هو من رفَض فكرة إعتنَائها بي و تحَمُّل مسؤوليتي و الآن هي تقبع في إحدى المستشفيات هنَا ، لقد أقعدها المرض و رَفض أبناءها الإعتنَاء بها. إنها تتوَسل المغفرة و تطلُب رحمتي " كَان كِلَانَا يستَمِعُ إلى حَديثهَا بتركيزٍ شَديدٍ و لمَّا أنهَت كلَامَهَا حَدَّقت بنَا تطلُبُ رأينَا فسَارعتُ بأخذ الكَلمَة أوّلا ، لقد كنتُ سعيدَة لأنه و أخِيرا ستَستطِيع رَبط صلتهَا بعائلتهَا من جديد " ماذا تنتظرين ؟ لا تدعي الوقت يفلتُ منك و لبِّي نداءها " إبتَسَمت في فُتورٍ ثمَّ حَوَّلت نَظراتهَا إلى جونغكوك تطلبُ رأيه هو الآخر لكنّه بدل أن يُساندَني و يُرشدها إلى الصّوابِ قامَ بتحريضِهَا ضدَّهَا لكن المُشينَ في الأمرِ أنّ ملامحَ وجهه إلتَحفت الحكمَة كأنه خَطيبٌ يلقِي المَوعِظَة " قَابلِي الإسَاءة بمثلهَا ، لقد هَرعت إليك عندَمَا سُدَّت الطرُق أمَامَها و لم تتذَكّركِ طِوال هذه السِّنين " إلتَفَتُّ إليه مستنكرَة إجَابته الوَقحَة و رغبته في نَشر الفُرقَة بينَ أقربَاء على وشك لمّ الشَّمل ، قرنتُ حاجبَيّ و سألتُ " مَهلاً ألستَ مَسيحِيًّا ؟ " إستغرب من سُؤالي المُفاجئ و الذي لا يمُتّ بصلة لموضوعنَا ثمّ أفَاد " بلَى أنَا كذلكَ " كنتُ أدرك ماهيّة إجابته لذا قلت على الفور " إذن أينَ أخلاقكَ العَاليَة و تَعاليمُ دينك التّي تَحُثُّ على التَّسَامحِ و الغُفران " ظننتُ أنَّ إجابتي ستَكونُ حَائلاً دونَ تفوهه بمزيد من التّراهَات لكِنّه لجأ إلى إقنَاعي بوجهة نَظره المنطقية لكلّ الأمور الحياتية ممَّا جعلني أراقبه بصَمت، أحيانا أعجَز عن إجابته و أحاول التّبصر في تركيبَته المعقّدة "إِنِّي أُعمِلُ عَقلِي حَتّى في الأمُورِ الرّوحَانية و أرى أنّه لا جَدوى من مُساعَدة شخصٍ سَبَق و خَذلكَ. Business baby" تأفأفت بإعياء و مَازاد تعاستي هو ميلان ليسا إلى صفّه و قدرته على جذبها ناحيته بكلمات تافهة لا مَعنى لهَا " أنَا حَقًّا مُحتَارة ، في كلامكَ جَانِب من الصِّحة " شعُرت بالخطر المحدق بي و بكونِه سيتغلّب عليّ بَاطلا فحاوطت وجهها بيدَيّ و تمَحورت نَظراتي حولَ جَزيرتيها التَّائهَتينِ " لا تُصغي إليه إنَّه أنَانيّ " إحتَدَّت ملامحُ وجهه و إنسحَب من المُحادثة مُغتَاظًا بعد أن ألقَى بإحدى الوَسائِد التِّي كانت بجَانبه على رأسي ، إتَّخَذ مكَانا له في ركنِ الأريكة و فتح حاسوبَه المحمول و جعلَ ينقُر على أزراره مُتَجاهلا إيَّانا. إستغَليت عدم إهتمامه و جَعلتُ ألفت نَظرها إلى العواقبِ التي ستنتُج عن تجَاهلهَا لطلب عمّتها " ليسَا مَا دامت الفُرصَة متَاحة لإصلاحِ أخطَاء المَاضي فإغتنِميهَا ، لا تَدعي