الفَصل 24

4767 Words
لم أنعم بقسط من الرَّاحة طوال اللَّيل و حَتَّى مَطلع الفَجر ظللت أكَـابد هَوَاجسي عَلَّها تنقَشع لكنِّي لم أظفر بمبتَـغاي إنَّمَـا تَفاقمت أمَامي العَقبات لم أدرك أنِّي أمضيت الليل كلَّه أحملق في الأفق دون هَدف و بلا حَراك حَتَّى لمحت الشَّمس تكتسح عرش السَّماء و الظَّلام يتراجع بعد أن دَحَره النُّور، عدت إلى الدّاخل أجرُّ خطواتي و أعاني الويلات لأقف على قدميَّ إذ ما عدت أشعر بوجودهمَـا لطول وقوفي في الشُّرفة و إستنزافي لطَـاقتي. أخذت حَمَّـاما قبل أن تستَفيق آرين من نومِها عَلَّه يعيد لي جزءا ضئيلا من نَشاطي و لمَّـا كنتُ أرتدي ثيابي الجديدة أبصرتها تتململُ في فراشهَـا قبل أن ترفع جفونهَـا بتثاقل "صباح الخير ، إستيقظت باكرا ؟" فركت عينيهَـا تنفض عنها النعاس لأجيب محاولا جعل كلامي أقرب ما يكون للصحة "كلَّا ، لم يمضي على نهوضي الكَثير ، لقد كنتُ أستحم. ماذا عنك هل نمتِ جَيِّدا " إتَّسَعت إبتِسَـامتهَـا و سَارَعت تَقُصُّ عليَّ "بلى و رأيتُ في مَنامي أنِّي أنجبتُ طفلا يشبه هوسوك" حَدَّقت بهَـا في صَمت في البداية إذ عَجَز لساني عن التَّعبير ثمَّ إستَدرت إلَى المرآة أغلق أزرار قَميصي مغمغمًا بصوت خَـافت آملا ألَّا تَسمعني "الشُّكر لله أنَّه مجرَّد حلم ، هذا ما كان ينقصني " جلست القرفصاء على السَّرير تُحَـاول فهم مقصدي ثمّ جعلت تسرد عليَّ مَـا تخفيه سريرتهَـا بحَمَاس "بمَـا تُتمتم ؟ بالمناسبة لقد مرّ أكثر من ثلاث أيام منذ إتّصل بي ، إشتقت له و للعمّ يونغسو و حديثه الممتع و للجدّة ترى كيف حالها ؟ أفتقدهم جميعا إنّهم بمثابة عائلتي " كانت تذكرهم واحدًا تلو الآخر و تحصيهم بأناملها كي لا تنسى منهم أحدا و لمَّـا أنهت قائمتها الصَّغيرة تنهَّدت بينَما تخفض مستوى رأسهَـا مخفية خيبَتهَـا لذا طمأنتهَـا "لن يطول اشتياقك ، سنعود للدِّيار اللَّيلة" ما إن أدركت مَـا تلوته على مَسامعها للتّو حتَّى انتفضت من مكانها في لمح البَصر و طفقت تقفز على السرير ضحكـاتهَا تملأ الغرفَة "أحقّا ما تقول ؟ مرحى " فزِعت لمَـا رأيتُ إذ لم أتوقّع منها ردًّا طفوليّا كهذَا و فورا حاولت إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان "اهدئي ستؤذين نفسك ، توقفي عن القفز و إلا فقدنا الطفل " حاولت جاهدًا منعهَا من مواصلة التَّهريج و حين لم تستَجب لي حَمَلتهَـا قسرًا بعيدًا عن منأى السرير كي تَكُفَّ عن الصِّبيانيات و تَوَجَّهت نَـاحية المَطبخ "أتسَـاءل عن شُعور الجنين و أنت ترجِّينه كأنَّ زلزالا ضَربه " إبتَسَمتُ بسخريَة محاولا إغاظتَها فرَدَّت عليَّ بنَفس الطَّريقة لكن لم أتَوَقَّع أن ينقلب السِّحر على السَّـاحر "هَذَا مَا أرغب بمَعرفته في كلِّ مَرَّة تَقتَحمُ صَواريخك منطَقته الخَاصة دون إنذار " نَظَراتي كانت كَفيلة بشَرح مدى الإنزعاج الذِّي أشعر به إزاء هذا المَوصوع مَـا جَعلهَا تسترسل في الضّحك و الإستمتَـاع بمضايقتي "لا تُذَكِّيريني بالمُتَطَفِّل الذي كَان شاهدًا على جَميع اشتِبَـاكاتنا الحَميميَّة لأكثر من شهر" جعلتها تَجلس على الكرسي الدَّوار قبالة الطَّـاولة الرّخامية و سارعت إلى الثَّلاجة لإحضار البيض و الحليب و بعض الفَواكه "إجلسي و لا ترهقي نفسك سأعدُّ الفَطور بنفسي " أسندت مرفقهَـا إلى الطَّـاولة و رأسهَـا إلى راحة يدها و ظَلَّت تتأمَّل مَـا أقوم به "لا تُبَـالغ ما أزال في الثلث الأول من الحمل و أستطيع الحركة بحريّة لا داعي للخوف" كنت أخفق البيضَ و الحَليبَ كي أجهِّز الكريب بينَمَا أحَادثهَـا و لم أنتبه إلى أن أسألها أشهر مَـا يُطرح على النِّساء الحوامل في الأشهر الأولى "ولو ، يجب إحترام الحَوامل. أتشتهينَ شيئا معينًا ؟ " أشارت لي نَـافية ثمَّ أخذت هاتفهَـا و إنغمست في تَصفّحه "تَقول ليسَـا إنَّها لن تغادر الولايات المتحدة إلا بعد أن تنهي خلافاتها مع أبناء عمَّتهَا ، يتَّهمونهَـا بسرقَة ميراثهم. هؤلاء الحمقى ما فائدة المال بعد أن فقدوا والدتهم " كُلَّـمَـا طُرح هذا المَوضوع عليَّ وَجَدتني أكتَوي بسيَاط عذَاب الضَّمير التِّي لا تَرحَمُ و أتَحمَّـل وَحيدًا مَشَقَّة حَمل سرٍّ كبيرٍ أثقَـل كـاهلي و أرهقني ، لا أعلَم إلى متَى سأستَمرُّ في التَّكتمِّ عن الأمر و التَّظاهر بالجَهل في حينِ أنِّي أشعر بأنفاسي تنقَطع كُلَّـمَا مَرَّت الأيام و تَفاقم حجم السّرِّ الذي أحمله حَتَّى بات يُضيِّق ص*ري و يخنقني. تَجـاهلت كَلامهَـا و بدأت في ترصيف الأطباق على الطَّـاولة و قد تفننت في إعداد أشهى الأكلات الصباحية "لمَـا كلُّ هَذَا ؟ تَعلمُ أنِّي لستُ شَرهة " لم تكن تبدي رغبة في تناول كلّ هذا لذا حملت أعواد الطعام و قد تعلّقت بها قطع الفاكهة و وَجَّهتهَـا نَاحية فمهَـا ، لن تَجرأ عَلى رَفض طلبي "يجِبُ عليكِ أن تَأكلي قدرًا كَافيا من الطَّعام ألم تَسمعي مَـا قالته الطَّبيبة ؟ مَناعتك ضعيفة و الآن تُغَذّيـنَ صغيرًا معك، هيَّا إفتحي فمك " بحُلول المَسَـاء كُنَّـا جاهزين لمغادرة الشقَّة و الالتحاق بطائرتنا التّي ستقلع على السَّـاعة الثامنة بإتّجاه سيول ، نحن مُقبلان على رحلة طويلة و شَاقَّة و رغمَ أنِّي كنتُ قَـادرا على توفير طائرة خَاصَّة إلَّا أنَّ آرين رَفضت ذلك لذا اكتفيت بشراء تذاكر للسَّفر من الدَّرجة الأولى. كنتُ قلقًا من أن يتسبَّب الطيران لها في حالات غثيان و لكن لحسن الحظ لم يؤثّر ذلك على صحَّتهَـا إنَّما شعرت بمغص طفيف فقط . وَصلنَـا إلى مَطار انتشون بعد رحلة دامت 22 ساعة و تَرَجَّلنَـا في المَمَرَّات حَـاملينَ أمتعتنَـا و حَقائب سفرنَـا ، كنتُ بإنتظَار السَّائق الذِّي طَلبتُ منه اصطحـابنَا الى المنزل بيدَ أنَّه تأخَّر عن المَوعد الذِّي حَددته له و هو يدرك تمَـاما أنِّي أكره التَّأخير و خَاصَّة الانتظار "يبدُو أنَّ أوَّل مَا سأقوم به بعد عودتي من شهر العَسل هو اقالة سائق العَائلة " حَدّقت في سَـاعتي بغضب عَارم أرصد كلَّ ثانية تمرُّ دون أن يُطلَّ السَّـائق بينَمَـا سعت آرين إلى التَّخفيف من حدَّة مزَاجي بينَمَـا تُرَبِّت على عَضدي "لمَـا كُلُّ هذا الانفعَـال ؟ ما نزال حديثي الوصول ، لا ضير لو انتظرنا قليلا لا بدَّ و أنَّ له عذرا للتأخُّر " أومأت مُنصَـاعا لهَـا و لكن سُرعان ما تنَـاهى لمَسامعي هُتاف صوت مألوف ، بحثت في الأفق و إذا بي أبصر تايهيونغ يقترب من مَكان تواجدنا ملوِّحا لي و لمَّـا تأكَّد من هويتنا هرول نَاحيتنا كي يدركنَـا بسرعَة و يبادرَ بمعانقتي "جيون جونغكوك ، إشتقت لك يا صديقي العزيز لقد طال غيابك" لطَـالما كنت أنبذ الاتصالات الجسدية و العناقات الحَميمية لكنّه باغتني بحضن لم أقدر على صدّه و لم أجد منه مهربا اذ اعتَصرني بين ذراعيه و منعني من الحَراك "أفلتني ستقتلني " حَـاولت التَّملص منه و قد تشبَّث بي و أبى تركي فإنزَاح عنِّي متَصَنِّعًا العبوس و نعتني باللُّؤم ، لمحتُ إحتراق شهاب في فَضاءه الدَّاكن حينَ حَوَّل نَظره نَحو آرين و لم تلبث النَّيازك التي غَادرت عينَـاه أن تحَوَّلت إلى رمَاد حينَ قابلتهَـا برودة آرين و جَفافهَـا تجاهه ، أعلم أنَّه لو أكتشف أمري كُلٌّ من آرين و تايهيونغ سينبذَانني و قد أمسي وَحيدًا من جديد لكنَّني فعلت ذلك كي أقصي منافسي و أظفر بالمَرأة الوَحيدة التي استرعت انتباهي من معشَر حَوَّاء. ربَّمَـا خنتُ صديقي و كَذبت على زوجتي حينَ سَجَّلت مقطَعا صوتيا لتايهيونغ و هو يتَحدَّث عنهـا بتلقائية و لَفَّقت له قِصَّة من نَسج خَيالي مفادها أنَّه يرغب بإستغلالهـا لرَغباته و شَهوَاته في حين أنَّه لم يسبق له و أن ذَكر ذلك حَتَّى من باب المزاح. قد يبدو الأمر و كأنني إقترفت فعلة شنيعًا و تَصرُّفا متهورا لكنِّي فعلت ذلك كي لا أخسرها لرَجل آخر ، أضطررت لتَشويه صورته أمَـامها و اعطَائها عدَّة أسباب كَفيلة بجعلها تمقته لآخر عمرهـا و لكن ما باليد حيلة اذ كانت حُظوظي ضعيفَة أمامه آنَذاك و لم أكن لأحظى بفرصة لو أنِّي لم أتَصَرَّف على ذلك المنوال. لو أنِّي لم أتدبر الأمر حينَها ماذا كان سيحدث يا تُرَى ؟ أكنتُ أنا سأقف مَكان تَايهيونغ الآن أستعدُّ لعودته من شهر العَسل مع المَرأة التِّي أحبّها ؟ و لمَـا أتَحدَّث على لسَانه الآن و أضع إحتمَـال أنَّه لا يزال يحبها ؟ يستَحيل أن يكنَّ لها المَشاعر بصفَة مستديمَة وهو يعلم أنَّها تزوجَت من صَديقه لاسيَّمَـا أنَّه كان مُجَرَّد اعجَـاب لا أكثر "آمل انَّك قضيت وقتًا ممتعًا آرين " اكتَفت آرين بإيمَاءة خفيفة و ذلك كان أقصى ما تستَطيع منحَه إيَّـاه لكِنَّه لم يزحزح نَـاظريه عنها و استَمَرَّ في التَّحديق بها و عينَـاه سقيمَة كَأن الوَصبَ أقعَدَها ، تَحمحمتُ أعلمُه أنَّه تَجَـاوز المُدَّة المُحَدَّدة له للنَّظر لزوجَتي لكِنَّ ذلك لم يَكن كفيلا بإعادة رشده لذَا جَذبته بعِيدًا عنهـا و حَاولت إعَادة مَجرى الحَديث إلى سَابق عهده "إذن ما الذِّي أتى بك ؟ " إبتَسم بجَـانبية منتَبهًا إلى المَغزى من تَصرّفي العدَائي المُفاجئ ، خَفض بصره و أجاب "عَلمتُ بموعد عودتكمَـا من السيِّدة غاهيون لذَا أتيت لإستقبالكمَا و سأقلّكما بسيارتي أيضًا " أشَار لنَـا بمُرافقته و أخَذ عَنِّي إحدَى الحَقائب ، آرين كانت تُحدِّق بي دون انقطَـاع تَطلب منِّي أن نَرفُضَ دَعوته و نُغادر في سبيلنا اذ لم تَكُن تَشعر بالارتياَح في وجوده لكِنِّي لا أستَطيع رفضَ دَعوة صَديقي. عَـانـقتهَا بجَـانبيَّة مُحيطًا خصرهَـا بذراعي و هَمستُ في أذنهَـا "لا بأس بذلك صغيرتي" حَـالمَا خَرجنـا من البَوَّابة الرّئيسيَّة للمَطَـار أبصرنا سيّارة لامبورجيني زرقَاء تُهيمن على السَّاحة و تَحجُب عنَّـا بقية السيَّارات ، طِرَازهَـا الرَّفيع و تَفاصيلهَا الحَديثة يبرهنَـان على كَونها آخر إصدار. تنتَابني رَغبة مُلحَّة في تغيير سيارة مرسيدس بينز التِّي أمتَلكها و شراء وَاحد مماثلة لهذه التُّحفة "تَفَضَّلا، سيَّارتي الجديدة أهداني إيَّاها والدي لأنِّي فُزت عليه في جَولة غولف " أشار لنا بالصُّعود و لأنَّ آرين كانت فاغرة فَاها غير قادرة على الحَراك فقد جرَرتها خلفِي للسَّيارة ، حين إرتفعت أبواب السيّارة إلى الأعلى بطريقة لم تعهَدها من قبل نَطَقت في ذهول "daebak!!" بقيت تتَفَحَّص كُلَّ جزء من الدَّاخل بإنبهار شديد و لا ألومها على ذلك فهو كان يخطط لجذب انتباهنا منذ البداية "أينَ أتَّجه أيُّهَـا الرَّئيس جيون ؟ " هَتَف مُتَصَنِّعا الرَّسمية و مُتَقمِّصًا دور السَّائق فأجبت أحدِّثه بلهجَة لا تَخلو من التَّكبُّر و التَّعالي "سنَمُرُّ ببيتنَـا الجديد لوضع الأمتعة ثمَّ سنتَّجه إلى قَصر العائلة " أدَار مُحَرّك السيَّارة الذِّي تسبَّب في ضَجَّة لفتت أنظَار جميع المتواجدين في المَكَـان و زلزل صوته مُعلنًا عن تَقَدُّم مَلكة السيَّارات لتَصدُّر الطَّريق ، شَغَّل جهاز الأغاني لتتَحَوّل السَّيارة إلى ديسكو و إستَمَرَ في دندَنة مَقاطعه المُفَضّلة و تَرقيص أنَامله الرَّفيعة حَول المقود "لنحتَفل اللَّيلة ، سَأحجز لنَـا أفخر مَطعم " كانت آرين تُريح رأسَهَـا على كَتفي منذ غَادرنا المَطار و حَالمَـا سمعت دَعوته رفعت رأسهَا تبتَغي مَعرفة رأيي حيال الأمر ، ربَّت على كفها بخفّة قبل أن اجيب "ليسَ اللَّيلة نحن متعبَـان من السَّفر لنُؤَجِّل ذلك إلى الغد " "ممتَاز، لن تُمَـانعا إن أتيت لأخذكمَـا “ لم نتأخَّر في وَضع حَقائبنا في المنزل الجَديد و سَارعنا بإتِّخَـاذ وجهتنا التَّالية بنَاء على طَلب آرين الملحِّ. حينَ عبَرت السَّيارة البوَّابة الحَديديَّة الضَّخمة اقتربت آرين من النَّافذة و جعلت تتأمَّل كُلَّ شبر من الحَديقَة و في عينيهَـا نَـشر الحنين شَذاه فخَدّر روحَهَـا ، أبصرت عددا من الخَدم يقفُون في بهو البيتِ بإنتظَارنا ،لا بُدَّ و أنَّـها أوَامر أمِّي التِّي لا تناقشُ ، رَكنت السَّيارة قبالة المَدخل الرئيسي و ترَجَّل ثلاثتنـا خارجَها حينهَـا انحنى الخَدم متزَامنين لتَحيَّتنا و لمّا دخلنا تَبعنَـا إثنان منهم إلى قاعة الإستقبال حَيث تجتمع العائلة. جدَّتي تتَرأسُ الجَلسَة كَعادتها محافظة على هَـالة الوَقار التِّي تُحيط بشَخصِهَـا و أمِّي عَلى يَمينِهـا تَبدُو في غَـاية السَّعادة و عينَاهـا تُشِعَّـان مَسَرَّة برؤيتي بعد غياب طَـال لأكثَر من شَهر ، طَرأت بعض التَّغيرات على مَظهرها إذ قامت بقَصِّ شعرهَـا مَـا جَعلهَا تبدُو أكثر إشراقا و بهجَة و ازدَانت اليوم بحُلَّة حَمراء فبَدت كَوردة أوان تَفتُّحِهَـا. آخر من لَمحت كَان أخي غير الشَّقيق هوسوك مُقعَدٌ كمَا كان و كَمَـا سيَظَلُّ دَومًا و يرمقني بنَظرات خَالية من الإحساس على عَ** مَـا يُكِنُّه لآرين من حُبٍّ و إخلاص ، لقد شعرت بالفَرحة الكَبيرة التِّي ضَخَّها وُجودُهَـا فيه و أبصرت البسمَة التِّي تَوَسَّطت وجهه حَـالمَا حَطَّت عينَـاه عليهَـا "أهلا بِعَودة الزَّوجين السَّعيدين " رَحَّبت بنَـا جَدَّتي و سَمَحت لنَـا بالانضمَـام ، إنحَنيتُ و