الفصل الأول
#قلوبٌ_غُلف
#الحلقة_الأولى
#دُنيا_الشملول
بعض أشعة من نور الصبح تسللت من بين فتحات أخشاب النافذة، اخترقت ستائرها البنية في لونها، والتي تتماثل مع لون خصلاتها التي بدأت العبث بأناملها داخلهم كحركة لا إرادية اعتادت عليها منذ الصغر. أشرقت عينيها بعد أن أيقظها الهاتف مُعلِنًا عن بلوغ الساعة السادسة صباحًا مُنبهًا إياها بحلول أول أيام دراستها الجامعية. بسطت ذراعيها على وسعهما وهي تتثاءب، ثم نهضت مسرعة بنشاطٍ كي تبدأ مغامراتها التي هي على جهل تام بها. ومن مِنا يأمن تقلبات الدهر؟ ومن مِنا لا يؤمن بالأقدار؟!
خرجت من غرفتها بعدما أدت فرضها، ورتبت فِراشها، وأخذت تصيح وتهلل كعادتها عند كل صباح، خرجت والدتها من المطبخ وهي تضحك بقلة حيلة، جذبت أذنها بمزاح وهي تقول في غيظ مصطنع:
- ألن تتوقفي عن القفز في المنزل كالقرد!
- القرد غزال في عين أمه.
قالتها وهي تلاعب حاجبيها عبثًا، ض*بت السيدة حنان يديها معًا، ثم تحدث وهي تتخذ المطبخ وجهتها:
- الصبر يا الله، أيقظِ أخاكِ.
فركت يديها معًا في شغف، وتحركت تجاه غرفة أخيها وهي تفكر في طريقة لإيقاظه فزِعًا، وتتخيل بين جنبات عقلها مصيرها الذي ستناله ما إن يستيقظ، ضحكت فجأة وهي تتذكر كيف انتفض صارخًا منذ يومين حينما هسهست بجانب أذنه وهو نائم.
ولجت الغرفة تجر قدميها لئلا تُحدث صوتًا، ثم وقفت فوق رأسه تطرق بأناملها فوق وجنتيها ناظرة له وهو يغط في نوم عميق واضعًا وسادتين من أسفل رأسه وأخرى فوقها، وغيرهم بين أحضانه، كأنه يحصن نفسه بالوسادات! انتقلت نظراتها للملاءة من أسفله، وابتسمت من فكرتها، وفي حركة هادئة للغاية أمسكت بطرف الملاءة، ثم جذبتها فجأة بكل قوتها فانتفض في مكانه بعيون متسعة بعدما خرجت عن حنجرته شهقة فزع، نظر تجاهها وهي جالسة بجانب خزانته أرضًا غارقة في نوبة ضحك متواصلة، وتض*ب كفيها معًا بعدم تصديق لكونها فعلتها به مجددًا. كز على أسنانه غيظًا وهو يدور حول نفسه باحثًا عن شيء يُمَكِّنه من الانتقام منها على أفعالها، نهضت راكضة من أمامه ليلحق بها، صرخت باسم والدتها تطلب النجدة، لكنه جذبها من دُبُرِها مُثَبِّتًا إياها فوق أحد مقاعد الصالة الواسعة، جذب الوسادة الجانبية ووضعها فوق وجهها، وأخذ يضغط بها وهو يتحدث بغيظ منها:
- ألن تتوقفي عن حركاتك الصبيانية تلك! هل تنتابك الفرحة يا قوقع عندما توقظينني بهذه الطريقة!
بقيت تتلوى من أسفله ولا تزال تضحك، لتتحدث والدتهما وهي متجهة إلى غرفة الطعام حاملة الأطباق بيدها:
- كفاكما يا أطفال، توقفا عن هذا وأقبلا؛ الطعام جاهز هيا.
ابتعد عنها وهو يرمقها بتوعد، فتحدثت من بين ضحكاتها محاولة التقاط أنفاسها بانتظام:
- لا أعلم كيف ينتفض لقدومك جميع من يعمل بالشركة وأنت تُفزعك حركة مفرش فراشك فقط!
نظرة سخط من طرف عينه وُجِّهت لها قبل أن يتركها عائدًا لغرفته، لكن ابتسامة حنونة ارتسمت فوق ثغره على مشاغبَتِه الصغيرة، لطالما أحبها بكل ما تملك من بهجة وحيوية، إنه يراها ابنته لا أخته فقط؛ فهذا هو العام العاشر الذي يكون المسؤول الأول والأخير عنها في كل شيء يخصها، عبثت ملامحه حزنًا وهو يتذكر معاناته من بعد رحيل والده، لقد تركه مُذ كان في السابعة عشر من عمره، ترك من خلفه زوجة تعاني مرض القلب، وفتاة لا تفقه من الدنيا شيئًا، فأصبح هو الأب والأخ والصديق لكليهما. تن*د بقوة جاذبًا منشفته، ثم أنهى طقوسه سريعًا، وقف ينظر لهيأته بالمرآة، ثم رفع فرشاته مهذبًا خصلاته التي تشبه في لونها أخته، سحب أغراضه الشخصية، وتحرك تجاه منتظرتيه.
