أذكُرُ تَفَـاصيلَ ذَاكَ اليَـوم كَأنَّه حاضري حينَ تعَـاهَدنَـا على الألفَـة والوَفَـاء
وألبَـستُـكِ طَـوقَ اللُّـؤلـؤ بينَمَـا يَحتـضننَـا شفـق المَسَــــاءُ
وَضَعتُ في بنصركِ خَـاتَمًا ألمَـاسيًا وعَـلَّقتُ فـيه الرَّجَــاء
و ارتَوَيتُ و أنَـا عَطشَـانٌ من شَفـاهِك الحَمرَاء
مَـنَحتُـكِ قَلبِـي و مُهجَـتَه مـن بَيـنِ كُلِّ النّـِسَــاء
و كُلِّي أمَلٌ أن تَفكِّي عُقَدًا بِسَببـهَـا نِلتُ الهجَـاء
أبحرَت السُّفن بِعَ**ِ هَوانَـا فغدونَـا أقرب للأعدَاء
انِّي أبحثُ عن طَيفك و صوتكِ خَـائفًـا تَحتَ الأنوَاء
أعـلَمُ أنِّـي مُذنِبُ فاِغفـري، قَـد أعيَـانِي الجَفَـــاء
و ان لم تَفعَـلِي عُدِّيـنِي شَهيدا في سَبيلك يَـا حَورَاء
جَميعُ الأنظَـارِ تُحيطُ بي و تُدينني في قَفَص الاِتِّهَـام حَتَّـى أنَّه يُخَيَّلُ اليّ أنَّ كُلَّ الأصَـابع تُشيرُ لي و كُلُّ الألسنَة تَلغو اسمِي مُقتَرنًا بأبشع الصِّفـات و أنذَل الألقَـاب. لَـا أحَد هُنَـا على خِلاف تَـايهيونغ يعلَم الحَقيقة و رَغمَ ذلكَ فلا أزَال أشعر بإبَرهم اللَّاذعة تَخزنِي، وُقُوع آرين من أعلى الدَّرج لم يَكُن خَطَئي و لا يَد لي فيه فبالرَّغم من كَونِي مُرتَبكًـا آنهَا الاَّ أنَّني كنتُ حَريصًا على ألَّا يَمَسَّهَـا سُوء. رؤيتُهَـا طَريحَة الأرض و الدِّمَـاء تنسَـاب حولَـهَـا دُون تَوقُّف فَـاقمَت مَخَـاوفي و أفقَدتنِي صَـوابي هي في غُرفَة العَمليات منذُ زَمن و لم نَسمَع عنهَـا خَبرًا. حَـاولتُ جَـاهدًا ألَّا أضعفَ أمَـامَ مَشاعرِي لأنَّها سَتفقدنِي قُوَّتي و ثَبَـاتي و لكنِّي مَـا أنفكُّ ألدَغُ نَفسي بسموم الذِّكريات الفَتَّـاكة، أنَـا الذِّي وَعدتهَـا بأن أحميَهَـا و أحرص على رَسم البَسمَة على شفاهها أصبحتُ مَص*رَ تعاستها و الخَطَر الوَحيدَ الذِّي يَحومُ حَولهَـا ...
كَـانت فَتَـاة بَريئَة خَجُولَة هَمُّهَـا الوَحيد هو العَمل و كَسبُ لُقمَة عيشهَـا كي تَعيشَ مع صَديقتهَـا بسَعادة فيمَـا كنتُ أتَسَلَّطُ عليهَـا و ألعَبُ دَور السيّد المُتَجبِّر و الحَـالُ أنِّي أحتَـالُ عليهَـا و أسرقُ حَقَّها. حَلَّقتُ في سَمَائهَـا كغرابٍ أ**د و نَذيرِ شُؤم عكَّر صَفو حَياتها و غَيَّر مَجراها و دَنَّستُ نَقَاءهَـا بعيوبِي ، بفكرِي المُعَقَّد و بنَظرتي السَّوداويّة للحَياة. كُنتُ أرى ذاتي مميَّزَة لا يَعلى عليهَـا شيء و لا يدركُ مِثَـاليتهَـا أحد فاِكتَشفت أنِّي قصير النَّظر أرى الحَياة من أضيق زَواياها و أدَّعي أنِّي عليمٌ بكلِّ خَبَـاياها
نَدمتُ لأنِّي اغتَصبت طَهَـارتَها و قتلت الطُّفولة في دَاخلهَـا ليتني مَـا استَسلمتُ لغرائزي و اعتَكَفت مع من سَبَقونِي في محَـاريب الحُبّ العُذري أو وَقفت على الأطلال أشكو لخليليَّ مَـا أصابَني من آفة العشق . استَكثرتُ على نفسي الجلوس على أحد الكراسي الموجودة في الرّدهة و الانتظار انّما قبعت على الأرض منكَمشًا على نَفسي و كُلَّمَـا احتَدَّت الآهات في دَاخلي و تتالت في ذهني مشَاهد الحَادث لطَمتُ رأسي بكَفِّي و صررت على شفتيَّ بحسرة، الآن و مع طُول المُدَّة بدَأ القلق يتَغَذَّى على صَوَابِي و الهَوَاجِـسُ تَعزف أهازيجَ الهَلاكِ عندَ مَسَـامعي
"أينَ الوَصيُّ على المَريضَة ؟ "
صَوته أعادَنِي الى الوَاقع من جَديد فبَرحتُ مَقعَدِي و سألتُ وَجلًا
"مَـا الأمرُ أيُّهَـا الطبيب ؟"
قَطَّب حَـاجبيه و لم يَتَوانَى عن جَعلِي أتَجَرَّع مرارَة النَّدَم من جَديد كَأنِّـي لم أكُن أبتَلعه منذُ قليل
"المَريضَة في حَـالة حَرجَة ، لقد سبب لها السُّقـوط نَزيفا حَـادّا و الجنين في وضع ع**يّ فإمَّـا أن يتمَّ تمزيق الرَّحم أو فلن يعيش ممَّـا يعني أنَّ طَرفًـا وَاحدًا يستَطيع النَّجَـاة. في هذه الحَـالَة نَلجَأ لوضع الخيار بين يدي الوصيّ"
لم أركِّز على مَـا قاله ولكنّ سَمَـاع أنَّ حَياة آرين على المِحَكّ جَـعلني أفقدُ أعصَـابِي أكثَر فأمسَكتُ بيَـاقته و جَذ*بته نَـاحيَتِي في حَرَكَـة عَنيفَة
"أ أنتَ جَـادّ تَركتَ زوجَتِي في الدَّاخَـل تتلاعب الأقدار بحياتها و أتيت لتسألنِي هذا السُّؤال؟ أنقذ آرين و الاَّ انتزعت أحشاءك "
دَفعته بعيدًا عنِّي و قَد كَـان مَقصَـدِي وَاضحًـا فقد عَـاد الى غُرفَة العَمَليَّـات مُسرعًا.
الحُزنُ مُستَبدٌّ بي و الغَـضَبُ بَلغ ذروَتـه فبتُّ أرَى الدُّنيا سَودَاء في نَـاظريَّ، مَـاذا لو مَـاتت آرين سيَكون ذَلك تأكيدًا للّعنة التِّي يحمِلهَـا هذا السرُّ و سأكون أنَـا أكبر المتضررين بخسَـارة كلّ أفراد عائلتِـي.
مَـا أزَالُ أتَخَبَّط مُحَـاولا تَحَمُّل الأعبَـاء التِّي تُثقلُ كَـاهلي حَتَّى أيقنتُ أنِّي حَكَمتُ للتَّو على طفلي بالإعدام لقد كَـان الآصرَة الوَحيدَة المُتَبَقيَّة لتَجمع بيننَـا مُجَدَّدًا و رغمَ أنِّـي لم أكن لأرغب بمَجيئه في بَـادئ الأمر و رَفضت انجَـابه قطعا الاَّ أنَّه ومَع مُرور الوَقتِ نَمت فيَّ مَشَـاعر الحُبِّ تُجَـاهه و تَحرّكت غريزة الأبوّة بداخلي.
لا أستَحقُّ أن أكُـون أبًـا و لا زوجًـا و لا أخًـا ولا حَتَّـى صَديقًـا... هل أنَـا بذلك السُّوء حقّـا ؟
"هَدِّئ من رَوعك جونغكوك الطبيب يَقوم بِعَمله كَمَـا تَرى و مَـا علينَـا سوَى أن نَصبر"
حَطَّت يدُ تَـايهيونغ على كَتفي تُواسيني و هَمَس لي يحاول التخفيف من ثورتي بعد أن كدت أقتلع حنجرة الطَّبيب.
استَدَرتُ نَـاحيته و يدَاي منغمسَتَـان وَسط خصلاتِ شعرِي و بحُرقَة هَتفت سَـاخطا على القَـدر
"لمَـا عَليَّ أن أخسَر كُلَّ شيء؟ ألا تَرى انِّـي أدفع ثَمَـنَ أفعالي مُضَـاعفا ؟ "
لطَـالمَـا كَـان تَـايهيونغ حَنونًا رؤوفًـا بي رغمَ أنَّني لم أكن الصَّديقَ الذِّي يَستَـحقّه و الآن و هو يَعلمُ مَدى فظَـاعة ما ارتَكَبتُ فهو لم يَتَخَـلَّى عَنِّي و بقيَ الى جَـانبي.
ضَمَّنِي اليه و حَـاوَل التَّخفيف من مُعَـاناتِي و بينَمَــا كنتُ أتَّكئُ على كَتفه أمنع نَفسي من الانهيَـار بِصعوبة أقبلت مُمَرّضة و وَقفت بينَ ثلاثتنَـا بمَـا أنَّ هوسوك تَقَدَّم هو الاخَر يبتغي الحُصول على أيّ معلومَة جديدة
"المَريضَة فقدَت الكَثير من الدَّم نَحتَـاجُ الى مُتَبَرّع من فَصيلة (0-) ان لم نَجد متَبرِّعًـا بين أقاربهَـا سنعمِّم الطَّلب عبر مُكبرات الصَّوت في المَشفى "
آرين كَـانت تَحمِل زمرَة دَمٍ نَـادرَة و لا أحدَ في العَـائلة يمتَلكُهَـا مَـا جَعلنِي أفكِّر في القيَـام بخُطوة مُتَهوِّرة
"وَالدُ آرين..."
غمغمتُ دُونَ وعي و هَممتُ بالمُغَـادَرة قبلَ أن يَستَوقفَنِي تَـايهيونغ
"تَوَقَّـف، ذَلكَ لن يَزيدُ الأمورَ إلَّـا تَعقِيدًا كمَـا أنَّ ذَهَـابكَ لإحضَـاره سيتَطَلَّبُ وَقتًـا و نحن لا نُريدُ المُجَـازفة"
بمَـا أنَّه كَـان مُسَيطرا على هُدوء أعصَـابه فقد استَطاع التَّفكير مَليًّا في كُلّ خُطوة خصوصا و أنّ يونغسو لا يزال جاهلا بالأمر تَمَـاما مثل هوسوك مَـا يعنِي أنّ الحقيقَة حبيسَة غرفة العَمَليّات مع آرين و لن تُغَـادرهَـا ما دَامت لا تَزال هنَـاك.
شَمَّر سَـاعديه فيمَـا ظللنَـا نُحَدِّق به لينطق
"مَـالكم ؟ الحلُّ مَوجودٌ أمَـامَ أعينكم، أنَـا من سَيتبرّع..."
لم يَخطر ببَـالي أنَّه يمكنُ أن يُشَـاركها نفس فَصيلة الدَّم لكنَّ ذَلك أف*ج قليلا عنِّي و جَعلني أبصرُ بصيصا من الأمَل، رافقته الممرضة الى غرفة الفحص و ظللت أذرع الرّواق جيئة و ذهابا أنتظر الف*ج لكنّ أحدهم كـان يراقبني بنظرات سامّة ما جعلني أتوقف عن السير
"لمَـاذَا تحَملق فيَّ هكذَا يـا هَذا ؟"
لم يُزحزح عينيه عَنِّي بل بدَل الازدرَاء تَحوّلت نَظراته الى تَحدٍّ
"ألا تُدركُ لمَـا؟ سَتَدفع الثَّمن يا جُونغكوك و غاليا و يا ويلك و سَواد ليلكَ اذا لم تَجري عَملية آرين على أحسَن مَـا يُرام "
لطَـالمَـا كنتُ بَعيدًا عن هُوسوك و لم يربط بينَنَـا قاسمٌ مُشتَرك يذكر حَتَّى الدِّمَـاء التِّي تَجرِي في عُروقنَـا و التِّي من المُفترض أن تمنَحَنَـا رَابطة الأخوة و القَرابة كَانت مَدعَـاة لفرقتنَـا و لزَرع الفتنَة بينَنَا و لكنَّه تَغَيَّر كَثيرًا عمَّـا كَـان يبدو عليه...
لَطَـالمَا طُبعت في ذهنِي صورة الفَتَى الخَجول الانطوائي كُلّمَـا تَعلّق الأمرُ به لكنِّي أرى الحقد و الكُره في عينيه و لا أدري مَـا اذا كانت الضَّغينَة التِّي تَستَوطنه وَليدَة اللَّحظة أم أنَّه كَـان عَـلى هذه الطَّبيعَة منذ البدَاية و لا أحد لاحَظَ ذلك لأنَّه و ببسَـاطَة أجَـادَ تَقمّص الدَّور
"ألَـا تَرَى أنِّي أدفع الثَّمن فعلا؟ فقدت جَميع أحبَّتي..."
سَـألتُ بحروف غَمَستهَا عميقًـا في آلامِي فأجَـابني باِستهتَـار
"و هل سَبق أن أحببت شَخصًا غير ذَاتك ؟...كَفى هُراء أمثالك لا يعرفون مَعنى الحُبّ"
ابتَسمتُ رغمَ الطَّعنة التِّي تَلَقيتهَـا للتَّو و قلتُ
"أنَـا حَقًّـا أحببتُ آرين، أعلمُ أنَّـكَ كنتَ دَائمًـا ضدِّي يَـا أخِي لكن صدِّقنِي هذه المَرَّة"
استَخَفَّ بكَلامِي بِوُضُـوح ثمَّ وَاصل تَسديد ضَربَـات مُوجعَة نَحوِي
"لَقَـد حَذَّرتهَـا منكَ مرارًا و تكرَارًا و لكن للأسف لقد نَفَثتَ سُمُومَـكَ فيهَـا آنَهَـا و سَرى مَفعولها فلم تُجدِي مُحَـاولاتِي مَعهَـا نَفعا "
لم يَنتَهِي هوسوك من تَقريعه لي حَتَّـى وَجدتُ نَفسي حَبيسَ يدٍ تَشَبَّثَت بعنقِي و الأخرَى انهَـالت عليَّ بالضَّرب رَغمَ أنَّ المُعتَدِي وضع كَـامل قوَّته في اللَّكَمـات التِّي وجَّهها لي الاَّ أنَّهَـا لم تؤثّر فيّ، فقط أردت أن أعرف من الذِّي تَطَـاول عَلَيَّ و رَفع يدَه في وَجهِي ليتَبيَّـنَ لي أنَّهَـا صَديقة آرين
"وَضيع، دنيء ما الذِّي فعَلته بصَديقتِي ؟ كَيف تَجرأ ؟ أتَظنّ أنَّ لا أحد يقف الى جَـانبها ليحميهَـا ؟ سأقضي عليك... سأقتلك أيَّـها النَّرجسي المُجرم"
لم تَدَّخر جُهدًا في الافرَاج عن الغَضَب الذِّي تَختَزنه بدَاخلهَـا و لم يَكن لدَي سَبب لمَنعهَـا فأنَـا أحمِّل نَفسي النَّصيبَ الأكبر من المَسؤوليَّة فيمَـا أصَـابهَـا. تَـايهيونغ هو الذِّي أنهَـى الفَوضَى القَـائمَة فقَد أخَذَهَـا الى الضِّفة الأخرَى بعيدًا عنِّي و حَـاول تَهدئتَها، يبدُو أنَّه أنهَى عَمليَّة التَّبرع و بُرهَـان ذَلك الضِّمَـادة المُحيطَة بسَـاعده
"مهلا ليسَـا ابتعدي عنه رجَـاء و لا تَتَسببي في مُشكلة... آرين سَتنجو و سَتعود الينَـا سَـالمَة لا تخشي شيئا"
لم تَكن أقَلَّ منَّـا تَوتُّرًا و خَوفًا فآرين أقربُ لأن تكون أختهَـا لا صَديقتهَـا و لو حَدث مَـا نَخشَـاه جَميعنـا فلن تَتوانَى عن الانتقَـام منِّي شَرَّ انتقَـام، لقد أصبحت العَدُوّ الأوّل للجَميع هنَـا... حَتَّى لنَفسي.
تَمَّ اخراجُ آرين فيمَـا بعد من غُرفة العَمليَّـات و نَقلهَـا الى العنَـاية المُركَّزة مع التَّحفُّظ التَّـامِّ في حِيَـالَ مَـا يَخصُّ وَضعَهـا الصحِيِّ مَـا جعل الأجواء تحتدّ بيننا أكثر فالجَميعُ هُنَـا يَتَصَيّدون الفُرصَة لقذف كَلمَـاتهم اللَّاذعة في مَرمَـاي.
حَـالمَـا تَـأكَّدتُ من استقرار ارين تحت أيدي أمينَة و في كَنف الرّعَـاية اللَّازمَة طَلبتُ من الفريق الطبيّ أن ألقيَ نَظرَة على ابنِي قبل نَقله الى غُرفَة الأموَات بيد أنَّهم نَصحوني بألَّا أفعلَ لبَشَـاعة المنظَر الذِّي من المُمكِن أن يرسَخ في ذهنِي و يُؤثِّر أكثر على نَفسيَّتِي إلَّـا أنَّني أصرَّيت على الدُّخول.
غُرفَة العَمَليَّــات بَـاردة و سَـاكنَة لا حَيَـاة فيهَـا كَمَـا أنَّ الظَّلامَ يَحُفّ أركَانَها عدى الجزء الذِّي تُقامُ فيه الجرَاحة فهو مُجَهّز بعدّة مصابيحَ سَـاطعة. تَقدَّمتُ متَّجهًـا نَحو صينيَّة صَغيرة مَوضوعة على منضَدة قربَ سرير العَمَليَّـات دُون أن تُرشدَنِي المُمَرّضة حَتَّـى، خُيِّلَ لي أنِّي أسمع صَوتَ بُكَـائه يملأ الأرجَـاء و دَقَّ قلبي من جديد حَمَـاسا لرؤية طفلي الصَّغير .
تَمَنَّيتُ أن أراه مُغتَسلا في حُلَّة جديدة و كُلُّ أعضَاء جَسَده تنبِضُ فرَحا باستقبال الحَيَـاة لكنِّي لم أجد غير كتلة من الّحم بلا روح، جسمٌ صغير هَجرته أنفاسُ الحَياة و غَطَّته دِمَـاء الفَـنَاء. تَرَددتُ في حَمله و أنَـا أعلمُ أنِّي مَحرومٌ من رؤيته لكنِّي فعلتُ ذلك مُتَحاملا على نَفسي، لقد أبصرت وجهه تلوّنه زرقَة الاختناق فزَاد ذلك من تَراكم عَبراتِي
"سُول أنَـا آسف يا ملاكِي الصَّغير، لا بُدَّ و أنَّك انتقَلتَ الى مكَـان أسمَى و أجمل من هذا العالم... فأنت لا تَستَحقّ أبًا سيِّئا مثلي"
احتَقَـنَ وَجهِي و ارتَعشَت يَدَايَ فَجَثوتُ على رُكبَتيَّ و ضَممتُه الى صَدرِي مُختَزلا أوَّل و آخِرَ لقَـاءٍ جَمَعنَـا، نَظَرتُ في وَجهه الذِّي بالكَـاد حَملته في رَاحَة يدِي لآخر مَرَّة و أملتُ أن يَرَانِي من الجَنَّة عَلى أنِّي وَالده لا قَـاتِله...صَفحَة أخرَى تُطوَى في حَيَـاتِي دُونَ نِهَـاية سَعيدَة ابنِي البكرُ تُوافيه الم**َّة قبلَ أن يَرى ضَوء الحَيَـاة، الصَّغير الذِّي مَـا أردتُ انجَـابه و الآن أتَحَسَّر لفقدَانه.
طِفلِي الأوَّل و من الوَاضحِ أنَّـه سَيكُون الأخِير...
تَتَـالت السَّـاعات دُونَ أن نَحصُلَ على خَبَرٍ وازدَادَ التَّشَـاحُن بينَنا، ليسَـا و هُوسوك يقبعان مقابلا لي كلاهمـا شَـاحبَـان و نَظراتهمَا مُرعبَة توحِي بأنّهما مُتَـأهِّبَـان لمهَـاجمَتي في أيِّ لَحظَة بَقيتُ فَريسَة سَهلة المَـنَـال بينَهمـا في حين غَـابَ عنَّـا تَـايهيونغ للحَظات و عَـاد بعد أن أحضَرَ معه كِيسًا به بعض الوَجَبَـات الخَفيفَة و المَشروبَات الدَّافئة.
نَظَر في وُجُـوهنَـا فلم يَجد سِوَى الأسَى يُخَيِّم في ملامحنَـا فحاول أن يُزودنَا بجرعة من التفاؤل
"جَميعًـا أرجُـوكم تَحَلّوا بالصَّبر سنتَجَـاوَز هذه المِحنَة..."
مَنَح كلًّـا من ليسا و هوسوك شَطائر و أكوابا من القَهوة و الشَّـاي و لمَّـا وَصلَ الى مَكَـان مُكوثِي و مَدَّ نَـاحيتِي الطَّعام استنكَرتُ و أدرتُ وجهِي باِمتعَـاض رافضًا عَرضَه السَّخيَّ لكنَّه أصَرَّ
"يَجبُ عليك أن تَتغذَّى جَيِّدًا كي تَستَطيع المُقَـاومَة... أنت مُنهَكٌ للغَايَة وجهك يميل الى الاصفرار و عينَـاك غَـائرتَـان ان وَاصلت على هذا المنوال فلن تَطلع شَمس الغَد قبلَ أن تَفقدَ وَعيك "
طَأطَأت رأسِي وامتَـثلت لطلبه مُكرَهًا رغمَ فقدَانِـي للشَّهيّة.
أفَـاقت آرين صَبَـاحَ الغَد و لم يُسمَح لنَـا بالاطمئنَـان عليهَـا الاَّ بعد أن زَارهَـا طَاقمٌ طبِيٌّ مُتَـكَامل و ظَلُّوا يَفحَصونَهَـا بِدقَّة و بعد مُضيِّ سَـاعَة خَرجت احدَى المُمَرِّضَات و أعلنَت
"حمدًا لله المَريضَة تَستَعيدُ عَـافيتَهَـا تَدريجيًّا يمكنكم الاطمِئنانُ عليها لكن من فضلكم يُستَحسنُ أن تَكُـونَ زِيَـاراتٍ فَرديَّة لأنَّهَـا مَـا تَزالُ مُرهَقة... أنت زَوجُهَـا أوَليس ؟ يمكنك الدُّخُـولُ أوَّلا"
أشَـارت لِي باِبتِسَـامَة فَـاترَة و بِقَدرِ مَـا كنتُ مُتَلهِّفًـا لرؤيتهَـا من جديد أمَـام نَـاظرَيّ بقدرِ مَـا أخَـافنِي ذلكَ الآن، خَطَوتُ الى الدَّاخل بقلبٍ وَاجمٍ و عَقلٍ هائمٍ و لمَّـا التَقَت أعيننَـا بعد غِيَـاب تَجَـاهلتنِي و حَوَّلت بَصرهَـا الى رُكن فارغ من الغُرفَـة
"من الوَارد أن تَظلَّ صَـامتة طوال زِيارتك لهَـا فلا تَنزَعج، طَبيبتهَـا النَّفسيَّة تَقولُ أنَّها تَسمع و تُدركُ جَيِّدًا مَـا يَحدث حَولهَـا و لكنَّهَـا تَمُرُّ بحَـالة صَدمَة خَـاصَّة بعد أن عَلمَت بفقدَان الطِّفل "
هَمَسَت لِي المُمَرِّضَة في خُفُوت فأومـأتُ و تَقَدَّمتُ من سَريرِ آرين و لمَّـا أدركتُهَـا ليَّنتُ نَبرة صَوتِي و فَـاتحتهَـا بالحَديث
"سعِيدٌ لأنَّك بأحسَن حَـال حَبيبَتِي لقد كدتُ أفقِدُ عَقلِي خَوفًا عليك"
ظلَّت نَظراتهَـا شَاردَة في العَدم و لم تُعرنِي أيَّ اهتمَـام فضغطتُ على شَفتِي السُّفلَى بأسى و أضفتُ
"آرين، أنَـا آسفٌ بِشأن الحَـادث أعدكُ أنِّـي سأصلحُ كُلَّ شيء "
لم تَرُدَّ عليّ و لو بالإشارة فسمَحتُ لنَفسِي بالاقتِرَاب منهَـا أكثر و حَمَلتُ رَاحتهَـا بين يَدَيَّ و رغمَ أنَّهـا لم تُحرّك سَـاكنًا الَّـا أنّنِي شَعرت بجفُولها
"قولِي شَيئا أرجُوك، اشتقتُ لنغمَة صَوتك"
تَوَاصَل تَجـاهلهَـا لي فاِعتَصَرتُ يدهَـا بخُشونَـة ثمَّ دَفعتهَـا بعِيدا عنِّي و تَمَسَّكتُ بكتفيهَـا أرُجُّهَـا و قد أعمَـانِي الغَضب
"تَكَلَّـمِي مَـا كُلّ هذا الجَفَـاء ؟ انِّي أقفُ عندك منذ سَـاعة و أنت تَتَصرَّفينَ كَأنِّـي غيرُ مَوجود "
بَينَ غمَامات الغَيظ السَّودَاء لمحتُ عينيهَـا خَـائفتين كالرِّيمِ حينَ يُبصِرُ مُفتَرِسَـه و قَبل أن أصحح خَطَئي سَبقتنِي دُمُوعهَـا على الخَدَّينِ أنهَـارًا و في قَلبِي مجمَـارًا.
ارتَخَـت قَبضَتِي حَولهَـا و تَرَاجعتُ أحمِلُ أطنَـانًا من الخَيبَة قَـابلتنِي المُمَرِّضَة التِّـي كَانت مُتَواجدة معنَـا عَـابسَة و أشَـارت اليَّ بالخُروج
"سيِّدي لو سَمحت غَـادر الغُرفَة... أخبرتك بوضوح عن وَضع المَريضَة و هَـا أنت بصدد الاعتدَاء عليها"
كنتُ أضعَف من ان أرَاقِبَ انكِسَـارهَـا و ذُبول جُفونهَـا لذَا غَـادرت الغرفَة ملأ إرادتي، صَـادفتُ تَـايهيونغ حَـالَ خُروجِي من عندهَـا و قبل أن يَسألنِي كيف جَرى لقَـاءنَـا بَادرتُ ببرود
"انتَـهَى كلُّ شيء... "
أسندت ظَهرِي الى الجدَار و زفَرتُ بحدَّة و لمَّـا رفعتُ رأسي عن الأرض وَجدتُ رجلينِ يَقفَـان أمَـامِي و قبل أن تَحينَ فرصَـتي للسُّؤال ألصَق أحدهمَـا شَـارة تَحملُ هَويَّة الشُّرطَة بوجهِي ليُعَرِّف بهَويَّتهمَـا
"سيّد جيون جونغكوك أنتَ رَهن الاعتقَـال بتهمَة تَسليط العنف الجَسدي على زوجتك"
حَدَّقت في وَجهه بِصَمتٍ اذ اكتَفيتُ من المصائب مُؤخَّرا فيمَـا تَدَخَّـل تايهيونغ يحاول الدِّفـاع عنّي
"حَضرة الشُّرطيّ وقوع آرين من على الدَّرج كَـان حَادثا مَص*ره البَحت هو الحظُّ السيء و جونغكوك يحبُّ زوجته كَثيرا لا أعتَقد أنَّ بإمكانه أذيَّتهَـا "
احتَدَّت ملامح الشُّرطيّ و ألقى نَظرة على الكنّش بيده ليُضيفَ
"صَاحب البلَاغ يُؤكِّد على أنَّ ممارسة العنف لا تَقتَصر على هذه الحَـادثة فقط بل يؤكِّد على تعرُّض الضَّحيّة للعنف الجنسيّ أيضًا. بمَـا أنَّنا نُحقق في هذه القَضيَّة فسنَحرصُ على الانصَـاف و سَنستمع لشَهادة السيّدة آرين عندَمَـا تتحسّن حَـالها"
زَيَّـفتُ ابتِسَـامَة و زَاولت النَّظَر بين هُوسوك و ليسَـا، يَبدُوَان رَاضيين على المَشهَد
"ألا يمكنكم منحه مهلة من الزَّمن ؟ تُوفيّ ابنه الرّضيع و لا تَزال زوجته في المَشفى "
التَمَسَ تايهيونغ منهم فرصة أخيرة إلّا أنّ الشرطيّ كان مصمما على اعتقالي
"سيّد جونغكوك هل ستَكون مُتعَـاونا معنا أم نَجرّك الى المَركز قَسرا؟ "
أشـار الى مرافقه فتَقَدَّم نَـاحيتِي بنيَّة استعمال القوّة فتَنحيت جَـانبًا و أظهرت انصياعي للقانون، هَمَّ بتَصفيد يديَّ فدسستهَـا في جُيوبِي و سرتُ أسبقهمَـا بخُطوة
"بلا قيود، سمعتي على المحكّ"
مَرَّ يَومَـان و آرين عَـلى تِلكَ الحَـال و في الجِهَـة الأخرَى جُونغكوك يَخضع للاستجوَاب في مَخفر الشّرطَة.
ذَاعَ سيطُ الخَبَر في كَـامل البلاد و تنَـاقلت وَسَـائل الاعلَـام الحَـادثة و نَشرتهَـا في جميع القنَوات الاخبَـارية و مَواقع التَّوَاصل. الجَميع يُلقِي بالَّلومَ على جُونغكوك و ينشُرُ الشَّـائعَـات عنه ممَّـا أدَّى الى انخِفَـاض أسهم الشَّركَـات التَّـابعَة له.
تَـايهيونغ يُحَـاوِل التَّخفيف عن آرين و مُوَاسَـاتها منذ ان استَعَـادت وَعيهَـا و لكنَّ حَـالهَـا لم تتَحَسَّن هي لم تَقل سِوَى بضع كَلمَـات يتيمَـة و أغلبُ الوَقت تُمضيه شَـاردَة الى أن جَـاء الوَقتُ الذِّي خَرجَت فيه عن صَمتهَـا و أفَـاقت من صَدمتهَـا...
دَخَـل تَـايهيونغ مَذعورًا الى غُرفَة آرين هي كَـانت قَابعة في سَريرهَـا كالعَـادة بلا حَراك ، رَاقبته في صَمتٍ و لاحَظت ارتبَـاكه
"آرين لدَيَّ خَبرٌ سيء لكِ "
حَدَّقت به مَـليَّا ثمَّ نَبست في جُمُود
"لَا أهتَمُّ."
رفع تَـايهيونغ رأسه و رَاقبَ سَقف الغُرقَة بقلَّة حيلة، تَنَهَّد و يده تَفرك ذَقنه ليلفظ الحَقيقة كَـاملة
"آرين يَجبُ أن تُفِيقي لَحظَة من غَفلتك وَالدك سَقط و آذَى رأسه أحضروه للمَشفى و لكنّه لم يَصمد و فَـارق الحَياة"
ارتَجَفَ فكَّـاها اذ غَشَتهَـا مَوجَة بكَـاء و اهتَزَّ صَدرهَـا في شَهيقٍ مُبَـاغت، كَـانت تَظُنُّ أنَّ الأمُور لا يُمكنُهَـا أن تَزداد سوءً
"مَـاذا ؟ كَيفَ حَدَثَ ذلكَ و مَتَـى ؟"
لم تَدَّخر وَقتًـا و أزَاحَـت عنها المُلاءة تَليهَـا الأوعيَة الطبيَّة المَوصولَة بيدهَـا وَ غَـاَدرت الغُرفَـة على عجل حَتَّـى مُحاولات تَـايهيونغ في تَهدئتها بَـاتت بالفَشَـل ركَضت في الأروقَة بسرعَة جُنونيَّة و نَزلت السَّلالم حافيَة و رَغم تَعثّرها و سُقوطها الاَّ أنَّها لم تَتوقّف حَتَّى تَزَامن وصولهَـا مع جمعٍ من الممرِّضين الذِّين يَدفعُون سَريرَ وَالدها متَّجهين نَحو غرفة الأموات.
هَدأت حَركَتها فجأة و وَضعت يمناها على فاها تَكتمُ ألمَـها و فَورا انهمَرت الدُّموع من عينيها تَرثِي حَـالها، اقتَربت منه و أزَاحت الغطَـاء الأبيض من على وَجهه و مَرّرت يدَها برفق.
جَثَت على رُكبتيهَـا عندَه و عانقت جَسده بذرَاعيها و استرسَل لسَـانهَـا بكلمَـات كَـانت حَـافزا لبكَاء الجَميع من حَولها
"أ... أبِـي... لا تَتركنِي أرجوك، وَجدتك للتَّو بعد فُرَاق 25 سَنَـة و لا أرِيد فقدَانـكَ... أرجُـوك افتَح عينيكَ مَـا تَزال أمَـامنا أيَّـامٌ حلوَة لنَعيشَهَـا معًا، لا تَرحل قبل أن تَعلمَ أنَّ ابنتَك على قَيد الحَيَـاة... لا أريدُ أن أصبحَ يتيمَـة من جديد"
دَفنت رأسهَـا في صَدره و بَكت بحُرقَة لتُوَدِّع وَالدها الذِّي لم تَسنح له الفُرصَة بأن يَعرفَـهَـا. مَـا كان من المُمَرضين الاَّ أن يَقطعوا هذا الوَدَاع لكنّ آرين لم تَكُن مُستَعدّة لتُودّع وجهه الى الأبد، أرَادت أن تَتمعّن في مَلامح أكثَر و تَرسم له صورة في مُخيلتها لا تُمحَـى. نَـادت "أبِـي" بأعلى صَوتهَـا فخلنَـا جَميعًـا يَومَها أن الأرضَ اهتَزَّت لألمهَـا.
تَأثَّر الجَميع لمَـا حَدث يومَها و بَكوا حُزنًـا لمَـا أصَـابهَـا خَـاصة هوسوك و ليسَـا اللَّذان لم تَكن لهمَـا أدنَى فكرة بالمَوضوع و تَواصل نواح آرين حَتَّى فقدت الوعي و اضطرّت للبقَـاء في المَشفى لأيَّـام اضَـافيّة.
لا تَزَال عائلة جيون تتَرأس أكبر العَناوين في الصّحف و المقالات و تَصنع أكبر ضَجَّة في البلاد خَـاصة مع ظهور الحَفيدة المَفقودة و هو مَـا دفع هوسوك ليوكّل مُحَـاميه مُهتَمًّـا بِكُلّ مَـا يَخصّ آرين و نَصيبهَـا في المِيرَاث و الآن بِمَـا أنّهَـا سَتَخرج من المَشفَـى فقد رافقهَـا الى القَصر. لمَّـا وَصلا دَخلت آرين بخطَى بطِيئة بينَمَـا تُحدِّق في جَميع أركَانه بحقد و عيناها تَفيضان دُموعًا، لم تَصمُد طَويلا بل أطلقَت العنَـان لِصَرخة بداخلهَـا كَـانت تَنحَر قلبَهَـا ثمَّ استَمَرّت في النَّحيب
"ما الذِّي يجعلُ هذا القَصر اللَّعينَ مُمَيّزا حَتَّى يتمّ طَرد وَالدِي و نفيه في السِّجن لأنّه لا يَستَحقّ دخوله؟ ما الذِّي يَجعَـلكم تَظنُّـون أنَّكُـم أسمَـى مَكَـانة من بَـاقي البَشر ؟ عَلامَ التعَـالِي و التّكَبُّر؟"
ضَمَّـت رُكبَتيهَـا نَـاحيَة صَدرهَـا و كَتَمت صَوتَ شَهقَـاتهَـا لكنَّ صُرَاخَهَـا استَدعَـى شَخصًـا غير مَرغوبٍ فيه، لا تَبدُو على طَبيعتهَـا اطلاقًا فشعرهَـا أشعث و مَسَـاحيق التَّجميل على وَجهها قَـامت بع**ِ وَظيفتهَـا الأسَـاسيّة فبدت مُنَـفِّرَة حَتَّـى ملابِسها تُوحِي بأنَّهَـا لم تَحصل على حَمَّـام منذ أيَّـام
"أوه أنظُروا من هُنَـا ؟ وَرَثة عَـائلة جيون... آرِين خَرجت من المَشفى أخِيرًا، آسفَة لعدم زِيَـارتِي لك طِوَال هذه المُدَّة و لكن بصرَاحَة لم أتمَنَّى لك الشِّـفَـاء "
بالكَـاد هَزَّت آرين رأسَهَا و اجَـابت بِسُخرية
"غَريبٌ أن تَتَحَدَّثِـي بِصَراحَة عَهدتك بَـارعَة في الكَذبِ"
انفتَح شدقـَا غَـاهيون بابتسَـامَة مُرعِبَة و تَقَدَّمت منهَـا بِضع خُطوات
"ذَلكَ لانَّ الحَقيقة مُوجعَة يا عَزيزتِي. هل تُريدينَ منِّي أن أخبرك أنِّي من قتل والد*ك مثلا؟ هيجين كانت ستموت على أيّ حال لكنّي سرّعت وفاتها أمّـا يونغسو فقد أسديت اليه خدمة بأن أرسلته الى جوار زوجته التّي عشقها حيّة و ميتة... ألا تَظنِّينَ أنَّ لديه مَسًّـا من الجُنُـون على أيِّ حَـال؟ "
عَـلت الصَّدمَــة مُحَيَّـاها و تمتمت
"أبي..."
هُوسُوك نَفسه كَـان يُراقـب مَـا يجرِي عَـاجزا عن الكَلَـام أو الحَراك لكنّ غاهيون استفادت من الأمر لصالحها و ضغطت عليها أكثر
"لا تعجبي يا صغيرتي، هو أراد قطف بعض الورود التافهة و صنع باقة يأخذها لك في زيارة لكنّنِي لم أسمح له بالمغادرة قبل أن ينهي تَقـليمَ أشجَـار الحَديقَـة، و من ثمَّ أنهيتُ أمره..."
كَـانت سَعيدَة بإنجَـازهَـا فَخورَة بمَـا حَقَّقته فيمَـا غَطَّت آرين وَجهها بيدَيهَـا وهَمهمَت بِحُرقَة و الغُصّة تَخنقهَـا
"دَمَّرتِ حَيَـاتي "
قهقهت غَـاهيون و تَردَّد صوتهَـا السَّـاخِر في أركَـان القَصر المُقفرَة، نَظراتها و نَبرة صوتهَـا بثّت الرعب في كليهما
"كذلك فعلت بي و باِبني و لكنِّي لن أدعك تُفلتين سأقضِي عليك كَمَـا فعَلتُ بوَالد*كِ و أنهِي نَسلك"
كَـانت تُخفِي تَحتَ كُمِّهَـا أدَاة حَـادَّة و مَـا ان أنهت كلامها حتَّى هَمَّت بمُهَـاجَمة آرين لكنَّ يَدَ هوسوك كَـانت حَـاجزًا منَعهَـا من تَنفيذ مُخَطَّطهَـا. لم يَكن ذلكَ مَـا فَـاجأهَـا انَّمَـا رؤيته يَقف على قَدميه بثبوتٍ و يَتَصدَّى لهَـا دُونَ خَوف...
جَعلهـا ذلكَ تَستَحضِر في ذَاكرتهَـا صورة الطِّفل اليَتيمِ الذِّي كَـان عَليه و كيف عَملت بجدٍّ لتَحطيمه و هَدم أحلامه و الآن ؟ ما الذِّي تَغيَّر و لمَـا يُحَدِّق فيهَـا دُونَ خَوف و بجُرأة جعلتهَـا تَرتَجف و تَسقطُ أرضًـا ؟
يَبدُو أنَّ كُلّ مَـا سعت لأجله تَبَخَّر و اختَفَـى و مَـا عملت بجدٍّ لتَحقيقه فَشل فَشلا ذَريعًا كَـان ذَلك سَببا كَـافيا لجَعلهَـا تَفقدُ عَقلهَـا بكلِّ مَـا تَحمله الكَلمَة من مَعنَى أو لنَقل أنّها استمَرّت في الصُّراخ و نَتف شَعرهَـا الى أن أتَت الشُّرطَة و أخذتهَـا. المَشهَد كَـان دراميًّـا فَظيعًا
أمسَكَ هوسوك بيد آرين و هُمَـا يُرَاقبَـان سَيَّـارات الشُّرطَة تَرحل من بَـاحة القَصر ثمَّ ألقَى نظرة خفيفَة على القَصر خَـلفة و قد غَرق في ظلامِ المَسَـاء و هَمَس لهَـا
"لكلِّ بِدَاية نهَـاية... وَلَّـى عَهد الظلم و القَـهر"
تحَصَّـلت آرين على نَصيبهَـا من المِيرَاث و الثَّروة الهَـائلة لكنَّ ذَلك لم يُغَيِّـر شَيئا يُذكَرُ لم تُفَـكِّر حَتَّى في كَيفيّة الانفَـاق بل و لم تَفعَـل لأنَّ المَـاديّات لم تَكن يومًا غَـايتها في الحَيـاة.
تَمَّ تَحرير جُونغكوك من الحَجز و ذلكَ لأنَّ آرين صَرَّحت بأنَّ سُقُوطَها كـان مُجَرّد حَادث لا يَد لجونغكوك فيه و هَـا هو القَدَر يَجمَعهُمَـا من جَديد في ذَلك القَصر الذِّي كَرهَـت آرين المُكُوثَ فيه.
كَـان هُو جَـالسًا على الأريكَة في قَـاعة الاستقبال، يَداه مُتَشَـابكَتَـان و رأسه منخفضٌ أمَّـا هي فقد انتهت للتَّو من جَمع كُلّ الأغراضِ التِّـي تَخُصًّ وَالدتهَـا و نَزَلت الدَّرج تَجُرّ الحَقائب خَلفهَـا، تَوَقّفت عند المَدخَـل و رَاقبته بِصَمت لم تَكُن تُدركُ أيّ المَشَـاعر انتَـابتهَا حينَـهَـا لكنَّها تَجاهلت عَواطفها كما لم تَفعل من قَبل و تَقدّمت بضع خُطُـوات لتَستَقرّ أمَامه و يدهَا لا تَزال على مِقبَض الحَقيبة ثمَّ ألقت بورَقة على الطَّـاولة، رَفع رأسه في هُدوء و نَظر في وَجهها ثمَّ في الوَرقَة فاِرتَسمت على زَاوية شَفته ابتِسَـامَة جَـانبيّة
"طَلب طلاق... تَوَقَّـعت ذلك لكن هل سننفصلُ دُون أن ننَاقش الأمرَ ؟"
حَـاولت الحِفَـاظ على ثَباتها و صَرامتها
"لم يَعد هُنَـاك مَا نُنَـاقشه لنَضع نُقطَة النِّهَـاية و نَمضي في طَريقنَـا كَأنَّنَـا لم نَعش هذه المَرحَلة أبدا"
رَمَى الورقة بعيدا عنه و ضمّد جبينه بكَفيه ليقول بحسرة
"أعطِني فرصَة أخيرة. لقد أخذت جَزَائي و دَفعت الثَّمن وَالدتي في مُستَشفى الأمرَاض العَقليَّة ، أعمَـالي تَدهوَرت بسبب الفَضيحَة و هَـا أنتِ الآن تَنوينَ تَركِي... سَـامحينِي "
تَنَهَّدت آرين و هي تُراقب الدُّموع في عينيه و صرخت بحدّة
"جونغكوك المُشكِلة أنَّـنِي لا أعلم على أيّ الأخطَـاء سأسَـامحك، لقد كنتَ تُراقبُ أفراد عَـائلتي يتَنَاقصون وَاحدًا تِلو الآخر و لم تَرأف بي و تُخبرنِي الحقيقة... لم أعد أثِقُ بكَ"
فَرَكَ يَدَيه يَتَذَكَّر كلّ مُحَـاولاته في اقناع وَالدته بكَشف الحقيقة و صرّ على شَفتيه بندم
"حَـاولتُ اخبَـارك لكنَّ الضَّغط المُسَلَّط عليّ مَنعنِي"
عاد الهُدوء ليسكُنَ نَبرة صَوتها من جَديد لكنَّها هَمَست بكلمَـات عَميقة جَعلته يُدرك الى أيّ حَدّ جَرَحَهـا
" طوال حَيَـاتِي ظننتُ أنِّي يتيمَـة و الوَاقع أنِّي لستُ كَذلكَ، حِين أدركتُ أنَّ لي أبًا أصبحتُ يتيمَـة و هذا كلّه بِفَضلك "
وَقف جونغكوك و اقترب منهَـا أملا أن يَستَعيد تَأثيره عليهَـا و قال مُلتَمسًا
"أنَـا آسف، دَعينَــا نُعَوِّض المَـاضي و نَبدأ من جَديد"
أجَـابت
"لا يُمكِن أن أنظُر الى وَجهكَ دُون أن أتَذَكَّر الخِيَـانَة، حَتَّى طِفلي الذِّي ذَهب و أخَذَ منِّي جُزءا من رُوحِي أشعر بالرِّضـا له لأنِّي لن أضطَرّ لإخباره أنَّ وَالده أمضَى سَنوات في الكذب على أمِّه، انَّ جَدَّه ألقَى بأمِّه في المَيتم و أنَّ جَدَّته سَفَّـاحَة معتوهَة"
خَلَّل يده بين خَصلات شَعره بعنف و صَرخ بألمٍ
"أنَـا لم أكن سِوَى أدَاة في يَد أمِّي"
"لو أنِّي علمتُ أنَّ كلَّ همّكم المَال كنتُ أعطيتكم نَصيبي من الثروة دون تَفكير، ليسَ المَـال مَـا بَحثت عنه طوال 25 سنة انّمَـا كانت العَـائلة و الدِّفء و الحَنان...خُذ هَـا أنت ذَا تَعيش في قَصر عَظيم و مَعك مَال وفير لكنَّك سَتعيشُ وحيدا"
يَئسَ جُونغكوك من مُحَـاولاته البَـائسة و علمَ أنَّها سَتلقَى صَدًّا فتمتم و في صَوته خِشية
"ستتزوجين من جديد ؟"
التَزَمت الصَّمت لبُرهَة من الزَّمن و جَـالت بفكرهَـا العديد من الأمور ثمّ أردفت
"سأسَـافر مع هوسوك الى الولايات المُتّحدة و سأبقى هُنَـاك لفترة طَويلة لا أعلم كم سَتدُوم، آمُل أن تُسَرّع في الاجرَاءات هُنَـا لأنِّي لا أريدُ أن يَربطَنا شيء... أمَّـا بالنِّسبة لذلك فلا أفكِّر في الأمر بتَـاتًا، حُبِّي لَكَ و مَـا فعلته بي حَفر جُرحًـا عَميقًا في قَلبي فلا انَـا أستَطيع العودة اليكَ و لا أقدر على أن ألجَـأ أو أحبّ غَيرك. مع السَّلامة جيون جونغكوك لنَدع القَدر يَجمعنَـا من جديد اذَا أراد لنَـا جَمعا"
صَـافحته كَوداع أخير ثمَّ أخذت حَقيبَتهَـا و سَارت في الرِّواق تُلقي نَظرات حَزينَة في تَفاصيل المَكَـان و تَذكُر كلَّ مَـا مَرّت به هُنَـا الى أن استَوقفَهَـا صَوته مُشبعا بالشَّجَـن
"آرين أحبُّك"
اهتَزَّ صَدرهَـا و ارتَجَّ دَاخلهَـا لكنها لم تَستَدر نَـاحيته انَّمَـا أجَابته من أعلى كَتفهَـا قبل أن تُواصل المَسير
"انتَظرتُ سَنَوات لأسمَعك تَقولها بوضوح ، الآن و قد سمعتهَـا تَمنّيتُ أنَّها لم تُغادر فمَك لأنِّي بعدَهَـا لن أصدِّق أحَدا يرددهَـا..."
لمَّـا وَصلت الى المَدخل اعتَرَضهَـا تَـايهيونغ فاِبتَسمت في وجهه برقَّة و قالت
"اعتَنِي بِصَديقك جَيّدًا..."
حَمَل يَدَهَـا و وَضعها على صَدره فأحسَّت بنبضه يتَسَـارع و سأل
"مَتَى سَنلتقِي ؟ "
فَكَّرت مَليًّا ثمَّ أجَـابت بنَبرة لَعوبَة
"رُبَّمَـا قرِيبًا، رُبَّمَـا أبدًا..."
مَرَّر يده عبر خصلات شَعرهَـا و هَمَس يشيرُ الى فضله عليهَـا
"دمَـائي تَجري في عُروقك، لن أسمح لك بالإفلات منِّي دون أن تُعطيني المُقَـابل"
تَحَسَّرت عَـلى مَـا فات و أشَـاحت بنَظرهَـا بعيدًا عنه كَأنَّها تَشعر بالنَّدم
"بعض النَّاس يقعُون في حُبّ الشَّخص الخَـطأ"
وَضَع يَدع على وَجنتهَـا و أجبَرهَا على النّظر في عينيه و هَمَش بصوت مخمَليّ سَـاحر
"لكنّ حَيَـاتهم تَأخذ منحَى آخر حينَ يمنَحون فُرصَة للشَّخص المنَـاسب"
لم تَقطع التَّواصل البَصَريّ الذِّي كَـان بينَهمَـا و لكنَّهَـا جَمعت شفَـاههم في مِيعَـاد عَطِر فَفاح الغَرامُ و نَـامت الأهدَاب و من ثُمَّ انسَـابت كالمياه عَذبَة و رَاحت تَشقُّ طَريقهَـا بلا كلمَة، صعدت في السَّـيارة السَّوداء التِّي كَـانت باِنتظَـارهَـا و قد سَبقهَـا هوسوك و أخذ مَكَـانا قُربَ النَّـافذة ثمَّ انطَلق السَّـائق ليُغَـادر القَصر و يَتَّجه نَحو المَطَـار...
في الطَّريق حَطَّت رأسهَـا على كتف هوسوك و هَمست
"أنت الوَحيد الذِّي بَقي من عَـائلتي، أريد امضَـاء بقيَّة حَـيَاتِي مَعك"
ابتَسَم منشَرحًـا و طَبع قُبلة على فروة رأسهَـا
"سَنفعل "