آرين باحترامٍ أمَـامها ثمَّ تَقَدَّمنَـا من مَكان مُكوثهَـا لنلقي عليهَـا التَّحية ، كانت مَسرورة هي الأخرى برؤية آرين. يبدُو أنَّ الوَحيدَة التِّي لم تَرُق لها زوجَتي هي أمِّي إذ لم تبدِي ردَّة فعل حينَ إنحَنت لهَـا آرين ولا حَتَّى إستَقبلتها بحَفاوة كمَـا لم تُظهر أيَّ رغبة في الحَديث مَعها على عَ** مَـا أبدَته من سَعادة للقَـائي إذ عانقتني مُطَوَّلا و ظَلَّت تعبِّر عن شَوقهَـا لي. دَعتنَـا جَدَّتي لمُشَـاركتها المَجلسَ لذَا فقد إتَّخذنا مَكانين منفصلين اختارت آرين الجُلوس بجَـانب هُوسوك و إستَمَرَّا في الحَديث و تبَادل آخر الأخبار و كلاهُمَـا يستغلُّ فرصَة لقَائه بالآخر في حينِ أخضذت مَقعَدًا بجِوار أمِّي التِّي مَـا لبثت أن إفتتحت الحوَار بالثَّناء على تَايهيونغ "أحسنت صنعًا عزيزي تَايهيونغ ، في الوَقت المُحَدّد" طَرح تايهيونغ يده على الجزء الأيسر من ص*ره متَّبعًا طُرُقًا قديمَة الطِّراز في مُحَـاولات الاستمَـالة العَـاطفية و الغزل "أوه لا تُنَـاديني بعزيزي إنِّي أشعر بالإطراء و مَع جَمـالك الذِّي يحبسُ الأنفاس أخشى أن يصيبني مَسٌّ من الجُنون سيّدة جيون " أمِّي تَسعَى دَومًا للكَمَـال و تُقدِّس ذَاتهَـا بجنون أمَّـا و إن مَدَحَها شخص و خاصة لو كَان من جنس الذُّكور فذلك سيعزز ثقتها بنفسها و يوَلّد لديهَا شعورا بالفخر. مَا تفَوَّه به ذلك الأهوج من طَيش قد راقهـا بكلِّ تأكيد لمحتُ إبتِسَـامتها و الطَّريقة التِّي هَزَّت بها شعرها القَصير ، مسرحيَّة روميو و جوليت المُبتَـذَلة أشعلت فتيل الغَضب بدَاخلي لذا لكَمت البغيض بجَـانبي "أيُّهَـا الوَغد أنت تتَحَدّث عن أمِّي إن كنتَ تَجهَـل ذلك " أشَارت لي أمِّي بتركه و لَوَّنت كلامَها بنبرة فاتنَة بينَمَـا تُرسل له نَظرات سَاحرة "دَعه جونغكوك ، تعجبني طريقة انتقائه للكَلمَـات " غَمَز لها تايهيونغ كَردٍّ على مُجَـاملتها له و هي إسترسلت في الضَّحك فيمَـا ظللت أراقبُهمـا بامتعاض ، تَغاضت جَدَّتي عن ذَلك و غَيَّرت المَوضوع "سَنُجَهِّـز لوَليمَة فَاخرة اللَّيلة إحتفالا بعودة حفيدي و زوجته " نَـال ذلك إستحسان تايهيونغ فعَبَّر عن حَمَـاسه بينَمَـا يضرب كتفي بخِفَّة "إذن سَنَحتَفلُ اللَّيلة في المَنزل على حِسَابك يا صديقي و غَدًا سيكُون الاحتفال على حِسابي " بَخَّرت كُلَّ آماله في الانضمام الى مأدبتنَـا الليلة و لكزته بمِرفَقي كَأنِّي غرستُ خنجَرًا في جنبه لأنطق بين أسناني بغيظ "مَن قال أنَّك مَدعُوٌّ أصلا ؟ " تأوَّه بألمٍ يستَعطفني و يثيرُ شَفقة أمِّي التِّي أومأت له باسمَة و وقفت مع هذا الغرِّ ضدِّي فجَعل ينَاظرني بإستفزاز مثيرًا غَضبي و وَسَط مُنَاوشتنَـا إستَقَـامت آرين من مَكَـانها و وَقفت خَلف كرسيِّ هوسوك المُتحرّك " إسمَحوا لنَـا سنكون في الأعلى إلى حين أن يَجهَز العشاء" إعتَدت و أمِّي أن نمتَلكَ إتِّصالا قَويًّا إلى دَرَجة أنَّنا نستَطيع أن نفهَم مُراد كلينا إستنادا إلى لغة العيون و دون اللُّجوء إلى الكلام ، نَظرت لي بحدَّة رافعة حَاجبيهَـا ففهمتُ أنَّها تُريد ملاقاتي في غُرفتهَـا حيثُ نَعقدُ أغلبَ إجتمَاعاتنا و ننَاقشُ أمُورًا مهمَّة. إتَّخذ كُلٌّ منَّا عُذرا للمُغادرة و إلتَقينَـا في غُرفتهَـا حيثُ تَحَلَّقنا حول طَـاولة صغيرة دَائريَّة الشَّكل "كَيفَ تَسيرُ الأمور مع آرين ؟ " تَحـاشيت النَّظر في عينيها خشية أن تكشفني ، إتَّفقت و آرين على ألاَّ نُخبر أحَدًا بمَوضوع الحَمل في الوَقت الرَّاهن. ليسَ قبل أن أدركَ مـا تسعى اليه جيون غَاهيون "بخَير كأيِّ زوجَين عَاديين" قَطَّبت جَبينـهـا و أعادت طرح السؤال بأكثر وضوح لكن بنَفاذ صبر "أقصد هل هي حَـامل ؟ " تَصَنَّعت البَرَاءة و أملت أن ينطَلي عليهَـا مَا سأقوله "كَيفَ لهَـا أن تَكون حَـاملا بهذه السًّرعة ؟ بالكَاد مَرَّ شهر على زوَاجنا " ضَاقت ذَرعًا بي و بمُحَـاولاتي لجَعلهـا تَغضُّ الطَّرف عن المَوضوع فَخَبطَت الطَّاولة بعنف "جونغكوك لا تُحَـاول استبهَـالي ، ليسَ و كَأنَّك لم تُضَاجعهَـا حينَ كنتَ تُواعدُها. لستُ صَمَّـاء و ليسَت جدران غرفَتكَ بخَرسَـاء. أعلمُ أنَّك لا تحب الأطفال " شابكتُ يديَّ ببعضهَـا و نظَرت مُباشرة في حَدقتيها هنَـاك حيثُ يكمن الحِقد و المَكر اللذان يعميَـانها "اصرارك يَعني أنَّ إنجاب حفيدٍ يخدمُ مَصلحَتك " كلامي لم يعجبهَـا بل إستهدفهَـا في صميمها لذا سَعت لتزويق صورة الأم المِثالية و الحَريصة على مُستقبل ابنها "لا تُكَلّمني بهذه الوَقاحَة ، منذُ مَتى و مَصالحنَـا متبَاعدة ؟ أنَـا أفعَل هذا من أجلك بالأساس" لم تستطع المحافظة على ثبات صوتها و لم أستطع المُحافظة على الرَّصانة التي لطَالما تَحليت بها ، كنتُ أختزن الشَّجن بدَاخلي و أدفنُ فرحتي في أعماق قلبي كي لا تُبصر النُّور و ذلكَ كي أنَفّذ أوامرها دون خلل أو نقصان إلى أن شعرت في النِّهَاية أنِّي مجَرَّد بيدق بالنسبة لها منذ ولادتي و حَتَّى "غَير صحيح ، طوال حَياتك تَضعين مَصالحك فوقَ كلِّ إعتبَار و لم تُفكِّري قَطُّ في سَعادتي، صحيحٌ أنِّي لا أريدُ أطفالا لكن لو كانت هي الأمَّ فسَأكون أسعد أب على الإطلاق ، لا أريدُ طفلا لأنَّه سيكُون أداة بينَ يد*ك تُحققينَ بهَـا مبتغاك و متى ما شئت تَخَلَّصت منها أخبرتني في السَّابقِ أنَّك أنجبتني كي تَضمني مَكَـانتك عند وَالدي و لا أريد لابني نفس المَصير ، لا أريدُ طفلا لأنَّ آرين ورثت عن والدتها البنية الهَزيلة و المناعة الضَّعيفَة و قد ينتَهي بهـا المَطَاف مثلهَـا لا أريد خَسارة زوجَتي لأنَّها من أعادت إليَّ الحَيَاة ، لا أريدُ طفلا لأنّه سيكون عرضة بنسبة كبيرة لتَشوّهات خلقية و أمراض ورَاثيَّة ناتجَة عن زوَاج الأقارب. لا أريد المُخَـاطرة بطفلي و زوجَتي ، أتفهمين الآن إلى أيِّ حَدٍّ تَضغَطين عليَّ ؟ مدَى الألم الذِي أقاسيه ؟ صعوبة حَمل السّر الذي أقحَمتني و ورَّطني فيه " كنتُ أتَحَدَّث باضطراب شديد حَتَّى سَرت رَعشة رهيبة في جَسَدي ، خَشيتُ أن تُدركنِي تلك النَّوبة ثانية و أنهار أمَـامها دون حُصوني فأغدو مثيرًا للشَّفقة. ستستهينُ بي لو رأتني أذرف دموعًا حارَّة لقلقي على مَصير شخصٍ أحبُّه لم تعترف أمِّي بالمَشاعر أبدًا و لم تؤمن بالعَاطفة و مَا يرتبطُ بها كذلكَ كنتُ قبل أن يزهرَ حبُّ آرين بين ضلوعي بعد سنَوات عجَاف تتالت عليَّ دون أن أبصر روضَ العشق يزدَهر. _________________________________________________________________________________ كنتُ أدفَع كُرسيَّ هوسوك في إتِّجَـاه الطَّابق العلويّ حيثُ سنمضي الأمسية قبل نزولنَا للعَشاء العائليِّ حينَهَـا راودتني رغبة ملحَّة في زيارة مَكَان طال بي العَهد كي أذكر آخر مَرَّة دَخلته فيهَـا "هل يمكننَا المرور بغرفة ذكريات العَائلة " ألتَفتَ نَاحيتي مبتَسمًا "كَمَـا تَشائين " سِرتُ في المَمَرّ الرَّئيسي و قبل أن أعرج إلى الغرف المَصفوفة على الجَانبين ولجت ذَات القَاعة الفَسيحَة التِّي دَخلتها لأوَّل مرة في زيارتي الأولى لهذا القَصر ، أذكر تَفاصيل ذَاك اليَوم كَما لو كان بالأمس لقد كانت العَائلة بأسرهَـا مجتمعة آنذاك كما اليَوم. عَبَق المَاضي يسيطر على كلِّ ركن من هذه الغرفة التِّي عَجَّت بالصُّور و التَّواريخ التِّي يرغبُ أغلبُ سُكَّان هذا القَصر بنسيَـانهَـا ، إنساق هوسوك لا إراديًّا إلى لوحَة والدته و طَفق يتأمَّلهَـا دون انقطَـاع وقفت إلى جَـانبه كما فعلت و سأفعل أبد الدَّهر و هَمست في هدُوء "وَالدتك لم تختفي من الوُجود أنتَ أثرهَـا، لتَكن فَخورًا أنَّك أخذت جَميع تَفاصيلها و لتَسعَد لأنَّهَـا قابلت صديقَتها المُقَرَّبة و تَوأم روحها بعد عذاب طَويل في هذه الحَيَاة المُرعبة " غَيَّرت مَسار بَصري إلى صورة تلكَ الشَّابة الحَسناء تتَوسَّط الورود و هي أبهَـاها ناعمَة الخَدِّ سكَب الدُّجَـى في عينيهَـا أرجُوانه و أظلَّ الليلُ شعرهَـا غيرَة فلم يكن في حُسبَـانه أنَّها سلبته أبرز صفاته، أدركت قاسمًا مًشتَركًا بيننَـا بعد التَّمعن في النَّظر إليها كلتَـانا تبتَسمُ رغم الألم الذِّي بدَاخلهَـا. طَأطأت رأسي أشعر بوخز في صَدري و جَابت التَّساؤلات ذهني لذا هَجرت المكان كمَـا كنت أفعل في كلِّ مَرَّة تشتدُّ فيها رغبتي في مَعرفة أسرار هذه العائلة الغَامِضة. لم يتَغيَّر شيء في غرفة هوسوك حينَ خَطَوت دَاخلهَـا الأثَاثُ يلتَحف ألوَانًـا باهتة و الجُدران رَمَـادية شَـاحبة، إتَّخذت من حَافة سريره مَكَـانا أجلسُ فيه و لم أطِق صَبرًا لأخبره بآخر المُستَجَدَّات فإذَا به يحمِلُ لي أخبارا سَارَّة هو الآخر. عَلمتُ ذلك حينَ نَطق كلانَـا في