غَضبك يتَحوَّل إلى نَدَم " بانت تجَاعيدٌ على جبينهَا و تَفشّى القلق في قسمَات وجهها و بينمَا تقضمُ أظَافرهَا بتوترٍ همَست " أجَل ، ماذا لو تُوفيَّت تحتَ وَطأة المرَض سأكون مذنبَة" رَبّت على ظهرها بلطفٍ و واصلتُ " فَكِّري مَليًّا لا بُدَّ و أنَّها تشعُر بالأسَى أيضًا و ترغبُ في رؤيتك. أنظُري لحَالي ، أنا بلا أبٍ و لا أمٍّ لو أنَّ أحَدًا منهمَا ظهَر بعد كلّ هذه السنين أو حَتَّى فردًا من عائلتي و أخبرني أنَّه تَمّ التّخلي عنّي و الآن يرغبون بإسترجَاعي هل تَظنِّين أنّي سأرفُض ؟ لا شيء يُعوّض العائلة صدّقيني حتّى لو أخطأوا في حَقّك فإنَّهم يبقون سندَك و لا شيء يعَوّض وجودهم " لم أكُن أدرِي أنّ كلامي سيلفِت إنتباه جونغكوك من جَديدٍ ، أزاحَ الحَاسوب عن حجره و سألَ بلهفَة " تَقصِدين أنّه لو ظَهر أحدٌ من أقاربك و إعترفَ لكِ بأنّهم إرتكَبوا آثامًا في حَقّك و ألقوا بك في دار الأيتام فإنّك ستَعفينَ عنهم ؟ " أومأتُ على الفور و أجبتُ بثقَة " بالطَّبع سأفعَل ، لن أحكُمَ على نَفسِي بالحِرمَان ثَانيَة فقد قَاسَيتُ وَيلاته سَابقًا " عندمَا عدت ببصري إلى ليسا كانت قد حملت حقيبتها اليدويّة و نوَت المغادرة بالفعلِ ، إستقمتُ و وضعت يدي على كتِفها " هَل إتَّخذتِ قرارَك ؟ " سألتُ و كلّي توقٌ لمَعرفَة مَا يَدورُ برأسها فتَمَسّكت بيَدي و أجابت و قد إختفى الخوف الذي كان يَطغَى على بؤبؤيها ق " بَلَى ، سأكُونُ أفضَل مِنهَا و أبَادرُ بمَدّ يدِ المُساعَدة " ابتسمت بفخرٍ و بادرت عَلّها تتَشجّع بوجودي معها أكثر " تُريدينَ منّي المَجيءَ معك ؟ " لم يبدُو لي أن إقتراحي قد نَال إعجَاب زوجي العزيز إذ أطلق صافرات إنذاره حال سمَاعي و جَعل يتذَمَّر " مَاذا عن حَفل الليلَة ؟ أتريدينَ منِّي الذَّهَاب وحيدًا كأني مُطَلّق أو مَهجورٌ ؟ " إبتسمت ليسا حَال سمَاعها إحتجاجَ جونغكوك ثمَّ قالت " آرِين شُكرًا لَكِ علَى كَلامِك المُشَجّع ، سأبقِيك على إطِّلاع بآخِر الأخبَار " غَادرت ليسَا و حَمَلت معها آمالي في أن تجدَ للسّعادة بَابًا من جديد و قبلَ أن نفتَرقَ عانقَتني و طبعَت قبلة على جبيني ، أغلقتُ البابَ و جلّ تفكيري فيمَا سيحدُث معها حينَ تلتَقي بعمَّتها و حَال دخولِي أسرَع رفيقنَا الجديد ناحيتِي و جَعل يدور حولِي مُبَصبصًا بذ*له و مُطلقًا نباحًا قَوِيًّا يثبتُ سعادته بوجوده بقربِي ، إنحنيتُ ناحيته و عانَقته بجانبيّة مريحَة رأسي على ظهره ثمّ رفعتُ بصري ناحيَة جونغكوك نظَراته تختَرقني و كأنّي تحَالفت معَ صَديقه الذي أحضَرَه إلى دَاره ضدَّه . أيَغارُ مِنه أم عَليه ؟ " سأدعوكَ سينَاسِبك هذا الإسمُ لأنَّكَ دائمُ النّباح و ملِيء بالنَّشاط و الحَيَويّة " أعلنتُ بسعادة حينَ وجدت الإسمَ المنَاسبَ له لكنَّ جونغكوك لم يُزغ ببَصره عنّي ممَّا دَفعَ بي للسُّؤال " مَاذا ترِيد لماذا تُحدّق بي هكذا ؟ " مَسحَ شفته السفلَى بإبهَامه و توَجَّه نَاحيتِي بخُطُوَاتٍ بطِيئة ، سَارَ بِخُيَلاء حَتّى أدرك مكَاني فحَطَّ بنانَه على كتفي كريشَة حَطّت على سطح المَاء فتمَوّج كذلكَ تزَعزَع كيَانِي لِلمسَته " أريدكِ! " _ لمَّا حَلَّ المسَاء و إزدَانت السمَاء بحلتِهَا القرمُزيَّة و إنطَفأ نورُ الكَونِ إرتأيتُ و جونغكوك أن نَستعدَّ للذهاب لِحفل إفتتَاح صَديقِه السيّد بارك و الذي كنتُ متَشوّقة لرؤيَته. إخترتُ فُستَانًا فِضِيًّا مطرَّزًا بخُيوطٍ حريريَّة تَكشفُ بين دَسائسهَا رُقَعًا من جَسدِي و يستمِرّ طوله إلى أخمَص قدمي معَ شقٍّ جَانبيّ جريءٍ يتواصل حَتّى أعلى فخذِي ، تمّت خياطته لي خِصّيصا في باريس تُزينُ الفُستَان فتحَة في الظَّهر مثَلّثة الشكل و ينتهِي آخرهَا عندَ خصري و بينَ أطرافها عقِدَت أشرِطة فضِّية لامعة لكنِّي لم أكشفهَا إنّمَا أسدلتُ شعري حجَابًا يستُرها و زَيَّنت جوانبَه بإ**سوارات تزيده بريقًا و تبرزُ جَمَاله و سوَاده ، أرفقْتُ إطلالتِي بكعبٍ و حقيبَة سهرة من" شانيل" و لم أنْسَى مُلمِّع الشِّفاه بلون و رائحة الفراولة و مَسحات خفيفة من مَساحيقِ التَّجميل. كُنت جَاهزَة للمُغادرة حينَ إلتحَقَ جونغكوك بالغُرفَة ، بَدلته سودَاء كَعادته فهو وفِيّ للونه المفَضَّل و حتّى قميصه إتّخذ نفْسَ اللون ياقته مُحررة من الرّباطِ ، شعره مُسَرّح إلى الخَلف ممّا يمنحه مظهَرٍا مثيرًا و لمحتُ ساعة رول** على رسغه تساوِي ثروة. مَظهره مثاليّ لكنّي أخشى أن أعترفَ فلا أجدَ منفذا من نرجَسيته. إقترب من مجلسِي حيثُ كنت ألقي آخر نظرة على مظهري في المرآة قبل أن أغَادرَ ، لمَّا إنحنى بقربِي دغدغت رائحة عطره الرّجوليّة أنفي فأسبلتُ جفوني في إستسلام و إستنشقت عبيره الفَوّاح كأنَّه إدمَاني. أخرجَ من جيبِ سروَاله علبة حمراء منقوشة الجوانب بخيط ذهبي رفيعٍ و أخرج منهَا عقدًا توهَّج بريقه وسط نور الغرفة الخافت و طَرحَه على ص*ري ، تحسستُ حبيبات الألمَاس بأناملي و كلّي إنبهَار بجَماليّته و في تلك الأثناء قامَ هو بوَضع الأقراط التّابعة للعقد في أذنَيّ و كلَّما إنتهَى من واحدة طبع قُبلة ساخِنة على جانبي رقبتي الأيمن و الأيسرِ فأشعر بها كهرباء تسري في كَامل جسدي ، مدَّ يده ليصطََحبني خارجًا و لمَّا أبصر الخاتم في بنصَر يُسرايَ نبس مبتَسمًا " تَرتَدين خاتمَ زواجنا" بادلته نفس الإبتسامة