تحدثت الأم بحنانها المعهود:
- انتبهِ لنفسك يا أسيل، فليكفيكِ الله شرور البشر.
آريان تاركًا الخبز من يده، موجِّهًا حديثه لأمه:
- وماذا عني؟
- تناول طعامك في **ت.
قالتها وهي تُشير لطعامه، فتذمر وهو يعيد الإمساك بالخبز من جديد:
- أجل، أنا لست ابنك لتقدمي لي النصائح مثلها، ولا أستحق أن تغازليني أو تناديني يا غزال.
ضحكت الأم بملء فمها وهي تسأله:
- منذ متى والصقور تُلقَّب بالغزلان؟
انفجرت ضحكة أسيل وهي تض*ب كفيها معًا ليناظرهما آريان بسخط، ثم سكب لنفسه بعض الشاي وهو يقول:
- انتهِ سريعًا يا حلوة، الفائز من يضحك في النهاية.
ضمت إبهامها وسبابتها مؤكدة حديثه، ثم تابعت تناول طعامها وركضت إلى غرفتها جاذبة حقيبتها التي أعدتها مسبقًا، نزلت من منزلهم ذا الطابقين، استقلت بجانبه السيارة، وبدأت تلوح لوالدتها من النافذة، ثم انطلقا لوجهتهما.
تحدثت بعدما اعتدلت في جلستها وهي تفرك يديها معًا بشغف:
- سعيدة للغاية؛ اليوم هو أول يوم لي بالجامعة، لدي شغف لا يُحجم باكتشاف الناس.
زفر آريان بعضًا من هواء رئتيه باحثًا عن طريقة مناسبة لنُصح أخته؛ يعلم خطورة هذا العمر الذي وصلت إليه الآن، ويعلم أيضًا ما هي مقبلة عليه من تجارب ستسعى لأن تخوضها، خرج صوته ثابتًا مغلفًا ببعض الحنان الذي اعتادت عليه منه:
- أنتِ تعلمين أن الجامعة حياة مختلطة يا أسيل، لن أوصيكِ على ذاتك؛ أنا أعلم تمام العِلم أن أختي بمائة رجل.
**ت وهو ينظر بمرآة السيارة يراقب الطريق من خلفه، ثم عاد متابعًا:
- ولكن حبيبتي أريدكِ أن تكوني بخير، الأصدقاء كلما كانوا أقل عددًا كلما كنتِ بمأمنٍ من غدرهم، انتقِ من ستجالسين بعناية، وإن صادفتكِ أي مشكلة فقط أخبريني بها.
- لقد أصبحت بالتاسعة عشر من عمري ولا تزال تعاملني وكأنني ابنة الخمس أعوام.
صفقت يديها وهي تتحدث بمرح ومزاح:
- سأفتعل المشاكل بنفسي كي يستدعونك بالجامعة كولي أمري، أنت شكيم الشخصية، وقوي الهيئة، ما إن يرونك فسيلتهمهم الخوف و...
**تت حينما ض*ب علبة المناديل الخاصة بالسيارة في وجهها، لتضحك بصخب، وينفي هو بقلة حيلة من هذه المشاغبة التي يشك في أن تتعقل يومًا.
?------?------?------?
جالس بأريحية فوق مقعد حديقة الجامعة، تتلاعب أنامله بمفاتيح سيارته ناظرًا إلى اللاشيء أمامه، هناك مقتٌ وغضبٌ كبير يحتل قلبه، لكن ما يظهر على ملامحه ليس سوى العبث واللامبالاة، طقطق رقبته إلى الجانبين وهو يزفر بصوت عالٍ، حول نظراته للجالس إلى جواره عاقدًا ذراعيه أمام ص*ره شاردًا في البعيد، قلب عينيه وهو يسأله بعدما لوح بيده أمام وجه صديقه:
- فيمَ أنتَ شارد؟
انتبه آدم له، واعتدل في جلسته، تنحنح مجليًا حنجرته قبل أن يجيب بنبرة طفق قلبه عليها حزنًا:
- دالين.
عاد بظهره لظهر مقعده، وعقد يديه أمام ص*ره متحدثًا بضيق:
- ولمَ تفكر فيمن لا تفكر فيك؟ من تركك من أجل غيرك لا يستحق حتى عتابك.
ضم آدم شفتيه بقلة حيلة، ثم أف*ج للهواء كي يمر من بينهما بقوة، موضحًا أفكاره أمام صديق عمره:
- تتلبسني الحيرة يا مصطفى، ما بيننا لم ينتهِ بشكل طبيعي، لقد أنهاه البرود، وكأن للبدايات سحرًا لامعًا يومض من حولك، ويأفل بريق هذا اللمعان مع مرور الأيام.
