الفَصل 25

2641 Words
تَتالت الأيَّـامُ في سلسلة الدَّهر و تَعاقَبت الفُصول و اِنصَرفت الأيَّامُ مُخَلِّفَـة وَراءهَـا ذِكريات من ذَهبٍ و صَنَعت بينَنا قُوَّة الحُبِّ مَتَـانة لَا تُقهَرُ. حَـافظت على مَسافة لا يُستَهان بهـا بينِي و بينَ المَدعوِّ تَـايهيونغ إذ رَفَضتُ قدومه للمَنزل مُجَدَّدًا و تَوَسَّلتُ جُونغكوك ألَّا يَطلبَ منِّي سبَبًا وَجيهًـا لتَصَرُّفي كما حَظَرتُ رَقمَه بعد أن وَرَدتني عدَّة اِتِّصَـالات منه و لكِنَّه لم يَستَسلم إذ تَسَلَّل إلَيَ بِطُرُقٍ غير مَشروعَة آخرهَـا التَّودّد إلى هوسوك و الإفصَاح عن مَشاعره له لكنَّ ذلك لم ينجَحَ معِي و لم يغيِّر من صورته التِّي دنِّست بأفعاله الشنيعة و اِنحَدَرت للحَضيض في نَظرِي ، أتمَمت شَهري الخـامسَ من الحَمل مَع حُلول فَصل الشِّتَـاء و بَعدَ آخرِ الفُحُوصَـات اِتَّضَحَ أنَّ المَولودَ ذ***رٌ. كُنتُ أنوِي الحصول على حَمَّـامٍ دَافئ يُزهِقُ الإرهـاق الذِّي اِستَبَدَّ بي جَرَّاء زِيَـارتي الطَّبيبة فقد بَـاتت أبسَطُ التَّحركَّات تتعبني اِلتَحَفتُ رداءً أحمر و اِتّجهت نَحوَ حَمَّام الجَـاكوزي الذِّي يتَوَسَّط مِسَـاحَة شَـاسعة و يُطِلُّ على المباني الشَّاهقة للعاصِمة عبر نافذة بلورية كبيرة ، رُصِّفت على جَوانب الحَوضِ أقدَاحٌ و قنينة بلوريَّة اِكتَنزت شرابا عنَّابيا فاخرا و تَدَفَّقت بداخله ميَاه سَاخنَة و سَطع بريق الألوان التِّي تَنير ظَلام المكان. فككت رباطَ شَعرِي و قبل أن ألجَ الحَوضَ اِستَوقفني جُونغكوك يقترحُ "لنَستَحِمَّ مَعًا " ابتَسَمتُ مُرَحِّبَة بفكرته الآنفَة و لكِنِّي رأيتُ في مُضَايقته متعَة فسألت متصَنِّعَة الجرأة "لمَـا أتُريدُ منِّي إغراءك ؟ " تَجَرَّد من قَميصه بينَمَـا يُطلق قهقهات سخرية ليشير إلى بطني و ينطق بإستهزاء "ليس مع تلك البَطن المنتفخة " استنكَرتُ كَلامه و لم أعره اهتمَـاما يذكَرُ بل ظَللتُ أحدِّق في مَظهري بالمِرآة و كُلِّي شَوقٌ لإحتِضَـان طفلِي الصَّغير ، مَرَّرت يدِي على بطنِي التِّي أصبحت مُكَوَّرة خلال الآونَة الأخيرة و أجبتُ "قل ما تشاء لكنِّي أجد شكلي أثناء الحمل مثيرا" نَثَرَ علَى كتفِي قبلات نَمَت في لمح البَصَر و مَدَّ جسرًا من المداعبات وطأ عنقي فسلك السبيل نحو قلبي و استمسَك به و رَنَّت في أذني هَمسَـاته عَذبَة رقراقة كَخرير المِياه، لمَحت النَّرجس ذَابلا في طَرفه حين اِنغمس في أعمَـاق طيبي بينَ نَحت جيدي و أغصَـان صَدري الفَتيَّة "كنتُ أمَـازحك فحسب، أنت تزدادين جَمَـالا كُلَّ يَوم" نَضَى عنِّي المَلبسَ و مَـا جَـاوره و تَدَاحرنَـا نحو المَسبَح نغوص في خضمِّ حوَار المَاء إذ جَاء يُطَـالبنَـا أن نفصل جَسدينَـا فيختَلسُ ، تَرَاقَصت أنَـامله على بطنِي حِين طَوَّق ذِرَاعاه