الدَّافئة و أجبتُ بينمَا أتَأمل لمَعانه " لم أخلعه منذ تلك الليلة أبدًا " أزاحَ خصلاتي التي تقبع على كتفي و أردف بينمَا تحاوط يده بخصري " و لن تَفعَلي " رافقنِي خَارجًا و نَزلنَا نحو مرفأ السيّارات ، إمتطَينَا سيّارة مرسيدس و عَدّل المكَابحَ متَّجهَا نحو نُزل صديقه. طِوال الطرِيق شغلت بصري بمراقبة نَاطحَات السَّحاب و الشَّوارع المكتَظّة بالمَارّة و السيَّارات ، و بعد فترة من القيادة وجدتُ السيارة تَطوي أرضَ منطقة سَاحليَّة و بعد وَهلة لمَحتُ أضوَاء ساطعة ، شماريخ و أصوات موسيقى صَاخبة. خَفَّض جونغكوك السُّرعة و راقبَ معي الإحتفالات المقامة على بعد مئات الأمتار من النّزل بإنذهال. وَصلنَا إلى المكان الموعود و إستقبَلنَا هنَاك أحدُ العمَلة الذي سيَقوم بركنِ السيَّارة في مكَانها المُخصص ، ترجَّلنا نحو المَدخل العملاقِ و المفروش بزرابيَّ حَمراء وثيرَة و إلتحقنَا بالثُّنائيّات التّي تتهَافت للدّخول و خلالَ مسيرنَا لمحنا عرُوض فنون اللَّهب تقَدّم عَلى جوانب الممرّ و أل**بًا بهلوانية خَطرة أخرَى. وَلَجنَا قاعة فَسيحَة بد*كُور فخمٍ حيثُ يجتمع جميع المدعوّين، الطاولات مرصّفة على الجانبين تحمل أشهى المأكولات و أطيبَ أصنَافها و الأرضيّة مصقولة بمرمرٍ يعكِسُ الأضواء السَّاطعة من الثريّات التي ترَصّع السّقف و هو بدوره يحمل نقوشا و زخارف من الجبس تَشدّ النَاظر ، الموسيقى و الأجواء رائقة و الجميع يتَباهون بثرواتهم و البعضُ يتفاخر بزوجته أو عَشيقته. الكؤوس تتصَادم إحتفالا بنخب هذا الرجُل اليافع فاحش الثَّراء و القهقهات تتعالى من حناجر أنثوية و ذكوريّة... ظللتُ أتابع ما يجرِي بعيون حائرة فلم يسبق و أن إختلطت بمجموعات الأثرياء هذه لكنّ جونغكوك ضغط على خصري بخفة و دَعاني للمُضيّ قدُمًا ، وقفنَا قُربَ مجموعة من الرجَال كلّ واحد منهم محَاط بإمرأة تشبع غرائزه بلمَسات ماجنَة و قبلات ساخنة و فجأة إنسحَب أحدهم من وسط الضوضاء و هروَل نَاحيتنَا. لقد كانَ وسيمَا كأنّ الآلهَة باركَت جمَاله و مُتفرّدًا بملامح جَذّابة كأن الرّب عجَزَ عن الخلق من بعده ، حُلوٌ كأنّه آخر عمل لفنَّان يائسٍ. يلتَحف في بدلة رمَاديّة و يتَباهى بخصلاته الشّقراء. حَالمَا بلَغنَا عانَق جونغكوك بحميمية وربَّت على ظَهره كأيّ صديقينِ لم يلتقِيا منذُ زمَن و صرخ بحمَاس " جيون جونغكوك، أهلا بكَ يا رجُل حللت أهلا وَوطئت سَهلا " ضَرب جونغكوك عَضده بخفّة و قال مَازِحًا " عَدوّي السّابق بارك جيمين، كيف حَالك" قهقه الآخر معانقًا إيَّاه بجانبية و أجَاب " ذاكَ من المَاضي يا صديقي ، أراكَ في أحسن حال" لم