رفع مصطفى إحدى حاجبيه تعجبًا، ثم استفاض موضحًا ما يحاول آدم إخفاءه عن نفسه:
- أنت تعلم جيدًا أنه لا بدايات ولا نهايات في علاقتك بها، لقد تركتك من أجل آخر، إن كان البريق يأفل يومًا بعد يومٍ فهذا لأنها قد اتخذت قرارها بالرحيل، ومن هنا عليك أن تتركها ترحل بكل ما لها، هي لا تستحق حتى ذِكرك لاسمها الآن.
طأطأ رأسه خزيًا مما هو مقبل على قوله، لكنه القلب المعتوه الذي سحبه تجاه من لم تصُنه، ولم تفكر حتى فيه، خرج صوته متقطعًا:
- لقد اشتقت لها.
تعلقت عينا مصطفى به لبعض الوقت قبل أن ينطق ل**نه بقسوة:
- لا يتألم الآن سواك، أما هي فهي أسعد حالًا بين أحضانه.
جذب هاتفه ومفاتيح سيارته وهو يتابع قوله:
- دعنا نذهب للمحاضرة.
تحركا بالفعل من المكان، كانا يسيران باتجاه الممرات، وأعين العديد من الفتيات تطالعهما بمغازلة، لطالما كان آدم محط أنظار بني ج*سه حتى؛ يمتلك بشرة ناعمة بيضاء، مع خصلاته الشقراء وعينيه التي تلمع خضرة، من يراه يظنه أجنبي الج*سية، لكن الحقيقة أنه ابن لأم أجنبية أسلمت بعد أن تزوجت من والده -طاهر المنياوي- صاحب بعض من شركات الحديد والصلب.
أخذ الحديث مجراه بين الشابين، وبينما يضحك مصطفى رافعًا رأسه لأعلى فإذا بفتاه آتية من الجهة المعا**ة، واصطدمت به فتساقطت أغراضها، تحدثت بسرعة وهي ترفع يديها باستسلام:
- آسفة، آسفة جدًا؛ أنا لم أنتبه و..
- لم يحدث شيء لكل هذا الأسف، مجرد اصطدام.
قالها مصطفى مقاطعًا استرسالها في الحديث لتتحدث بانزعاج وهي تدور بعينيها المكان:
- فضلًا أريد أغراضي، فأنا لن أستطيع أن آتي بهم.
نظر إلى حيث تُشير بسبابتها أرضًا، وسؤال يلوح في الأفق عن سبب عدم قدرتها على عدم احضارهم بنفسها! لكنه وضعه جانبًا، ومال تحت صدمة آدم رافعًا كتبها عن الأرض، وبدأ يزيل الغبار عنهم وهو يتحدث إليها بابتسامة ظهرت جانبية:
- من الواضح أنكِ طالبة جديدة بالفرقة الأولى، لم أُصادِفكِ من قبل.
بسطت يدها وهي تتحدث بنبرة حازمة:
- أريد أغراضي بعد إذنك.
ازدادت ابتسامته وهو يتحدث بعبث ومرح:
- ما بالك؟ لقد اصطدمتِ بي دون أن تنتبهِ لطريقكِ، من المفترض أن ننزل سويًا كي نأتي بهم، وما إن تتقابل أعيننا حتى أهيم بكِ عشقًا، وتبد...
قاطعته وعينيها متسعة من صدمة جرأته ووقاحته هذه:
- ما الذي تقوله يا هذا! أمجنون أنت؟ لا يمكن أبدًا ما تقوله! ما الذي أوقفني لسماعك من الأساس!
أنهت جملتها وهي تجذب كتبها منه تاركة إياهما خلفها.
استند آدم على الحائط خلفه، وانخرط في نوبة من الضحك وهو يتحدث بتقطع:
- لا لا، لا يمكنني التوقف، لقد تحول وجه الفتاة لألوان الطيف يا مصطفى وأنت لا تتوقف عن استرسالك في الحديث، لقد تركتك وذهبت، وقالت عنك مجنون أيضًا.
ضحك بقوة مع نهاية حديثه، ليتحدث مصطفى الذي ما يزال على حالته من الذهول:
- لقد.. لقد غادرت!!
آدم وهو ينفي برأسه، ويض*ب كفيه معًا:
- وماذا تتوقع منها بعد ما قلته؟ انتبه؛ بعض المحجبات أمثالها يمتلكون عقلًا صدئ.
رفع مصطفى كتفيه بلامبالاة زائفة وهو يتحدث:
- وما دخلي أنا، لنذهب.
ذهب الشابان لمحاضرتهما، ولكن كان التفكير برد فعلها يشغل ذهن مصطفى، وكيف تركته هكذا ببساطة وذهبت؛ وهو الذي تتقاتل الفتيات لأجل كلمة منه.
بينما على الجانب الآخر.. كانت تقبض أسيل على كتبها بعنف، وأسنانها تصطك معًا في توتر، أغمضت عينيها بقوة مستنشقة بعض الهواء كي يقوي عزيمتها، ثم نفضت رأسها سريعًا وأكملت طريقها لمحاضرتها غير منتبهة لتلك العيون التي تابعت الموقف وهما تغليان غيظًا منها.
?------?------?------?
ولج مُلقيًا السلام ليجيبه الجالس فوق مقعدٍ جانبي ناظرًا تجاهه بامتعاض، وتبع ذلك بقوله:
- مرحبًا بالمتأخر عن موعده ساعة كاملة.
- لقد أوصلت أسيل لجامعتها، إنه أول يوم لها.
- أسيل لم تعد صغيرة يا آريان، بالتأكيد لا تفكر في أن تصاحبها يوميًا من وإلى الجامعة.
زم شفتيه وهو يضع حِلَّته على ظهر مقعده، ثم صرح بهدوء:
- سأفعل حتى تعتاد على أجواء الجامعة.
زفر الآخر نافيًا برأسه في قلة حيلة، ثم مسد معدته بباطن يده صائحًا:
- دعنا من أسيل الآن، اطلب لنا طعامًا، أنا جائع للغاية.
- لقد تناولتُ طعامي، لم تسمح لي أمي بالخروج دون طعام، سأطلب لك.
- بالتأكيد هذا ما حدث، أما عن الأبله الذي ينتظرك منذ البكور فليحترق.
ضحك آريان بملء فمه على تعابير حسام الممتعضة مما جعل من حاجبيه يلتصقان ببعضهما، وظهور غمازة حاجبه الأيسر الجانبية، تلك الأخيرة التي يلجأ آريان لمضايقته كي يراها فقط، تحدث رافعًا حاجبيه بعبث:
- تحترق أو تُصِبك صاعقة حتى، المهم أني رأيت غمازتك.
ناظره الآخر بجانب وجهه، ثم تحرك قائًلا بغيظ:
- سأتناول طعامي وقهوتي على مهل، ولا ترسل لي مهما حدث. هل سمعت؟
قالها وهو يوجه سبابته في وجه آريان الذي أومأ برأسه في خوف مصطنع وهو يكتم ضحكته، خرج حسام لينفي آريان بقلة حيلة، وتن*د بقوة وهو يستدعي موظفة الاستقبال لديه لتعلمه بكل ما هو جديد، وبينما هو منشغل في التقصي عن كل كبيرة وصغيرة في شرِكته– عاد حسام، وجلس إلى مقعد جانبي بعدما سحب أحد ملفات المحاسبة المالية للشركة وبدأ يراجعه في **ت شاعرًا بآريان الذي يزفر الهواء ضيقًا أحيانًا، وأخرى يعتدل في جلسته، حتى انتهى به الأمر متحدثًا :
- هذه الصفقة لم يرتح لها قلبي.
- ارفضها إذًا.
قالها بلامبالاة مما جعل آريان يضغط أسنانه معًا صائحًا بغيظ:
- أنت شخص لا يمكن للمرء التفكير معه بصوتٍ عال، هاك الملف الخاص بالصفقة، ستدرس كل جزء به لتخبرني برأيك أنت أيضًا.
- اسمع يا هذا، لا تضع على عاتقي مزيدًا من الصفقات، ما إن تعطيني إحدى الملفات حتى تخلي يدك منه، تابع عملك بعيدًا عن وجهي.
- أين وجهك هذا يا وجه الماعز!
- إنه أفضل من وجهك الذي يشبه وجه صينية الأرز المُعمر.
بينما على الجانب الآخر.. فقد انتهى يوم أسيل الأول، وقررت مهاتفة أخيها، لكنه لم يُجِب.. أعادت الكرَّة، ولكن دون رد، تن*دت بقلة حيلة وهي تفكر فيما ستفعله، هل تعود للمنزل أم تنتظر؟ لقد أخبرها أنه سيأتي ليوصلها إلى المنزل، لو لم يكن هو فسيكون حسام. اقتطع لحظة تفكيرها هذه صوت أتاها من خلفها متسائلًا:
- هل أنتِ بانتظار أحدهم؟
التفتت بسرعة، وعادت خطوتين للخلف وهي تجيب بتلعثم:
- لا.. أقصد نعم.. ماذا؟ وما دخلك أنت؟!
عقد حاجبيه متعجبًا رد فعلها، تبدو متوترة ولكنها ترتدي قناع القوة الزائف، بثيابها المتسعة تلك وحجابها الطويل تبدو كرمز للاختلاف بين مجموعات العِري التي تملأ جامعة القاهرة، أمثالها قِلَّة، ولكن هي تبدو مختلفة حتى عن أمثالها، اقتطع شروده بها وهو يسأل غيظًا:
- هل أنتِ مجنونة؟
- إن كان هناك من هو مجنون فبالتأكيد أنت، ولكن أتعلم؟ الخطأ ليس عندك، بل عندي، فأنا من أقف لأُجِيبك.
تركته وذهبت وسط ذهوله من أسلوبها الفظ معه، ولكنها لم تنتبه أيضًا لنفس العيون التي كانت تراقبها عند الصباح، لكنهما الآن ملتهبتين أكثر من فرط الغضب.
وصلت حيث مقر الشركة، وصعدت حيث مكتب أخيها، ثم طرقت طرقة خفيفة وولجت بعدها مباشرة لتصل جملتي آريان وحسام الأخيرتين إلى أذنها، عقدت حاجبيها وهي تلج مُلقية بالسلام، تحرك آريان في قلق وهو يسألها:
- أسيل؟! ماذا تفعلين هنا؟ كيف أتيتِ؟ ولمَ لم تهاتفيني؟
- انظر لهاتفك يا سيد آريان.
قالتها وهي تعقد يديها أمام ص*رها في غيظ منه، ليلتفت الآخر باحثًا عن هاتفه، ثم تحدث ممتعضًا:
- أظنني قد نسيته بالسيارة.
جلست بعدما ألقت عليه نظرة مستنكرة، ليتحدث حسام ضاربًا إياها على م***ة رأسها في مزاح:
- مرحبًا بالقوقع.
- توقفا عن وصفي بالقوقع، أنا لست قوقعًا.
قالتها بتذمر، ثم تابعت وهي تضيق عينيها لهما:
- ثم تعاليا هنا، ما هذا الذي سمعتكما تلقبان بعضكما به؟
ادَّعى آريان الانشغال، ليتحدث حسام إليه مستنكرًا:
- تصنع الانشغال ودعني أواجه موجة الوعظ هذه وحدي هي الأخرى.
نفت أسيل بقلة حيلة، ثم تحدثت بجدية تامة:
- ولقد كرمنا بني ءادم، من الخطأ أن تصفا بعضكما بالح*****ت، ومن الخطأ أيضًا أن تجعل من مظهر أحدهم محط سخرية يا حسام، حتى وإن كان على سبيل المزاح.
أخذ حسام يطالع الأركان الخاصة بالغرفة، وأمير يطالع الملف الذي بين يديه لتضم أسيل عينيها إلى بعضهما وهي تتحدث بتوعد:
- حقًا؟!
- حسنًا.. أنتِ على حق يا أسيل، ولكنه فقط تعود.
قالها حسام لترد أسيل سريعًا:
- أعلم أنه كذلك، ويمكنكما التنحي عن هذه العادة أيضًا بالتعود، هناك مستقبل يلوح لكما، مستقبل به أطفال سيأخذون عنكما ما تعودتما عليه.
- هل هو مضيء أم آفِل؟
سأل حسام عاقدًا حاجبيه بشكل جدِّي مما جعل أسيل تسأل بعدم فهم:
- ما هو؟
- المستقبل.
قالها آريان وحسام في صوت واحد، ثم انفجرا في الضحك مما جعلها تمسك رأسها في قلة حيلة من هذين الأبلهين، وفجأة انخرطت في الضحك بعدهما لينظرا لها بتعجب.
- علامَ تضحكين؟
سأل آريان بتعجب، فأجابت ولا تزال تضحك:
- لقد نعتُّكما بالأبلهين الآن.
زم الشابين شفتيهما غيظًا منها، لتتن*د هي بقلة حيلة، ثم تحدثت وهي تستعد للذهاب:
- فليسامحكما الله، بدلًا من أن أسحبكما للصواب ستنتشلانني إلى الخطأ، سأذهب.
- هل أوصلك؟
سأل آريان لترد سريعًا وهي تلوح بيدها رفضًا:
- لا تقلق أستطيع الذهاب وحدي، انتبها لنفسكما فقط.
- حسنًا أختي، سأرسل من يجلب هاتفي، وما إن تصلي للبيت أعلميني بذلك.
- سأفعل بأمر الله، أستودعكما الله.
?------?------?------?
هناك على الجانب الآخر كان ما يزال مشغول البال من تصرفات تلك الفتاة، لقد تركته حيث هو بعد أن بصقت في وجهه كلماتها وغادرت، هو أبدًا لم يُقاوَم بهذا الشكل من الفتيات، هناك شعور غريب يجتاحه، ولا يعلم مص*ره، يعلم أن هناك الكثير من الملتزمات والعارضات عن التحدث إلى الشباب أو الاختلاط بهم، لكن هذه تحديدًا بها ما هو مختلف، لا يدري وجه الشبه بينها وبين غيرها ليعرف الاختلاف حتى، ولكنه سيكتشف ذلك، لطالما يصل لمسعاه مهما كانت صعوبته. انتفض على صوت آدم الذي ينادي من الخلف، ليسأل بغيظ:
- ماذا يا رجل؟ لمَ كل هذا التأخير؟
- ها قد أتيت، دعنا نذهب لتناول الطعام، معدتي تشكوني.
- تحرك يا خفيف الظل هيا.
ركب الشابان سيارة مصطفى، وذهبا للمطعم المفضل بالنسبة إليهما طلبًا لتناول وجبة الغداء.
?------?------?------?
رفرف الصباح حامِلًا أشعة قرص الشمس الذي يغازل جفنيها مع كل شروق، أدت طقوسها، وتناولت طعامها بصحبة الأسرة كما العادة، ثم استقلت بجانب أخيها ليوصلها حيث جامعتها، تحدث إليها متعجبًا هذا ال**ت مع الصباح:
- ماذا دهاكِ يا قوقع؟
- لا شيء.
- كيف ذلك؟ أنت هادئة منذ الصباح، كما أنكِ لم تُقبلي على إيقاظي فزِعًا اليوم.
تنهيدة قوية خرجت عنها، لم تعتد أن تخفي عليه شيئًا مهما كان بسيطًا، هي تتخذ من والدتها محط أسرارها وقد أخبرتها بما حدث معها بالأمس، ولكن أمير أيضًا مص*ر النصيحة لها، لذا اتخذت قرارها بقص ما حدث معها عليه، تحدث وهو ينظر في مرآة السيارة يراقب الطريق من الخلف:
- إنها الحياة الجامعية وطبيعتها، سترين ما هو أكثر من ذلك، ذاك الشاب إن حدث وحاول مضايقتك من جديد فأبلغيني بذلك، وكما اتفقنا عزيزتي.. ليس هناك داعٍ من الانخراط الاجتماعي، فهو ضار أكثر من نفعه، وذلك لا يعني تجنبك للصداقة، بل قللي من محيطكِ قدر الإمكان.
- أتمنى أن تنقضي هذه السنوات الخمس على خير.
- ستمر السنون سريعًا، ها أنا ذا أنهيت دراستي بكلية التجارة، وما إن توليت مسؤولية الشركة حتى وقفت غير مستوعب انقضاء فترة الجامعة.
ضحكت عليه وهي تتنبأ مستقبلًا بعيدًا بعض الشيء:
- هل هذا يعني أنني سأقف مرتدية تلك القبعة البرتقالية، وستأتيني في موقع عملي، وسأخبرك أنني قضيت سنوات دراستي الخمس دون أن أدري متى حدث ذلك!
- هذا تحديدًا ما سيحدث.
قالها وهو يصف سيارته على جانب الطريق، التفتت له مبتسمة وهي توصيه على نفسه، ليبتسم لها قارصًا وجنتها بحب، ثم بقي يتابعها وهي تبتعد عن مرمى عينيه حتى اختفت. تن*د بقوة وهو يعود برأسه لرأس مقعده متحدثًا بل**ن عقله
- فليحميكِ الله يا بنتي.
أجل.. لطالما اعتبرها كذلك، فهي قد نشأت على يديه، وقد أحسن تربيتها إذ أخرجها محبة لكل ما يتعلق بدين الله، تحاول ألا تحيد عن طريقه، وتحاول بجد وجهد أن تسير على الصراط، سبقته في الطاعات أميالًا، وما أنشأها عليه كان له خيرًا؛ الآن هي من تحاول سحبه معها ليكونا على طريق الصلاح والهداية، ذاك الطريق الذي يجهله البشر كافة -إلا من رحم ربي-، يرون أن العبادة في الصلوات والصيام وإيتاء بعض من الزكاة، لا يدرون أن للطاعات فروعًا أساسية، وكل فرع أساسي متفرع لفروع ثانوية، وكل ثانوي يحمل آخر وآخر فلا نصل إلى منتهى من محاولات التقرب لله عز وجل.
أفاق من شروده على صوت هاتفه الذي أعلن عن اتصال، نظر لشاشته ثم ابتسم وقام بإنهائه، أدار عجلة المقود وانطلق إلى عمله حيث ينتظره حسام الذي لن يكف عن الاتصال حتى يصل إليه.
?------?------?------?
في إحدى صالات الرياضة الخاصة بلعب كرة السلة، تقف في الملعب حاملة بيدها الكرة، المكان خالٍ تمامًا، لطالما كان هذا اليوم من الأسبوع يخصها وحدها على أرض الملعب، تكون بحريتها الكاملة، تؤدي أغلب الرياضات التي تحبها دون قيود، لا تخشى أن يتواجد أحدهم علمًا بوجود الأمن خارجًا، اتخذت وضعية اللعب، بدأت تنطط الكرة بيديها الاثنتين بتتابع، رأسها مرفوع، جسدها مستعد، الركض مع تنطيط الكرة، ثم تثبيت إحدى قدميها على الأرضية، وارتفاع القدم الأخرى مع ارتفاع يدها بالكرة التي أحسنت تصويبها تمامًا داخل السلة، أعادت الكرَّة لمرات عِدَّةٍ وفي كل مرة تصبح اللعبة أكثر إثارة، جسدها يطرد مياهه على هيئة عرق غزير، وأنفاسها تتلاحق وكأنها تسابق الكرة، هذه هي التسديدة الأخيرة، ليكون إجمالي ما حصلت عليه هو ست تسديدات بشكل سليم وجيد دون إخفاق.
تركت الكرة أرضًا ومالت إلى ركبتيها تحاول التقاط أنفاسها، اعتدلت مع صوت التصفيق والصفير الصادر عن زائر تنتظره، أتاها صوته متحدثًا:
- ما هذا التمكن الرائع! أصبحتِ قوية للغاية يا فتاة.
ضحكت برقة وهي تتجه لأحد الجوانب، ثم جذبت منشفة وضعتها مسبقًا، وبدأت تجفف حبات العرق وهي تتجه حيث يقف، تحدثت ما إن وصلت إليه ودخلت بين ذراعيه:
- اشتقت لك يا نوار.
- أنا أيضًا حبيبتي.
قالها وهو يستنشق عبق خصلاتها النارية الثائرة حولها كأشعة الشمس التي تخترق الضوء، لكن خصلاتها تخترق قلبه بلا هوادة.
شدد على احتضناها وصرح بنبرة ملأها الحب والحنان:
- أعلم أنني كنت مقصرًا جدًا في الفترة الأخيرة.
- أعلم بطبيعة عملك مع أبي يا نوار، لست مستاءة أبدًا، المهم أنك بخير، وأنك معي الآن.
أبعدها عن أحضانه، ثم أمسك بوجهها بين كفيه وطبع قبلة رقيقة فوق جبينها متحدثًا:
- أين تريدين تناول العشاء الليلة؟
وضعت سبابتها فوق ذقنها، وبدأت تجول بعينيها السماء مص*رة صوتًا يعبر عن تفكيرها، ثم تحدثت وهي تجذبه من يده:
- دعنا نلعب عددًا من الرميات الحرة، والفائز يحدد مسار المساء.
- فكرة جيدة من مشاغبة صغيرة.
- توقف، لست صغيرة يا نوار، وإن كنت كذلك فهذا يعني أنك صغير كذلك، بما أننا توأم.
قالتها بتذمر وهي تض*ب الأرض بقدمها، ثم أنهت جملتها وهي تعيره ظهرها رافعة عنقها للأعلى في انتصار، ضحك عليها وهو ينفي بقلة حيلة، ثم بدآ باللعب، والإثارة بينهما تزداد، تسع رميات حرة فازت فيهم نوران التي جلست إلى الأرض تلتقط أنفاسها، ثم ناظرته بانتصار وهي تلاعب حاجبيها:
- لن أخبر أحدًا عن خسارتك، لا تقلق.
- كفاكِ يا فتاة.
قالها بنبرة مغتاظة، منذ زمن لم يمارس السلة، وهي تمارسها مرة كل أسبوع، ليس ذنبه أنه خسِر. تحدث مقترحًا:
- دعينا نذهب لنرى كيف سنقضي باقي اليوم، سنذهب لشراء بعض الفيديوهات على ذوقك الرفيع.
- سأبدل ملابسي، لن أتأخر.
ركضت بسرعة وهي تقفز على قدم وأخرى، ضحك على مظهرها، لا تزال محتفظة ببعض الطفولة في تصرفاتها رغم كل شيء، عاد لسيارته شارد الذهن في حياتهما التي لم تعرف أبدًا الاستقرار؛ والديه منفصلان، يحيا هو مع والده المتنقل من بلد لآخر ومن دولة لأخرى بسبب أعماله، وتحيا ش*يقته وتوأمه مع والدتهما التي لا تهتم لها كأي أم؛ عالم الموضة يشغل كل وقتها تقريبًا، ولكن نوران لا تترك لنفسها مجالًا للتفكير في مثل هذه الأشياء أبدًا؛ فقد أنهت دراستها وبدأت بتأسيس معرض للفنون التي تمارسها، والآن هو معرض معروف في المدينة بتميز لوحاته التي تقوم هي برسمها، وقد اختارت هذا الأمر بناءً على حبها اللامتناهي للرسم والتلوين، فتاة خيالية جدًا، تعشق الروايات الرومانسية وقصص الحب الغير مبتذلة، وتحب كذلك لعب السلة، تحب الحياة رغم أن الحياة لا تعطيها شيئًا منصفًا، ولكنها راضية ومطمئنة دومًا بوجوده في حياتها، لطالما أخبرته بذلك، يحاول قدر إمكانه ألا يجعلها تفتقد الحنان والحب أو الاحتواء، ودائمًا ما يسعى لإسعادها بشتى الطرق حتى لا تشعر بالنقص يومًا.
خرجت إليه بثيابها الفضفاضة، لقد نسي أن يُذكر ذاته كونها تلتزم بالزي الإسلامي، ولا تقترب مما يغضب الله، رغم أن بيئتها وما حولها يخالف تمامًا ما هي عليه، لكنها تحيا بمبدأ "الاختلاف تميز"، استفاق من شروده على غلقها للباب، ثم سؤالها له:
- هل تأخرت؟
غمز بعينه لها مداعبًا:
- تأخري كما تريدين، وسأنتظرك العمر بأكمله يا غزالي.
ضحكت وهي تض*ب كفيها معًا، ثم تحدثت بمكر:
- يبدو أن أخي الحبيب وقع في الحب، ويجرب الغزل معي.
ضحك بملء فمه وهي ينفي برأسه في قلة حيلة، ثم أجابها:
- لا لا، لا تقلقي لن أقع في حب فتاة بعدك.
شاركته الضحك، وانطلق بها في جو مليء ببهجتها وبسعة ص*ره لها، وقد قررت أن تتناول طعامها بصحبته في أحد المطاعم الهادئة، فهي بحاجة ماسة لأن تخبره بعض القرارات المهمة في حياتها.
?------?------?------?
يجل**ن حيث مكانهما المفضل، يتابعان المواقع الاجتماعية في ملل، قرر آدم **ر هذا الملل باقتراحه:
- ما رأيك برحلة إلى الإسكندرية؟
- فكرة لا بأس بها، تحدث إلى الشباب أولًا.
- لك ذلك.
رفع هاتفه، وأجرى عدة اتصالات ليتفق مع الجميع على أن يتقابلوا بعد الجامعة في مطعمهم لتناول الغداء والتحدث بالأمر.
- سنجعلها رحلة تاريخية.
قالها آدم وهو يضع هاتفه إلى الطاولة أمامه، وحينما لم يصله رد من مصطفى رفع عينيه إليه ليجده يتابع إحدى الفتيات، والتي مرت من أمامهم متخذة وجهتها إلى حيث تُباع المشروبات الساخنة. دقق النظر إليها فوجدها هي نفسها الفتاة التي اصطدمت بصديقه يوم أمس، وقبل أن يسأل مصطفى ليتأكد أتاه صوته مستأذنًا لدقائق، اتسعت عينيه وهو يراه يتجه إلى حيث تقف الفتاة، علام ينوي هذا الأبله؟ هكذا تساءل آدم في نفسه، لكنه آثر المشاهدة ليرى نتيجة ما سيحدث بالضبط.
وقف مصطفى خلف الفتاة دون أن تنتبه له، وبينما تحمل فنجانها الذي أُعِدَّ للتو وتلتفت لتخرج من الكافتيريا فإذا بها تصطدم مجددًا بأحدهم، وانسكبت القهوة على ملابسه، وبحركة سريعة أخرجت منديلًا ورقيًا وقدمته له وهي تعتذر لعدم انتباهها لوجوده خلفها، وعندما بقيت يدها معلقة في الهواء بما تحمله رفعت رأسها لتصطدم عيناها بعينيه، يا إلهِ إنه نفس الشاب الذي اصطدمت به بالأمس. هكذا جابت الكلمات عقلها، ليقطع تفكيرها صوت مصطفى المازح والغير مبالٍ لما حدث بقميصه للتو:
- هل تم إفطامكِ على كلمة آسفة؟
لا تدري كيف ولكنها هدرت بانفعال في وجهه:
- ما بالك يا هذا؟ هل انتهت شخوص الجامعة لتقفز لي كل يوم في مكان وأصطدم بك هكذا؟! ما هذا!
تركته وذهبت تحت أنظار ودهشة الجميع، بينما لم يتأثر مصطفى أبدًا بما رشقته في وجهه من حديث للتو، بل ابتسم ابتسامة خفيفة، ولمعت عيناه ببريق غريب. اقترب آدم منه في ذهول وهو يقول بعدم فهم:
- مصطفى.. كيف تسمح لها بهذا التمادي؟ إنها مجنونة بالتأكيد!
- يبدو أنني أنا من سأُجن قريبًا يا صديقي.
رفع الآخر حاجبيه مندهشًا، وافترت شفتيه عن ابتسامة واسعة وهو يتحدث ضاربًا كتف مصطفى بمزاح:
- سقط الرجل على ما يبدو.
ضحك مصطفى وهو يض*ب يد صديقه:
- أحب كونك تفهمني.
ضحكا معًا وغادرا المكان إلى وجهتهما، بينما في الجهة الأخرى كانت تتحرك أسيل بقوة الغضب وليس تحرك القدمين، هي من جعلته يتمادى معها هكذا، هي من تركت له فرصة التطاول بل**نه حتى ولو بكلمة واحدة معها، هي من سمحت له بالوقوف أمامها لمراتٍ ثلاث، كان عليها أن تتجاهله من المرة الأولى، وألا تنطق بحرف أمامه، لكن لكل خطأ طريقة للتصويب، بالتأكيد هناك طريقة..
وبينما عقلها يعمل بنفس سرعة حركتها فإذا بها تصطدم بأحدهم، ترنحت في خطواتها للخلف، وما إن رفعت عينيها حتى دُهِشت وقد اتسعت عيناها وهي تشير بإصبعها في عدم تصديق وقد خرجت نبرتها معبرة عن دهشتها:
- مِيار؟!
?------?------?------?
تتبع....