خِصري و تغذَّى سمعِي على صوته الهَادئ كَخشخشة أوراق الرَّبيع حينَ تُغَازلها النَّسائم "أرغَبُ في البَوحِ بمَـا يَجُول بخَاطرِي لكن أخشَى أن يتَنَصَّت علينَا طفلنَا و مَا في جُعبتي لا يَجُوز أن يُذكَر على مَسامع من هم أقل من 18 سنَة " أدرِكُ تَمَـامًا مَـاهيَّة أفكَـاره و بالنَّظر إلى السِّنّ الذِّي حَدّده أجبتُ في تَهكم "أظنُّك ستنتَظر طَويلا حَتَّى تُذِيعَ أفكَـارك" أزاح شَعري المنسَاب و صففه على كتفي الأيسَر ليغمغم ممَرِّغًا شفاهه على سفح رقبتي و منحدِرا إلى الأسفَل "حَالمَـا يُبصِرُ صغيرنا النُّور ستَعودُ لي حُرِيَّتي من جَديد " عَليَّ أن أعتَرف أنَّه يَبذُل مَجهودَات جَبَّارة في الآونَة الأخيرة كي يكبَح جِمَاحَ شَهَواته و لكنِّي إرتأيتُ أن أضغطً عليه بعض الشيء لأرى إلى أيّ مدى يمكنه الصّبر "آسفَة لكنَّه سيَستَحوذُ على جُلِّ إهتمَـامي و سأضطرّ لإمضَاء كَـامل يَومي مَعه فهو يَحتَـاجُ إلى عِنَـاية فَائقة مثل التغيير المُستَديم لحفاضاته و إرضَاعه و الغنَاء له و هَزِّه حَتَّى يَغفو و مَا إلى ذلك " إستَدرت أتَقَصَّى ردّة فعله بعدَ أن أنهَيتُ مشَا**َتي لأرى نَجمَيه يلمَعان في سَمَائهمَا يتلألآن مفتَخرين بوحدتهمَـا ملامحه بدت طفولية لوهلة حينَ شَرد يُفكِّر فيمَـا كنتُ أقول "هَكَذَا إذا مَـاذا عنِّي ؟ لم أكُن أظُنُّ أنَّ الأمر بهذه الخُطورة، أرفُض مُشَاركَة ممتَلكَـاتي مع أيّ شَخص حَتَّى لو كَان هَذا الصَّغير" غَيرته المُبَالغة أضحَكتني لكنّني واصلت إغاظَته "هَذَا الصَّغير هو ابننَـا لذَا لا تُبَـالغ ، مَاذا عَسَاي أفعَل لو إستَفاق بَاكِيا و نَحن في أعلى دَرجَـات الشَّبق ؟ سأكون مُرغَمَة على تركك و الهَرع له " سَكت لبرهة قبل أن ينطق "في هذه الحَـالة سَنجدُ له مُرضعَة " نَزَحت عن حجره حينَ لم يَرُق لي كَلامه و هَـاجمته في إنفعال سُرعَـان مَـا تلاشى حين كَشفت له عن نِيَّتي "إرتفع لد*ك حسّ الفكاهة مؤخرا ، يستَحيلُ أن أشارِكَ أمُومَتي مع أيٍّ كَـانت ثمَّ إنِّي لم أكن أتحَدَّث بجديَة حيال إهمالك. لا تَقلق لن يُغيِّر وُجود الطفل شيئًا في علاقتنا " كَان المُكوث في حُضنه أكثَر رَخَاء من الرُّخَـام لذا لم أجد المَقعد مُريحًا و ظَللت أبحَث عن وَضعيّة لا تُعيقني فيها بَطني "بلغت الثلث الثاني من الحمل و لازلنَـا لم نختَر له إسما " أسنَدت ذِراعيَّ إلى حَـافَّة الحَوض و أجَبتُ على الفور إذ كنتُ أنتَظر الفُرصَة المناسبة لاطلاعه على الإسم الذِّي إخترته "فَكَّرت في إسمٍ قصير و لطيف آملُ أن يعجبك (سول)" كُنَّـا قد اتَّفقنَـا سَابقًا أنَّنا لن نتَجَادل في تَسمية الطِّفل خُصوصا أنَّه لم يَكن مُهتَمًّا كَثيرا في البدَاية و لا تَستَهويه أمور كهذه لذا فقد وَافق على اقتراحي فورا "يبدُو جَيِّدًا، أتعلمين ما أكثر ما يشغلني هذه الأيام ؟ أتساءل ما إذا كان سيشبهني" إستغربتُ من كَلامه المُفَاجئ فقد عَهدته شَخصا أنَانيًّا مَهووسًا بذَاته لا يَرغبُ أن يُنَازعه أحدٌ أو يشَاركه في صفاته "آمل ذلك ليته يرث جميع تفاصيلك من العينين اللَّتان تهَيِّجَـان قلبي إلى الشِّفاه التِّي تُذيبُ صلبِي سيغدُو آية في الجَمَـال و سَيحمِلُ قلبًا طَيِّبًا نقيًّا و روحًا مُسَـالمَة و سيكُون هَـادِئ الطِّباع حَسن المُعـامَلة مثلي" استرسلتُ في الحَديث و لم أتَفَطَّن إلى أنَّني أطنَبتُ في الوَصف و بنيتُ صورة مِثَاليَّة لجَنين ما يزالُ في بَطني. مَا أثَار دَهشتي هو رَغبة جُونغكوك في الاِستحوَاذ على إبني و إنشَائه كَنسخة مُصَغَّرة منه قلبًا و قالبًا "من شَـابه أباه فمَـا ظَلم ، يُستَحسَن أن يَكون نسخَة عن والده في القُوَّة و الذَّكَـاء و الجَبَروت. لو إمتلكَ شَخصيَّة مماثلة لأمِّه فيا خيبَة المسعى، لو وَقَعَ في الحُبِّ فسَيَفقدُ كَرامته " هَل ظَنَّ أنَّ أنَانيَّته لم تَكُن كَافية حَتَّى يتَجرّأ على تَوجيه الإهانة لي بكلّ وُضوح؟ هذا ما لم أستَطع تَجَـاهله "سَيَكُون أفضل من أن يفقدَ عقله و يُخِيف الفَتاة التِّي يُحِبُّهَـا بَدَل أن يَستمِيلهَـا " لا يَبدو لي أنَّ الحَرب التِّي إندَلعت بينَنا على وَشَك الإنتهَـاء لأنَّه رمَى بقذِيفة أخرَى نَحوي "سيَحتَفظ بهَـالة مثيرة حوله بهذه الطريقة أنسيت أنّك أوّل من اعترف بحبّه " ذلكَ جَعلنِي أتَسـاءل ، هَل كُنتُ سَهلة المَنَـال إلى تلك الدَّرجَة ؟لا بُدَّ أنِّني كُنت ثَملة حينهَـا و إلَّا لمَا بادرتُ بالاعتراف له في حِينِ كَان هو أوَّل من وَقع في حُبِّي و جَعل يَطُوف حَولي باِستمرار "انظروا من يتحدّث ألم تقم بمطاردتي و حبسي لمدّة تفوق الشهر لتجبرني على الخضوع لك. كان جنونك بي واضحا لذا توقّف عن المراوغة " تَدَرَّعت بتلك الكَلمَـات بما أنَّها كَانت آخر آمالي حين أضعفت هَجَمَـاته حُصوني و أرادت أن تنقَضَّ. بَدَل أن يبَادلني بطَلق آخر طفق يُفَكِّر لبرهَة من الزَّمن و على شفتيه بَسمَة سَاحرة ثمَّ جَدَّف بذراعيه نَاحيتِي و لمّا بلغني زحفت جيوش قبلاته على فخذيّ بسلاسة "كم مضى من الوقت حتّى باتت هذه الأحداث الجميلة مجرّد ذكريات " استَيقَظتُ مُبَكِّرة صَباَحًا و مَررتُ بالغُرفَة التِّي جَهَّزنَـاها لاِستقبَـال سول لألقي عليهـا نَظرة تَكَـادُ تَكون جَـاهزة ما ينقصها سوى اللَّمَسات الأخيرة. لقد طَلينَـا الجدران بلون أزرَق فاتح و زَيَّنّاها بمُلصَقات للأطفَال و اِشتَرينَـا له سريرا صغيرًا و عددًا كَبيرا من الأل**ب، نَحن نَستعدُّ اليوم للذَّهاب و ابتياع بَعض المَلابس للرضّع و الأغراض الضروريَّة للولادة. رغم أنَّ الوَقت لا يزال مُبَكِّرا على شراء كل هذا إلَّا أنّني أجد مُتعة كبيرة في ذلك و أشعر بسعادة غامرة كلما أبصرت بضائع تَخص الأطفال ذلك يزيد من حَماسي و يشوّقني لاحتِضَـان إبني. وَضع جونغكوك يَده على كَتفي و تَفَحَّص الغُرفَة و ما فيها من مشتَريَات مُضَافة حديثًا حِينَ اِقتَحَمَ بَام الغُرفَة و جَعل يَجُول فيهَا بسعادة ثمَّ تَحَلَّق بنَا مُبَصبصا بذ*له "تبدُو رَائعة أولَيس ؟ كُلُّنَـا في اِنتظَار تَشريف الأمير سول بيننا حَتَّى بام" وَقف بام على قَائمَتيه الخَلفيَّتين حِينَ سَمع اِسمَه فربَّت على رأسه بخفَّة "أعتَقدُ أنَّ بام سيكُون حَارسَ الأمِير سول و مؤنِسَه" اِبتَسمت و الفَرحة تغدق على وجهي بشرا و سرورا، أنا سَعيدة لأن إبني سيتَرَبّى في كَنف عائلة تُحبّه و سيحظى بأبوين رَائعين سأحَاول جَاهدة أن أمنحَه الحَنان الذِّي فقدته و لن أقَصّر في حَقّه أبدًا سأكون الأمَّ المِثَالية التِّي يتَمنَّاها أيُّ طفل. اِنحنَى جونغكوك و قَبَّل بَطنِي فيمَـا مَرّرت يدي على شَعره المخمليّ بلطف. كَانت وجهَتنَـا هي أكبَر مُجَمَّع تِجَاريّ في العَاصمَة يَضم منتَجَـات الأطفال حَالمَـا دَخلتُ جَذ*بت اِنتبَاهي السّلع المرَصَّفة بنظام و بِشَكل مُلفت للأبصَار كُلُّ شيء جَميلٌ و البَضَائع على اِختلاف أنواعهَا تَدعوكَ لاقتنائها و تتنَافَسُ على الظَّفر باستحسَـانك. جعلنا نطوف بين الأروقة و حين أدرَكنَـا ركن الملابس اِستوقفني صوت جونغكوك و فيه تعبير عن الدّهشة "هل سيكُون بهَذَا الحَجم حَقًّا؟ يبدُو صَغيرا للغَاية " كان يَصُبُّ جـامَّ تَركيزه على قَميص قُطنِيّ بالكَاد يُغَطِّي كَفَّ يَده و سُرعَـان ما تَحَوّل اِنبِهَاره إلى نوبة ضَحكٍ حين تَنَاسبَ مَقاسُ جَوارب صغيرة معَ إصبعيه السبابة و الوُسطَى، مُراقبته على هذه الحَال جعلَتني أبتَسمُ تِلقَائيَّا و أشعر بالاِمتنَان لكَونه يشاطرني حَماسي و فَرحتي بهذا المَولود و لم يَعد يُكنُّ بدَاخله الرَّفض و التَّعصب اللّذان كَانا يُسَيطرَان عليه سَابقًا. كُنَّـا نَحظَى بِلَحَظات من الاِنسِجَـام و العَفويَّة المُطلقَة قبل أن يَرِنّ هَاتفه فَجأة ، رَفع السَّمَـاعة فإذَا بها السيّدة غاهيون "أمِّي تَطلبُ منِّي الحُضور ، تَقول أنَّ هُنَـاك مَسألة يجبُ أن نُنَـاقشها. أتأتِينَ معي أم أقلُّك إلى المَنزل " بَدَى وَجهه مُتَجَهّمًـا كَأنَّ مِزَاجه تَعكَّر بعد الإتِّصال و حَتَّى نبرة صَوته تَغيَّرت مَـا جَعلنِي أرغبُ بمُرَافقته "خُذنِي مَعك" لمَّـا وَصلنَـا فارقني جونغكوك في مُفترق السلالم المُؤَدِّي إلى الأعلى و هَرع إلى حُجرة والدته و لمَّـا اتَّضح لي أنّ الجَدّة غير مَوجودة تَحَـاملت لصعود الدَّرج أنا الأخرى مُتَّجهة إلى غرفة هوسوك طبيعيٌّ ألَّا يتَواجد في الأرجَـاء بمـا أنَّ زِيَـارتنا اليومَ فُجائية و لدَيَّ إحساسٌ دفينٌ يُخبرني أنَّ وَراءهـا الكَثير. تَمَكَّنت من الصُّعودِ بعد جُهد جَهيدٍ و لمَّـا أدركت الطَّابق الأوّل كنتُ ألهثُ كَأنِّي عُدتُ من سبَـاق، أفتقدُ الرَّشاقة التِّي كُنتُ أتمَتَّع بهَـا قبل أن تُثقلني هذه البطن و تُرهقني. لم أكن أعلم أنَّ الحَمل يُزهق روحَ الأمّ هكذَا. حِينَ دَخلتُ غرفتَه أبصَرته يتَّخذُ مَقعَدًا قربَ النَّـافذَة كمَـا اعتاد أن يَفعَل حينَ يُطَالع، بينَ يَديه رواية "مائة عام من العُزلًة" و على الطَّاولة بجَانبه انتصب كوب من القَهوة السَّاخنة التي فاحت رائحتها في الأرجَـاء. اِبتِسَامته كَانت دَافئة عَذبَة و لمَّـا وَجدتنا ننغَمسُ في غمَار محادثة بلا قُيود كَـان اهتمامه مُتَّجها في مَسَار وَاحد "إعتَاد تَايهيونغ القُدُوم إلى القَصر منذُ كَان صَبيًّا لكنِّي لا أذكُر أنَّه تَحَدَّثَ معي يومًا او شَاركني اللَّعب و الآن لا يَنفكُّ يَتَّصل بي من أجلك" لم أكن مُستَعدَّة للخَوض في مُحَادثة تَخصّه إذ بَاتت سيرته تُذكَر أمَامي بكَثرة مؤخرا "لا تُبَالي به ، أعلمُ مَـا يَسعَى خلفه لكنّي لن أسمَح له بزَرع الفتنة بيني و بينَ زوجِي" لاحَظ هوسوك انحيازي في صَفِّ جونكوك و ثقتِي العَميَـاء به اذ لم أشكك و لو لبرهَة في صحَّة ادعاءاته و كَان الملوم الوَحيد في نَظري هو تَايهيونغ. عَقد هوسوك حَاجبيه و ذراعيه و قال بصوت حازم "سأكون دَومًا سَاعدك الأيمَن و أنَاصرك في جَميع قراراتك لكن إن أردت رأيي الشَّخصيّ فهو أفضَل من أخِي . إضافة إلى أنّه بناء على مَا أطلعتني عليه يبدو دليل جونغكوك ضِدَّه مَشبُوها" التَّفكير في المَوضوع يُوَتِّرني والشَّكُّ في جونغكوك يجعلني أشعر بتأنيب الضَّمير و كُلُّ هذَا مع الألم الذِّي أشعر به حَاليا يقودني إلى حَافة الاِنهيار، كنتُ أشعر بدوار فظيع و برغبة في التقيؤ لذا غادرت مَجلسي إلى النَّافذة القَريبة بغية استنشَاق بعض الهَواء النَّقي "أنت بخَير؟ آريــن أنت تنزِفين " صرَخ هوسوك فَجأة و قد بَدَى مَذعورًا كنتُ أرتَدي فستَانا يصلُ إلى حَدِّ رُكبتي لذا فقد كَانت الدّمَاء التِّي اِنسابت على طول سَاقاي واضحة للعيَان. عُدت إلى مَقعدي مُشيرة له باِلتزام الصَّمت خشية أن يَسمَعنا أحد و أخرجت منديلا مُبللا من حَقيبتي الصَّغيرة لأمسح آثار الدّم من على جلدي "أخفِض صَوتك ، ليسَ بالأمر الجلل يحدث ذلك معي بين الحين و الآخر ألم خفيف و سينقَضي " اِنهَمكت في التَّنظيف و لمَّـا رَفعت بَصري كَـانت عينَاه تُحِيطَـان بي فهَمَس بنبرة مُخَضَّـبَة بالشَّجَن، عبَارة رَنَّ صَدَاها في أذنِي و رَسخَت عميقًا في قَلبي "مَـازلت كَعادتك ؟ تَتألَّمين في صمت " لمَّحت لي أمِّي خلالَ إتِّصَالهَـا أنَّها وَجدت حلًّا لمشكلة الميراث و أنّها تَوَصَّلت إلى مَـا يُرضِي جَميع الأطراف لذا و بِدَافع حب الإطلاع و رَغبتي المُلِحَّة في إيجاد مخرج من هذا المَأزق حرصت على القدوم في أسرع وقت لأنصدم بالآتي "المُحَـامي أخبَرني أنَّ الحَلَّ الوَحيدَ لاستيلائك على المِيرَاث هو تَحجير أملاك أخيكَ و تَنصيبكَ مُتَصَرِّفًا فيهَا و هذَا لن يَتمَّ إلَّا في حَـالة وَاحدَة و هي استغلال إعاقة هوسوك لصَالحك. دَعنَـا نودعه في مُنشأة لِذَوي الاِحتيَاجات الخَاصَّة " لم أكن أتوَقَّع الكَثير من أمِّي بالنِّهَـاية هوسوك لَيس إبنَهَـا و هي تولي مَصلحتهَـا فوق كُلِّ اعتبَـار لكنِّي لم أتَوَقَّع أن يَنعَدم ضَميرهَـا و تَضمَحِلَّ إنسَـانيَّتها "أمِّي هل فقدت صَوابك ؟ تُريدينَ منِّي إلقَاء أخي في مَكَبّ المَجَانين و مُلتَقى المُتَخلِّفين ؟ لن يُسَـامحنِي هوسوك على ذلكَ أبدًا و مَاذا سيَكون موقفُ آرين و جَدَّتي من المَوضوع ؟" لَطَـالمَـا كُنتُ أهَـاب النَّظرة التِّي رَمَقتني بها للتَّو و الآن أشعرُ أنّي مُحَـاصر و مآلي اِرضَاءهَا و لو على حساب مُرادي "أصبحت شَاعريًّا و حَسَّاسا مؤخرا هذا ليس من طِبَـاعك ثمَّ إنِّي أقسمُ لكَ بشَرفي سأختَار له مركز رعاية خَاصًّا و إطارا طبيًّا يَسهَر على راحته و عنَاية فائقة لن يَجدَ رَفاهيَّة كتلكَ في أيّ مكَان و سيَكون لكَ شَاكرًا " نَظَرت مُبَـاشرة في عَينَيَّ و قد أعمَى الطَّمع بَصيرتَهَـا و عَـانَقت يَدَاها كَتفَـاي بينَمَـا تَضغَطُ عليهمَـا بخفَّة لتَحفيزي فيمَـا حَـاولت اِكتشاف نَواياها الخَفيَّة "لنَقل أنَّك نَفَّذت خُطَّتك ماذا تنوينَ أن تَفعَلي بآرين صَاحبَة الثّلث في الثَّروة ؟ لا تَدَعي غُرورك ينسَيك أنَّهَا اِبنَة عَمَّتي و والدهَـا بيننا لو حَدثَ و شَكَّ بالأمر فسيطَالب بحَقّ اِبنَته على الفَور" اِستَدَرتُ مُقَابلا لألسنَة اللَّهب التِّي تتَآكلُ في المِدفأة و شَرارتهَـا تتَّقد كالحِقد الذِّي تنَاثر في مُقلتَي وَالدَتي. كُنتُ باِنتظَار رَدٍّ من أمِّي لكن على خِلافِ ذلكَ أتَـاني صَوتٌ ضَعيفٌ مُرتَعشٌ أقربُ إلى الأنين من النِّدَاء "جونغكوك..." كَـانت جَدَّتي تَقفُ عندَ البَـاب و لا أعلمُ منذُ مَـتَى و هي هُنَـاك ولا كَيف دَخلت أو مَـا مَدَى خُطورَة مَا سَمعَـته لكنَّه كَـان كَفيلا بِجَعلهَـا تَفقدُ توَازنهَـا و تهوِي أرضًا ضَاغطَة على صَدرهَـا. دَبَّ الرُّعب في أوصالي كما قطعت العاديات في الرّبوع أميالا و اِختَلطت مَشَـاعري مَا بينَ خَوفٍ و نَدَمٍ ، هَرولت نَـاحيتَها و نَبَضاتي تَصرخُ أعلى من صوتي الذِّي هَمَّ يستنجدُ بوَالدتي "أمِّي اتَّصلي بالإسعَـاف إنَّها نَوبَة قلبيَّة" أمِّي بدَورهَـا كَانت تَرتعشُ مَذعورَة لكنِّي لم ألمَح لشَفقتها أو هلعهَا لمَصير جَدَّتي أثرا ، حَملتُ جَدَّتي إلى غُرفتهَـا على عَجَلٍ و في لحَظات مَعدودة تَحَوّل البيت إلى مَرتع للهوَاجسِ و