ينهِي كلامه و لكنّه إلتَفتَ إليّ حينَ إسترعيتُ قدرًا كبيرًا من انتبَاهه ، عَاينَ مَظهرِي من رأسي إلى أخمَص قدمِي و لم ترُقني نظراته الحَادّة على الرّغم من أنَّ عينَاه تتمَتَّعان بسحر خاصّ " و هذه الفتاة المثيرَة ، وجه بريء و جَسدٌ يحثّ على الذنُوب. من أيّ ملهَى حَصلتَ عليهَا " قوَّستُ حاجبَيّ و نظرت إليه بإزدِراء ، أعلمُ أن سمعة جونغكوك مع النساء في الحضيض و لكنّي لم أتوقّع أن يتمّ إهانتي بهذه الطّريقة ، الآن لا يَسعني تحمُّل نفسي. أراهن أن دماء جونغكوك تغلِي وَسط شرايينه و تتدَفّق كالحمم في فوهة بركان على وشك الإنفجار و لكنّ القطرة التي أفاضت الكأس هي ملاحظته لإنزعَاجي الكبير من كلمَاته الجَارحَة. تحمحم جونغكوك ممررا سبابته عند أنفه في محاولة منه عن التنفيس عن غضبه لكن ذلك لا يجدي نفعا و بعد أن كانت يدَاه محشورتان في جيبه أخرجَ يمنَاه و ضربَ ظهر صديقه ، لا أدري ما قوة تلك اللكمة مقارنة باللتي تبادلاها أثناء المزاح لكنّها كانت كفيلة بِرجِّ جسد جيمين بالكَامل " جيمين أظنّ أنّك تجَاوزت الحُدود سهوًا ، هذه زوجَتي! " تظاهر جيمين بضحكة مزَيّفة ثمّ إستدرك الأمر بسرعة و حاول إنقاذ الموقف " إعذراني لقد أسأتُ الفهم ، آسف على كلامي غير اللّائق سيدة جيون " مَدّ يده بغية مُصافحتِي و لكنّ جونغكوك إختَصر طَريقَ الرّفضَ فسَارع بمد يده و صافحه بدلا منِّي ، إبتَسم جيمين بجانبيّة و قال " كَما عهدتك يا صديقي مُتملكٌ في كلّ ما يَخصّك" حَمَل كأسين كريستاليتين بتلألأ فيهمَا نبيذٌ عنابي فاخرٌ و قدّمهما لنَا ثمّ أخذ كأسا له و سارع بالصعود إلى المنَصّة حيثُ حضي بإهتمام جميع الحضور " أشكركم سيدَاتي ، سادتي على حضوركم المُشرف. أصدقائي الأعزاء نحن نجتمِع اليوم للإحتفال بهذا المشروع الضخم الذي أضيفه إلى مجموعتي و بلقائي بصديقي القديم. بصحتكم نخب جيون جونغكوك و زوجته الجَميلة !" أشار إلينَا رافعًا كأسه فإلتفت حولنَا جميع الأنظَار و عَلا التَّصفيق ، عانقني جونغكوك و غروره يحَلّق في سمَاء التَّألق في حين شعرتُ بالخَجل الشديد فلا أريد أن أكون مَحَطّ أنظَار الجميع. شعور رهيب! حين عادت أصوات الموسيقى للإرتفاع و صُرفت عنَّا الأنظَار أخبَرتُ جونغكوك أنّي سأغادر إلى الحمام إحتجتُ لبعض الخصوصيّة بعدمَا حدث و بعد خروجي منه قابلتني فتاة تجاوزت حَاجز عمري بسنوَات قليلَة ، كانت وردة فاتنة مع فستانها الأحمر المغري . إبتعدت مفسحة لها الطّريق إذ خلتُ أنها أرادت قضاء حاحتها لكنّ هدَفها كان أنا " إذا أنت زوجة جيون جونغكوك " سألت دون مقدمات و عيناها تتفحّصني فهززت رأسي بصمتٍ و هي