الفصل الأول: وصيةُ الرمق الأخير ودموع "هوا يوان"
في عمق القصر الإمبراطوري، حيث الصمت أثقل من الجبال، كان الملك الأب يصارع سكرات الموت
كان الجناح يغص برائحة البخور المرّ وأنفاسٍ تتقطع كخيوط الحرير الواهية وبجانب سريره، وقف الضدان؛ وي شين بملامحه الصارمة التي تخفي خلفها طموحاً لا يرحم، ووي لونغ الذي كان يبدو كقمرٍ حزين يصارع غيوماً سوداء.
فتح الملك عينيه المجهدتين، وبصوتٍ كأنه قادم من القبر، نطق وصيته التي ستغير وجه التاريخ:
> "وي لونغ.. أنتَ الملك من بعدي. لكن ملكك لن يكتمل إلا بـ 'الزهرة المحمية'. اذهبوا إلى قرية 'هوا يوان' (Hua Yuan)، واجلبوا لي الوريثة مِي لِيان. اجعلوها محضيةً منسية في ركنٍ بعيد، لعلّ علمها بالزهور يكون ترياقاً لمرضك الذي عجز عنه الأطباء.. احموها من أعين الطامعين، فهي خلاصك الوحيد."
بمجرد أن سكنت أنفاس الملك، اشتعلت نيران الحقد في عيني وي شين، الذي لم يرَ في مِي لِيان سوى أداةٍ ل**ر أخيه المفضل.
على الجانب الآخر من المملكة.. في قرية "هوا يوان" (قرية الزهور):
بعيداً عن صراعات العروش، كانت مِي لِيان (ابنة الثامنة عشرة) تجسد براءة الطبيعة مِي لِيان لم تكن مجرد فتاة، بل كانت حارسة أسرار الزهور، ورثت عن عائلتها عِرقاً نادراً يربط نبضها بنبض الأرض.
في غرفتها البسيطة، وقفت أمام مرآتها البرونزية، ولم تكن تدرك أن تلك اللحظة هي الوداع الأخير لحياتها الهادئة. فجأة، اقتحم هدوء القرية صليل سيوف الحراس الإمبراطوريين.
نظرت مِي لِيان إلى المرآة، فانسابت دمعةٌ حرّى على وجنتها الشاحبة. لم يكن حزنها خوفاً على نفسها، بل كان حزناً على تمزيق جذورها من تربة أهلها الذين أحبوها بجنون.
"لماذا أنا؟" همست لنفسها والارتجاف يملأ صوتها. "لقد خُلقتُ لأداوي الجراح بالزهور، لا لأكون أسيرةً في قصرٍ جدرانه مبنيةٌ من الخداع."
خرجت لتجد والدها يقف عاجزاً أمام سطوة الحرس، ووالدتها تنهار بكاءً وهي ترى زهرة منزلها تُقتلع لتُزرع في أرضٍ غريبة وباردة.
.
.
.
تكملة الفصل الأول: تمزيقُ الجذور
بمجرد أن انتهى قائد الحرس من قراءة الأمر الإمبراطوري، لم يمنحوا العائلة لحظة واحدة للوداع تقدم جنديان غليظا القلب، وأمسكا بذراعي مِي لِيان، وجراها نحو العربة الحديدية التي كانت تنتظر خلف أسوار "هوا يوان".
تعالى صراخ والدتها الذي هزّ أركان القرية، وهي تحاول التشبث بطرف ثوب ابنتها:
"خذوني أنا.. اتركوها! إنها زهرتنا الوحيدة، إنها روح هذا البيت
أما والدها، الذي كان يقف بصلابة الجبال، فقد انحنت قامته لأول مرة في حياته؛ حاول اعتراض طريق الحرس، لكن مقبض سيفٍ بارد دفعه بعيداً، ليسقط على الأرض وسط بتلات الزهور التي داستها خيول الإمبراطورية بلا رحمة.
كانت مِي لِيان تصرخ وهي تُجرُّ غصباً عنها:
"أبي! أمي! لا تتركوني لهم!
لكن أصواتها كانت تضيع وسط صليل السلاسل ووقع الحوافر رموها داخل العربة المظلمة كأنها بضاعةٌ مُشتراة، وليست بشراً.
ومن خلال الشقوق الصغيرة في خشب العربة، رأت آخر مشهدٍ سيبقى محفوراً في ذاكرتها: والدها يجثو على ركبتيه والتراب يغطي شيبته، ووالدتها تنهار مغشياً عليها بين حقول الياسمين التي بدت وكأنها تذبل حزناً على رحيل ابنتها.
انطلقت العربة بسرعة البرق، مخلفةً وراءها غباراً يغطي دموع قرية "هوا يوان" وفي تلك اللحظة، تحولت مِي لِيان من وريثةٍ حرة لعلم الزهور، إلى "رقمٍ" منسيٍّ في سجلات القصر الإمبراطوري البارد، تسوقها الأقدار لتقابل قدرها المحتوم بين وي لونغ المريض ووي شين الذي ينتظر فريسته بابتسامةٍ ماكرة.