((الفصل الثالث))
بمكان آخر بهذا الحي المتواجد بوسط الإسكندرية والذى يدل على أن من يسكنه
من الطبقة المتوسطة المستوى ،عاد الشيخ محمود من المسجد بعد صلاة العشاء لتخبره زوجته
عن عودة ابنه وتغير حاله ،فلم يصح بها لإعداد الطعام كما يفعل فى الفترة السابقة بعد أن تبدل
حاله من طالب مجتهد خريج كلية من أهم وأعرق الكليات كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
الشاب المصلي حافظ كتاب الله والذي صار مستهترا بعد أن تخرج ولم يجد العمل وصاحب
رفاق السوء ثم أجبرها على تنازلها له عن جزء من قطعة الأرض إرثها من عائلتها وبيعها
لشراء تلك السيارة التي يعمل عليها لنقل المواطنين بين الأماكن وبعضها بالأجرة لم يعد حال
ولدها كما كان ولكن اليوم غير كل الأيام .
إرتخى جسد الشيخ محمود حين بدأت زوجته تحدثه عن ولده فقد سأم أفعاله ولكن كلامها أفاقه
حين قالت :
_ رجع من بره ولا زعق ولا طلب الأكل ودخل إستحمى وقفل على نفسه، وكل ما أقرب من
الأوضة ياحاج أسمع صوت بكاه ولا كأنه عيل صغير ،خوفت أدخل أكلمه وإستنيتك ترجع
ليكون خبط حد بالعربية ومات ياأخويا ، قوم بالله عليك شوف ماله .
فزع محمود من ما تنبأت به زوجته وتحرك من جلسته متجها لغرفة ولده طارقا بابها ولكن دون
أن يلقى ردا وما سمعه حينما أقترب من مناجاة ولده لربه بالغفران جعله يسرع فاتحا إياه، ليجده
جالسا على سجادة الصلاة رافعا يداه للمولى عز وجل يناجيه ربت على ظهره رافعا إياه جالسا
به على سريره متسائلاً:
_ مالك يا ابنى فيك إيه؟ ايه اللى حصل يخليك تدعى لربك كده؟ عملت إيه يامراد تستغفرعليه؟
طمنى ياابنى حد مات بسببك ، أذيت حد، طمني يا حبيبي .
هز مراد رأسه نافيا موت أى شخص.
أعاد عليه والده سؤاله وهو يحرك جسده بهزات قوية:
_ طيب قولي عملت ايه؟ ايه إللى بيبكيك زى الحريم كده!!.
انفجر مراد باكيا ناطقا بما لم يتخيله والده بأب*ع كوابيسه :
_ اغتصبتها ....... اغتصبت بنت كانت راكبة معايا .
صاح والده به صافعا إياه عدة صفعات قوية :
_ ازاى.... إنت بتقول إيه.... مين دي؟ تعرفها منين؟ رد عليا، كنت سايبك وبقول جواك نبتة
طيبة لكن ياخسارة هى فين دي،ياخسارة تربيتي فيك ياواطي ياقذر ، انت لازم تتجوزها،قوم
دورعليها.
كان وقع كلمات والده عليه كالصدمة.... يتزوجها....كيف له أن يصل إليها؟ وماذا سيفعل به
أهلها حين يعلموا؟ وهل مازالت حية بعد أن ألقاها من سيارته؟.
خرج الشيخ محمود وترك ولده خلفه شاردا بكلماته الأخيرة ، أحقا قالها والده يتزوجها ،يتزوج
ممن ؟من فتاة اغتصبها عنوة ولم يشفق على حالها ،بل ألقى بها تواجه مصير لايعلمه غير الله،
فربما توفاها الله بعد كل ما حدث لها ،هو حتى لايتذكر ملامح وجهها فكيف له بالبحث عنها ،
ظل يتسائل بداخله كيف يتعرف عليها أو يصل لأي معلومات عنها ولم يعيده إلى واقعه غير
عودة أبيه حاملا بيده حقيبة مما تستخدم للرحلات والسفريات جمع بها أغراضه وملابسه من
خزانته الخاصة وأمسك به من تلابيبه يجره جرا ووالدته تتمسك به باكية تتوسل زوجها :
_ بالله عليك يامحمود بلاش تخرجه بره البيت ،ابنك لو خرج من هنا هيضيع أكتر ،ابنى
هيروح منى ،حلها ياشيخ محمود ،ده أنت الناس بتلجألك فى مشاكلها،جوزهاله ويعيشوا معانا
ربيه بمعرفتك، ماتسيبوش لولاد الحرام يربوه ،هيكملوا على الباقي منه ،الشارع مش بيرحم .
لم يقاوم مراد والده وكأن جميع قواه قد خارت وظل مسايرا له حتى طرده شر طردة وهو
يخبره :
_ بيتي ده ماتقربش منه غير وإنت عارف بنت الناس إللي أذيتها ومتفق مع أهلها علشان أروح
أكتب لك عليها ،وأعمل حسابك مش هتدخله مره تانية غير وهي مراتك ،غير كده لا أنت ابني
ولا أعرفك وبيتي إتحرم عليك .
حالة من الذهول سيطرت على مراد ووالدته بالداخل أيضا فكلمات زوجها جعلتها تترنح حتى
إرتكزت على أقرب مقعد مقابل لها ملقية بثقل جسدها عليه، تعلم جيدا أن زوجها لن يحتمل
فراق إبنه وإنما وضع شرطه هذا حتى يحمله نتيجة أفعاله .
صفق محمود باب المنزل ومازال ولده يقف أمامه ولم يجد مراد حلا وهو بهذا الحال ،جلس
على الدرج الرخامي مستندا بجسده على جدران منزله ،وما لبث إلا برهة قبل أن يدفن وجهه
بين كفيه وقد أجهش بالبكاء،رفع رأسه ناظرا الى أعلى قائلا برجاء :
_ يارب .... يارب.
يعرف أنه لن يجد مأوى له غير أحضان والداه ،وما أن شعر بوقع أقدام أحد الجيران صاعدا
حتى إستقام واقفا وهو يمسح وجهه في ملابسه و حمل حقيبته مسرع الخطى مطأطأ الرأس،
حتى وقتما تلاقى بجاره لم يجيب تحيته وأسرع يهبط الدرج خارجا من بوابة العقار متجها إلى
سيارته،قادها متحركا بها من أمام العقار ومن الحي بأكمله إلى مكان آخر ،صف السيارة وأحكم
إغلاقها ممددا جسده بكامل المقعد تعمق بالنوم وكأنه يهرب به من تلك الأفكار والهموم التي
ألصق نفسه ،بها لم تدم راحة باله كثيرا ولن يهنئ بعد اليوم فقد رآها بأحلامه رآها تأخذ بحقها
منه رأى دمائه تسيل كما أسأل دماء عذريتها.
نضح جبينه بالعرق ... كانت أنفاسه تتسارع ... يكاد يختنق ...رفع يديه يتمسك بعنقه وكأنه
يحميه من بطشها به... انتفض جسده وصاح بأعلى صوته :
_ ماتدبحنييييييش.
استيقظ من كابوسه ،وهو يتلفت حوله ،لن ينعم بعد الآن بحضن والدته الدافئ ولا صوت والده
وهو يتلو عليه آيات القرآن الكريم حينما كان يتعرض لمثل هذا الموقف ظل يدلك عنقه وجسده
لعله يهدئ من روعه.
ارتفعت صوات الأذان ،ظل يبحث بنظره من خلف زجاج سيارته عن أقرب مسجد حتى وقعت
عيناه عليه،ترك سيارته وتوجه ليؤدي فريضة صلاة الفجر .
...................................
وصل رجال النيابة العامة ووكيل النائب العام للتحقيق بالحادث المبلغ عنه من قبل المشفى إلى
القسم التابعة له والذي تم عمل المحضر من خلاله .
تقابلت نظرات والد سما وأخيها بذعر مع نظرات إيهاب المطمئنة لهم ثم تقدم من وكيل النائب
العام الذي تعرف عليه من الوهلة الأولى مصافحا إياه بكثير من الود والاحترام :
_ سيادة المستشار شرف إني أقابل سيادتك ،هي المجني عليها تخص حضرتك ؟!.
رد إيهاب بهدوء :
_الشرف ليا ياهشام بيه ،هى معرفة زوجتي.
هز هشام رأسه أسفا :
_طيب بعد اذنك يا باشا محتاجين نآخد أقوالها .
فبادر إيهاب ليتلافى الطلب :
_ هي لسه غايبة عن الوعي، ومعتقدش تقدر تتكلم خالص ،ده غير أنها لو تذكرت أي شئ
هيأثر سلبيا على حالتها .
تفهم هشام الموقف :
_ خلاص أنا همشي حاليا وهنتظر تليفون من حضرتك تبلغني إنها مستعدة للسؤال.
إيهاب ممتننا له:
_ ألف شكر هشام بيه، حقيقي ده كرم منك، لكن أنا طمعان في روح القانون مش في نصه ، لو
أهل البنت قرروا يقفلوا الموضوع يبقي هنعتبر الموضوع ما حصلش ، معلش اعتبره رجاء
من أب مش من المستشار ، حضرتك فاهم نظرة الناس في الحالات دي لما بتتعرف .
هشام وهو يصافحه:
_ حضرتك قامة يحتذى بها ومكانتك عندنا كبيرة ياباشا ، و رأي حضرتك يمشي علينا كلنا
وأنا في خدمتك دايما ، و لو احتجت مني أي معلومات خارج النطاق الرسمي أنا موجود .
رحل رجال النيابة من المشفى ولم يبقى لهم أثر ،وتيقن كلا من إبراهيم ومحمد بصدق وعود
إيهاب لهم .
استأذن إيهاب وزوجته بالانصراف ووعدتهم رغد بالعودة مرة أخرى غدا ،ذهبت حيث جلست
والدة سما ربتت على كتفها مقبلة رأسها :
_ أنا همشى يا حاجة مش عاوزة مني حاجة؟ ،والله لولا إني سايبة الولاد لوحدهم كنت قعدت
معاكي ،بالله عليكي لو فاقت دلوقتي بلاش تزعليها كفاية إللي إتعرضت له .
هزت والدة سما رأسها دليل على تفهمها ولم تستطيع أن ترد على كلمات رغد فقد إعتراها
التعب، ولكنها صامدة حتى تستفيق إبنتها وتطمئن عليها ،نظرت لرغد نظرات ممتنة شاكرة
لها معروفها .
توجه محمد مصافحا إيهاب:
_ سيادة المستشار أنا مهما قولت مش هقدر أوفي حضرتك والمدام حقكم ،انتوا حقيقي ناس
محترمة من أصل طيب وعمرى أنا وعيلتي ماهننسى وقفتكم معانا ومعروف مدام رغد في إنقاذ
حياة أختي طوق في رقبتي طول ما أنا عايش.
سمعت رغد كلماته لزوجها وقبل أن يجيب إيهاب وينكر أي معروف سبقته هي وردت على
كلمات محمد:
_ وأنا يا محمد طالبة منك ترد المعروف .
نظرات تساؤل ودهشة من حديثها سيطرت على زوجها ومحمد ،فإيهاب يعلم عن شخصية
زوجته ما لا يعلمه أحد ،ولو توقع محمد أنها ستطالبه برد الجميل لم يتوقعها إيهاب نهائيا
ولكنها أكملت حتى تجيب نظراتهم :
_رد ليا جميلي إنك تحافظ على سما وتجيب حقها بالعقل وسيبك من إنك تقتله والتار والدم
والكلام ده ،أختك دلوقتي أهم من أى حاجة تانية،لازم تقف جنبها وتبعد عنها كلام والدك
ووالدتك، ونظرات الخزي والخوف من الناس واللي فى عيونهم ،وأنا معاك ونساعدها تقف
على رجلها مرة تانية .
لم يجد محمد ما يجيب به كلمات تلك السيدة العظيمة، أتريده أن يرد معروفها بأخته هو،لم
تطلب منه طلبا شخصيا، أيوجد من مثلها بزماننا هذا :
_أنا مش عارف أرد على حضرتك بإيه!!، حضرتك بتبهريني بكرم أخلاقك وأخلاق سيادة
المستشار أنا ماتخيلتش إن ممكن أقابل حد فى أخلاقكم وإحترامكم .
رغد وهى تصافحه :
_الخير بأمتى إلى يوم الدين، ده كلام رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام.
أومأ محمد برأسه قائلا:
_ عليه الصلاة والسلام.
وأكملت رغد قائلة:
_أكيد فيه غيرنا كتير يا محمد .
غادر إيهاب وزوجته المشفى بوعد من رغد بالعودة مرة أخرى .
و في طريق إيهاب لبوابة الخروج قام بالمرور على قسم الحسابات واضعا مبلغا من النقود
يغطي تكلفة إقامة و علاج سما ، فمستشفى خاص كهذا لن تستطيع هذه الأسرة تحمل تكاليفه ، و
يكفيهم ما هم فيه من مصاب جلل .
...............................
إنتهت صلاة الفجر ولم ينهى مراد صلاته سجد لربه يدعوه أن يلهمه الصواب ويناجيه :
_يارب أنا عارف إنى غلطان، سامحني يارب.... سهلي طريقي.... وصلني ليها.... أنا
هستحمل كل حاجة وأي حاجة... بس أصلح غلطتي معاها،يارب إغفرلي ذنوبي ....حنن قلب
أبويا وأمى عليا .
ظل ساجدا يبكي وتنهمر دموعه يناجي ربه ويتوسل له .
عاد لسيارته بعد أن طلب منه المسؤول عن المسجد الانتهاء لكي يستطيع غلق المسجد حتى
تحين صلاة الظهر.
لم يغب عنه أنه لم يذق الطعام ولكنه لم يشعر بالجوع ،وكل مايشعر به حاجته للنوم، أخذ
وضعية النوم بنفس المقعد بالسيارة ،وما أن غفلت عيناه إلا وهاجمته كوابيسه وكأنه حُرم عليه
من لحظة انتهاكه لها الراحة والهدوء ،عاش كثيرا من الوقت بداخل هذا الكابوس لم ينجده منه
غيرصوت رنين الهاتف المحمول، ظل يبحث وهو مازال بين اليقظة والنوم إلى أن وجد هاتفه
بجيب بنطاله، ولكن لم يجد به أي مكالمات، جلس يتسائل من أين هذا الصوت ،ربما يكون من
هاتف أحد المارة بجوار السيارة،ولكن ماهي إلا لحظات وعاد ذلك الرنين يصدح مرة أخرى،
فتح باب السيارة وذهب للباب المؤدي لمقاعد الركاب، وظل يجول بنظره بين المقاعد وخلفها
حتى وجد تلك الحقيبة الصغيرة ،فتحها ليجد ذلك الهاتف الصغير والذي تعالى رنينه أكثر حينما
أخرجه منها ،وجد إسم المتصل نيرة، فتذكر سريعا أن آخر من كان بالسيارة هي تلك الفتاة ،
وربما يكون هذا هاتفها ، ضغط زر الاجابة ولم يتحدث لتندفع صيحات تلك النيرة بأذنه:
_ انتي يا ست سما هانم لسة نايمة والمدرس على وصول ،كل ده مانزلتيش من البيت، انتي
مش بتردي ليه؟ ...ها سما .. سما .
أغلق مراد المحادثة وتأكد أن الهاتف لها ،رفع وجهه للسماء حامدا الله أنه أوصله لهذا الخيط
وسيصل لها عن طريقه باذن الله تعالى .
بحث بالهاتف لم يجد كثيرا من الأسماء المسجلة عليه ......
غير بأسماء بابا... إذن فهذا رقم هاتف والدها، هبة ...أعتقد أنها صديقتها،ثم إسم تلك المزعجة
نيرة... وبالتأكيد بعد ما سمعه من حديثها فهى صديقتها ...وآخر الأسماء وجده مسجل بإسم
جذب إنتباهه بشدة (نور عيوني)...فظن أن هذا الإسم والرقم ربما لشاب تعرفه أو على علاقة به...
لم يتوقع أن نور عيونها هو أخيها حاميها وسندها .
قرر مهاتفة والدها ولكن بعد أن يرتب أفكاره وكلماته التي سيلقيها على مسامعه حتى يستطيع
إقناعه.
........................................
صرخة مدوية أعلنت عن عودة الوعي لتلك الراقدة بسريرها جعلت الجميع يتحرك
باتجاهها،أول من وصل لها أخيها يليه والده ووالدته، التي حاولت جاهدة أن تقف على قدميها
و أسرع إليها الطبيب المعالج ومساعدته التي حاولت إخلاء الغرفة من عائلة سما :
_ يا جماعة لو سمحتوا مش هينفع كده ،أخرجوا بره، دي في العناية وممنوع الدخول سيبوا
الدكتور يشوف شغله .
وقبل أن يتحرك أيا منهم حتى يتفقدها الطبيب منعهم صوت سما متمسكة بيد أخيها التي إحتوتها
فور سماع صراخها:
_ ماتسبنيش يامحمد أنا خايفة أوي ...أوعى تسيبني تاني ...هيخ*فني تاني يا محمد.
كانت تتأوه مع كل كلمة تشعر وكأنها تعيش نفس اللحظات مرة أخرى... تتذكر ما
حدث لها... شوفت عمل فيا إيه... أنا حياتي إنتهت .
إنهمرت دموعها وإرتفعت شهقاتها ظلت يد أخيها تحاوطها ليطمئنها،ولكنه لم يستطع كبح
دموعه من مشاهدة صغيرته بهذا الشكل وكل هذا الانهيار، وقف والدهم يتابع المشهد أمامه بألم
وقهر، إحساس بالضعف والخوف إجتمعت داخله مشاعر عدة، إزداد غله وحقده على فاعل
الجُرم المشهود بإبنته ،لا يعرفه حتى يأخذ بحقها ،وهل إذا تعرف عليه ووقع تحت قبضته
سيفعلها ،سيأخذ حقها منه ،أم سيخاف ملامة الناس ومعرفتهم بما حدث لإبنته .
ظلت والدة سما تنظر لإبنتها وبكائها، شهقاتها، خوفها وهي بحضرة عائلتها ، تشعر وكأنها
داخل كابوس مؤلم لم يوافق عقلها على رؤية فلذة كبدها على هذا الوضع المؤلم، تحاملت على
نفسها من بداية اليوم ولكن كفى لم يستطع قلبها المريض أن يحتمل أكثر من ذلك،فخارت
قواها ،حاولت التمسك بأي من الجدران خلفها لكن لم تسعفها قدماها،و تراخى جسدها حتى
سقطت بدون حراك.