واصلت الحديث دون أن تأخذ إذني ما إذا كنت راغبة حَقًّا في سماع كلامها " أنا خَطيبته السَّابقة ، مين هَايدِي " إبتَسمت رغم المُفاجأة التّي نَزلت عليّ كالصَّاعقة و أجبتُ " تشرّفت بمعرفتك ، آسفة و لكنه لم يذكرك سَابقًا و لم يخبرني أنه كان مخطوبًا " كُنتُ بصدد المُغادرة لكنَّهَا أسندت ذراعَها على الجدار و منَعتني من الرّحيل ، تراجعت خُطوة الى الورَاء و لم يَرق لي تَصرّفها " بالطَّبع فهو لم يُحبَّني إطلاقًا ، كان منسَاقا نحو زواجٍ مُدَبّر بأمر من والده لأنّي الورِيثَة الوَحِيدةُ لشركَات والدي. كذلكَ حينَ عرفتُ طبعه مَليًّا كنت مدركة أني لن أستطيع المُوَاصلَة معهُ إنّه ضدَّ حُرّياتي و طَريقته في ممارسة الحُب مُروّعة " نَفثتُ نفَسًا محَملا بكُتَل من الغيرة و الغَيظ أثقَل كَاهلي و سألتُ مُتصَنّعة عدم الإكتراث " و مَا شأني أنا ؟ لماذا تطلعينَني على كلّ هذا ؟ " أزاحَت يدها التي كانت كالحَاجز بيني و بين المغادرة و ضَمّتها نَاحية ص*رِها " جونغكوك لم يكُن يميل إلى العلاقات الرّسمية أردت أن أعلمَ إلى أيّ حدّ تبلغ ثروتك حتّى تزوجَ منك بهذه السّهولة " لم أفهَم لماذا ربَطت زَواجنَا بالمَال مُباشرة أتَرَاه جَشعًا إلى هذا الحدّ ؟ جِدّيا أنا لا أفهم أفراد هذه الطَّبقة جميعهم مُتشَابهون و بعقليّة واحدة " لستُ من أصحَاب الثَّروة و الجَاه " حَالمَا سمعت إجَابتِي إنفجرت ضاحكَة ثمّ ردّت بسخرية " لا أصدق لا بدّ أن والدك ملياردير و إلا لما إكترث لك " تَمَادت في جَرح مَشَاعري و جَعلتني أشعر بعدم الإرتياح أكثر لذا قررتُ الإنسحَاب من هذه المحادثة العَقيمة " أخشى أنّه عليّ توديعك آنسَة هايدي لقد أضعتُ الكثير من الوقتِ و يجِب عليّ العودة إلى جانب زوجي سيقلقُ عليَّ إن تأَخَّرت أكثر " مررتُ بجَانبها دون أن أنظر إليهَا حَتّى ، على عَ**ها فقد إستمرّت في التّحديق بي حَتَّى إختفيت عن نَاظريها و هتفت بكلمَات مُستفزّة " إهتَمّي بِخطيبِي السابِق جيدًا" عُدت إلى قاعة الإحتفَال و قلبي ينصَهر تحتَ ألسنَة الحنقِ و السّخط ، لقد كانت تتحدّث بطريقة توَغّر ص*ري و تؤججُ ضغينَتي ليتنِي شددت شَعرها. دَاعب جونغكوك وجنتي برفق و سأل وجلاً " أينَ كنتِ كلّ هذا الوقت ؟ لقد تأخّرت" لقد كنت منفَعلة بسبب تلك البَغيضة و لم أدري أنّي كنتُ أصبّ جامّ غضبي غليه من خلال نبرة حديثي " مَع خَطيبتكَ السّابقة ، يبدو أنها تشعُر بالنَّدم على فُراقك" نَظرتُ مباشرة في عينيه و كلّي حقد و غِلّ فقطّب وجهه في حيرة و إستفهمَ " من ؟ هايدي ؟" أومأتُ ضاغطة على شفاهي ، إني أحَاول جاهدة ألاَّ أنفجِر باكية و لكنّي أتَظاهر بالقوّة " تحتَاجُ لتَشرحَ لي الكَثير سيد جيون " تَحوّلت ملامحه إلى غضبٍ عارمٍ و إنصرفَ بعِيدًا عنّي دون أن ينبِس ببنت شفَة ، ظللتُ واقفة في مكَاني أتآكلُ في خفُوت حينَ شعرتُ بيدٍ تزحفُ أسفَل خصري و تستَحوذُ عليه بلمَسات سامّة إخترقت جلدي. فحّ صوته في أذني و تلاعبَ بالكلمات لتطاوعه " سيّدة جيون لما أنت منزعِجَة أيعقَلُ أنّك لم تقبلي إعتِذاري عمّا بدَر منّي حِينَ إلتقينَا " حَاولت التّملص من قبضته و أجبتُ نافية " كَلَّا ، تعَكّر مِزَاجِي فَجأة هذا كلّ ما في الأمر " إبتسَم ممرًا يده عبر خصلاته الشقراء و أجاب بنبرة لعوبة " إذا لنَحظى بشرَاب فاخر و رقصَة راقيَة ، سيشعركِ ذلك بتحَسّن " كنت متأكّدة أنّ له نوايا خبيثة لذا فقد رفضت دعوته دون أدنى تفكير " آسفة لكنّي لا أريدُ " أمسكَ بمعصمِي و دَلّك راحة يدي بإبهامه ، طريقة مُثْلى للإقناع لكنّها لن تجدي معي " لا تقلقِي لن يَظنَّ بنَا جونغكوك سوءًا إنه صديقي " إنطفأت الأضواء تزامنًا مع جذبه لي بغتة ، كنت تحتَ تأثير الصّدمة لذا فقدتُ سلطتِي على جسدي. رفَع يديّ و شابكَهمَا عند رقبته ثمَّ قادَني بخطُوات موزونَة ، لم ألبث طويلا حتّى تذكرت كلمَات جونغكوك هذا الشّخص لعوبٌ و يرغبُ دائمًا بإمتلاك كل ما يَخصّ جونغكوك ليُغيظَه و يبدُو أنه لم يتَخَلّى عن هذه العادة. نفَضتُ يدَيّ عنه و تَراجعت إلى الخلفِ " أيّ صدَاقة تخَوّل لكَ التّصرف بهذه الطّريقة مع زوجَة صديقك " لم أنتظر منه جَوابًا و إنسحبت من ميدَان الرّقص بيد أنّ قبضة إلتفّت حول ساعدِي ، أعلم صاحب هذه اليد التّي تكاد تسحقني و أدركُ إلى أي حدّ هو يستشيطُ غضبًا الآن " هَيّا سندريلا لقد دَقّت ساعة منتصف الليل و يجب عليكِ أن تعودي إلى البيت لتواجهِي عِقَابك الذي ينتظرك " هسهس على مقربة منِّي فحاولت تبرير موقفي و شرح الحقيقة له " أيّ عقاب هو من سَحبني عُنوة ، لقد تَمَلّصت منه بصعوبة " حَدّق بي و عيناه تتَقدان شررا ، إنّه يتحوّل إلى وحش مرعبٍ حين تضرمُ فيه نيران الغيرة " أخبرتك ألَّا تقتربي منه ، أنظري إلى حُشود النساء حوله. لا أريد لزوجَتي أن تَكون واحدة من عَاهِراته إنه لا يكتَرثُ لأيّ أحد و يأخذ ما يعجبه دون وضعِ إعتبار للعواقب. " كلامه صحيح تمَامًا ياله من و*د و زير نساء ، إستدرت إلى جونغكوك و طأطأت رأسي نادمة على ما حدث للتّو " أنا آسفة ، لم أكن لأسايره طوعًا " حَمَل ذقني في قبضته و رفعَه لتُقَابلَ عينَاي خَاصّته لقد شعرتُ بالخوف و أنا أرى مصيري فريسَة في عَرينه اللَّيلة " كَرِّريهَا على السّرير! "
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD