خَرجتُ من قاعة الإحتفَـال أتبع خُطَـى جونغكوك الذِّي إشتَـدَّ حِنقه و قد كنتُ أدرك التَّالي ، إتَّجَه نحو مَرفأ السَّيارات و لم يتوقَّف للحظَة عن شَتم جيمين و وَصفه بأبشع الألقاب حَتَّى أنَّه تَوَعُّده بالأسوأ و بعيشَة ضنكَا. لمَّـا أدركَ السَّيَّارة و الحَارس الذي بجَـانبهـا إنتَشلَ منه المفتاح حَتَّى كَاد يتسبب في خَلع معصمه و جَهر في وجهه
"أخبر رئيسكَ البغيضَ أنِّي سأهدمُ هذا المبنى الذِّي يَتفاخر به وأجعله دَفينًا تحته "
تَبَرَّمت بإنزعَـاجٍ شديد و صعدت إلى جَـانبه في السَّيارة ، أعلمُ انَّ حالته الهستيريَّة لن تنتَهي عَمَّا قريب لكنِّي أخاف أن يرتَكب مُصيبة تحت تأثير غيرته المرعبة خَاصة و أنَّ دمَاءه تَسري ملتهبة في عروقه و هو لا يتَحَكَم في نوبات الجنون المُؤقتة التِّي تُصيبه. بينَـمَا كنتُ أفكِّر في طَريقة لتَفادي مشكلة محتومَة الحدوث ضرب مقود السَّيارة بسخطٍ فباغتنِي ذلك و أرعبني ، نفثت زفرة عَميقة بينما أرَبت على ص*ري بخفَّة لتخفيف الذعر الذي إنتَـابني و لم أنتبه حينَ إستدَار نَـاحيتي و شرارات الغضب تتَطاير بين عينيه أستطيع رؤية جيمين يحترق في مقلتيه
"سأقطع يده التِّي لمَستك و أمنحك إيَّـاها عربون مَحبَّة"
زممت شفتي و أجبت بعدم اكتراث
"كَلّـا لا أريدهَـا يمكنك الاحتفاظ بها ، لكن هلَّا هدأت قليلا أرغب بالحَديث معك "
إرتسمت على شفته إبتسامة سخرية و ذلك لم يرق لي
"تريدين تَجنُّب العقوبة ؟ "
عدت الى الوَراء عاقدة ذراعيَّ عند ص*ري و أعربت عن امتعاضي جَهرا لأوَّل مرَّة
"بئسًا للعقَـاب"
زَعقت عجَـلات السَّيارة حينَ إستدَار بسرعة بنيَّة المغادرة تزامنًا و نظراته التِّي إخترقتني، لم يكن ينتظر ردِّي ذاك
"هكَذَا إذا فأنت تنوين التمَرّد صغيرتي"
تنهَّدت بدَاية قبل أن أشرع في الحَديث بجدِّية ، إتَّضح لي أنِّي كنتُ أقبل بجميع شروطه دون أن يخضع هو في المقابل لواحد
"لنعد إلى المنزل و نُنهي أمر العقاب لأنِّي من وافق عليه منذ البدَاية لكن لتعلم أنَّ لي قوانيني أيضًا "
إهتَزَّت زاوية شفته بجانبية ليجيب
"أفهم أنَّك تنوين معاقبتي أيضًا "
أومأت
"لنقل ذلك "
سرعته الجنونيَّة مكَّنتنا من الوصول إلى الشُّقَة في وقت قيَاسي، كَـان أوَّل من نَزَل و فتَح البَـاب من أجلي لأنزل انا الأخرى لكنَّه لم يكن صبورا إذ نَطَقَ بتأمُّر
"بسرعة"
أشرت إلى حذائي أجبت بنفس قدر الإستفزاز في كلامه
"لا أستَطيع مجَـاراتك بينَمـا أنتعلُ هَذَا الكَعب العَـالي "
لم ينطق ببنت شفَة إنَّمـا إندفع نَاحيتي و حَملني فجأة ملقيا بجزء كبير من جَسَدي على كَتفه ، شلالات شعري الفاحمة منعتني من الرؤية طوال المسير لكنَّ حركته الفجئية سبّبت لي الدُّوار. لامست قدماي الثَّرى مجددًا حينَ وطأنا الشُّقة لمحته يلقي بسترته على الأريكة و يفكُّ أزرار قمِيصه حَتَّى إنتَصف مف*جًا عن عضلات بَطنه و بالمثل فعل مع الأزرار المتموضعة على كمَّيه إذ شَمَّرهمَـا مبرزًا ساعديه المشدودين و قبل أن يتَسنَّى لي القيام بأدني فعل سحبني من ذراعي على حين غرَّة طَرحني على الطَّاولة الرُّخَاميَّة للمَطبخ ، فرَّقت الخصلات التِّي تناثرت على وجهي و حاولت إكتشاف مَا ينوي فعله لكنَّ أوّل صفعة تلقَّيتهَـا على مُؤخِّرتي كانت كَفيلة بإعفائي من هذه المهمَّة.
لم يكن الأمر بذلك السُّوء إذ إعتدت على هذا العقاب و ليسا في طُفولتنا من مربيتنا في الميتم ، حينَ ظننتُ أنَّه إنتهَى من عقابه السَّخيف إرتأيت النُّهوض لكنَّه دَفعني مجددًا لأتَمَسكَ بأطراف الرُّخَـام الجَـانبيَّة و زَمجر
"لا تتَحَرَّكي"
نَظرتُ إليه بجانبية و إذا به يخلع حزامه الجلدي و يلقي به أرضا قبل أن يفكَّ سحَـاب سروَاله
"لم نتَّفق على هَذَا أنت لا تَستعمل الوقَـاية حَتَّى"
صَرخت به أحاول منعه لكنَّه قبض على خصلات شعري و سحبني بخفَّة ممَّـا سبَّب لي ألمًا طفيفا و أجبرني على الإمتثال لأوامره ، هجومه على أسواري بمدافع مليئة بالذَّخائر كان أمرا غير متوقّع لكنّه إعتاد أن يعيث فيَّ فَسادا و هل يستأذن المستعمر إذا مَا وطأت جنوده أراضي الاحتلال ؟ إلتحَـامنَا يُوَلّد هزَّات تمُرُّ في أجسادنَا كأمواج تعبث بدواخلنا لكنَّه وقبل أن يتَحَوّل المدُّ و الجزر الذِّي نتَشاركه إلى أمواج عاتية إنسَحَب سَـامحًا لي بإستردَاد حريتي لفترة ، إنشغل بترتيب هندَامه في حين بادرت بسؤاله قبل أن أكترث بأي شيء آخر
"أخبرني كم سرًّا تُخفيه عنِّي ؟ "
تَوَجَّه نحو الأريكة حيث أخذ مقعدًا و صَبَّ لنفسه كَأسا من محتوى القنينة الزجاجية التِّي كانت رابضة على الطَّاولة مقابلا له
"إن كان يجدُر بي إخبارك عن كُلِّ فتاة مررت بجسدها فعُـدِّي نجوم اللَّيل ذَاك أسهل لك إحصاء. أخبرتك أن تتَجَـاوزي مَـاضيَّ و تركِّزي على حقيقة إختياري لك لتَكوني زوجتي "
إمتلاكه لعدد كبير من العشيقات كان أمرا بديهيا لكنِّي رغبت في معرفة أكثر من ذلك و عقلي لا يجد طريقة تستدرجه للحديث عدَى فرضيَّة تبادرت لذهني فجأة
"لكنَّي لا أفقه عنك شيئا ، ماذا لو كنتَ رجل مَـافيا ؟"
إتَّسعت حَدَقتاه فجأة و كرَّر كلمتي الأخيرة بين قهقهاته
"مَـافيا ؟"
حَـاولت السيطرة على ثباتي و دَعَّمت كلامي بأدِلَّة واهية لكنِّي كنت مقتنعة بها
'' لد*ك كل المؤهلات التي تخوِّل لك أن تكون واحدا. نرجسي ، متكبر، مغرور ، فاحش الثراء ، غامض ،بارد ، منحرف و عنيف "
بقي يصغي إلى حَديثي و مع كلِّ صفة أذكرها تتسع إبتسامته كأنَّه يفتخر بشخصيته المعتلَّة ثمَّ ردَّ عليَّ مستعملا تشابيه و مفردات معقَّدة
"شكرا على الإطراء ، لكن إن كنتِ تَظنين أنَّ الملوك هم من يحكمون قديما فأنت مُخطئة النُّبلاء هم من يسيطرون على مصالح الملوك و تحالفاتهم لذا فهم يسيرونهم كما يشاؤون. كذلك الحَـال مع المَافيا و رجال الأعمَال. نحن من نَضمن بقاءهم خارج القُضبان "
ظللت أفكِّر فيمَا قاله إلَّا أنَّني لم أتَوصَّل لإجَـابة مقنعة تَشفع لي و كلَّمَـا بحثت في كلمَـاته وجدت كومة جديدة من الأسئلة تتراكم ، لمَّـا أدرك أنَّه لم يخلق لي سوى مزيد من الشكوك و الفرضيَّات المبهمة تَقدَّم نَـاحيتي و وضع يده على كتفي
"سأكون عادلا هذه المَرَّة لذا إفرضي أيَّ عقوبة ترضيك"
إبتسمت بجَـانبية و قد لمعت بذهني فكرة جهنَّمية ستلقِّنه درسا لن ينساه.
_________________________________________________________
رَائحة الطَّـعَام المُنبَعـثَة من المطبَخ تفتح شَهيَّـتي وتؤجج رغبتي في الأكل، مرّ أسبوع على الحادثة التي حصلت عند زيارتنا لحفل افتتاح نزل السيد بارك ومنذ ذلك الحين و جونغكوك يتلقَّى عذابا مطوَّلا إذ استغنيت عن وَاجبات البيت بمَـا في ذلك إعداد الغداء و ترتيب البيت و غدَى هو منذ ذلك الحين من يُـنَفِّذُها عوضًا عنِّـي. إنَّـه عقاب أقسى من الذي أتَلَقّـاه حين أخَـالف قوانينه، إنّي أجلسُ في زاوية إستراتيجية من الأريكة أحظى بكوب من المثَلَّجات المنعشة وأستَمتعُ برؤيَة مَشهد لا يُقَدَّر بثمن. الرَّئيس التنفيذيّ يقفُ عند بَـار المَطبخ يُـعانق خصره مِـئزر مطبخٍ نسَائيّ بلون زَهرِيٍّ نَـاعم ويَقـوم بتقطيع البَصَل مُكرهًا بينَمَـا تذرفُ عينَـاه دُمُـوعا تزيد المَشهد دراميَّة ومن حينٍ لآخر يرتفعُ صوته بشتَائم أو شَهقات مثيرة للشَّفقة، رَاقبته وعينَاي السوداوان تلمعان نَصرا وشمَـاتة و ما إن اكتَفيتُ من أخذ قسطي اليوميّ من الضحكِ على المهزلة التي ألحَقتها به صببتُ جَـامّ اهتمَـامي على شَـاشة التِّلفاز حيث كنتُ أتابع مسلسلًا كُوريًّا جديدًا في انتظَار أن يجهَز الغَـدَاء. مَرَّت نصف ساعة تقريبا وتوسَّطت الشمس كبد السَّمَاء حينَ سمعتُ صوت ارتطَام الصُّحون برخَام الطَّاولة، رَست نَظراتي عند مَوانئ المُتسبب في هذا الضَّجيج الذِّي قاطَـع ف*جَتي فأبصرته يقفُ ويدَاه تتَمركَزان عند خصره
"هَيَّـا الغَدَاء جاهزٌ جَلالتك أم تُريدِينَ منِّي إطعَـامك بيدي أيضًا؟ "
تَمَططت في مَكاني بإعياء وقلت في تَكَاسلٍ بينَما أشير بجهاز التَّحكم لإغلاق التِّلفاز
"لَيتَك تفعَلُ ذلك بجِدِّية لا أرغب بمُغادرَة مَجلِسي “
لم اكَد أنهي كلامي حَتَّى رأيته يهرع ناحيتي، الانزعاجُ يعتري وجهه، ولكنِّي لم أستَطع منع نَفسي من الضَّحك لرؤيته ينتعِل خُفّي الذي تُزينه فراشات على الجَوَانب. ارتمَى على الأريكة بقوَّة مُحَـاولا إفراغ شحنات الغَضبِ التِّي تعتريه ثمَّ نَظر نَاحيتي وأخَذَ شهيقًا عَميقًا قبل أن يسترسلَ في التَّنفيس عن انفعاله
"اسمَعي آرين أنا لا أطيق الوَضع أكثر صَدِّقيني أنا على وَشك الانفجَار ألم ينتَهي عقَابك لي؟ "
تلألأت عينَاي براءة قبل أن أجيبَ
"كَلَّا"
زَفَر بحدَّة وقد كان على قيد أنملة من الانفجار باكيا لكن بدَلا من ذلك فقد انفجر في وجهي وجَعل يسرد عدَّة تفاهات لكنَّني اضطررت للإصغاء إليه
"مَاذا تعنين لا أستَطيع مُواصلة لعب دور ربَّة البيت أنظري إلى حالي مع هذه الثِّياب النِّسائية، أنت تلعبين برجولتي وأخشى أن أستيقظ يومًا ما مع ارتفاع في نسبة الأستروجين في جَسدي. إنَّها كارثة ومَاذا تَبَقَّ عدَى الثَّرثرة ومضغ العلكة "
سمَحتُ له بمواصلة شكواه حَدَّ النهاية ثمَّ وضعت راحة يدي على وجنته وهمستُ بسخرية قبل أن أغادر نحو الفاصل الذي يحد بين قاعة الجُلُوس والمَطبخ حيثُ وَضع وَجبتنَا وأتَّخذَ لي مَقعَدًا
"لمَعلومَـاتك أنت تثرثر الآن، تَفَقَّد الأستروجين عزيزي"
شَرَعت في الأكل حينَ شعرت بيده عندَ كتفي تُمَـارس تقنِياته الاحترافيَّة في فنِّ الإغراء وبحسرة انتحَب عند مسَامعي
"حَتَّى أنَّـك لا تَسمَحين لي بلمسك، الرَّحمَة "
نَفَضت يده عنِّي وأجبت بينَمـا أدحرج عينيَّ في انزعاج
"بهذه الغَرَائز المقرفة أهنِّئك فأنت ذَكر بامتِياز "
تَنَهَّد جونغكوك وفي نبرته التَمستُ الاستسلام وكمحاولة أخِيرة نَبـسَ
"لا أستَطيع الصَّوم عنك وأنتِ تعلمِين لا تستَغِّلي نقطة ضعفي ضدِّي "
طَرحت أعوادَ الطَّعام جَانبًا وغَادرتُ مَقعدي مُتَّجِهَة نَحو الغرفَة
"حَسَنًـا لننَاقش ذلك فيمَـا بعد لَدَيَّ مَوعدٌ مع ليلي و لا بُدَّ أنَّـها بإنتظاري ، لا تنسَى إطعام بام "
ألقَى نَظرَة عل صحنِي حيثُ نَبشت كُرات الأرزّ دونَ مَسَاسٍ بها
"ألستِ جَـائعة لم تتَنَـاوَلي سِوَى القَليل "
وَضعت يدي على مَعدتي وهززتُ رأسي نَافية
"كنتُ أشعرُ بالجُوع الشَّديد لكن فجأة انقطعت شَهيَّتي فَورَ رؤيَتي للطَّعام "
غبتُ بضعَ دَقائق لتغيير ملابِسي إلى سروَال من الجينز وقَميصٍ صيفيٍّ أبيضَ وغَادرت الشَّقة تَـاركَة إيَّاه منهَمكًا في غَسيل الأطبَاق. حَدَث الكَثير خلالَ هذه المُدَّة الوَجيزَة إذ تُوفيت عَمَّة ليسَـا بعد صراع مع المَرَض وطوال المُدَّة الفائتة لم تُقَصِّر ليسا في الاعتناء بها بل كَرَّست كلَّ وقتها من أجلهَـا و حَـاولت جَاهدة أن أقدِّمَ لها يد العون و أقف إلى جَـانبهَا و في المُقابل لم يَرِقَّ قلب أيٍّ من أبنَائها لحَـالها و لم يتَطَوّعوا للاطمئنان عليها و الوَاضِح أنَّهم كَـانوا ينتظرونَ وَفاتها للاستحواذ على ثروتها الأمر الذِّي أدركَته العَمَّة قبل فوَات الأوَان لذَا قامت بترك وَصيَّة قبل وَفاتها وهي أن يتِمَّ حرمُ أبنائهَـا من الميرَاث و تعيين لِيسَـا كَوريثَة شرعيَّة لها.
كَانت تلك مُكَـافأة تستَحقُّها ليسا على تَضحيتهَا وقبولهَا الاهتمام بها بعد أن أدَارت ظَهرهَا لها في صغرهَـا، الآن لقد عادت إلى سالف عهدِهَا فتَاة تتمَتَّع بالبَذَخ والتَّرَف. أبصَرتها تركن سيَّارتها الجَديدة مُباشرة أمَـام مدخل البنَـاية الشَّاهقة بينَما تُعَدّل أحمر شفاهها في انتِظاري ، أخذت مَقعَدي إلى جَانبهَا و أرحتُ رأسي بينَ كفيَّ سرعان ما وضعت يدَهَا على قَفايَ و مرَّرتها بخفَّة بينَما تتسَاءل في حيرة
"آرين ما الأمر؟"
"لا أدري، أنَـا حَقًّا في مزَاج سيئ ولدَيَّ آلام فظِيعة في رأسي إضافة إلى فقدَان شَهيَّتي ونُفوري من زَوجِي... أظنُّ أنِّي مَريضَة "
"دَعينا نَمُرُّ بأقرب صيدلية لنشتَري لك دَواء يخفف هذه الأعراض وأنصَحك بإخبار جونغكوك فور عودَتك إلى المنزل لأنِّي مُتَأكِّدة أنَّه سينزَعجُ لو عَلمَ أنَّك ذَهبتي إلى الطبيب دونَ مَعرفته “
أومَأتُ مُوافقة علَى اقتراحها وارتَميتُ على الكُرسي أحاول أخذَ قسطٍ من الرًّاحة ملقيَة بجَميع أعبَائي بعيدًا، لم تَطل رحلة بحثهَـا عن صيدَليَّة قريبة إذ حَـالفنا الحَظّ بمُصادفة وَاحدة نَزلنا من السَّيارة ودَفعنَـا الباب البلَّوري بغيَة الدُّخول. أبصرنَا امرأة في الثلاثينات تجلِس على كرسي قبَالة منضَدَة طَويلة و تعبثُ بهَاتفهَا و فور رؤيتنا استَقامت و عرضت علينَا خَدَمَاتها، طلبت منهَـا دَواء يخفف الصُّدَاع بعد أن شَرحت لهَا قليلا عن حالتي هذه الأيَّام فانحَنت لتُحضر قلمًا وورقة امتلأت بعديد الأسئلة
"في حَالات مُشابهة لخَاصتك يجب عليَّ أن أخضعك لبعض الأسئلة قبل منحك الدّواء وأرجو أن تجيبي بنعم أو لا "
"تعانين من الصُّدَاع ؟ ارتفاع في دَرَجة الحرارة ؟ تَشعرين بالغثَيان ؟ إرهَـاق كبيرعلى الرَّغم من عَدَم بذل مَجهود عَضلي ؟ تَقلّبات مزاجية ؟فقدَان الشَّهِيّة ؟ نُفور من الأشخَاص المُقرّبين لك أو حُدوث بعض الشّجارات بلا أسباب مُقنعة ؟ ألمٌ في البَطن أو كثرة التَّبول ؟ و أخيرا هل إنقَطَعت دَورتك الشَّهرية أو تَأخّرت عن مَوعدها "
كنتُ أجيبُ على كُلِّ الأسئلة بنَعم و لكن آخرهَا وَقع عليَّ هبُوطَ الصَّـاعقة و دَفع بي للتَّفكير في إحتمَـال مُرادفه هلاكِي ، كنتُ أوَدُّ مَسحَ الخِيارات التِّي فرضت نَفسهَا في عَقلي لكنَّ تَصرفَ الممَرِّضة حَال دونَ ذلكَ إذ أخَذت رَدَّة فعلي على أنهَا شبيهَة بسَابقاتها من الاجَابات و توجَّهت مباشرة نحو أحد الرّفوف لتحضر علبة صغيرة مَدَّتها نَاحيتي وتَبَيَّن لي فيمَـا بعد أنَّـها اختبار حَمل. تَوَسَّعت عينَـاي رهبة و تزلزل كياني على وقع مَا حَدَث معي للتّو ، تراجعت إلى الخلف و الخوف يبرمُ عقدَ حَتفي مع الوَساوس التي اجتاحتني
"مُستحيل لقد كنت آخذ حبوب منع الحَمل بانتظام "
تَمتَمت بصعوبة وكأني أرى هذه الأداة أمامي حَبل مشنَقة سيُلفُّ حَول رَقبتي فأجابت الممرّضة بينَمَا تراجع الأسئلة التي طَرحتها عليَّ منذ وهلة
"آسفة و لكن على ضوء إجاباتك فلا تفسير آخر لحَالتك إضافة الى أنَّ الحبوب تمنع حدوث الحمل بنسبة تسعين بالمئة فقط ممَّا يعني أنَّك و والد الطِّفل قد أهملتمَـا طرقًا أخرى لتَجنب الحَمل ، يمكنكِ الخضوع للاختبار هنَا إن شئت استعملي هذه الغرفة "
أشارت إلى باب صغير يقود إلى حَمّام مُتَّصل بالقَاعة فنَظرت إلى ليسَا بعيون غَمَرتها الدُّموع لقد كانت تَشعر بمَدى الخراب الذِّي هَدَم أركَان ثَباتي وتوقنُ بأن الدَّمار حليفي إن تَحقَّق مَا أخشَاه لكنَّها على الرَّغم من ذلك حاولت أن تَمنَحني بعض الشَّجاعة كي أواجه مَصيري. لمَحت شبَح ابتسَامة شَاحبة على ثغرهَا وبلَمسة حانية دَفعتني للتَّقدم والخُضوع للإختبار
"كلُّ شيء على مَا يُرامُ لا تَقلقي، هيَّـا تَشَجَّعي سَأكون في انتظَارك"
تَنَهَّدت بأسى و حَملت العُلبة بأيدي مرتَجفة ثمَّ دَخلت الغرفة بخُطُوات وَاجمَة ، لبثتُ أمسكُ بعَصا الإختبار بينَ يدَيَّ كَمَن يحملُ قنبلة توشكُ على الإنفجَار ، كانت تلك أطول دَقائق في حَيَـاتي كلِّهَا إذ مَرَّت عَصيبة كلُّ نفس آخذه بها يزيدُ من إشتعال فؤادي و تأجيج نيراني.
اللَّحظَـة التِّي لن تُمحَى من ذَاكرتي أبدًا هي تلكَ حينَ لمَحت الخَطَّ يظهَر على الإختبار ويعلن عن صِحَّة توقُّعاتي، تَهَشَّمَ دَاخلي وتبَعثرت مَشاعري إلى ألف شَظيَّة صعب علَيَّ جَمع شتَـاتها. لم أكن أتوقَّع أنَّ خبَر حَملي سيَكون دَافعًا لانهِيَاري، طوال حيَاتي، كنتُ أتَمَنَّى أن تزهرَ في حَوضي بذور الحُبّ التِّي يكتنزُهَـا رحمي حينَ يسقيهَـا من مُزنه فَيخَصِّبهَا وننتَظر أن تؤتي أكلها. ثمرة عشقنَـا ونتَاج نَجوَانا، مَلاك ٌ صَغير يُشَاطرنَـا صِفَـاتنَا و مَلامِحَنَا و تَغلبُ عليه سمَـات وَالده حَـتَّى يغدُو نُسخَة مُصَغَّرة منه أردت أن يَملأ أيَّـامنَا بهجَة و يغدِقَ علينَـا بالسَّعادة و الفَرَح.
بكَيتُ لأنَّه حَطَّم أحلامِي وساوَى كَفَّة آمَالي بكَفَّة آلامه لقد وَضعني أمَام خِيارين إمَّـا أن أسايره و ي**ر قلبي و إمَّا أن يسَايرني و يدُوسَ مَبَادئه فإخترت سَعادته على خَـاصَّتي لأنِّي أحببته بصدقٍ و فَضَّلته على الدُّنيا و من عَليهَا. لقد كان دُرّتي التي عثرت عليها في غياهب الظلمات، جَوهرة فريدَة الأزمَان و الوَحيدة في جَميع الأكوان و الآن أشعر أنِّي خنته و خَذلت ثقته بي. أشعر أني سأعود حَاملة عبئا عليه يُثقلُ كَـاهله ، كيفَ لي أن أذرفَ الدُّمُوع بعد أن كُرِّمتُ بمَـا أبتَغي ؟
أدرتُ مقبَضَ الباب و خَرجتُ إلى ليسا و من تعابير وجهها أدركتُ أنَّ صوت إنتحَابي كَان مَسمُوعًا ممَّا جَعلهَا تُدرك مَا بيَّ دُون أن أجهدَ نَفسي بالكَلام ، حَثَّت خُطواتها نَاحيتي و سَارعت بمُعانقتي فيمَا انفجرتُ باكية و سمَحتُ لعبراتي أن تبرحَ حنجرتي و فككت الأغلال التِّي كانت تُكَبِّلها . شعرت بالأمَـان بين يَديها لكنِّي خشيتُ أن تفلتني فأهوي و لا أجد من يَنتَشلني
"إن كنتِ غَير مُتَزوِّجَة يمكنك الخُضوع لعَمليَّة إجهَاضٍ دون أن يعلم ذويك، كنت أظن اننا تجَاوزنا مرحلة الخوف من العلاقات غير الشّرعية"
هَتفت الممَرِّضة التي كَـانت تراقب ما يجري في صَمتٍ فرَدَّت عليهَـا ليسا تُحَـاول شَرح الوَرطَة التِّي وَقعتُ فيها
"صَديقتي مُتزَوّجة لكنَّ زوجًهًا لا يرغَبُ في الإنجَـاب "
لم أكن أبصرُهَـا لكنِّي متأكدة أنها تشفق عليَّ حين قالت
"في هذه الحَالة حَـاولي أن تُقنعيه أو يمكنك اللُّجُوء إلى الإجهاض كَمَـا سبَق و ذَكرت"
إنسللت من ذِراعي ليسا و تهَـالكت على المَقعد بجَانبي و جُيوش من الدُّموع فَرَّت من مآقيَّ تَستَقبلهَـا وجنتَـاي في عنَـاق مَرير
"كَيفَ سأحمِي نَفسي من غَضَبه؟ لقد انتهَيتُ لامَحالة "
تَـقَـاتلت أفكَـاري السَّوداوية مع آمَـالي الضَّعيفَة في سَـاحَة لا ترحَم الضُّعَفاء فأستشهدَت كلُّ مُحَـاولاتي في ايجَـاد طَريق للخلاص
"آرين دَعينـا نُغَادر"
عَـانقتني ليسَـا و رفعت يدي لتتَشبَّث بعنقهَـا ثمَّ سَارت تَقودني إلى الخَارج في حينِ تَبعتهَـا مَسلُـوبَة الإرادة ، ظَلَّت تَقودُ السَّيارةَ تَـجُوب شَـوارع نيويورك و لم تَكُفَّ عن الحَديث فيمَا يَخصُّ الإهتمَـام بصحَّتي خلال فترة الحَمل و تَجنُّب التَّوتر و الحزن اللَّذان قد يَتَسَبَّـبان في وَعكة صحيَّة لي و يؤثِّران على الجنين لكنِّي كنتُ أكَابد للنَّجَاة من أمواج الأفكار التي قلبت عقلي رأسًا على عقب و بالكَـاد أعرت كلامَهَـا إنتبَـاها.
لم أغَادر دَوّامة سريرتي التِّي تَعجُّ بتهديدات صريحَة لهنَـائي إلّا حينما تَوقَّف محرك السيارة و أدركتُ أنِّي وَصلت إلى البيت حينهَـا شعرت بقلبي ينقبض و أنفاسي تنقَطع ، أمسكتُ بيدَي ليسَـا و تَوَسَّلت إليهـَا آملة أن توافق على طَلبي
"تَعالي غدًا لاصطحَـابي لقد قررت الإجهاض "
شهقت بفزع كأنِّي عرضت عليها المَوت للتَّو
"مَاذا ؟ هل تُريدين أن يَصبَّ زوجك جَامَّ غضبه عليّ إن علمَ ؟ أنت أكثر من يدرك جُنونه"
وَاصلت الحديث مُحَـاولة إقنَـاعهَا بضرورة مُساعدتي
"لا يجب أن يعلمَ بهذا أبدًا، سيتمُّ الأمرُ في كَنف السّريّة "
أملت في أن تقف ليسا في صفي كعادتها لكنها خَيَّبت آمالي
"هَذَا هراء يجب عليه أن يَكون مُدركًا لمَـا يجري حوله، آرين ستَقومين بإجهَـاض إبنه دون أن يكون على علم بوجوده أصلا."
وَضعت يدي على جَبهتي ورفعت صوتي في انفعال، كلُّ ما أردته هو التَّخفيف من انفعالي وتوتري حيال ما يحصل
"لكنَّه لم يرد طفلا قَطّ، هذا سيجعل المشاكل تتفاقم فحسب"
أخذت ليسا يدي بين راحتيها وراحت تخاطبني في هدوء ولطف شديدين أرادت أن ترشدني إلى الجانب المُشرق وتشحنني بجرعات من الأمل
"حَتَّى لو كان يرفض ذلك إنَّه ابنه. أنجَبتمَاه معا، قررَا مصيره معا... أنَا أعلم أن زوجك حَاد الطّباع و يكره أن تخالف أوامره لكن لربمَا تتغيّر وجهة نَظره للمَوضوع إذا مَا وجد نفسه أمام الأمر الوَاقع "
كنت مصممة في البداية على التَّخلص من فلذة كبدي بنفسي دون تدخّله لكنَّها نجحت في اقناعي وتغيير رأيي حَتَّى و لو بشكل طفيف ما جعلني أراجع قراري و أذعن لرغبتها تحت مخاوفي المُتزايدة
"سأحَـاول رغم أنَّك تَدفعينني نحو الهَاوية "
أومأت ليسا بإبتسامة حنونة ثمَّ هتفت بصوتها المفعم بالحيوية
"تَذَكَّري أنِّي دَائما إلى جانبك إتَّصلي بي إن حدث أيُّ شيء وسأتَكَفّل بك والجنين معا لا تقلقي فقد صرت غنية "
أجبرت نَفسي على الابتسام رغم أنِّي في وضع لا أحسَد عليه وغادرت السيَّارة بعد أن تمنَّيت لهَـا ليلة سعيدة، دَخلتُ الشُّقَّة وقد إزدانت بأجواء رومانسية رائقة. الأضواء خافتة والعَشاء منتَصب على طَاولة مصنوعة من خشب الزان إمتدَّت على طُول الممرِّ الفاصل بينَ المَطبخ وقاعة الجُلوس ، بَرَزَ جونغكوك بهَـالته الخَـاطفة ،نسيمَ سحرِ في ليالي السَّحر، أشار لي بالجلوس بينَما يزيح الكرسي من أجلي
" وليمَة من أجل عقد الصُّلح بينَنا لا أريد أن تبقي غاضبة مني بسبب هايدي المزعجَة ، سأخبرك عن جميع تَفاصيل حَياتي إن كان ذلك يرضيك "
توجَّه مباشرة إلى مَقعَده بجانبي و جَلسَ ينتَظر بفارغ الصَّبر جَوابي ، كنتُ مترددة حيَال مَـا سأتفوَّه به و كيفَ سأفاتحه بالمَوضوع و خيَّرت اللَّعب على أوتار العَاطفة و إستمَالته بالطُّرق التَّقليدية
"بَلى، لننسى الأمر و دَعنَـا لا نَتَشاجر أبدًا في المُستَقبل"
إبتَسمَ برضا و نَقر كَأسينَا الكريستاليتين فتأرجحَ النَّبيذ وسطهمَـا و تشبَّث بحافة الكأس قبل عودته إلى القاع كذَا الحَال مع قلبي ، كل كلمَة ينطقها تحدث فوضى بداخلي خاصّة أنِّي لا أدرك أي السُّبل أسلك لتَجَـاوز هذه المحنة
"جَيّد ، إذن كَيف أمضيت أمسيتك مع صديقتك ؟ "
جَذ*ب صحنِي وَ شرع في تَقطيع شريحَة اللَّحم من أجلي فيمَـا كنتُ مترددة حيال الإجَابة
"في الوَاقع... لم أكن بخير لذَا أخذتني إلى الصيدلية"
سرعان مَـا سَرى الخوف في شعابه و تَاهت نَظراته تبحَث عن العلَّة التي أصابتني و آثارها
"مَهلا، متى حدث ذلك و كيف ؟ ما الذي جَرى ولمَاذا لم تخبريني أنَّك مريضة ؟"
أشُكُّ أنِّي سأخبره بالحقيقة أو سأتجَرَّأ على ذكر الأمر ثانية إن لم أسرع بلفظ مَـا يطرق ثغري بعنف و يطَالب بالانعتاق، خفضت رأسي و أغمَضت عينيَّ خوفا من القادم في حين إرتَجَفت أنَـاملي التي شَدَّت الأسر حَول حافتي الكُرسيّ
"لست مريضَة إنَّمَـا أنَا حَامل"
طَـال صمته و لم يَرُدَّ إنَّمَـا سَاد المَكَان هدوء مخيفٌ كَصمت القبور كلُّ مَـا استطعت تَمييزه هي أنفاسه الثائرة التِّي تتدَافع و ترتفع وَتيرتها كُلما مَرَّ الوَقت ، رفعت جُفوني بوجل أتَقَصَّى مَا يحدث حَولي. لقد كان يراقبني و قد إختفى بريق عينيه و فكَّـاه الحَـادَّان يحتكَّان بشراسة من يبصره يخَال أنَّه يطحن أضراسه ، أخذَ رشفة من محتوى كَأسه العنَّـابي يرطِّب بها حَلقه الذي جَفَّ من هَول الصَّدمة
"لا بُدَّ أنَّكِ نسيت أخذ المَوانع"
هسهس بنبرَة بَثَّت الرُّعب في أوصالي و خشيت أن يكون كلُّ حرف أدلي به شَاهدًا ضدِّي يدفعني نحو الهَلاك فإكتفيت بتحريك رأسي نَافية ، لمَحت كَفَّه تحكم القبض على الكَأس بيده حَتَّى تَهَشَّمت بينَ يديه و فَاض محتواها كما الحال مع صبره
"لمَاذَا تستَمِرّين في عصيَـان أوَامري ؟ أتستَمتعين برؤيتِي هكذا ؟ ما أنا فاعل بالمصيبة التي أحضرتها ؟ هل تظنين أنّي جاهز لدور الأب الذي فرضته عليّ ؟ "
شَعرت أنَّه يهينني بكَلمَـاته فَليس مَـا يرفضه سوى جزء منِّي ينمو بينَ أحشائي
"لا تنعَته بالمُصيبة أنت تُشعرني بالدَّنَاءة ، لستُ سَاقطَة أحضرت لكَ إبنًا غير شرعي و لم أفرض عليكَ شيئا ليسَ الأمر و كأنِّي الوَحيدة المُسَاهمة في إنجَابه. أليس الأجدَر بك أن تتَحَكَّم في نَزواتك ؟ "
إرتفع صوته فيمَـا إستَقام و جَعل يذرع الغرفة جيئة و ذَهابا
"لقد دَمَّرت كُلَّمَـا خَطّطت إليه من أجلنَـا "
إنَّه يجبرني على الشعور بالنّدم حيال أمر من المفترض أن يجعله سعيدًا ، لا أفهَمه
"علاقتنَـا لا تتَجَـاوز حدود السَّرير بالنِّسبة لك ، ألهَذَا أنتَ منزعجٌ ؟ "
"رَاقبي مَا يخرجه فمكِ من حَمَـاقات "
أشار إليَّ بسبابته في وضع تهديد بينمَا تشنقني مقلتَاه فأردفت بإرتجاف في صوتي
"يبدُو أنِّي لست الوحيدَة التِّي يجدر بها فعل ذلك "
تأفأف مُطَوَّلا بينَمَا يمرر يديه عبر خصلات شعره بضراوة ، كان كمن يفتشُ عن حلٍّ بينَ كومَة مشَاكل سَدَّت أمَـامه مَنافذَ النَّجاة و في زَفير حاد ينفس عن ثورته هَتف
"تَعالي معي سآخذك إلى طبيبة نِساء الآن لا بُدَّ أنَّ هنالكَ خَطأ ما في ذلك الإختبار اللَّعين "
نهضت و تَبعته بِصمت مذعنة لأوامره و منتظرة مَصيري الذي تتَحكَّم فيه أهواءه ، وجدت نفسي في قَـاعة انتظار فَسيحَة شغلت أكبر مساحة لها كَراسي مخصصة للمَرضى و مكتبٌ صغير للممرضة التي تهتمُّ بالإستقبال و تنظيم المواعيد.
منذُ وصولنا و جونغكوك يتَفَقَّد سَـاعته اليَدَويَّـة كأنَّما يجلسُ على جَمر لكنَّـه تَجَنَّب كُلَّ تواصل بصريٍّ معي إلى حينِ سمعتُ المُمرِّضة تنَادي بإسمِي حين حَـانَ دَوري ، وَقفت بصعوبة و تَبعت الممرضَة بخطُوَات وَاجفة كَأنِّي أسير على خيط ثباتي الرَّفيع و أي خطوة قد تؤدِي بي و تفقدني صَوابي دَلَفت مكتب الطَّبيبَة فألفيتهَـا امرأة كُوريَّة في عقدِهَـا الرَّابع لكن السنين لم تمحو من شَبابهَـا شيئا ، لا بُدَّ أنَّه بحث مُطَولا ليجد طبيبة من جنسيَّتنا حَتَّى يسهل علَيَّ التعامل معها ، كَانت تَرتدي حُلَّتها البيضاء و تصفف شعرها على كتفيها دعتنا للجُلوس قبالتهَـا و لأنَّني لم أنطق بحرف فقد بَـادر جونغكوك بالحديث نيابة عنِّي
"مَرحَبا دكتورة، أتينَـا لأن زَوجتي تَشُكُّ في أنَّها حَبلى وترغب في التَّأكد من الأمر “
طأطأتُ رأسي و إكتَفيت بالإصغاء إلى مـا يقول في صمت ، و ماذا عَساي أقول و أنا المُذنبة في نَظره و الحَـاملة للخَطَـايا التِّي يدسهَـا بي ثمَّ يبرِّء نفسه منها
"سيدَة جيون لا تَبدين مُتَحَمِّسة حيال الأمر، أتظنين أنَّه من المُبكر إنجاب طفل"
كَـانت الطبيبة شين تعيرني قدرا كبيرا من الاهتمام إذ لاحَظت الحزن ينتزع كُلَّ مظهر للفرحة من على وجهي عنوة و لم أجد بدًّا سوى أن أفصح عن بعض ممَّـا أختزنه بدَاخلي في رسالة مُشفّرة لكن يسهل فكُّ رموزها و الإطلاع على خَباياها
"ليسَ الأمر بيدي لستُ سوى مفعول به "
تَوَجَّت نَظراتها حالا نَحو جونغكوك بيدَ أنَّه حَافظ على توَازنه واعتبر كلامي ضربا من العبث ، لصرف إنتباه كلينَـا عن الأمر إختارت الطبيبة شين أن تبدَأ بإجراء فحوصاتها
"إذن مَـا رأيك أن ترافقيني لنَقوم بالكَشف "
تبعتهَـا إلى ركنٍ من المَكتَب حيث يوجدٌ سريرٌ مُحـاطٌا بعدَّة أجهزة و شاشات و إستلقيتُ عليه كَاشفَة عن بطنِي في حين وضعت عليه مادَّة هلاميَّة لزٍجَة و شرعت بتوزيعهـا على كَامل المنطقة المكشوفة نزولا إلى الأسفل ثمَّ جعلت تمرر جهَـازا كـَاشفًا و تتَابع ما يجري على شاشة صغيرة بقربهَـا لكنِّي لم أكن أدركُ ما الذِّي يجري هنَاك و كلُّ مَـا أراه هو صورة سودَاء مشوشة و بعض الخطوط الزرقاء اللَّامعة التِّي تتموج حَتَّى جونغكوك الذي كَان يقفُ إلى جَانبي و رغم جهله بمَـا يحدث إلَّا أنَّه بقي متأهبًـا مركِّزَا على أبسط التَّفاصيل
"هَذَا هو ، تهاني أنت حَـامل منذُ خَمس أسابيع "
نَطَقت الطبيبة مَـا فاجَأني و جونغكوك ، لم أستطع وصف شعوري إذ كَـان مَزيجًا من الحزن لمَصير طفلي المَجهول و سَعادة لكَوني شَـاطرت أيَّـامي و غذائي مَعه لفترة من الزَّمن ، لقد كَـان جُزءا مني طوال هذه المدَّة و لم أكن أدرك وجوده. لم أسيطر على رغبتي الجَـامحة في رؤيته لذَا سألت في لهفَة
"أين ؟ أنَـا لا أراه "
قَـامت الطبيبة بتكبير الصورة و أشارت إلى مضغة صغيرة تَسبح في كيس ، لقد كَان ضئيلا حَتَّى انِّي شككت في صحَّة كلامها لكنِّي لم أستطع منعَ نفسي من الإبتسَام
"هُنـا ، لا يزَال صغير الحَجم قرابة 2 مم لكنَّ نمُوَّه يسير بنسقٍ سريع و قلبه ينبضُ بمعدّل طبيعي. تريدينَ سمَـاع دَقَّات قلبه "
ضغطت على زر الآلة بجانبها ليرتفع صدَى دَقَّـات في الغرفَة و يتردَّد حلقات في أذني دُون انقطَـاع ، شعرت بإهتزاز ص*ري مَرفوقًا بشَهقَة إنبَعثت من أعمَـاق وجداني لتنهمِرَ دموعي على وَجنَتيَّ مدرارا. إحتضنت يد جونغكوك خَـاصَّتي و رغم أنَّ الرؤيَة كانت ضَبابيَّة أمَامي إلَّـا أنِّي لمحته يغرق في الكَآبة كَما هو الحال معي. إستعدت بعضا من توازني لأطلب من الطَّبيبة
" أرغب بالإجهَـاض "
لَـا بُدَّ و أنَّها ظنت أن دموعي هطلت بدَافع الفرح ، لم تكن تنتظر ردِّي المُفاجئ و لا تدري أنِّي بكلمتي تلك هَدَمت أعمدة السَّعادة التي بُنِـيت حَديثًا بمَجيئه
"لمَـا ؟ الجنين في حَـالة صحيَّة ممتازة"
لم أتَوَقَّع تَدَخُّله عند هذه اللَّحظة خُصوصا بعد ردَّة فعله المُنَفرَة حينَ أتيت على خَبر حَملي أمَـامَه ، لكنَّه عَقد حَاجبيه فورا و تَزَاحَم الإصرار في نبرة صوته
"آرين لم أفكِّر في اللُّجوء إلى هذَا الحل بعد "
دَائمًا يحَاول تَقزيمي و الآن يخبرني أنَّ القرار الأخير رَاجع إليه فيمَـا يخصُّ مصير الطِّفل ، قبل أن أشنَّ الهجوم عليه قاطعتني الطَّبيبة و قد تقلَّصت ملامحُ وجههَـا
"لن يَكون الإجهاض حَلًّا أبدًا إنَّمَـا سيؤثر على صحَّتك سلبًا ، ملفك الطبي يقرُّ بنقص مَناعتك و إصابتك بفقر الدَّم مَـا سيعرِّضك إلى خَطر كبير لو قمت بالإجهاض حَتَّى حملك لن يكون بتلك السهولة و يجب عليك اتباع تعليمات صارمة لضمَان سلامتك"
تَجَـاهلت كلامها و مَـا يحفُّه من مَخَـاطر و أعدت على مَسامعهَـا نَفس الطَّلب بعنَـاد
"مهمَـا كانت نسبة نجَـاح العملية سأجهضه "
قَوَّست حَـاجبيها و من باب النُّصح حَذَّرتني من جَـانب لم أفكِّر فيه و الذي يبدو مُرعبًا أكثر من عَمليَّة الإجهاض مجهولة النتيجَة
"لكنَّك قد تَخسرين فرصة الإنجاب في المستقبل أو ستتعَرَّضين لولادات مُبكِّرة "
فَكَّرت في الأمر لوهلة لكِنِّي تَذَكَّرت رفضه القاطع للإنجاب وأنِّي سأمضي حياتي عَاقرًا بدون أن يتردد في أذني صَدى صوت ينادي أمي لذَا وافقت على ما ينتظرني من عواقب و لكن هذه المَرَّة اكتفيت بإيمَـاءة و نَظرة شاردة و إذا به ينفجر كقنبلة موقوتة و يصرخ بي و قد بلغ من الغيظ أقصَاه
"كَفَـى هل تظنين أنِّي سأخَـاطر بك ولو كَانت نسبة النَّجاح 99.99 بالمئة "
دَوَّرت عينيَّ في محجريهمَـا بضَجر فيما ترددت أنفاسه المتسارعة على مسامعي كَأنه ينفث لهبًا في وجهي و بعد حينٍ كَسر الصَّمت المهين على القاعة مُعلنًا
"سأحتَفظ به ، من الصَّعب عليَّ تقبّل الأمر لكنّه طفلي سأحاول جَاهدًا أن أكونَ أبًا صالحًا "
لم أكن لأتَوَقَّع ردَّه هذا مُطلقًا ولوهلة خلتُ أنِّي أخطأت السَّمع لذَا فقد غَطَّيت وجهي بكلتَـا يدَيَّ و عَاودت البُكَـاء لكن هذه المَرَّة كنتُ في غاية من السُّرور رغم أنِّي لا أدرك مَـا أصابه و جعله يغيٍّر رأيه فجأة
إلَّا أنَّني إغتنمت الفرصة التي أتيحَت لي في غَفلة من القَدر لأحتفظ بصغيري و قرَّة عيني، تشبَّثت بقميص جونغكوك بعد أن أفلتُّ يده و عانقَتُ خصره و إسترسلت في تَسريح الشَّهقات التي كانت دَفينَة ص*ري. كيف كنت سأصبر على ألم فقدان صغيري لو أنَّ هذه المُعجزة لم تَحدث ؟ كيف كنتُ سأتقبَّل فكرة قتل إبني و هو الذِّي يفترض به أن يكون في أكثر الأماكن أمَانًا ؟ هل كان بمَقدوري العيش و يدَاي ملطختان بدمَاء روح بريئة وهبتني إيَّاها الآلهَة فاغتلتها في حين كان يفترض بي أن أوفّر لها حضنًا دَافئا يؤويها
_______________________________________________________________________
أنا جيون جونغكوك بعد أن وقفتُ في وجه كبريائي بشموخ و تَسَلَّحت بالحُبِّ لأقاتل ذاتي التِّي لا تعترف بوجوده و تضمر الضغينَة و السخرية لكلّ من يتَصَنَّعونه أقف مرَّة أخرى أمَـامه لأ**رَ جبروته بعد أن إقترفت جرمًا آخر بحقِّه و عصيته ، لقد خالفت مَبَادئي و الأسس التِّي عشتُ بهَا لزَمن طَويل. لَستُ أندَمُ على حُبِّي لآرين و لو كنتُ مُخَيَّرًا لأعدت حُبَّهَـا من جَديد فكُلُّ لحظة تَمُرُّ مَـعها تَرسخ في ذَاكرتي كالنَّقش على الحَجر، لستُ أبَـالغ إن قلتُ أنّه لو وضع العالم بأسره في كَفَّة و هي في كَفَّة لإخترتهـا و حَـاربت الأرض و من عليهَا من أجلها. لكنِّي أخشى أنِّي تهوَّرت و قطعت فيهَـا شوطًا لا يمكن التَّراجع عنه ، بعد أن حملت بطفلنَـا لَيس هُنَـاكَ حَلٌّ آخر أمَـامنا سوى إنجَـابه لكنَّني خَـائف...
تَركتُ آرين تغطُّ في نَوم عميق فقد مَرَّ عليهَـا يوم حَـافلٌ بالمُفَـاجآت و تَلَقَّت فيه أجمَل خبر في حَياتها ، عندَ عودتنَـا من عيادة الطَّبيبة بالسيَّارة إستَمَرَّت في المَسح على بطنهَـا بحُنُـوٍّ و لم تَتوقَّف عن الإبتِسَـام.
أشعُر أنّي مُذنب و لا يُوجَد طريقٌ للتَّكفير عن صَنيعي ، دَثَّرتهَـا بملاءة خفيفة و خَرجت إلى الشُّرفة أستنشقُ هَواء نَقيًّا علَّه يطغى على عَبراتي فيدحرهَـا لكن دون جَدوى كان ذلك مثل تَأجيج نيران فؤادي.
انحنيتُ مُستندًا إلى الفاصل الحديديِّ الذي يحُول دوني و دون أن أهوي أرضًا و لم أعترف بالدُّموع التِّي نَزلت من عينيَّ إلَّا حينَـمَا تذوقت ملوحتهَـا علقَمًا في فَمي ، لقد كنتُ أبكي و لأوَّل مَرَّة في حَيَـاتي و لكم تَمنَّيت أن تَكون الأخيرة. نَزفت دَمَ عيوني خشية الفراق و لوعة الغياب و قاسيت طول الليل بالسُّهد و الإنتحاب
لقد بكيتُ رغم إنكاري ، بكيتُ خَوفًا على زوجتي و إبني