آن واحد "لَدَيَّ مُفَـاجأة لك لكن يجِبُ ألَّا يعلم أحدٌ بالأمر" ضَحكَ كلانَـا على المَوقف إذ إعتدنَـا تَشارك مثل هذه اللَّحَظات ثمّ آثرته على نفسي و طلبت منه أن يفصحَ عمَّا يُخفيه بِتَحَرّق " إبدأ أنت أوَّلا و سأطلعك على خاصتِي فيمَـا بعد " "حَسَنًا إقتربي منِّي و ابسطي كفَّيك" استغربت في بَادئ الأمر من طلبه الغريب و المُفَاجئ إذ لم أرى مَغزى من قيامي بذلك لكنِّي نَفَّذت طَلبه و إستقمت أمَـامه أمدُّ كفيَّ نَـاحيته ، أمسكَ بيديّ بقُوَّة حَتَّى تسبب لي ذلك في ألم خفيف لكنِّي تَحَمّلته و واصلت تَرقُّبَ مَا سيَحدُث ، إنكَمشت ملامحُ وجهه و أشارت تعابير وجهه إلى أنّه يتألَّم خَاصّة مع قطرات العرق التِّي تَشكَّلت على جَبينه أدركتُ حينَها أنَّ هوسوكَ كَـان يَرتَكز عليّ للوقوف و لا تَسل عن مَدى سَعادتي و دَهشتي لرؤيته يقف لأوَّل مَرَّة على قَدَميه لقد صحّت توقّعاتي و بَان بالدليل الكَـاشف و البُرهـان السَّاطع أنّ هوسوك لا يعاني من إعاقة دائمة و أنّه كان بإمكانه أن يتعَافى بسرعَة بعد ذلك الحَادث لو أنَّه تلَقَّى العلاجَ المُناسب لكنَّ شخصًـا مَا وقفَ حَائلا دُونَ ذلك و الآن أظُنُّ أنِّي أملكُ إيمَـانا قَاطعا عمَّن يكون و أدركُ مَليًّا هَويَّته. عُدت إلى الحَاضر و دَشَّنت دُموعي احتفَـالي بهذه المُنَـاسبة العَظيمَة ، سُرعَان مَا شعر هوسوك بالإرهَـاق الشَّديد إذ لم تتَعود ساقاه حَتَّى الآن على حَمل جَسَده و لمَّا اصطَكت قدَمَـاه بسبب رَعشَة عَنيفة دَجَّت بهمَـا إستَعاد مَكَانه على الكُرسيّ و جَعَل يلهَثُ و قد شَعَر بالإرهَـاق. لم أستَطع الحِفَاظ على استقامتي أنا الأخرى إذ جَثَوت على ركبَتيَّ عندَه و لثَمت يدَيه و أنا لا أزَال مُتَمَسِّكَة بهمَـا "كُنتُ أعلمُ انَّك ستُشفى... هذا أفضل خبر سَمعته على الإطلاق" إختَلطت مَشاعري و تَزَاحَمت كَأنَّها في يَوم حَشرٍ و كُلُّ مَـا فَعله كَـان النَّظر إليَّ بامتنَـان لِيُجيب "لقد ساعدني العَمُّ يونغسو للمواظبة على حصص العلاج و التّدليك كذلك التَّمارين التِّي أقوم بها في المَنزل إتِّباعًا لتعليمَات الطَّبيب" نَهضتُ عن الأرضِ و بَدَل أن أجيبَ عَـانَقته فَبدَى لقَاؤنَـا خُسُوفًا إتَّحَدت فيه مَشَاعرنَـا و تألَّقت رغم البُعد بيننا، دَاعبتُ خصلاتِ شعره بنُعومة و حَـاولت إخفَـاء دُموعي عن مَرآه لحظَة كهذه لا تَستَحقُّ أن تُفسِدَها الأحزان. تَرَاجعت إلى الخَلفِ مزينَة ثغري ببَسمَة رقيقة و مَسَحت على بَطني بحُنُوٍّ "مُفَـاجأتي لا تُقَـارنُ بخَـاصَّتك و لكن دَعني أطلعُك عليهَـا على أيِّ حَـال، إنِّي حَبلى" حَدَّق بي لوهلة في صَمت مَـا جَعلني أشكُّ مَـا إذَا سمعني أم لا ثمَّ إنفَجر ضاحكًا ، قَسمَـات وجهه لا تَدُلُّ على شيء سوى فَرحَة نَابعة من أعمَـاق قلبه. لم يلبَث أن بدَأ يهذي لفرطِ سَعادته مُعَوِّضًا كُلَّ الوَقت الذِّي أمضاه في الصَّمت "لحظَة تعنين أنّنِي سأصبحُ عَمًّا بعد تسعة أشهر ؟ كَلَّا أرغب بأن أكون خَـالا لأنِّي لا أعترف بذَلك المُختَلّ أنت أختي... لا أزالُ عَاجزًا عن التَّصديق لأوَّل مَرَّة ينجَرُّ خَيرٌ من جونغكوك" لم أستَطع منع نَفسي من الضَّحك و أنا أرى حَمَـاسه لكنَّه كان صَاخبًا مَـا جَعلني أشيرُ له بالتزام الصَّمت خِشية أن يَسمَـعنَـا أحد ، إنتَبه لصَوته العَـالي و الحَيويّ يَصدحُ في أرجَـاء الغُرفَة فَغشى فاه بيده و هَمَس "هَلَّا ننزل ؟ لا بُدَّ أنَّهم بإنتظَارنا " وَافقت على طَلبه و غَادرنا الغُرفة مُتَّجهينَ إلى الأسفَـل حيثُ تُعقَد وَليمَة جَليلة على شَرفنَـا ، إتَّخذتُ مكَـاني بجانب زوجِي و مُقابلا لتَايهيونغ و غَاهيون و شَرعنا في الأكل بعد أن سَمَحت لنَـا الجَدَّة بالمُبَـاشرة "مَـاهي أكثر دَولة إستَمتعت بزيارتها آرين ؟ " سألت الجَدَّة بلُطف و إبتَسَـامتهَـا تَبعَثُ فيَّ شُعورًا بالإنتمَـاء حَتَّى التَّجـاعيد حَول عينيها جَعلتهَا تبدو أكثر صدقًا و بَشاشة و عينَـاها تعانقانني بمَحَبَّة، بَادلتها الابتسامة و إستَرجعت شريط الشَّهر المنصرمُ و كلُّ لحظة منه منقوشة في ذاكرتي "في الوَاقع لستُ من عُشَّاق المَدينَة و صخبهَـا سيِّدتي لذَا فجَولتنا في أرياف سويسرا و طَبيعتها الغَنَّاء كانت أفضل تَجربَة حَظيتُ بها" كَـانت إجَابتي عَفويَّة لكنِّي أبصرت الكُره في نَظرات غاهيون و هي تنهَشنِي، إبتِسَـامتها المُستَفزَّة أنذرتني بإقدَامها على تَصرُّف بشع كَعادتها ولم يَخب ظَنِّي إذ تَهَكَّمت و فَكَّـاها يحتكَّان بسخرية "آرين لم تَكن لتَحلمَ يومًا بالقِيام برحلة ممَاثلة لهذه، أتَذَكَّر أوَّل يومٍ لهَـا هنَـا أقصى طُمُوحـاتها كانت دُخُول قَصرنَـا. الشُّكر لسيِّدها الذِّي رَفع من شأنهَـا" إنكَمَشت عينَاي و انقَبض صَدري رَافسًا قلبِي ، هي لا تَدَّخر فرصَة لإذلالي سرًّا أو عَلنًا أمَـام المَلأ لا تَزال كلمَاتها لي يوم زفافي تتردد حلقات في أذني و الآن أدرك ما مدى تَمسُّكها بتنفيذ تهديدهَـا لي. لن تتَوانى في تَدمير حَياتي ان أنا خَـالفتها و قد بَدأت بذلكَ بالفعل، القَهر بدَاخلي لم يجِد منفَذا يهربُ منه و لا مُتنَفَّسًا يتَبَخَّر عبره لذَا حَبسته بدَاخلي لكنَّه كان صعب الكَبح، ضغطتُ على السِّكين التِّي كنتُ أقطِّع بها شريحَة اللَّحم في حينِ طَرحت الجَدَّة كأسَ المَـاء التِّي كانت ترتشف منها على المَائدة مُعَلِّقَة على مَـا بَدر من غاهيون في حَقِّي للتوّ "ألا يَنطِبق ذلك عليك أيضًا ؟ ألم تَأتي إلى قَصرنَا لإسترداد مَكانة عائلتك بعد أن أفلسَ والدك و شَارف على الإنتحَـار؟" تَسَمّرت نَظرات الجَدَّة على وَجه غاهيون و لم تغادره بل ظلت تُحَملق فيهَـا ببرودِ فيمَـا إبتَسمت الأخرى و إستَعَدَّت لمُهَـاجَمتها من جديد بكُلِّ هدوء و ثقَة تبتغي إغاظتها "لم آتي بصفتي خَادمَة، لكن لمَـاذا تُواصلينَ ذكر المَوضوع باستمرار، تُرَى أيكون ذلك لأنَّ جايهيون كَان يهيمُ في عِشقي و عَصى أوامرك ليتَزوَّجني ؟ جُرحَ كبريائك و تَجَرَّعت مرارة الهَزيمَة أوليس ؟ " قَطَّبت الجَدَّة حَاجبيهَـا وقد نَـالت غاهيون مُبتَغاها ، لم أنتبه إلى السِّكين تنغرسُ في كَفِّي و رُبَّما كان ذلكَ لأنَّ قَسوة الظُّلم كَانت أشدُّ ألمًا. ترقرقت قطرات دمَائي لتُلوّن غطاء الطَّـاولة و تُدَنِّس بيَـاضه. لاحَظ تايهيونغ إحتدَام الجَوِّ بين أفراد العئلة و تَضارب التَّيارات بينها فقرر الإنسحَـاب و لا بُدَّ أنَّه ندمُ على قرار إمضَاء الليلة هنَـا بعد مَـا جَرى أمَـامه "أعتَقدُ أنَّ عليَّ المُغَـادرَة سـ..." مَـا يزَال في طَور النُّهوض بغية مُغادرة مَكَـانه حَتَّى أنَّه لم يتَسَنَّى له أن ينهي جُملته حينَ قَـاطَعه جُونغكوك بخَبط خشب المَـائدة بقَبضته حركَة إرتَعشت لها الأواني و إهتَزَّ مُحتواها حَتَّى تايهيونغ لم يستَطع المغادرة فقد سيطَر عليه خَوفه و ذهوله و جعلاه يتّخذ مكانه من جديد و يلتزم الصّمت "مَـا خَطبُ نِساء عَـائلة جيون ؟ لمَـاذا تواصلن الشِّجَـار؟ ألم تَسأمن من ذَلك " أنهى جملته بصراخ جعل كلّ الموجودين يتوقّعون حدوث الأسوأ "دَائمًا مـا تَصُبُّ جَـامَّ غَضبك عليَّ و كَأنِّي المذنبَة الوَحيدة" كانت تلكَ عادَة غاهيون بعد أن تتسبّب في مُصيبة يجبُ أن تَركن إلى تمثيل دَور البرِيئة المُضطَهدَة و تَستَغِلّ حُبَّ إبنها لها لكن جونغكوك لم يرضَخ لها هذه المَرَّة و لم تنطَلي عليه ألاعيبهَـا بل هَدَّدها بصريح العِبَـارة "أمِّي لا تَحتَكِّي بزوجَتي ثَانية و احذَري أن يَجرفَك غَضبي ، لا تَعلمينَ مدَى تَهوُّري و إلى أيِّ حَدٍّ يمكنني المُجَازفة" لم أجرأ على رَفع بَصري عن الأرضِ و بقيتُ أتآكَل في خُفوت لكنَّ إنقباضاتي بدت وَاضحة للعيان كذا سببها فلا دُخَـان بلا نَـار ،نَهَض جونغكوك عن مقعده و سَـاعدني على ذلك بتلك الطَّريقة الجَـافَّة أعلنَّا على انتهاء زيارتنا القَصيرة. لم أستَطع تَخطي قدر الإهانة التي شعرت بها و لا إستطعت التنفيس عن غضبي جُلُّ ما فعلته حالمَا وَطأت المنزل هو الإيواء إلى فراشي دون أن أناقش مَا حَدَث.