الفصل الاول
رواية (جدارية الفقدان)
إهداء...
إهداء إلى أبي وأمي وجدتي...
إلى البعيد الذي وضع قدماي في عالم الكتابة، فكان نجمتي المُضيئة.
إلى صديقي الذي عانى معي الأمَرَّيْن...
إلى أولئك الذين تعثَّرت بهم صدفة في دروب الحياة، فتحمَّلوا خوفي المستمر من الفشل، ليكونوا عبير مسك وشهد لطيب الحياة...
إلى تلك التي لم تتحمَّل التواجد بعالمنا، فغادرت سريعًا إلى خالِقها..
إلى كل مَنْ أضاع من وقته الثمين جُزءًا لقراءة كلماتي...
وأخيرًا إلى نفسي التي تستحق أفضل من ذلك...
أُهد*كم جميعًا عملي الأول....
_المقدمة
نحن البشر بطبيعتنا نُحب الحياة، نركض إليها وخلفها من شتَّى الاتجاهات، وفي كل الطُرُق، لا نهتم إن كان هذا هو الطريق الصحيح أو الخطأ.
ولكن تُرى هل في سعينا هذا سيتوقف أحدُنا، ويسأل نفسه ما الذي فعلته في حياتي؟
هل فعلتُ شيئًا ليذكُره الناس بعد مَماتي؟
عمري الذي أفنيته وأنا ألهث خلف هذه الحياة، هل فعلتُ فيه شيئًا يجعل اسمي خالدًا في عقول الناس؟
الناس دائمًا ما تتذكَّر الأبطال، الأبطال فقط هُم مَنْ يُخلَدون في الأذهان، والتاريخ يتناسى الأشخاص العاديين.
فكم مِن عابرٍ في هذه الحياة مرَّ علينا لا نتذكَّر حتى اسمه، وقليل فقط مَنْ بقيت ذِكراهم في ال*قول، والقلوب عبر الأجيال.
بطبيعتنا نحن البشر، لا نتذكَّر إلا أولئك الذين يُقاتلون بلا خوف، يُحبون بلا خُذلان.
نتذكَّر أولئك الأوفياء الذين قَدَّموا أرواحهم من أجلنا، الذين أحبُّونا دون خوف ولم يتركونا، أولئك العظماء الذين لم يتخلُّوا عنَّا في منتصف الطريق، أولئك الذين تمسَّكوا بأيدينا بقوة، ولم يفلتوها حتى النهاية، فشكرًا جزيلًا لأولئك الأبطال العظماء.
_الوصف
قديمًا كان العالم ينقسم إلى عدة إمبراطوريات، فكانت مِن بينهم إمبراطورية تُسمى (ليموريا)، يحكُمها أحد الأباطرة.
في أحد الأيام كوَّن بعض جنودها مجموعة انشقَّت عن الجيش، وانقلبوا ضد الإمبراطور، ومن ثم قتلوه وتولوا هُم حكم الإمبراطورية.
حوَّلوها من إمبراطورية فقيرة لا تحتوي على أي موارد للعيش، إلى إمبراطورية عظيمة يتحدَّث عنها التاريخ.
كوَّنوا جيشًا لا يُقهَر، يغزو ويُدمِّر أينما حلَّ.
نهبوا خيرات العالم، وأتوا بها إلى إمبراطوريتهم، جنود هدفهم الوحيد هو السيطرة على العالم بأسره، وتحويل كل موارده إلى أرضهم.
بالفعل أخضعوا جميع الممالك إلى سُلطتهم إلا اثنين فقط، (باليتا) و(إسكاردا)، فاختُصت (إسكاردا) تحديدًا.
تلك المملكة المعروفة بجمالها وسحرها وخيراتها الكثيرة والمتنوعة، وهذا ما جعلها مطمعًا للجميع.
أَعدَّ هيكتور الإمبراطور الحالي لـ(ليموريا) جيشًا عظيمًا على رأسه أشجع الفرسان لإسقاطهما سويًا، بالبداية بمملكة (باليتا) ومن بعد ذلك (إسكاردا).
"لا تكفي طيبة القلوب فقط لنشر العدل بين الناس، فلا بُد لسَل السيف أحيانً لردع الظالم".
(١)
_في (إسكاردا)...
بتلك المملكة الساحرة، التي تُزَيِّنها عشرة قصور عظيمة، أقل ما يُقال عنها أنها تُحفة فنية لا مثيل لها.
قاعاتُ فخمة، وحدائق رائعة مُزيَّنة باحترافية كبيرة، كأنها لوحات صُمِّمت بيد فنان مُحترِف.