تعالت فيه هَمَسات الشكوك و التَّساؤلات المُريبة و تَردَّدت فيه صيحَات الفَزع و شهقات النَّحيب. طَرحتهَا على فراشها و رغم مُحَاولاتي للحَديث معهَا إلَّا أنَّها لم تُجب و اِكتَفت بالتَّحديق بي و رَجمي بنَظرات حَارقة كأنِّي نَجسٌ لعين، أمسَكتُ يدَها طابًا الغفران لكنَّها تَمَلَّصت منِّي بمَا بقي لها من حَول و قوَّة و اِستَمَرّت في مكابدة الألم و أنفاسهَـا تَتسَارع جاعلة من ص*رها يتَخبَّط تَزَامنَ دُخول أمِّي مع مَجيء هوسوك و آرين و هنَا كَانت الفَاجعة بالنِّسبة لي و لأمِّي. كُلُّ مَـا تَخشاه السيِّدَة غاهيون الآن هو أن تنضاف وَريثَة جديدة تُدَمِّر المُخططات التِّي كانت تَحيكها طيلة سنوات أمَّا ما يُضرمُ القلق في قلبي و يزرعُ الواجس في نَفسي هو أن يُدَمِّر هذا الخَطأ الذِّي اِرتَكبته رغمًا عنِّي زواجي و يحرمني من آرين إلى الأبد و لأنَّ مَصالحَنَا تَصُبُّ في مجرَى واحد رغم اِختلاف أسبابنَا جَذ*بت أمِّي آرين بعيدًا عن جَدَّتي و أسَرَّت لها مُتَصنِّعة الحرص "لا تَدخلي رؤيتك لها على هذه الحَـال سيجعلك تتَوتَّرين لا تنسي أنَّك حَامل" دَفع هوسوك كرسيَّه المُتَحَرّك حَتَّى بلغ حَافَّة السرير و لمَّا رأى جَدَّتي على تلك الهيئة إنهار و تَشَبَّث بها منتَحبًا لقد كَان يدرك أنّها آخر من قد يهتَمُّ له في هَذَا القَصر و الشَّخص الوحيد الذّي حَرص على اِسعَاده حينَ فقَد سنَده في الحَياة. اِلتَقت أعينهمَـا حينَ اِنتبهَت جَدَّتي لوجود آرين في الغُرفَة فسعت جَـاهدة إلى لَفت اِنتبَـاهها و نَادتهَـا بصوت مُتَقَطِّع ، تَفاجأت آرين في البدَاية لطلبها المُفَـاجئ لكنَّها سُرعَـان مَـا تَقدَّمت نَاحيتها و مَثلت عندَها. آنَها تبَادلتُ و أمِّي نَظَرات يأسٍ لكنَّها لم تَستسلم بسهولة بل سعت إلى تَشتيت اِنتبَاهها و كَسب الوَقت لصَالحها "لا تَشغلِي بالك آرين اِتَّصلنا بالإسعاف " أمسَكت أمِّي بذراع آرين و منعتها من المُضيّ قدمًا و قد كنتُ اتَـابع مَـا يَجري و الاِنفعال يتراقصُ على أوتار أعصابي. لاحَظت آريـن إصرار أمِّي على صَدّها لذا تَسَاءلت و بين ثنَـايا سؤالهَا استَقَرّ الاِرتيَاب "مَاذا بك؟ دَعيني رَجَاء ألا تَرينَ أنَّها تُحَـاول قولَ شيء مَا ؟" تَمَسَّكت آرين بيدِ جَدَّتي و على عَ** رَدِّ فعلهَـا معي فقد بَادلتها جَدَّتي و لم تَنفر منها كمَا فعلت معي، غَصَّت َجدّتي بأنفَـاسها التِّي تَثاقلت و تَمتمت بصعوبَة بينَما تَفرُّ الكَلمَـات من حلقها بعسر و تنفلت الحُروف من مَخارجِهَـا بعد أمد. ظَلَّت آرين تتَمعَّن في كَلمَـاتها تبتغي حَلَّ اللُّغز الذِّي أمَـامها و أنَـا أحترق ريبة و حَيرة. لقد كنتُ كَمت يُبصر أحلامه تتَهَشَّم "أ...آريـن... أنـتِ... حَ..."
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD