الحلقة الأولى : العيادة
من داخل غرفة تابعة لعيادة طبيب نفسي مرتبة يغلب عليها اللون الأبيض بها مكتب منظم والعديد من النوافذ المطلة على الشارع الرئيسي مما يمكن من بداخلها من متابعة جميع الأحداث التي تحدث على مدار اليوم خارجها كما يسمح لقدر لا بأس به من ضوء الصباح ليتسرب إليها مما يمنحها إضاءة مريحة للأعصاب.
كان جالساً بهدوء على أحد المقاعد الوثيرة الطبيب النفسي يوسف الذي يبلغ من العمر خمسة وثلاثون عاماً وسيم القسمات ورائع الطلة يرتدي ملابس رسمية تكونت من سروال رمادي وقميص أبيض لطيف ومتناسق مع لون بشرته القمحية كان يستمع بإنتباه للمريض الممدد أمامه على الشيزلونج المقابل لمقعده الوثير، كان يُدعى عبد الهادي وكان يبلغ من العمر خمسة وخمسون عاماً ممتلئ البنية يمتلك بطن كبير إلي حد ما كما أن الشعر الأبيض قد غزا شعره الأ**د الذي يوشك على هجران رأسه إلي الأبد.
كان عبد الهادي يشكو مما يعاينيه يومياً من شك نحو زوجته هبة التي تبلغ من العمر أربعة وثلاثون عاماُ.
-أنا متأكد إنها بتخوني.
قال عبد الهادي بنبرة ضيق وإن**ار.
-طيب وإنت عندك دليل على كلامك دا؟ أقصد يعني ليه إنت متأكد وواثق اوي كدا؟
سأله يوسف يحاول الأستفسار.
-بقولك شوفتها بعيني، كل يوم بتروح وتيجي مع زميلها اللي حكيت لحضرتك عليه قبل كدا!!
نطق عبد الهادي بغضب.
-هي بتشتغل إيه؟
سأل يوسف بهدوء.
-ودا إيه فايدته في اللي أنا بحكيه؟
شعر عبد الهادي بموجه من الغضب والشرر تعتصره بسبب السؤال الغير منطقي الذي سأله يوسف للتو.
-معلش خدني على قد عقلي يا سيدي، هاه بقى هي بتشتغل إيه؟
حاول يوسف أن يمتص غضب عبد الهادي بنبرته الهادئة المتزنة.
-مُدرسة، بتشتغل مُدرسة وكمان في المدرسة اللي في وش عيادة حضرتك بالضبط.
كانت الكلمات تخرج على ل**ن عبد الهادي بلا مبالاة وكأنه لم يعد يعبأ بما يمكن أن يحدث بعد الأن.
-ياه وجالك قلب تيجي برجليك لحد هنا!! إيه مش خايف تشوفك وتسألك بتعمل إيه هنا؟ يمكن تفتكرك متجوز عليها ولا حتى تفتكرك إن إنت اللي بتخونها!!
كان يوسف يكتم ضحكاته من جرأة عبد الهادي في القدوم إلي عيادته دون خوف من تراه زوجته هنا بأحد المرات بينما أجابه عبد الهادي بيأس وإن**ار.
-ياريتني أنا اللي كنت بخونها ولا تكون هي اللي بتخوني.
-طيب بص خلينا نفكر فى الموضوع من زاوية تانية.
-دا اللي هو إزاي يعني؟ هو الخيانة ليها زوايا، هي زاوية واحدة يا دكتور والزاوية دي هتكون معوجة دايماً.
صاح عبد الهادي بصوت مرتفع نسبياً بغضب.
-يا سيدي أنا متفق معاك في كل اللي إنت بتقوله بس خلينا نحاول.
حاول يوسف أن يكون الأكثر عقلانية بإدارة الحوار وإلا ما فائدة كونه طبيباً نفسياً من الأساس، فوظيفته تحتم عليه التمتع بالهدوء المطلق والأتزان دون الوقوع بمنطقة الغضب المعتمة تلك.
-وبعدين يعني يا دكنور؟
تنفس عبد الهادي يحاول إستنشاق بعض الهواء الذي ربما يقلل من نوبة غضبه تلك.
-خلينا نقول إنه بسبب إنهما زملا مع بعض ومتعودين على بعض بحكم الإحتكاك ببيئة شغلهم ودا هو السبب في إنه بيوصلها بالعربية كل يوم، بيحاول يكون ذوق معاها يعني مش أكتر.
-وإشمعنى هي دوناً عن باقي زميلاتها؟ إشمعنى هبة؟ إشمعنى مراتي؟ ولا هو إشتغل عندها سواق خصوصي بدون أجرة.
لم يتمالك عبد الهادي نفسه وتلك المرة كان صوته مرتفعاً لدرجة تمكن من يوجد خارج أركان تلك الغرفة من الإستماع لما نطق به بوضوح تام مما أجبر يوسف على إنهاء تلك الجلسة الغير مثمرة **ابقاتها وذلك لأن عبد الهادي مفرط المشاعر ويميل إلي الغضب بدلاً من التحدث بقليل من ال*قلانية.
-طيب يا أستاذ عبد الهادي الوقت خدنا والجلسة خلصت من بدري إيه رأيك نكمل المرة الجاية وهكتبلك نوع دوا مختلف عن اللي كنا بنستخدمه قبل كدا يمكن يخليك أهدى نوع هتاخده بعد الفطار والتني بليل لو عايز تاخده بعد وجبة العشا مفيش مشاكل وأشوفك تاني بعد أسبوعين إن شاء الله.
شعر عبد الهادي بأنه قد تعدى حدوده ففي النهاية من يجلس أمامه الأن مجرد طبيب وليس قاضياً ليحكم بقضيته الشائكة تلك!! ولكن كبريائه منعه من الأعتذار بطريقة مباشرة.
-تمام يا دكتور وأسف لو كنت تعديت الوقت المسموح ليا بالجلسة.
نظر يوسف نحوه وإبتسم بلطف لإنه إعتاد على تصرفات عبد الهادي التي يعتمد بها على الكر والفر.
-لا متقولش كدا يا راجل العيادة عيادتك.
-بعد إذنك يا دكتور.
-إذنك معاك.
بادله عبد الهادي الإبتسامة بينما تناول سريعاً الروشتة التي دون بها يوسف الدواء الخاص به ومن ثم خرج بينما كان يمشي بحركات ثقيلة بسبب وزنه، أما يوسف فقد إنتقل سريعاً ببصره ينظر نحو صورة موجودة بهدوء على مكتبه تتواجد بها إمرأة شابة وفتاة صغيرة بها ملامح من ملامحه الجميلة ومن ثم يبدأ في التحدث إلي نفسه بحزن وأسى.
-ربنا يرحمكم لو كنتم ميتين ويرجعكم ليا لو كنتم لسا عايشين.
لم يشعر يوسف بكم الدموع التي سالت سريعاً على وجنتيه إلا عندما شعر بحرارتها تحرقه فما كان منه سوى أنه قام بتجفيفها بيديه الحرة وفجأة نهض وإتجه نحو نافذة الغرفة وفجأة تغيرات ملامح وجهه الكئيبة إلي إبتسامة ملأته لتضيئه بشغف وكأن نظره قد وقع على شيء محبب إلي نفسه وقد كان!!
رأى من كان يتابعها بقلبه قبل عيناه منذ أن إفتتح عيادته بذلك الشارع، إنها سارة الجميلة مُعلمة التاريخ التي تعمل بالمدرسة المقابلة لعيادة يوسف، إمرأة على وشك إتمام الثلاثين من عمرها ناضجة وجميلة تمتلك عينان سوداء هادئة وشعر مماثل ترتدي فستاناً بلون البحر هادئ وناعم ووقور بنفس الوقت ليتماشى مع وظيفتها كمعلمة قد ترجلت لتوها من داخل سيارة حمراء وبرفقتها فتاة صغيرة لطيفة للغاية تُدعى سلمى وهي إبنة سارة يبدو أنها في الثامنة من عمرها حيث كانت تدرس بالصف الثالث الإبتدائي بنفس المدرسة التي تعمل بها سارة وبرفقتهما أيضاً رجل بالثامنة والثلاثين من عمره يُدعى سامي وهو زوج سارة الذي يعمل كمدير عام بشركة بورصة دولية كانت ملابسه فاخرة للغاية مما يدل على منصبه الراقي بالشركة التي يعمل بها.
كانت سارة على وشك الدخول إلي المدرسة بينما ركضت سلمى نحو سامي والدها سريعاً لتعانقه قبل بدأ دوامها الدراسي وهذا التصرف أزعج سارة لأنها كانت متأخرة بالفعل اليوم وما يحدث الأن سيؤخرها أكثر.
-يالا يا سلمى هنتأخر.
صاحت سارة بلطف فهي لا ترغب في أن تسبب الفزع للصغيرة سلمى.
-ماشي يا مامي بس هحضن بابي الأول الحضن الكبير وهاجي عالطول.
توسلت إليها الصغيرة برجاء.
-الحضن الكبير ولا المصروف الكتير؟
مازحها سامي بينما أمسكها من أنفها يجذبها منه.
-أه فهمت.
وافقته سارة بمزحته بينما أخرج سامي مصروف سلمي اليومي ولكنه وجه لها إحدى وجنتيه لتقبله عليها أولاً.
-خذي يا ساسو المصروف بس الأول مين هيدي بابا سكر؟
-شكراً يا بابي.
قبلته سلمى الصغيرة سريعاً على وجنته ومن ثم تناولت مصروفها اليومي وركضت نحو سارة بسعادة بالغة.
-يالا مع السلامة.
صاح سامي بينما كان في طريقه لركوب السيارة من جديد.
-مع السلامة.
ردت سارة وسلمى بنفس اللحظة عليه بينما بدأ في قيادة السيارة ومن ثم غاب عن نظرهما فسارعا كلاص منهما بالدخول غلي المدرسة قبل أن تبدا الحصة الأولى.