(إسكاردا) تلك المتواجدة على سواحل المحيط الهادي شرقًا.
أراضيها الخصبة، خيراتها التي لا تُعَد ولا تُحصَى.
أمُور جعلتها مطمعًا لجميع الغزاة، مملكةُ قوية بجيش عظيم.
شعبُ يرى أن إلههم الأعظم (آسر) هو مُنقِذهم الأساسي مِن كل المخاطر.
قاموا بتشييد معبد عملاق له في جزء من أسوارها الخلفية، ثم شيَّدوا حوله قرية، أسموها قرية الآلهة؛ ظنًا منهم أنها أول خط دفاع ضد أي معتدٍ أو غازٍ أراد بهم سوءًا.
تُحاط المملكة بالجبال الرملية من كل جهة، إلا الجهة الشرقية حيث تطل على المُحيط.
حاول العديد من الغزاة إخضاعها، لكن محاولتهم باءت كغيرها بالفشل الذريع، فهي ومع كل هذه المقومات لديها مَلِك شجاع لا يَهاب الموت، يُدافع عن مملكته بكل قوة.
قصر الحُكم في (إسكاردا)
قاعة كبيرة حيث يَجتمِع أُمراؤها، ثرثرات هُنا وهناك، في كل أرجاء القاعة أصوات مِن كثرتها وتداخُلها لا تستطيع تفسير جملة واحدة.
أنهى تلك الثرثرات صوت الحاجب يُعلن عن وصول المَلِك.
عمَّ ال**ت المكان، وقف الجميع تحيةً له.
وقف اوليفير للحظات عند الباب ثم تحرَّك جهة كُرسيه، إلى يمينه إيزاك -أخاه الأصغر- وعن يساره الكومندار شيلدون -قائد الجيش-.
جلس الملك اوليفير على عرشه، ثم أشار للأُمراء بالجلوس.
"المَلِك اوليفير، تولَّى حُكم (إسكاردا) في سن صغير، إذْ يُعتبر أصغر مَلِك تولَّى حُكمها في تاريخها.
توفى والده وتركه في ربيعه الخامس والعشرين، منذ ذلك الوقت يتولَّى زمام المملكة، ملامحه عادية، بلحية خفيفة وشارب صغير، ذو شعر أ**د **واد الليل في ليلةٍ غاب عنها القمر، جسدُ رياضي بعضلات مفتولة، في الأوقات الحاسمة تجده جديًا للغاية، ولوهلة تعتقد أنه قاسٍ لا رحمةً بقلبه، لكن بين أهله ترى طيبته.
محبوب لدى شعبه، ففي عصره ازدهرت المملكة بشكل غير مُسبق في العصور الماضية".
_أولًا أود أن أُرحِّب بكم جميعًا، أرى أن جميع أمراء (إسكاردا) هُنا، هذا أمرٌ جيد، أظن أنكم تَعلَمون سبب طلبي لحضوركم إلى هُنا، وإجراء هذا الاجتماع العاجل.
والآن ودون مُقدمات، مُنذ قليل وصلتني أخبار من مملكة (باليتا)، وبالتأكيد وصلتكم الأخبار كذلك!
ضَجَّت القاعة بالصخب فور سماع الأمراء اسم (باليتا)، وتعالت غمغمات الأمراء، جميعهم يَعلَمون ما هي الأخبار التي بصُحبة الملك اوليفير.
لكنهم رغم عِلْمهم بسبب اجتماعهم هذا، وعِلْمهم بما سيدور وما الذي سيُلقيه عليهم مَلِكهم، إلا أنهم غير قادرين على فعل أي شيء سوى الاستماع فقط.
تنهَّد الملك ناظرًا لهم بمُقلتيه، ب**تِ ل**نه، وضجيج قلبه:
_أعتقد أن الوضع لا يحتمل هذه الأحاديث الجانبية، أعيروني سَمْعكم،
ذاك الصعلوك المُسمَّى هيكتور وجيشه احتلُّوا (باليتا)، وأصبحت تحت سيطرتهم دون أدنى مقاومة.
الآن سيتقدَّم بجيشه لغزو مملكتنا، وربما قد بدأ بالتخطيط لذلك حقًا.
نَعلَم أن هدفه منذ البداية نحن، وليس (باليتا).
نعم جيشه يفوق جيشنا عددًا وعِتادً، لكن لا بُد من حل لهذا، يجب أن نُقرِّر الآن وحالً ما سنفعله؛ لإيقاف هذا المعتوه عِند حده، يكفي إلى هذا الحد ما سبَّبه من خراب، وتدمير في كل أرضٍ يحط فيها.
ضَجَّت قاعة القصر مجددًا بالصخب والأصوات العالية، الكلمات غير المفهومة، كل الأمراء يغمغمون مع بعضهم البعض بأصوات، وكلمات غير مسموعة لاوليفير.
إلا أنه يتوقَّع ما يدور بداخل كل واحد منهم، بعضهم مَنْ تسلَّل اليأس والخوف إلى داخله فور سماعه بقوة جيش هيكتور، فبات ينتظر الموت أو الأسر لا محالة، ومنهم مَنْ يُفكِّر أن ينجو بنفسه من تلك الحرب التي أصبحت مؤكَّدة لا محالة، وجانب آخر يُفكِّر في الدفاع عن مملكته، وإن كلَّفه الأمر حياته.
أنهى حديثهم صوت الكومندار شيلدون لهجة صارمة:
_جلالة الملك، مهما كان جيشهم كبيرًا، وعِتادهم كثيرا، نحن لدينا جيشٌ قوي لا يَخشى الموت ولا يَهاب أمثال هؤلاء الصعاليك، سن**ُد ونُحارب ونُواجه بشجاعة، بلا تراجع ولا استسلام.
تدخَّل في الحديث الأمير الشاب (إيزاك)، "الأخ الأصغر لاوليفير، في مُقتبَل عقده الثاني.
ذو جسد نحيف لا يُشبِه المُحاربين في أي صفة من صفاتهم الجسدية، شعر طويل بني اللون، وجه أبيض ساحر تُزيِّنه عينان خضراوان تجذبان كل مَنْ ينظر إليهما".
_لنتحدث بشكل واقعي، كما قال المَلِك، جيشهم كبير وقوي، وعدده أكبر مقارنةً بعدد جنودنا، ناهيك عن أسلحتهم الكثيرة.
كيف سنواجه جيشًا يفوق عدد جيشنا بخمسة أضعاف تقريبًا؟!
نهض اوليفير من موضعه مُتحرِّكًا في باحة القاعة بخطوات هادئة، واضعًا يديه خلف ظهره، يُحاول إيجاد حل لهذه الفاجعة، توقَّف لوهلة مُتحدِّثًا:
_إن كان لهيكتور جيشًا يُحارب من أجله، فجيش (إسكاردا) يُحارب من أجل مجدها.
(إسكاردا) هي مِلكٌ لنا، مِلكٌ لشعبها وجيشها، ولن يستطيع أحد سلبها منَّا، سندافع عنها لآخر رمق.
فور انتهاء الملك من جملته الأخيرة، صاح الكومندار شيلدون في الحضور:
_مَنْ يُريد مملكتنا، ستكون رمال صحرائها مقبرةً له، أرضنا لنا.
اقترب الملك اوليفير مِن شيلدون، واضعًا يده على كتفه:
_ستتكفَّل بتدريب الجيش للمواجهة سيادة الكومندار، ولا تنسى أن الوقت يُداهمنا، عليك توزيعهم وتأمين كافة أنحاء (إسكاردا) خصوصًا البوابة.
هذه هي مهمتك، وأثق أنك ستقوم بها على أكمل وجه، أما عن الأمراء فعليهم السمع والطاعة.
_سمعًا وطاعةً جلالة الملك.
أبدى الأمراء موافقتهم بإماءة، يَعلَمون أن شيلدون اكتسب خبرة كبيرة طوال مدة خدمته في المملكة، هو قائد مُحنَّك، يؤمنون بقوته ويَكِنُّون له كل الاحترام والتقدير، ثم أكمل الملك حديثه ناظرًا إلى أخيه:
_وأنت يا إيزاك ستتولى توزيع الرُماة على أسوار المملكة، والاستعداد لأي هجوم مُحتمَل، وأيضًا جميع الأمراء عليهم السمع والطاعة.
_أوامرك مُطاعة جلالة المَلِك.
أماء الأمراء بالموافقة مِن بعده.
فور أن أنهى المَلِك اوليفير حديثه، أشار للجميع بمغادرة القاعة، أماء الجميع تحيةً للمَلِك، ثم تحرَّكوا للخلف مُغادرين المكان.
تنهيدة خرجت من أعماق قلب اوليفير، يَعلَم جيدًا أن الأمر هذه المرة سيكون مختلفًا تمامً عن أي حرب خاضها دفاعً عن أرضه، عقلُه لا يكُف عن التفكير.
كيف ينجو بمملكته إلى بَرِّ الأمان من هذه الحرب، التي لن تُفَرِّق بين الأخضر واليابس.