ابتِسَـامَة وَالدَتي و هي تَتَلقَّى المُكَـالمَة شَقَّت صَدري و ذ*بَحت أمَلي ، اكتَفيتُ تَوسُّلي العَطفَ ليُدَاوي فؤادي المُجَرّح و علمتُ أنَّ الأمر وَاقعٌ لامَحَالة لكنَّ قلبِي يَرفُض التَّصديق رغم بيَان الأدلَّة جليَّة ، لا يَزالُ فَاقدَ البَصيرة كَلمَـا تَعَلَّق المَوضوع بهَا... يأبَى أن يتبعَ طريقا لا يغمُره شذَاها و يرفُض استقلالا من طغيانها لطالمَا كان سعِيدًا باِحتلالهَا.
حَمَلتني قَدمَـاي رغم وقوع الخبر كالصَّاعقة عليَّ ،سرتُ على غَير هُدًى يَسري فيَّ شجَن عُضال و تدثرني حواشِ الأسى. امتَطيتُ السَّيَّارة و غادرتُ القَصر على عَجل و خلال مروري عبر البَوّابة الحديديَّة أبصرت والد آرين يقبع اِلى جَانب هوسوك مَا نَفخَ في رمَاد قلبي و استعَر اللَّهيب من جَديد ، ضاعفت سُرعتي و عَرجت بعيدًا عن المَكَـان مُخلِّفا القَصر وَرائي يتلاشى كلَّمَـا زدت السُّرعَة أكثر. كَـانت شيَاطينُ الشُّؤم تتَراقصَ عند رأسي و تتَغَذَّى على فتات الصَّبر البَاقيَة لي فأشعر بالحُرقة تتَغلغلُ في ص*ري.
لمَّـا وَصلت اِلى مَكَـان المُجَمَّع الطبيِّ لمَحتُ حَشدًا من النَّاس مُتَجمهرينَ في منتَصف الطريق و سيَّارات الشُّرطَة تمنع بقيَّة السيَّارات من المرور ، تَرَجَّلت و سَـارعتُ نَاحيتهم أحَـاول العُبور عبرَ الكُتل البَشريَّة المتَراصَّة و أحشر نفسي بينهم إلى أن اِستَطعت تَخَطِّي عُصبة الشَّعب و وجَدت نفسي بينَ رجَـال الشُّرطَة الذِّين يعاينون مَكَـان الحَادث. حَطَّت عينَـاي على بركَة من الدِّمَـاء فكَـان ذَلك المَشهد بمَثابة القشَّة التِّي قَسمت ظَهري و تَدَافعت جُيوش المُرتَزقة من مآقيَّ تُكَـابدُ ثقل الجُفون و تُواجه قلبًا أعيته الشُّجون، تَمَنيت لو أنِّي كُنت قَادرا على الصُّمود لكنِّي فقدت آخر ركَـائزي فتدَاعى كلُّ جَسدِي و هَويتُ جَاثيا على ركبتيَّ. بَلغت آخر مَحَطَّات الألم فاِرتَجفت شَفتاي حينَ هَزَّتهمَـا صَرخة مَزَّقت أحشَـاء السُّكون و أطلقت العنَـان لأوجَـاعي كي تُقَطِّع حبالي الصوتية بقرع سُيوف لا تَرحَم ، لفد كنتٌ مُحَـطَّما حَتَّى أنِّي لم أبالي بالجَمَاهير حَولي تراقِـبنِي بنَظرات شفقة و تتعالى هَمسَـاتهم من حولِي.
تَقَدَّم نَـاحيتتي أحد أعوان رجَـال الشُّرطَة و سَأل بينَمَـا يُسَاعدني على النُّهوض حينَ خَانتني قدَمَـاي و لم تَقدِرا على حَملي
"أ أنتَ أحد أقرباء الضَّحيَّة ؟"
هَـززتُ رأسي مرارا و تكرَارًا رغم أنِّي لم أرى سببا يدفعه لطرح سؤال مُستَفزٍّ كَهذا و راقبت يديَّ المُلطَّخة بدمَاء زوجَتي و طفلي بحرقَة
"تمَّ نقل الضَّحية في سيَّارة اسعَاف الى مُستَشفى اسان"
انتَهيتُ من فُحوصاتي و أعلمتني الطبيبَة أنَّ الجَنين قد يواجه ولادة مُبَكِّرة و ذَلك بسبب النَّزيف الذِّي كان يلازمنِي طِيلة الفترة الفائتَة. ليتنِي لم أتستَّر على الأمر و زرتُها قبل أن تتَعَكَّر حَـالي.
غَادرت المَبنَى و لم أخطو سوى بضع خُطوات ثقيلة حِينَ اعتَرض طَريقي تَايهيونغ و سَدَّ الطَّريق أمَـامي
"ما الذِّي تفعله هنا ؟هل تَتبعنِي ؟"
سألتُ مستغربَة من تَواجده معي في كُلّ تقريبا و أدركت أنَّ لا يَد للصدفة البحتة في الأمر
"لغَاية في نَفسي يجبُ أن أدركَهَـا "
دارت عيناي في محجريهِمَـا قبل أن أجيب بضجر وأتجَـاوزه
"هلَّا ابتعدت عنِي... انِّي أعانِي أصلا فلا ترهقني بالهراء"
لم أكد أتَخَطَّـاه حَتَّى تمَسَّكت يده بذِرَاعي و تَوَسَّل اليَّ بنبرة مُرهَقة
"أجيبيني على الأقلّ، هل سبب عزوفك عنِّي له علاقة بأمر أطلعك عليه جونغكوك ؟"
شعرتُ بقبضَته تَشتَدُّ حَولي كَأنَّه لا يَرغَبُ في افلاتِي و في الآن ذَاته كنت أتَحاشى اجَابته لأن الخَوض في الأمر يؤرقنِي بالتَّفكير و لا أريد التَّشكيك في جونغكوك لأنَّ مَوجَة أخرى من المَشاعر ستَضربني و سأقع في هَاوية لا مَخرج منهَـا لذا التجَـأت الى الهَربِ
"لمَـاذا تصرُّ على إتيان المَوضوع لقد انتهَى كلُّ شيء. آمل أن نفتَرق في هذه النُّقطة الى الأبد "
كنتُ صَارمَة في جَوابي حَادَّة في لهجَتِي لكنَّه قابلني بلين مفَاجئ و قول هادئ
"أنا بريء من أيِّ تهمَة وُجّهت لي ولتعلمِي أنِّي أكنُّ لكِ مَشاعر صادقة"
تَمَعَّنت في وجهه مَليًّا فلمَحت عينيه صافيتين لا يَشوبهُمَـا خُبث أو مَكرٌ لكنِّي كنتُ قد حَسمت أمرِي لذَا غادرت دون أن ألتَفت خَلفي و لشدَّة انشغالي بالتَّفكير غَشيت غَمامَة من الاحتمَـالات فكرِي و بدَل أن أبصر مَوضع خُطُواتي لم أرَى سوى أخطَـائي بحقِّه و لوهلة شعَرتُ أنِّي بالغت في ردود أفعالي و أنِّي التَزَمتُ بالحُمقِ في اتِّخَاذ جَميع قراراتِي و لمَّـا عَاد لي شيء من ثَباتِي و حُضوري في الوَاقع سمعتُ صَوتُ مُحَرِّك سيَّـارة يقتَرب من مَكَـاني تَمَـامًا مع صراخ تَـايهيونغ باِسمِي لقد حَدَث ذلك في لمح البَصر لم يكُن بمَقدورِي استِيعَاب مَا حَدثَ حَتَّى... كُنتُ على وَشك الاستِدَارة الى الخَلف لتَلبية الندَاء لكنِّي وَجدت نَفسي أفتَرشُ الأرضَ بعد أن دَفعنِي تَـايهيونغ بَعيدًا عن مَوقع الخَطر و في الاِبَّـان لمَحتُ جَسَده يُحَلِّقُ بعِيدًا عنِّي بأمتَار قبلَ أن يَصطَدمَ أرضًا و يدَوِّي صَوت الحَـادث مُلفتًا أنظَار الجَميعِ .
مَـا رأيته أمَـامَ عينيَّ كَـان مَشهَدًا مُثِـيرا للرُّعب مُقَشعرًا للأبدَان لم أستَوعب مَـا حَصَل حَتّى رأيتُ الدِّمَـاء تَتَدفَّق قاتمَة لتَصبغ الاسفَلتَ و جَسَده رابضٌ بلا حَراكٍ، اِلتَفتتُ حَالا الى سائق السَّيَّـارة فاِذَا به يَلوذُ بالفرَار بسرعَة جُنونيَّة مَـا زَاد الهَلع الذِّي شَتَّت أفكَـاري.
استَبَدَّ بي ألمٌ شديد في بَطنِي اثرَ السُّقوط لذَا زَحَفت اليه ولمَّـا أدركتُ جَسَده الهَامد عَـانقت راحَتَاي وجهه فاِذَا به بَارد كأنَّ الدَّم تجَمَّد في عروقه. آنهَـا لم أستطع كَبحَ نَفسي و منع دُموعِي من الانهمَـار
"لمَـاذا فعلتَ ذلكَ؟ كَان يَجدر بي أن أكونَ مَكانك الآن ... لمَـاذا ضَحيت بنَفسك أنا لا أستَحقُّك"
تَعالت شَهَقاتِي بينَ الجُموع الغَفيرة التِّي تَحلَّقت بمَوقع الحَادث فأخرستهَـا بقمع اهتَزَّ له قلبِي و حَشرت رأسي في صَدره أندُبُ حَظِّي العَـاثر و ألقِي باللَّوم على فَظَاظَتي ، لو أنِّي منحته فُرصَة للكَلام مَـا كان ليتَعرَّض لهَذا الحَادث تَمَنَّيت لو يُجيبنِي الآن و أسمع صوته لكنت سأسمح له بالحَديث بقدر مَـا يَشاء. لكن ما أشد النَّدم بعدَ فوات الأوان ...
حَضرت سيَّارة الإسعاف في وَقت وَجيز مَـا جَعلنِي أتفاءل بإمكَـانيَّة نَجاته و حَمله الممرضون بوَاسطَة نَقَّالة الى الدَّاخل حيثُ قاموا بالإسعافات الأوَّليَّة و وَصلوه بأجهزَة انعَـاش في حِين ظَللت أراقبُ ملامحه في حَسرة و طُول الطَّريق ظللتُ مُتَمسكة بيده أراقبُ نَبضه و حركَات تنفُّسه و الخَوف يتَربَّص بي في منتَهى كلُّ ثانية تَمُرُّ.
هَـا أنَـا أجلسُ على مقعَد في الممرِّ المُؤدِّي الى غرفَة العَمَليَّـات أنتظر منذُ ساعة و لم يَص*ر منهم خَبرٌ، تآكل مخزوني من الصَّبر و لم يبقَى منه سوَى فتاتٌ و أخشَى أن أعاني فيمَـا تَبَقَّى من الوَقت مَجَـاعة لا أجد ما يسُدُّ رمَقهَـا. نَظري يَصبُّ في كفيَّ المُلَطَّخين بدمَـائه و قد جَفَّت تاركَة خطوطا سودَاء غليظَة و تحت وَطأة التَّفكير أجدنِي أذرف دمُوعا جَارفَة لمَشاعري المُتَهالكَة ، أرخيتُ رأسي بينَ كَفيَّ و استغرقت في شتاء طويل يزخر بتساقطات لا تنضب. رَفضتُ طَلب الممرِّضة في أن أتلقَّى فحصا بسيطًا لعَلَّ ضررًا قد أصابني أثنَاء سقوطِي و أبيتُ أن أتزحزح عن مَكَـاني كُلُّ مَـا أردته هو أن أراه يَخرج من مَرحَلة الخَطر سَالمًا ، عَقدت أناملي ببعضهَـا و رَفعتها الى السَّمَـاء و تَشَبَّثت بعَقيدَة لم أؤمن بهَـا يوما ثمَّ دَعوت من كُلِّي قلبي و بايمَـان تَجَلَّى في ملامح وجهي أن يرجع الينَـا سالمًا. ان كَـانت هُنَـاك قُوَّة مُسيطرة في هذا الكَون آمل أن تُحققي أمنيتِي في أن أراه من جديد مُعَـافى ...
انشَغلت بالصَّلاة في خُشوعٍ تَـامٍّ حينَ باغتتنِي أذرع حَـاوطتنِي و احتوَتنِي في عنَـاق حَميميٍّ ، لقد كَـان ذَلكَ جونغكوك يَكَاد يذِيب جَسدينَـا في قَـالب وَاحد بينَمَا يحشُر رأسه في عُنقِي و يلثمُ كلَّ شبر منِّي كَأنّه وَطَأ بقاعا مُقَدَّسة ، تَوَقَّف لوهلة و حَدَّق بي يتَفحَّصنِي بعينيه و يدَاه تُفَتِّش في كَـامل جَسدِي عن خَدشٍ و لو خفيف و لمَّا لم يعثُر على غَـايته مرّرَ يده على خُصلات شَعري و رَسمَ على جبيني قبلَة فاضت بألوان المَحبَّة ثمَّ عَاد لتَقبيل راحَة يدي قبلَ أن يلاحظ الدِّمَـاء التِّي جَفت على كفيَّ
"حَمدًا لله على سَلامتك، لقد حَفظَك لي الرَّب يا روحِي و لكن ما مَص*ر هذه الدماء هل جرحت في مَكان ما ؟ "
اغرورَقت عينَـاي بالدُّموع حينَ تتالت لحَظات الحَادث الأليم في ذاكرتي و لأن العَبرات كانت تُكَـافح لتفسح المَجال لمَخارجها لم أستطع التَّفوه بما يفوق عن اسمه و فورا غرقت المدن في مقلتي بطوفان مميت من الدموع
"تايهيونغ"
تَشبثت به و أرحت رأسِي عَلى كَتفه كَأنِّي ألقِي بثقَل التَّفكير الِّذي أهلَكنِي من قِمَّة جَبلٍ شَـاهق، مَضَت يَدَاهُ تَخُطَّـان دَربًا من اللَّمَسَـات الحَـانية تُخفِّف عَنِّي مَـأسَـاتِي ظَننتُ أنَّه قد يُدَاهِمُنِي بجيشٍ من الأسئلة من قبيل كيف التَقيتُمَـا ؟ و ما الذِّي جَمَعكُمَـا ؟ لكنَّه التَزَم الصَّمتَ ثمَّ وَقَفَ وتَوَجَّه اليّ بالخِطَـاب مُتَمَسِّكًا بِصَوته الرَّخيمِ
"ابقَي هُنَـا...سَأعود"
رَحَل و شَيَّعته نَظرَاتِي الحَزينَة حَتَّى غَـابَ عن مَرآي، لم أكن أعلمُ أينَ سيَذهَب و لا مَتَى سيَعُـودُ لكنَّ عقلِي كَـان مَشغولا بالتَّفكير في مَصير تَايهيونغ. كُنتُ أعدُّ الدَّقائق حَتَّى انتَهَى بي الأمرُ أحصي سَاعاتٍ طِوَال مَرَّت كَقرون من الزَّمهرير المميت لم ألتَحف سوَى بخيبَة الأمل و الأفكار السَّوداويَّة حَتَّى لمَحت بَوَّابة غرفة العَمليَّات تُفتح و طَاقمًا طبيًّا يغَادرُ بَرحتُ مَكَانِي حَـالمَـا أبصرتهم و هَرعتُ اليهم لأقطَع طَريق الجَرَّاح الذِّي خَلع الكمامة التِّي كانت تغطّي وجهه و سألت و الدُّموع موشَّحَات تنشَدُ على حَوافِّ عينيَّ
"أخبرنِي أنَّه بخير يا حَضرة الطَّبيب "
نَظَر الى بَطنِي النَّاتئة من خلف القُمَـاش و سألَ
"أنت زوجَته أوليس؟"
تَرَاجعتُ خُطوة الى الوَراء و جَفَّفت دُموعِي الجَـارية على خَدَيَّ بكُميّ لأجيبَ في تَوتُّر
"كَلَّا، أنَـا...أنَــا صَديقته"
أومَـأ في استدرَاكٍ ثمَّ شَرعَ يَشرحُ لي وَضعه
"انَّه محظوظ ، لقد كَاد يلقَى حَتفه لو أنَّ يده لم تَكن حَـاجزا دون الأرض أثنَاء سُقوطه لمَـا استَطعنا إنقاذه "
مُجَرَّد ذكره لنَجَـاته جَعلنِي أتنَفَّسُ الصُّعَدَاء و فَورًا رغبتُ في التَّأكد من الخَبر
"هَذَا يعنِي أنَّه بخير و تَجاوزَ مَرحَلة الخَطر صحيح ؟ هل بإمكَانِي رؤيَته ؟ "
أومَـأ قبل أن يشرع في وَضع قواعد و أوامر يجب عليَّ ألَّا أتَجاوزها
"أصيب باِرتجاج خفيف في المُخ و كَسرٍ في اليَد، سيستيقظ لكنَّه مَا يزال تحت تأثير المُخدِّر. أرجو ألَّا تُطيلي البَقَاء لأنَّه يحتَاج الى رَاحة مُطَوَّلة نَظَرا لمَـا سيعانيه من مُضاعفات الضَّربة التِّي أصابت رأسه "
فور رؤيتي للمُمَرّضات ينقلنه من غرفة العمليات الَى غرفته الشَّخصيّة لحقتُ بهنَّ و دَقَّات قلبي تتَسارع كلَّما اقتربتُ من بلوغه، انتَظرتُ فروغَهنَّ من وَصل الأجهزَة الطِّبيَّة و لمَّـا فَرَغن و هَممنَ بالانصِرَاف تَقَدَّمت احدَاهنَّ من مَكَـان مُكوثِي و أمَدَّتني بكِيس أبيضَ صغير
"هذه أغراضه الثَّمينَة التِّي انتَزَعنَـاها قبلَ اجرَاء العَمليَّة"
أخذته منهَـا و أومَـأتُ في صَمتٍ و لمَّـا رَحَلت مع بقيَّة رَفيقَـاتها وجَدتني أبَـادلُ نَظرَاتي بينَه و بين الكِيس بحَوزَتي و لعَدم قُدرتِي على التَّحكم في آفة الفُضول التِّي تُسيطرُ عليَّ ارتأيتُ أن ألقي عليه نَظرة خَـاطفة، من بينَ ما وَجدت كَـان هَـاتفه الخَلويّ و بعض الا**سوارات التِّي يرتَديهَـا عَادة الى جَـانب قلادَة فضيَّة بَدَى لي أنَّهَـا تحوِي شيئا بدَاخلها و ذلك نسبَة الى تَصميمها لكنِّي لم أتصوّر أن أجد صورتي تستوطنها، صورَة مَرَّ عليهَـا أكثر من سَنَة حينَ كَـانت صَدَاقتنَـا في أوجِها أو رُبَّمَـا برَاعم الاِعجَـاب في طور نموّها. لا أدرِي من أينَ حَصل عليهَـا و لا كَيف و لكن مَـا شَعرت به في صَدري آنهَـا كَـان نبذة من معاناة تجاهلتها لسنوات ، شعرتُ بانقِبَـاض و بأنياب الحسرة تنهش قلبي
"هل يَتَعَمَّد القَدَر جَعلي أشعر بالنَّدم حيال كُلَّ ما فعلته مَعك"
سألتُ مُخَـاطبة ايَّـاه رغم أنِّي أدركُ أنِّي لن أتلقَّى اجَـابة و الأمر أنّي على يقين منها ، تَنَهَّدت وَاضعة أغراضه على المنضَدة الصَّغيرة بِجَـانبي و ظللت أتَأمَّله لفترة من الزَّمن لا أدري الى مَتَى امتَدَّت و لكن اِثرَهَـا تَبادرت الى ذِهنِي القبلة التِّي شاطرتُها ايَّـاه في غَفلة من القَدر و من عيون جونغكوك التِّي غَدت رقيبا عليَّ تَحرسنِي من كُلّ قريب أو بَعيد، أردت أن أتجاهل ذلك المشهد و أن أمحوه من ذَاكرتِي لكن ذَلك كَـان شبه مُستَحيل خَـاصَّة مع وجودِه الَى جَـانبي و هَـا أنا ذا أحَاول غَضَّ الطَّرف عمَّـا اجتَـاحني تلك اللَّيلة من مَشاعر مترَاصَّة كادت تقفز من بين أضلعي لفرط تزَاحمها في ص*ري و عن الكلمة التّي رجّ بها داخلي في لحظة و عصفت بأركاني حين همس لي أنّنا سنتشارك الاثم و اللّذة لقد حاولت تجنّبه لفترة طويلة بعد تلك الحادثة آملة تجنب تنبّئه و الآن أنا معه في مكان واحد.
كنت مُشَوَّشة و ما غلب عليّ كان الاضطِراب الذِّي نَجَم عن الأحداث المتتالية التِّي عِشتهَـا في الفترة الأخيرَة و ربَّمَـا غياب صديقتِي المقربَة عنِّي لفترة مُطَولة رغم حاجتي اليها في هذا الوضع.
لمحت جفونه تهتز بتثاقل قبل أن تنكمش لوهلة ثمّ فتح عينيه و راقب سقف الغرفة بنظرات فارغة أمسكت بيسراه و ضغطت على سطح يده بخفّة و الابتسامة تشق وجهي
"استيقظت أخيرا "
نظر ناحيتي و تَوَسَّعت عينَـاه دَهشَة ثمَّ حَـاول النُّهوض قبل أن يشعر بالدُّوار في رأسه و ينجَرَّ عن ذلك تأوُّه عميق
"آرين؟ هل أنا في الجنّة؟"
بَـاغتتني حَركته لذا سَارعتُ بمساعدته على الاسترخَـاء مجدّدًا و أجبت في هُدُوء في حينِ كنتُ أشعر بالخوف عليه حينَ سمعته يتألم
"أنت في المشفى ، استلقي و لا تتحرّك أرجوك"
لم تُفارقني نَظَراته بل ظَلَّت مُعلَّقة بملامح وجهي تنشدها و ترنو لمعانقتها، استَعَدت مَكَـاني فَقَـابلَنِي باِبتِسَـامَة مُستَفِزَّة و أسَرّ لي بهَمَـسَات لَعوبَة
"أنا بخير كمَا تَرين لا دَاعي كي تقلقي عليّ"
تَوَسَّعت حَدَقتَـاي و خَشيتُ أن يُكتَشَف أمرِي لفُتَـات الاهتمَـام التِّي تَكَرَّمت بها عليه حينَ غَفل عَنِّي الجُزء الوَاعي من عَقلي
"هل أبدُو لك كأنِّي قلقة عليك؟ أنَـا فقط غَـاضبة كيف لك أن تُلقي بنفسك اِلى الهلاك ؟ ماذا لو متَّ؟ "
بدَا عليه عَدَم الاكتِرَاث و نَشَز كَتفاه
"كان ذلك سيَكون جيِّدا حَتَّى تعيشي بقيَّة حَياتِك تحت عَذاب الضمير لأنَّك تعاملت معِي بجفَـاء "
فَـاجَأتني اجابته و بقدر مَـا كَانت غريبة كانت صَـادقة. أشرت الى الضِّمَـادة التِّي تُغَلفُ رأسه و أجبتُ باِنفعال
"هل أثَّرت الاِصَـابة على عَقلك بسرعَة ؟ كَيف لك أن تَتفوَّه بهراء كَهذَا؟"
ابتَسمَ بمَكر و أجَـاب
"أنتِ تُؤثِّرين على عَقلي و كُلِّ حَواسِّي حتّى قبل الاصابة "
لم يَرق لي مَـا سمعته منه و كي أحُدَّ من تَمَـاديه تَظَـاهرتُ بأنِّي سأرحَـل
"وَاصل العَبث بالنِّسبة لي فبعد أن اطمأننت عليك سأغادر"
ما ان استَقمتُ حَتَّى أمسكَ برأسه و جَعل يئنُّ و يتَألَّمُ مُمسكًا برأسه فعدت مُسرعَة أتحقق من سلامته قبلَ أن أكتَشفَ أنَّه يُمَثّلُ كي يَحولَ دونَ رَحيلي ثمَّ شَرع يتَبَـاهى بإنجازاته و خَدَمَـاته النَّبيلة
"هل تدركين أنّه لو لم أتَدَخَّل كنت ستموتين ؟ الغريب أنّ السائق لم يخفّض السّرعة الَّا عندما ظهرتُ أمامه و كأنّه كان يستهدفك. يجبُ أن تُحقق معه الشرطة "
آخر مَـا قاله جَعلني أفكِّر مليا في المَوضوع و أثَـار حَفيظَتي لكنِّي لم أشَأ أن أرهقه
"لا تَشغل بَالكَ بي رجَـاء... فقط ارتَح "
دَثَّرته بالملاءَة مَليًّا و لمَّـا طَرحتهَـا على صَدره تَشبَّثت يسراه برَاحة يدي و أبَت أن تَتركَها
غَـادَرت المَشفَى على عَجَلٍ و حَدَّدتُ وجهة سيَّارتي نَحو مُستَودع قديمٍ يَقع في منطَقة ريفيَّة خَـالية بعيدًا عن العمرَان و لمَّـا وَصلتُ تَرَجَّلتُ الى المَدخل الذِّي أحيطَ بأكوام الخُردَة و دَخَلت الفَضاء الفَسيح حيث لا يُسمَع سوى قرع خُطواتي متَّزنة مع قطرات الماء التِّي تقطر من شقُوق السَّقف و تَعزف سمفونِيَّة رعبٍ يتَردَّدُ صدَاها بين جُدران المَكان.
تَوَقَّفت عندَمَـا بلغتُ غايتِي ، كَـان مُقَيَّدا بإحكَـام على كُرسيٍّ و عينَـاه مَعصوبَتان لكنَّ قربي منه جَعله يرتَبك
"قَبَضنَـا عليه و هو يحَـاول الهَرب بحرًا سيِّدي"
أعلمَنِي العَميلُ الذِّي طَلبت منه أن يحضره لِي مَهمَـا كَلَّف الثَّمن لأنِّي كنتُ مُوقنَا من هروبه ، أشرت اليه أن يرفع عن عينيه الحجاب كي يبصر النُّور مُحَمَّلا بحقيقة مَصيره المُرَّة.
كَـان المَكَـان مُظلمًا لكنَّه استَطاع التَّعرّف عليَّ حيث هَتَف باِرتجَاف في نَبرة صَوته
"سيِّد جيون"
أومَـأتُ في صَمتٍ و التَفتُّ الى العَميل الرَّابض على يميني ليمُدَّني بقفازات سودَاء جِلديَّة انتعَلتهَـا بينَمَـا أخاطبه بجفاف
"اذَن أنت كَلبُ وَالدتِي المُطيع... لكن أتدرك أنَّك أسأت لسيِّدك ؟"
تَوَسّعت عينَـاه دَهشة و شَرع يبرر و ينفِي عنه التُّهمَ
"كيف ذَلك ؟ روحِي فداء لك و للعَائلة لقد قَدَّمت خَدمات جليلة لكم و لازلتُ أفعل"
ابتَسمت بجَـانبيَّة و سدَّدت ركَلة في بطنه قلبت كُرسيَّه و طَرحته أرضًا
"أرَى ذلكَ، خَاصَّة آخر مَا فعلت"
قَـارب صبري على النَّفاذ و بدأ صافرات الانذَار تدوِّي معلنة غيَاب عقلي و حلول عصر من الظلام حيثُ لا يُدَوِّن التَّـاريخ انتهَـاكاتي و أفعالي، سَـارع الرَّجل لإعادته الى وَضعيَّته السَّابقة و بينَمَـا كَـان ذاك السَّافل يعاني من ألم السُّقوط و الضربة التِّي وجهتها له سألت
"ألا تُدرك من هي المَرأة التِّي كدت تدهسهَـا ؟"
نَفَـى بِحَركَة من رأسه بينَمَـا يَتَجَنَّب النَّظر في وَجهي
"أنَـا لا أناقش السيّدة غاهيون انَّمَـا أنفِّذ الأوامر بصمت سيِّدِي"
وَقفتُ وَراءه و انحَنيتُ لأهمِسَ له بهدوء
"انَّهَـا زوجَتِي و تَحمل طفلي... و احزر من أصبت؟ صدِيقي الوَحيد."
اقشعرّ جسده لكلّ كلمة نَطقتهَـا و انكَمَشت عينَـاه خوفا حالمَـا أدرك هَول المُصيبة التِّي اقترَفها ثمّ جعل ينتفض فوق الكُرسيِّ و يتَخَبَّط طالبا الغُفران و الرُّعب بادٍ من التذبذب في صَوته
"صدقني لم تَكن لديَّ أدنَى فكرة أرجوك أعفو عنِّي...انِّي عبدٌ مأمُور دعني أعيش أتوسّل اليك"
استغربت من التناقض الذّي أبدَاه في كلامه و تساءلت بينما أخرج المسدّس الذي كان بحوزتي
"عَجيبٌ أمرك ، ألم تَقل للتَّوّ أنَّك مُستعد لتَفديني بروحك ؟ اذن سَتفعل "
راقبت عيناه حركة المسدّس و شفتاه ترتعشان لا بُدَّ أنَّه ينتظرُ موتًا سَريعًا لكنّني قررت اضَافة بعض المتعة على الجَوِّ
"لنَلعب لعبة الروليت الروسيّة لكن على طَريقتي، سأجعلك تعيش التَّجربة مع تقنية عالية الجودة حيث ستَشعر بعظامك تسحق الواحد تلو الآخر"
لم أكَد أنهي جُملتِي حَتَّى دخلت سيَّارة سوداء ربَاعيَّة الدّفع المستودع، أضواء مصَـابيحها الأماميّة تَجهر الأبصَـار و صوت محركها يزعزع الألباب.
توقّفت السيّارة على بعد مسافة من مكانه حينَهَـا أقحمت رصاصة في الأسطوانة و دوَّرتهَـا في حركة سريعة
"لدَيَّ رصاصة واحدة هنَـا من أصل ستّ هذا يعني أنَّ لد*ك خمس فرص على أقصى تَقدير في كلّ مرة أضغط على الزِّناد و لا تُطلقَ الرصاصة ستتقدم السيَّارة باتِّجَـاهك هذا يعني أنَّه امَّـا أن يحالفك الحظ و تخترق الرّصاصة دماغك أو تَطحنك عجلات السيَّارة . أجيد اختيار الأل**ب المثيرة صحيح؟ "
شَقَّت وَجهِي ابتِسَـامة عريضَة ثمَّ أخذتُ بضعَ خطوَات بعِيدًا عنه و وَجَّهت المُسدَّس مباشرة نَحو رأسه ، ضغطتُ على الزنَـاد مُعلنًا بدَاية حرب الأعصَـاب و مُؤذِنًـا بمَوتٍ نَفسيٍّ شنيعٍ. ضَغط السَّـائق على الدّواسَات و أخَذَ يتَقدَّم نَـاحيته مَـا جَعله يرتَجفُ و يصرخُ هَلعًا و هَـا قد بدَأت محاولاته اليَـائسة في الهَرب اذ جَعل يتَخَبَّط آملا في الابتِعَـاد عن مَصيره كَـان ذَلك مع ضَغطي على الزنَاد للمَرَّة الثَّانية لتَكون طَلقة فَـارغة ، هذه المَرَّة كَـانت سرعة السَّائق مُضاعفة لكنَّه تَعمَّد أن يوقفَ السَّيارة على بعد انشَـات من كُرسيِّه فقط كي يُضاعف خَوفه رغمَ أنَّه كان قَـادرا على دَهس قدَميه.
أعدت تَدوير اسطِوانة الرَّصاصات و مع كُلِّ حركة يرتعش كَـامل جسده ، لمحت العرق يتَصبب من جبينه و جحوظ عينيه المفزع على ضوء المَصابيح التِّي جَهرت بَصره و لمَّـا صَوَّبت المُسَدَّس نَحوه من جديد صرخ من أعماقه و صدح صوته متَوسِّلا الحريَّة
"أطلق النَّـار و خَلِّصني أرجوك أقتلني "
نَظَرت اليه ببرُود و خَفَضت سلاحِي
"أكره كَونِي رَحيمًا..."
مَـا إن أنهَيتُ كلامِي حَتَّى دَاهمته عجلات السيَّارة و صَيَّرته جُثَّة هَـامدة ثمَّ جعلت تسحق عظامه ذهابا و ايّابا حتى سوّته مع الأرض المنبسطة. كان صوت طقطقة عظامه يطربني و لمّا انتهيت من الأخذ بثأري غادرت المستودع مشيرا الى الحارس عند المدخل
"تخلّص من الجثّة "
عُدتُ إلى المَشفَى قُبيلَ السَّـاعة التَّاسعَة مَسَـاء ولَمَّـا دَخَلتَ غُرفَة تَـايهيونغ أبصرته يتَبَادَل الأحَاديث و الضَّحكَـات مَع آرين ، كُنتُ مُرهَقًا مُثقَلا بالأعبَـاء لكنَّ رؤيته بخير نَفَخت فيَّ نَفَسًا من الأمَل و الرَّاحَة. هَروَلت آرين نَاحيتِي و عَانقتني مَا ان خَطوت الى الدَّاخل، التِحَـامُ جَسَدَينَـا من جديدٍ و اقتِحَـامُ شَذَاها بجَبروت لجَوفي جَعلنِي أوقنُ أنِّي لن أتَخَلَّصَ من احتلالهَـا الجَـائر لقَلبِي و عَقلِي. شَدَدت حولهَـا العنَاق نَثرت قُبَلا هَـائمَة على فَروَة رَأسهَـا ثمَّ إستَدرتُ الى تَـايهيونغ القَـابع وَسَط سريره و نَظراته مُوَجَّهة نَحونَـا، لقد اختَفت الابتسَـامَة التِّي كَـانت على وجهه.
"حَمدًا لله على سلامتك يا رجُل. لقد قُمتَ بعَمَل بُطوليّ كَيف لي أن أعَبِّر لك عن امتنَـاني؟"
تَقَدَّمتُ منه شيئا فَشيئا و قد ارتَـاحت نَفسيَّتي لرؤيته سَليمًا مُعَـافى
"المُهمُّ أنَّ آرين لم تُصَب بأذَى...و الطِّفلُ أيضًا"
تَخَطَّتني نَظراته لتَستَقرَّ عندَ آرين و بَـالغت في اظهَـار الشَّفقة و الايثَـار لكنَّه سُرعَـان مَـا أدركَ زَلَّته فأضاف كَلمَة يتِيمَة لقوله الذِّي بَدَى مَشبُوهًـا، ابتَسمتُ بخِفَّة و ضغطت على كَتفِ آرين
"حَـانَ وَقتُ العَودة الى البيتِ، يَجِبُ أن يَنَـالَ المَريضُ قسطًا من الرَّاحة."
اكتَفت بإيمَـاءة وَحيدَة وَ غَـادرت الغُرفَة كَأنَّهَـا تَتَهَـرَّب من أمرِ مَـا ، رَاقبتُ حَرَكَـاتهَـا و قد بَدت مُريبة و لمَّـا اختَفى طَيفهَـا دَسستُ يدَيَّ في جُيوبي و تَوَجَّهت الى تَـايهيونغ بالحَديث
"أرَاكَ غَدًا يَـا صَديقي، احرِص على أن تُشفَـى بِسُرعَة "
لَوَّح لي بيدِه التِّي لم تُعقهَـا الجبيرَة عن الحَركَة فخَرجتُ بدَوري من حُجرته لأنهِي الزيَارة و اقتَفيتُ أثَرَ آرين كَـانت جَـالسَة في المَقعد الأمَـاميِّ و لم تنتَبـه لقدومِي إلَّا عندَمَـا احتَلَّ جَسَدي مَقعَد السَّـائق الى جَـانبهَا
"كدتُ أفقِـدُكَ يا صَغيري"
تَمتمت بينَمَـا تُرَبِّتُ على بَطنهَـا بحنان وعيناها تَفيضَـان حُبًّـا و أمَـانًا فاِحتضنتُ يَدَهَـا و حَـاولتُ أن أخففَ من خَوفهَـا و في نبرة صوتِي محاكاة لما في خاصتها من حنيّة و حب
"لا تَشغلِي بَـالك صَغيرَتي مَـا دُمتُ الى جَـانبكِ لن يَقربكِ مَكروه"
انف*جت زاوية شفتِها و أف*جت عن ابتسامة أسرت قلبِي، لم تَشُكَّ لوهلة في مِصدَاقيَّة كلامِي بل ازدادت يقينًا و ايمَـانا.
في تِلكَ اللَّيلة أعلَمتُ وَالدَتِـي أنِّي مَـا عُدتُ أُكنُّ تُجَـاهَها حُبًّـا أو احترَامًـا فقد أجهَضَت بفعلتهَـا الشَّنيعة كُلَّ فرصَة لنُمُوِّ آصرة ثقَة جديدة بينَنَـا و بيَّنت لي بالدليل القَـاطع و البُرهَـان السَّـاطِع أنَّ لا مَـكَـانَة لي عندَهَـا و لا سُلطَـان يَعلُو على جَشعهَـا و أنَـانيَّتهَـا. في تِلكَ اللَّيلة هَمَستُ لآرين و نَحنُ مُستَلقيَـان في السَّرير بينَمَـا أعانقهَـا من الخَلف و يدَاي تُحَـاوطَـان بَطنَـهَـا
"سَبق و أخبرتكِ أنَّ أعظم مَخاوفِي هي فقدَانك... اليوم تَأكدت أنِّي أُجَنُّ اذَا لم أجدكِ بقربِي"
خَطَّ الزَّمَـنُ في التَّـاريخ شهرين كاملين و ازدَاد انتِفَـاخُ بطنِي مع بلوغي الشَّهر السَّـابعَ من الحَمل و ازدادت في المُقابل الانقبَاضات التِّي أعاني منها و الآلامُ المُصَـاحبة.
شفيت اصَـابةُ تَـايهيونغ و تحسّنت حاله لكنّي مَـازلتُ أذكُر آخر مُحَـادثَة لنَـا حينَ طَلَب منِّي أن أتَحقق من مَـاهيَّة مَشَـاعرِي تُجَـاهه و لكنَّ اجَـابتي كَـانت وَاضحَة حينَ سَـارعت لمعانقة زوجِي و استقباله بحرارة حالما ظهَر بيننا. نسيتُ حتّى وجود تايهيونغ وانشَغلتُ ببثِّ لوَاعج الشَّوق التِّي ألهَبت فؤادي و فَور مُغَـادرتي غرفتَه بعثت له برسَـالة
' انسَـى الأمر، لا أقدِرُ على مُفَـارَقَة زَوجِي... حَتَّى لو امتَلَكتُ ميلا لكَ فهو لا يُقَـارنُ بحبِّي لجونغكوك. '
ورغمَ ذَلكَ فهو لم يُحَـاول قَطعَ الاتِّصَـال بي بل جَعل طَريقي منثورًا بزهُورِ المَحبَّة و وُرُودِ الألفَـة و أينَمَـا وَلَّيتُ وَجهِـي وجَدته يَزرَعُ الابتِسَـامَـات من حَولي.
لم نَزُر قَصر العَـائلة منذ يوم الحَـادثة و كُلَّمَـا طَلبتُ من جُونغكوك أن نذهبَ لرؤية هوسوك و العمِّ يونغسو وَجَد لي ألفَ عُذرٍ كي يَتَجـنَّب الزِّيَـارة كأنّه يتهرّب من أمر ما لكن اليوم حرصت على أن نعودهم بما أن حصص هوسوك العلاجيّة تنتهِي اليَوم و لدَيَّ رَغبَـة جَـامحَة في رؤيَـة التَّقدُّم الذِّي أحرَزه.
كُنَّـا مُجتَمعين في غُرفَة العمِّ يونغسو المُطلَّـة على الحَديقَة بعيدًا عن أنظَار أفعى القَصر البَغيضَة فلا أحد غيرَ ثلاثتنَـا يعلمُ بأمر علاجِ هُوسُوك. وَقف هوسوك في البدَاية و استَقامَ دون أن يَتَعَسَّر عليه الأمرُ كَـمَـا حَدث معه في المَرَّة الفَـارطَة ثمَّ هَرع نَـاحيته العَمّ يونغسو و أمسَكَ بعَضده ليُسَـاعده على المَشيِ ، غَشيت الفَرحة صَدري و شَعرت أنِّي أولد من جديد كان ايماني بشفَـائه قَويًّا منذ البداية و حَـاولتُ أن أغرِسَ فيه الأَمَـل و العَزيمَـة ليوَاصل المُحَـاوَلة مَـهمَـا حَصَد فَشلا غَنيًّـا بالخَيبة.
وَضعتُ كلتَـا يدَيَّ على فَـاهي بيدَ أنَّني لم أستَطع مَنعَ نَفسِي من الصُّرَاخ و قد اهتَزَّت جَوارحِي بشرًا و حُبورا
"لا أُصَدِّق أخيرًا أنت تَخطُو "
تَوَقَّف لوَهلة يَستَرِدُّ أنفَـاسه المُبعثَرة و قد أنهَكَه الجُهدُ الذِّي بذله كي يُبرزَ لي حَجم الانتصارات التِّي حَقَّقَهَـا ضدَّ المَرض
"أخبرني طَبيبي أنَّ الأمرَ مُرتَبطٌ بِعَزيمَتي و أنَّه لم يَتَبَقَّى لي سِوَى المُمَـارسَة و في غُضون شَهر على أقصَـى تَقدِير سأكون قَـادرا على المَشي بالاستعانة بالعكَاكيز الطبيَّة "
لم تُفَـارقني البَسمَة و لم تَهجر السَّعادة مَواطنهَـا على وَجهي بل قَـابلتُ جهوده بالتعزيز و التَّقدير
"لا أستَطيع سوَى أن أقولَ أنِّي فخورَة بك"
لمَّـا بدَأت الجلسة تَحلو بمَـا فيهَـا من نوادر و طَرائف للعَمِّ يونغسو شعرتُ بمغصٍ مفاجئ نَغَّص مُتعتي، انقَبَضَت ملامح وَجهي في الحَـال و ارتأيتُ المُغَـادرة قبل أن تَزدَاد حَـالي سوءًا. تَعلَّلتُ بضَرورة أخذ الدَّوَاء الذِّي وَصَفته لي الطبيبة كي أفلتَ من الأسئلة و اتَّجَهتُ مُبَـاشرة صَوبَ القَصرِ بخطُوَات بطيئة مُتَثاقلة لقد كَـان الوَجع يَزدَاد كلَّمَـا تَحَرَّكتُ حَتَّى خَشيتُ أن أفقدَ تَوازنِي قبلَ أن أصلَ الى مَدخل القَصر.
قَدَمَـاي بالكَاد تَحملانني كأنَّ الثِّقل عليهمَـا فَـاق المُستَطاع و حَتَّى حلقِي مَشحونٌ بعبرَاتي لا يَسمحُ لأنيني بالخُروج، استَمَرَّيتُ في التَّحَـامُل على نَفسِي أمنِّيهَـا مَع كُلِّ خطوة أنِّي اقتَربت من الفَرج لكنِّي مَـا ان وَصَلت الى القَصر وَجدت الطَّابق الأرضيّ خَاليا حَتَّى من الخَدَم فزَاد ذلك من احبَاطِي و عَظَّمت الخَيبَة من ألمِي سَوَّلت لي نَفسي الصُّعُـود الى الطَّابق الأوّل فلا بُدَّ أنه مُحتَضنٌ بينَ جُدرَان غُرفَته فلا مَكَـان آخر يمكنُ أن يَحتَويه.
نَظَرتُ الى السَّلالم التِّي تَلتَقي في عنَاق حميميّ مع تمثال من المرمر في نُقطَة شَـاهقة بعينين وَجلتين ورأيتُ أنِّي لن أصل الى القِمَّة الا ميتَة الّا أنَّه ما باليَد حيلة ولا خيَـار آخرَ أمَـامي. ازدادت دَقَّـات قَلبِي و شعرتُ بقطَرات العَرق تنسَـابُ على جَبيني ملبدة خصلات شعري الهوجاء كُنت في حَـالة يُرثَـى لهَـا و مَـا من مُغيثٍ ثمَّ فَكَّرتُ لوَهلَـة أنَّـه من الممكن أن تَكُون هذه أعرَاض الولادة فقد سَبق و أخبرتني الطبيبة أنّه من الممكن أن أضع الطِّفل قبل أوَانه لكن ليسَ بهذه السُّرعَة
بَلغتُ مُرَادي بعد كِفَـاح طَويل و مَع اقترابي من غرفة جونغكوك تَبيَّن لي أنَّه ليسَ وَحيدًا انَّـمَـا يخوض شِجَـارا قَـاسيًا مع وَالدته ، نَبرة صَوته الحَـادَّة لا تُبَشِّـر بخير
"غَـادرِي غُرفَتي ألم تَسمَـعي مَـا قلتُ ؟ لا أريدُ رؤيتَك و لم آتِي لأجلك إنًّـمَـا تَلبية لرغبة آرين"
"لم تُكَلمني منذُ شَهرين و الآن أنتَ تُعَـاملنِي بهذه الخُشونَة رفقًـا بي يا بُنيّ ما الذِّي فعَلته لكَ ؟"
"و تَسألين ؟ أردت تَدميرَ زوَاجي و حَيَـاتي و خَططت لقتل زوجَتي و ابنِي ألا تَرين في ذَلكَ مَـا يدفعني للحِقد عليك"
عَقدت حَـاجبَاي حَالمَـا اختَرقت هذه الكَلمَـات سَمعي و أملتُ أن أكُون مُخطئة و لكن في تلكَ اللَّحظة رَبَطت خُيوطَ آخر الأحداث في عَقلي ليتَّضح لي أنَّه نَسيجٌ متَكَـاملٌ لا يَنقصه شيء... الحَـادثُ الذِّي تَعرَّضت له منذُ شَهرين و رَاح تَـايهيونغ ضَحيَّته كَانَ مُدَبَّرا
"لقد نَدمتُ أيَّـمَـا نَدم... أنتَ تَعلمُ أنَّكَ أغلى مَـا عندِي و لا أقدِر على فرَاقك. بالنِّهَـاية كُلُّمَـا فعلته كَـان لأجلك"
"دَائما مَا تُكررين على مَسامعي نَفس الاسطِوَانة الصَّدئة، مَللت من هذَا العذر الوَاهي. و ما الذِّي فعلته أصلا حَتَّى تَتَشَدَّقي به ؟ حَـاولت رمي أخي في دَار رِعَـاية و حرمَـانه من حَقِّه و تَسببت بنوبة قلبيَّة لجَدَّتي أودَت بحيَـاتهَا عندَمَـا اكتشفت حقيقة ما فعلته أنت و أبِي"
"أخفض صَوتكَ مَـاذا لو سَمعك أحدهم ؟ "
"هل تَظنين أنِّي أهتَمُّ ؟ أصلا لقد سَئمتُ من اخفَـاء الحقيقة المُرَّة كُلَّمَـا نَظرت في عينيّ آرين أشعر بدَاخلي يحترق و كلَّمَـا حَـاولتُ تَجَـاهل الأمر ارتفعَ صَوت جلادي يُؤنِّبني. انِّي منهَـار "
شهق جونغكوك فجأة و منعته مرارة الدُّموع من مُواصلة الحديث ،لم تَكن لَدَيَّ أدنى فكرة حَول مَـا يَتَحَدَّثون عنه لكنَّ معظمَ السَّتَائر كُشفت عن حَقائقَ مُظلمَة و يا ليتَنِي لم أعرفهَـا كيفَ يُمكن أن تَكُون غَـاهيون وراء وَفاة الجَدَّة و الأدهَى و الأمَرّ من ذَلك كيف يتَسَترُ جونغكوك عن الأمر طوال هذه المُدَّة.
الألمُ الذِّي يُمَزِّق أحشَـائي يزدادُ لكنَّ الخَنَـاجر التِّي غُرست في ظَهري غَطَّت على ألم عليه ، الأمرُ أشبه بِجَبل ينهَـارُ و يغدو رُكَـاما كَذلك الحَـال مع الثِّقَة التِّي شيدتها لسنوات و التِّي كنتُ أكنّها لزوجِي.
"هل فَقدت عقلك ؟ تكشِف لهَـا الحَقيقة الآن؟ و مَـاذا بعدَها هل تَظنُّ أنَّهَـا ستبقى مَعك بعد أن تَعلمَ ؟ ستَهجرك و لن و تَسمع عنهَـا الى مَمَـاتك... ستتركك وَحيدًا كَئيبا تَتَخَبَّطُ "
"ألا تَفهَمين ؟ لم أعد أستَطيع حمل هذا العبء ان لم أخبرهَـا بالحقيقة فسَوفَ أضع كلَّ أموَالي و ممتَلكَـاتي تحت اسمِهَـا و تَصَرفِّهَـا و عندَها تَذهب جُهودك طيلة 27 سنة هباء "
"يا الهِي سَتُصيبني بالجُنون... تَضع ثروتك تحت تَصرُّف لقيطَة و مَـاذا عنَّا"
"كَفاك تحقيرًا و أبصِري الحقيقة فهي جَليَّة أمَـامك آرين ابنَة عمَّتي هيجين و زوجهَـا يونغسو و ارسَـالكِ لها الى المَيتم لن يُغيِّر شيئا فلهَـا الحَقّ في ثلث الميراث "
كَـانت تلك الصَّاعقة التِّي حَلَّت بي ، فقدتُ قدرتِي على التَّمييز و كدتُ أفقدُ وعيي مَعَهَـا لكنِّي وَضعت يدي على الجدَار أتَمَسَّكُ به و هَممت بالتّرَاجع بعِيدًا لكنَّ مَوجَة عَـاتية من البوى هَزت جَسَدي فلم أستَطع كَتم آهَـاتي التِّي ارتَفعت و تَمَسَّكت بالمنضدَة الصَّغيرة التِّي كَـانت تُزيِّن رُكنَ المَمَرّ فَسَقطت المِزهَريَّة من فَوقهَـا و تَهَشَّمت نَظرت الى الزُّجَـاج المُبعثر في الأرجَـاء كَحَـال قلبي الذِّي تَفتّت الى أشلاء حينَهـا أدركتُ أنَّه من المُحَـال اصلاحُ مَـا أفسدَ بفعل الخيانة و الغدر و مهما بذلت من جهود سيبقى فؤادي متصدِّعا تعلوه شقوق الكذب و النّفاق.
خَرجَ جونغكوك من الغرفَة تَتبعه أمُّه و قد لمَحتُ ملامح وجهه تتَغيَّر بعد أن كُشفت مَسرحيَّته ، هَـمَّ بي خَـائفا وَجلا و غمغم اسمِـي بنبرة مُرتَعشَة تَطغى عليهَـا الغُصَّة فتَرَاجعت الى الخَلف و نَفرت من يديه التِّي أخذت مَسارهَـا لتجذبني نَـاحيته
"لا تَلمسنِي ابتَعد عَنِّي"
كَـان مَذعورًا مُرتَبكًـا يُحَـاولُ اقتنَـاصَ فرصَة للحَديث بيدَ أنِّـي كنتُ أرفض و أسدُّ كلَّ فَجوة يخلقُـهَا
"دَعيني أشرحُ لكِ رَجَـاء "
"جَـعلتني أعيشُ دَور اليتيمَـة المُشَرَّدة و سَرقت منِّي حيَـاتي... فعَلت ذَلك و لم يَرفَّ لكَ جَفنٌ و في المُقَـابل لا تتَوانى عن اخبَاري بحبِّك الأعمَـى لي. أكنتَ تَستَغلُّني كلَّ هَذَا الوَقت؟ أخبرني مَـا شعورك و أنتَ تتلاعب بمَصيري كأنِّي دُميتك ؟ مَـاذا فعلتُ لكَ كي تُحَطِّمَني و تُشوّه قلبي بحبّك اللَّعين "
تَمَكَّن من الامسَـاك بذراعيَّ و حَـاول أن يَستَميلني بالحَديث لكنِّي كنتُ كَمن اسدلت غشاوة على عينيه و سدَّت أذناه فلا أبصرت و لا سمعت منه شيئا يُذكر لكنِّي لم أحتمل يديه و همَـا تُحيطَـانني فجعلت أتَخَبّط أنوي الإفلات من براثنه ، كنت أقترب من الدَّرج و هو يحَـاول أخذ فرصة يتيمَة كي يَشرحَ لي الأمر و لكنِّي لم أصغي له.
عَيناه مُخيفتان و قد اكتسحت الحمرة بياضهمَـا و عروق يديه و رقبته بارزة تَكَـاد تنفجر و الدِّمَـاء تَجري حَـامية وَسطَهَـا لقد بدا و كأنَّه يفقد رشده حيث لم يَعد لعقله سيطرة على تَصرُّفَـاته.
لقد استَمَرّ في رجِّي بكلّ مَـا أوتي من قوَّة و هو يصرخُ مُكررا
"اسمَعيني أوَّلا... مَـا هذا بحقّ الجحيم ؟ ألا تعينَ أنِّي بريء"
أردت الخلاص من قَبضته المُحكَمَة التِّي نَخَرت عظَـامِي فدفعتُ صَدره بمَـا تَبَقَّى لي من قُوَّة لقد كنتُ ضَعيفَة لكنَّ شحنَة تَدَفَّقت فيَّ بغتة ربَّمَـا كَـانت تلكَ رغبتِي في التَّحرر من قيود الظُّلم و الاستبداد تلك الاندفاعة التِّي تصيبُ المَرء في أوج القَهر و تَخلق الثَّورَة. كنتُ فقط أتوق الى الحُريَّة كَأي شَخص عَـاش تحت الجَبروت فَصرخت الدِّمَـاء في عروقه طَـالبة الانعتاق...
فقدت توَازنِي و وجدتني أتدحرج في السلالم قبل أن أفقد وعيي