إحترم جونغكوك رغبتي في الانزواء و التّكتُّم حِيال طوفان المَشاعر الجَارفة الذّي عاث فسادا بكياني و استقرار نفسيتي، إتَّخَذت ركني من السَّرير و دسست رأسي تحت المُلاءة و قد غَصَّ حلقي بعبراتي لكنها لم تغادره. شعرت بلمسته الحانية على كتفي تواسيني و بقدر الأسف الذّي يكنه لي ، لقد كان ذلك واضحا و لا يحتاج لكلمات منمقة حتى يعبر عنه أستطيع الشّعور بالطّاقة التِّي يحملها و معانيها و الآن هو خجل من ذنب لم يقترفه و أنا أعجز عن التّخفيف عنه كما يحسّ بأنّه يفعل. إقترب منّي و مسح على عضدي برفقٍ ثمّ قبّل فروة رأسي و قد اصطدمت أنفاسه الحارة بي متخطية حواجز القماش الذي يغشاني "أنا آسف ، أعلم أنّك تقاسين بسببي لكنِّ أريد أن أخبرك بشيء. اعلمي أنّي مستعدّ لمحاربة العالم من أجلك وليس أمي فقط" لَربَّما كانت هذه أتعسَ لحَظات حَياتي إذ كَبَّلتني الدُّموع و الأحزان و منعتني من الحَديث لكن ذلك لا يمنعُ أنَّها أصدقها بالنِّسبة لجونغكوك لم أشعر بذلك القَدر من الصِّحة والتَّحدِّي في كَلامه من قبل ورغم أنِّي أردت أن أشاركه الَّلحظة و أعبٍّر له عمَّا يخالجني إلَّا أنَّني لم أقدر وظللت طِوال الوقت الذِّي أمضاه بجَانبي أحَـاول كَتمَ شَهَقاتي من الإنفجار و تعميق شعوره بالذَّنب. في اليَوم المُوَالي تجاهل كلٌّ منَّا المَوضوع و لم نأتِي على ذكره بتَاتًا، كان كلّ شيء طبيعيا **ائر أيّامنا إلى أن حلّ المساء و حدث ما لم يكن في حسباني و لم يخطر على بالي ، إختَفت زرقة السَّمَـاء و صفاءها مع الغروب و مد طير المساء فيها جناحا كشراع في لجة من عقيق رَنَّ جرس البَاب الخَـارجيِّ و أبصرت تايهيونغ واقفا عنده عبر شاشة كَـاميرات المراقبة بالخَارج يتَرَقَّب من يسمحُ له بالدُّخول تردَّدت في البدَاية لكنَّ جونغكوك لا يزَال بالأعلى فقد تَأخَّر بتَجهيزِ نَفسه، رَغم أنِّي لم أرحِّب بفكرة مرافقته للعَشَـاء بعد كلّ ما اكشفته عنه من سوء أخلاق و انحطاط الا أنَّني لم أشأ إحراج جونغكوك و وَافقت على الذّهاب كي لا أجرَح خاطره لذَا غَيَّرت ملابسي الى فستَـان أحمر تراقِصُ حَـافّته فخذيَّ و يعَـانقُ قمَـاشه القَـاني ذرَاعي اليُسرَى في حين هَجَرَ اليمنَى فظَلَّت عارية مُجرَّدة يتَعلَّق بأعلاها سِوَار ذَهبيٌّ. قَـابلني و قد إعتنَق جَسده سترة و سروالا بندقيا أسفلهمَـا قَميص أبيض و لمَّا أبت عينَـاه الإنزياح عنِّي ضَرَّج الحَيَـاء وجنتيَّ و بادرت بالحَديث كي أخفف من توتري "جونغكوك في الأعلى، تَفَضَّل بالدّخول سينزلُ قريبا" صعدتُ دَرجًا صغيرا متألِّفًا من أربع دَرجَـات يقود إلى قَـاعة الجُلوس و يَفصلُهَـا عن المَدخل و أشرت له بالجُلوسِ ، لكنَّه ظَلَّ مُتَسَمِّـرًا في مَكَـانه آكلًا من مَظهرِي حَدّ التُّخمَة و مُقلتَـاه تُشعَّـان نُجومًـا بعِيدَة المَـنَـال "مع كُلّ خُطوة يرتَجُّ أسفلك و يهتَز أعلاك، ألا تدركينَ مدَى فتنتك ؟" رَطَّبَ لسَـانه شَفَته السُّفلى و تَنَـهَّد بعد أن أف*جَ عن مَـا يحمِله جَوفه و يَبُثُّ فيَّ الرُّعب ، نَظَرتُ إلى الأعلى اتَفقَّد مَـا إذا كان جونغكوك يَسمَعنَـا ثمَّ أشرت له بالصَّمت و قد اضطَرب دَاخلي بعد أن نَفثَ فيَّ سمُومَ كلمَاته اللَّـاذعَة "أأنتَ سَكران ؟ اخرس قد يَسمعك زوجي " كُنتُ منشَغلة بالتَّحديق يمنَة و يَسرَة خشيَة أن يدركَـنا جُونغكوك من حيثُ لا نَدري و تنتَهي هذه اللَّيلة بكَـارثة و لم أضَع في بَـالي إحتمَـال إقدامه على أمر جنونيٍّ. جَذ*بني نَـاحيته و حَـاصرني ببنيته ضدَّ الحَـائط مُحتَضنًـا وجهي بينَ كلتَـا يديه و هَمَس بصوته الثَّخين "اذن ألجِميني بلسَانك" يَحلو ما التَذّ الطّرف بالكتمَـان و حبذا قبلةُ السِّرّ في غَفلة الجِفان، تَحُلّ مقام الخمر شفاهي لفؤاده العَطشان فهل يستَقيمُ إتيانِي و مُعَـاقرة تلكَ الشَّفتان. دَفَع خصرَيّ إِليه و لولَا مُقَـاومتي لكدتُ أهوي في نَشوَة الهَوى في الإبَّانِ ،دَفعتَ ثمنَ شفاهي بلون شقائق النُّعمَـان غرامات بقبَل مُشتَـاقَة خَضَّبتها أنفَـاسٌ تَهمِسُ بالآثام و سَـال على حَوافِّ شفاهي ريقهُ كَسُلَاف من الجِنَـان. تَمكَّنت من التَّملّص منه بصعوبَة حيثُ إشتَدَّت سَطوته على عقلي و كيَـاني و دَفَعته بعيدًا عن منآي "هل جننتَ أنـا امرأة متزوجَة " إبتَسم و كأن رفضي له لم يَكن كَفيلا بِصَدِّه "ذلكَ يجعلك فَاكهة محرمة، ألسنَـا نَستَبيحُ مَـا تأباه عِفَّتنا" زَاد إرتباكي و تَشاحنت أنَـاملي في خَوف لأجيب بصوت مرتعش "مَاذا لو أخبرت جونغكوك ؟ ألا تَخشى غَضَبه ؟ " لم يؤثّر ذلك فيه إطلاقا بل زَاده إصرارا و بلهجة الوَاثق ردَّ مُصَمِّمًا منتَقيًا من قاموسِ عبره أكثر الكلمَـات إخَافة و أشدَّها وقعا في قلبي "لتَفعلي و لكنِّي مُتأكِّد من أنَّك لن تَجرئي فمَصيرنَـا واحد حينَها. و الآن نحن عالقان في هذَا السر و في متعة الخَطيئة "
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD