.
"حتى وإن لم تصل إلى مُرادِك، فيكفيك شرف المحاولة".
(٢)
حربٌ لم تكُن سوى فترة تدريبية لجيش (ليموريا)، إسقاط (باليتا) بسهولة.
مملكة لا تَقوَى على مواجهة تلك التكتُّلات من جيش هيكتور، عِتاد وعدد لا يُقارنان إطلاقً ببعضهما البعض.
دخول سهل لأسوار المملكة، ليس الأسوار فقط، بل ولقصر الحُكم أيضًا.
تحرَّك ذاك الهيكتور بخطوات ثابتة جهة كرسي المُلك، إمبراطور نال من قوة جيشه الغرور والتعالٍ.
"جسد مفتول، بشرة سوداء، بِلِحية طويلة وشعر أ**د مُجعَّد، متوسط الطول".
جلس على عرش الملك بيكير -سابقًا-، ناظرًا إلى ذاك المُكبَّل بالأغلال راكعًا أمامه، رُسِمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم قال:
_هل أنت سعيد بوَضْعِك الآن؟
ألم يكن الأفضل لك الاستسلام من البداية؟
تَعلَم أنك ستُهزَم، ورغم ذلك قاومت، يالك من غ*ي!
ليس هناك جيش أقوى من جيشي، فلِمَ المواجهة؟
ابتسم الملك الأسير بفخر وكأنه هو الحر رغم قيوده، هو المُنتصر رغم خسارته الحرب:
_هل تظن أني حزين! وأن قيودك تخيفني؟
اعلم أن الموت دفاعً عن مملكتي أهون من أن أُسَلِّمك إياها.
الاستسلام والخضوع ليس مِن شِيَم الملوك الشرفاء، وأنا فخور أني حاربت إلى النهاية رغم الهزيمة، من المؤكَّد أنك لن تفهم حديثي؛ لأنك لا تَعلَم معنى الشرف.
تغيَّرت ملامح هيكتور، فنهض من موضعه، ابتسامة السخرية التي كانت تُغطِّي وجهه اختفت، وحلَّ مكانها نظرات غاضبة بعينين تتقدان بشرارات الغضب:
_كيف تتحدَّث معي هكذا أيها الو*د!
ألا ترى وضعك المُزْرًى!
أستطيع فصل رأسك عن جسدك بكل سهولة، ودون أن أتردد لحظة.
الشرف؟!
عن أي شرف تتحدَّث! ماذا فَعَل لك؟
ماذا فعلت لك شجاعتك سوى أنها جعلتك أسيرًا تحت رحمتي!
_ومع كل ما قلته أنا لا أخشاك، لقد قاتلت إلى جانب جيشي كأي مُحارِب شجاع، لم أترك سيفي للنهاية.
لم أستخدم سيفي يومًا ظُلمًا أو غازيًا أو مُحتلًا، يمكنك تنفيذ تهديدك بقتلي الآن، لكن تأكَّد أنك ستجد في المقابل مَنْ يردعك ويدافع عن أرضه.
الجميع يعرف مَنْ أنت!!
طمَّاع، جشع، والأهم غدَّار ومُنقلِب، تسعى إلى السلطة بالغش والخديعة، جميعنا نَعلَم حقيقتك، كيف كنت وكيف أصبحت، خائن، لعين استولى على الحُكم بعد غدره لإمبراطوره الشرعي، حتى جيشك الذي تختبئ وراءه، يعلمون أنك خسيس وليس لك أمان، يعلمون أنهم وإن هُزِموا؛ ستكون أول مَنْ يَفِر، لأنك نذل وجبان.
أقسم لك أن نهايتك وشيكة، وأَعِدك أنها ستكون تحت أسوار (إسكاردا).
عادت ابتسامة هيكتور الساخرة لتُزيِّن وجهه الكالح هذا، تحرَّك جهة الملك بيكير، ممسكًا بعُنقه بقبضته:
_يبدو أنك لا ترى جيدًا، لقد حصلت على ما أُريد بالفعل.
جيشي متواجد الآن في كل مكان في مملكتك، سأموت تحت أسوار (إسكاردا)؟!
أعتقد أنك لا تعرف قوة جيشي حتى الآن.
لكني لم أنسى أني كنت جنديًا، لكن الفرق بيني وبين باقي الجنود أني كُنت أمتلك حلمًا وهدفًا وطموحًا.
لم أستسلم للحظة، استمريت في الزحف خلف حلمي وهدفي إلى أن تُمكَّنت منه وحققته، أصبحتُ أعظم أباطرة العالم، معي جيش مَهول.
_هدف! وحلم!
تخون قائدك، أتُسمي هذا هدف؟
تخون قيادات جيشك وتنقلب عليهم أنت وهؤلاء المُرتزقة، وتقتلونهم وتُسمي هذا هدف؟
أن تسرق حُكم (ليموريا) أهذا حُلم؟
أي حُلم ذاك الذي يُبنى على خيانة وكَذِب وسرقة؟!
_الطريقة ليست مهمة أيًا كانت، لكن الشيء المهم أني وصلت إلى هدفي، لن يتذكَّر الشعب شيئًا من هذا!
لن يتذكَّروا إلا الإمبراطور وإنجازاته، لن يتذكَّروا سوى الإمبراطور هيكتور، أما عن (إسكاردا) فسوف أُسقِطها قريبًا جدًا يا بيكير، ومن هُنا إلى أن تقع بين يدي لن أقتُلك، ولن تذُوق طعمًا للراحة أبدًا، أتعرف لماذا؟؟
لأتركك تتحسَّر وأنت تراني أُسقِطها علي رؤوس شعبها، سوف أتركك حتى تراني جالسًا على عرشها.
ران **تٌ عليهما، لم يطُل حتى عاد هيكتور ليشُقَّه مجددًا بعد أن عاد ليجلس على كُرسي العرش، ينظر له ويتحسَّسه بش**ة ذئب لا يُشبعه أكْل ألف شاة:
_عرشك مريح جدًا، لد*ك كل الحق في المُحاربة لأجله، انتهى الحديث إلى هذا الحد، استعد لتتعفن بزنزانتك.
فور أن أنهى حديثه أشار للجنود بحمْله ووضْعه بسجن القصر، حَمَله اثنان من الحرس بأغلاله تلك التي تُقيِّده من أخمص قدميه إلى عُنقه.
دقائق معدودة كانت كفيلة بإعلان الحاجب وصول القائد هندرسون، دلف إلى قاعة الحُكم مُنحنيًا تحيةً له:
_أرسلت طالبًا إياي فخامتك.
_سنتحرَّك إلى (إسكاردا)، استعد بالجيش.
رفع هندرسون رأسه ناظرًا إلى الإمبراطور هيكتور بذهول، غير مُصدِّق لِما يسمعه، كيف لجيش أنهى حرب منذ ساعات بسيطة أن يتحرَّك لخوض حرب أخرى بهذا الشكل!
إلا أن هيكتور لم يُعطِه وقتًا أطول في تلك الأسئلة التي بدأت تض*ب بعقله، فتحدَّث مجددًا:
_لا مجال للراحة يا هندرسون، مُر جنودك بالاستعداد، سنتحرَّك تجاه (إسكاردا) صباح الغد.
_كيف ذلك؟!!
لا يُمكِن تنفيذ ما تقول، أخبرتك أن جنودي مُنهَكين، لا يستطيعون الدخول في حربٍ جديدة.
نهض هيكتور يرمقه بنظرات غاضبة، أشار إليه بسبابته وهو يتحدَّث بلغة تَحمِل بين طيَّاتها رائحة التهديد:
_أراك بت تعترض على أوامري يا هندرسون، وأن قراراتي لم تُعُد تُعجبك البتَّة!!
أنا هو الإمبراطور يا هندرسون، أم أنك نسيت هذا!
هذه المرة الأخيرة التي أُخبِرك فيها هذا الحديث.
أتغاضى عن تجاوزاتك معي فقط لأنك أخي، لكن احذر غضبي يا هندرسون، لأن صبري ينفذ سريعًا، أتمنى أن تنتهي اعتراضاتك المستمرة على قراراتي قريبًا، والآن اعلِم جنودك أننا سنتحرَّك إلى (إسكاردا) مع شروق الشمس.
انحنى هندرسون على مَضَض ليحييه:
_نعم، فهمت فخامة الإمبراطور، أوامرك قيد التنفيذ، لكن يوجد لدينا مشكلة، بما أن جلالتك اتخذت قرار التوجُّه إلى (إسكاردا) من أجل الحرب، فمن المؤكد أن جلالتك تَعلَم جيدًا قوة مملكة (إسكاردا).
_أعلم، ولكن جيشنا ليس بقليل أو ضعيف لكي تُذكِّرني بسخافاتٍ كهذه.
اعتدل هندرسون موضعه، قائلا بلهجة هادئة:
_الجيش في أشد الحاجة لشخص يعطيه حافزًا يُحرِّكه، بحاجة لمَنْ يستمد الطاقة منه ويعوِّضه عن كم المجهود الذي فَقَده في الحروب السابقة...
**تٌ ران عليه للحظات قبل أن يتنهَّد ويُكمِل:
_إن الجيش يحتاج للقائد آرون فخامة الإمبراطور.
تنهَّد هيكتور بغضب كاد يقتلع قلبه من موضعه فور سماع ذلك الاسم، على الرغم من أنه يَعلَم جيدًا أن آرون هو أفضل مُحارب في جيشه وبين جنوده، إن لم يكن أعظمهم، وحتى أعظم مُحارب في هذا العصر، إلا أنه لا يحبه ولا يتمنى وجوده، على الرغم أيضًا أنه يَعلَم أن جميع انتصاراته بسبب ذاك الآرون، إلا أنه يبغضه ولا يحب رؤية وجهه من الأساس، عاد إلى مقعده بهدوء، واضعًا يده على رأسه:
_آرون!
هندرسون بهدوء لِعِلْمه جيدًا بما يدور في رأس أخيه الآن:
_نعم، نحن بحاجة لآرون معنا.
_ذاك المُحارب اللعين لن نستطيع السيطرة عليه، ولاؤه ليس لي أو حتى لـ(ليموريا).
من بين جميع محاربين جيشي لا يوجد مَنْ هو أبغض على قلبي مِن ذاك النذل، إنه يتمنى موتي في كل لحظة.
_لكننا في حاجة إليه، وفخامتك تَعلَم قوته وعظمة تأثيره على الجنود.
على أي حال نحن لسنا بحاجة للسيطرة عليه، نُريده حرًا طليقًا، هذا مِن مصلحتنا صَدِّقني.
آرون خُلِق للحرب، هو وبدون جِدال أعظم مُحارب موجود الآن، يكفي فقط الروح والعزيمة التي يبُثُّها في قلوب الجنود، نحتاج آرون؛ لاحتلال (إسكاردا).
_لِمَ لا تفهمني يا هندرسون؟!
ذاك الو*د صار من الماضي وأنا الحاضر والمستقبل لـ(ليموريا) والعالم بأكمله.
أتتذكَّر قبل وجودي كيف كانت (ليموريا)! وكيف كان شعبها؟!
ماذا كان يفعل؟!
شعب (ليموريا) كان ضحية العالم، كانوا عبيدًا لجميع الممالك.
أما الآن أترى ماذا فعلت بهم؟!
أتستطيع أن تُخبِرني كيف كانت وكيف أصبحت (ليموريا) الآن؟؟
استطعت أن أُوَحِّد ملوكها وأمراءها، استطعت أن أُكوِّن جيشًا ليس بمقدور أحدهم الوقوف أمامه، كوَّنت جيشًا لا ترى آخره، كوَّنت إمبراطورية تستطيع احتلال العالم بأكمله، العالم أصبح ضحيةً لنا يا هندرسون، أنا حاضر ومستقبل (ليموريا) وليس ذاك الو*د.
_أعلم جيدًا كل ما تتحدَّث عنه ولا أُنكِر ذلك أبدًا، ولكن مثلما قدَّمت أنت لـ(ليموريا)، قدَّم آرون أيضًا الكثير.
كم من المرات انتصرنا في الحروب بسبب آرون؟!
كم من المرات التي تصدَّينا فيها لغُزاة أرادوا احتلال أراضينا، وكان الفضل لآرون؟!
كيف يبُث وجوده القوة، والثبات بداخل جنودنا؟!
أنا لم أنسى ما فعلته لـ(ليموريا) ولكن أنت مَنْ ينسى ما فَعلَه آرون.
احتلال (إسكاردا) سيكون الأعظم على الإطلاق، أظنها ستُسجَّل في التاريخ، جيشنا يحتاج للشجاعة والقوة، وهذا لا يتوفَّر حاليًا سوى في أعظم مُحارب هُنا.
هيكتور ببغضٍ، رغم كُرهه لذلك الملعون -كما أسماه- إلا أنه يعلم أهمية وجوده:
_لكنه رفض أن يخوض معنا معركة (باليتا) وتخاذل عن الجيش، رفض أن يُطيع أوامري.
_أنا وأنت نَعلَم جيدًا سبب رفضه للحرب معنا بجنوده، لكن على أي حال معركة (باليتا) كانت سهلة، أنا وأنت وحتى آرون نَعلَم أنها ليست معركة بهذه الخطورة، أما (إسكاردا) فأعتقد أن الأمر في غاية الصعوبة، ويكاد أن يكون مستحيلًا بدونه.
لا بُد أن نتعامل مع الوضع بشكل أفضل وحكمة أكثر، لا بُد أن تتعامل مع القائد آرون بطريقة أفضل، على الأقل حتى نصل إلى غايتنا، وفيما بعد تستطيع أن تفعل ما تُريد.
هيكتور بتنهيدة استسلام، مُقتنعًا بما يقوله هندرسون:
_افعل ما تُريد يا هندرسون، ولكن الشيء المهم أن يكون الجيش مستعدًا تمامً؛ للتحرك صباحً.
_سمعًا وطاعة فخامة الإمبراطور، سأُبلغ الجيش بالاستعداد، ومن ثم سأذهب بنفسي للقائد آرون لإقناعه أن يستعد بجنوده، أستأذنك بالانصراف.
_باستطاعتك المغادرة.
غادر هندرسون المكان عازمًا على الذهاب إلى آرون، كمحاولة لإقناعه للعودة مرة أخرى للجيش، والمشاركة في الاحتلال المُنتظَر، للحرب التي من المؤكَّد أنها ستُسطر في كُتُب تاريخ العالم، خطوة واحدة فقط تفصلهم عن مُلك العالم بأكمله، ليس ذلك فقط، بل وإنهاء هيبة تلك المملكة اللعينة، تحطيم تلك الأسوار التي ظلَّت صامدة حتى هذه اللحظة.
"قناع الثبات ذاك الذي يتوارى خلفه حُزنك عن الجميع، دائمًا ما يَسقُط أمام شخصك المُفضَّل".
(٣)
يجلس الملك اوليفير على كرسي العرش، لم يتحرَّك من موضعه حتى بعد مُغادرة الأمراء للقاعة.
هائمًا في تفكيره، **فينة أبحرت في بحر عَلَت أمواجه، فأصبحت مُهدَّدة بالغرق بين اللحظة والأخرى.
أنهى تلك الحالة الشاردة الحاجب بصوته الجاعوري، مُعلِنًا وصول الأميرة لانا.
أماء له الملك بالإيجاب، علامة على أمر الأميرة بالولوج إلى القاعة.
دلفت تلك الأميرة الساحرة إلى القاعة.
"فتاة في بداية عقدها الثاني، جميلة إلى أن صارت مطلبًا لأمراء المملكة.
هي الفتاة المُدللة للإمبراطورية بالكامل.
متوسطة الطول، جسد متوسط الحجم يميل إلى النحافة قليلًا، بشرة بيضاء من شدة نقائها وجمالها تشبه الورد الأبيض، وجه بيضاوي جميل يُزيِّنه ثغرها المُبتسِم، عينان زرقاوان تُشبهان مياه المحيط الهادئة.
شعر بني يميل قليلًا إلى الحُمرة، يشبه أشعة الشمس المتسلِّلة وقت الغروب، طويل الحجم يكاد يصل إلى م***ة قدمها".
تطل من باب القاعة بفستانها الباهر ذاك الذي يُزيد من بريقها وجمالها.
"فستان سماوي اللون يميل قليلًا إلى اللون الأزرق.
فستان بأكتاف صغيرة عريضة قليلًا، يضيق قليلًا من أعلى الص*ر حتى منتصف الخِصر، ومن ثم يتسع بشكل كبير من منتصف الخصر إلى الأرض، متدلي على الأرض من خلفها، يتلصع بالكريستال اللامع وبعض النجوم في الجزء الأسفل،
يوجد في منتصفه حزام أبيض اللون لامع مُلَصَّع بنجوم زرقاء اللون، تزيده بريقًا وروعةً".
نظرت بعينيها في القاعة، فوجدت الملك اوليفير يجلس على كرسي العرش في آخر القاعة شاردًا الذهن.
ذلك الأمر الذي لا يَحدُث كثيرًا أن يبقى الملك وحده، ليست بعادته أبدًا، بل لا يَحدُث هذا الأمر إلا في الأوقات العصيبة.
عَلِمت مُسبقًا بأمر الاجتماع الذي انتهى منذ قليل، عَلِمت أيضًا أن الجميع غادروا المكان فور انتهاء الاجتماع.
قطعت الأميرة لانا القاعة الكبيرة حتى اقتربت من الملك اوليفير، فأصبحت مقابلة لوجهه تمامً، لا يفصل بينهما سوى بعض السنتيمترات.
جلست على إحدى ركبتيها أمامه ومن ثم أمسكت بيديه مُقَبِّلة إيّاهما بحنان، ناظرةً لوجهه بابتسامتها العذبة تلك.
تلك الحركة الحنونة التي أعادته من شروده، نهض هو الآخر بدوره مُمسِكًا لانا من كتفيها محاولًا إيقافها هي الأخرى، بالفعل أوقفها حتى صارت موازية له.
وضع قُبلة حانية على رأسها، راسمًا على وجهه ابتسامة هادئة:
_كيف حال أميرتي الجميلة؟
نظرت إلى عينيه الحزينتين تلك، وكأنها تود أن تقتلع منهما الحزن بكفيها، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟! كيف!
ن**ت رأسها إلى أسفل مُتحدِّثة:
_لست بخير جلالة الملك.
تغيَّر وجه اوليفير من الابتسامة التي كانت تُزيِّنه منذ لحظات وحتى ولو كانت مرسومة كَذب إلى قلق وتساؤل.
الأميرة لانا هي أجمل وأهم ما يمتلكه، هي أخته الصُغرى والمدلَّلة الوحيدة.
هي المُقرَّبة إلى قلبه، حتى أكثر من زوجته أسيلا، يخاف عليها كأنها ابنته وليست أخته.
يراها روحه أو أكثر، لا يَتحمَّل أي مكروه أو سوء يقترب منها.
تساءل بقلق:
_ماذا حدث؟!
مَنْ استطاع أن يُحزِن أميرتي الصغيرة وأنا مازلت على قيد الحياة؟!
أخبريني مَنْ هذا وسأفصل رأسه عن جسده فورًا؟!
_جلالتك مَنْ أحزنني.
رفع اوليفير وجهها إلى أعلى بكفيه، علامات الدهشة والتساؤل كانت واضحة على وجهه، تحدَّث:
_أنا! كيف؟
_الحزن الذي يملأ عينيك هو الذي أحزنني، كيف سأكون بخير وأنا أرى هذا الحزن بمُقلتيك؟ كيف أكون بخير وأنت لست بخير؟!!
ابتسم الملك اوليفير بحنان، لم يستطع إخفاء تلك الابتسامة التي خرجت منه بشكل تلقائي على تلك الصغيرة:
_أنا بخير حبيبتي، بخير ما دُمتِ بخير وفي أمان، فقط عيناي مرهقتان قليلًا؛ لقلة النوم ليس أكثر.
_تكذب، أعتقد أنك نسيت مع مَنْ تتحدَّث الآن، أنا لانا، أختك وصديقتك.
قادرة على فِهْمك من نظرة عينيك أو ابتسامتك التي تحاول أن تُخفي بها حالتك الآن، عندما تُقرِّر أن تكذب يا جلالة الملك لا تكذب على أختك.
إذا كُنت تتحدَّث عن أنك بخير!
فلا، أنت لست بخير.
وإذا كان الأمر أننا بأمان؟ فأيضًا لا، نحن لسنا بأمان.
سمعت بعض الأمراء عند خروجهم من القصر يتحدَّثون بأن هيكتور استطاع أن يغزو مملكة (باليتا)، ويجهز جيشًا قويًا قادم به إلى هُنا.
**تٌ ران على الملك اوليفير، لا يَعلَم ماذا يقول، تلك الصغيرة استطاعت قول ما لم يستطع قوله حتى مع الأمراء.
حقًا (إسكاردا) ليست أبدًا في أمان مِن هيكتور وجيشه، وأيضًا هو ليس بخير كما يَدَّعي.
وكأن أموره تتسلَّل من بين قبضته كحبات الرمل واحدة تلو الأخرى، غير قادر على إحكام قبضته عليهم، ابتسم فأجاب:
_(إسكاردا) في أمان وستظل في أمان، منذ متى ونحن نهاب جيشًا أو مَلِكًا؟
كم من الملوك حاولوا أن يغزوا أرضنا وكانت نهايتهم أن يُقتلوا بين أسوارها العظيمة؟!
كم من الجيوش كانت مقبرتهم رمال الصحراء خلف الأسوار؟!
يا أميرتي جيشنا أقوى من أي جيش آخر، جيشنا بجنوده البواسل الذين لا يهابون الموت قادرين على ردع أي عدو أيًا كانت قوته وعظمته.
ابتسمت الأميرة لانا إلى أخيها، ابتسامة فخر وإجلال لشخصه ورباطة جأشه تلك، فخورةً بثباته حتى وإن بقى وحيدًا في حرب مُقدماتها لا تُظهر إلا خسارة مريرة، حاولت أن تُزيد من ثباته، فتحدَّثت:
_إذًا لِمَ نبرة التوتر هذه بصوتك؟؟
_لا أُخفي عنكِ سرًا، إنها ستكون أعظم حرب في تاريخ المملكة، بل العالم بأكمله.
ليس لدي أي ذرة خوف أو شك أننا نستطيع أن نفوز بهذه الحرب إلا إذا...
انتبهت الأميرة لانا لل**ت الذي قاطع حديث أخيها، فتحدَّثت:
_اكمِل، إلا إذا ماذا؟
تحرَّك الملك اوليفير في أرجاء القاعة، ناظرًا إلى اللا شيء أمامه:
_إلا إذا حضر آرون مع جيش هيكتور، هُنا فقط تكمُن المشكلة، فيصعب علينا الفوز بالمعركة.
آرون يُعادل أكثر من نصف قوة جيش هيكتور، ليس مُحاربًا فقط، بل تشعر كأنه جان، يتحرك في المعارك بسرعة البرق، سيف أسطوري بقوة رهيبة، وكأنه أسد غير مُروَّض يُهاجم فريسته ليس رغبة في الطعام، بل للفتك بها وإنهاء حياتها.
هو أفضل وأقوى محارب في جيش هيكتور، أيضًا تلك المجموعة التي تركت هيكتور وانضموا له ليسوا قلة أو ضعفاء، فقد أشرف بنفسه على تدريبهم حتى أنهم باتوا لا يختلفون عنه شيئًا.
هم الخطر الوحيد والأكبر في جيش (ليموريا).
الشيء المؤكَّد أنه إذا لم يحضر، فبدون أي شك جيشنا سوف يفوز بالمعركة.
تجمَّدت الأميرة لانا موضعها، جسدُ على أرض الواقع، قلبُ اصطحب ال*قل وغادرا بعيدًا إلى عالم الأُمنيات والأحلام، عالم لم يسكنه سوى شخص واحد فقط، ألا وهو ذاك الذي ذُكِر اسمه منذ لحظات، دائمًا ما كانت رغبة القلب الأولى هي أن تحظى يومًا برؤية ذاك الآرون.
ذاك المُحارب الذي ذيع صيته في كل مكان، فلا يُشق له غُبار، ولا حد لانتصاراته.
ذاك الذي لم يرحم ل**ن واحد مِن أن يذكره إن كان بالخير أو الشر.
تحدَّثت بشرود وضح جليًا عليها:
_آرون!
أجاب الملك اوليفير هو الآخر بشروده الذي مازال به، حتى أنه لم ينتبه إلى حال أخته، وكأن هذا الاسم يحمل لعنة الشرود لمَنْ ينطقه، إن كان عدوًا أم حليفًا:
_أجل عزيزتي، آرون.
تنهَّدت بتوتر، فكم مرة تمنَّت رؤياه، وكم من المرات اضطربت نبضات القلب لاسمه.
إلا أن الأمر أصبح مُختلفًا، لا تُخفي ولعها لرؤياه، ولكن ليس في مثل هذا الوقت، ليس في الحرب، اضطربت نبضات قلبها أسى مِن حظها هذا الذي وضعها بين أمريها.
رغبتها في حضوره مع الجيش لرؤياه، وتمنيها الأمان لشعبها في عدم حضوره للحرب.
خرجت تنهيدة من بين ضلوعها كعاصفة تقتلع في طريقها الأخضر واليابس.
على أي حال فمملكتها وأمنها وسلامة جنودها وشعبها أهم من أي شخص حتى لو كان آرون نفسه.
أنهت الأميرة لانا شرودها سريعًا قبل أن ينتبه الملك اوليفير لحالها، تحدَّثت لانا بكل فخر كمُحاولة منها لترسيخ الثقة في قلب أخيها:
_حتى إن كان لديهم محارب كآرون، يزعمون القول أنه الأقوى والأفضل، فشعبنا لديه أعظم الملوك وأقوى الفرسان.
لدينا الملك العادل المحبوب من جميع شعبه.
إن كان لديهم آرون، فنحن لدينا الملك العظيم اوليفير.
نظر الملك اوليفير إلى وجه أخته بابتسامة مُصطحبة بشيء من الحنان، فتحدَّث قائلًا:
_هل أخبرتكِ سابقًا أنكِ أجمل شيء بهذه الحياة!
أنتِ أجمل وأعظم شيء يَحتَل قلبي، دُمتي لي سندًا وداعمًا وقوةً.
ابتسمت الأميرة لانا لمُغازلات أخيها، لكنها قبل أن تتفوَّه بكلمة واحدة، تدخَّلت الملكة أسيلا في الحديث بصوتها الضاحك:
_حقًا!!
اجعل كلماتك مختلفة قليلًا جلالة الملك، دائمًا ما تُردِّد نفس الكلمات، أم أنك لا تَعلَم سواهم؟!
_أسيلا، أنتِ هُنا؟!
لم تنتظر لانا رد الملكة أسيلا على اوليفير، فبادرت هي بالحديث بمكر، رغم عِلْمها جيدًا بغيرة الملكة أسيلا على زوجها، إلا أنها تحب أن تستفزها بالحديث، فأجابت:
_مَنْ قال ذلك!
لقد أغرقني بكلماته المعسولة منذ قليل.
فقط يحبني وأحبه، وهذا يكفيني على أي حال.
نظرت الملكة أسيلا إلى اثنتيهما بضحكاتها التي مازالت على ثغرها:
_لحُسن حظي أني أعلمه جيدًا، سمعته قبل ذلك مرارً.
وضعت الأميرة لانا يديها في خصرها بحركة طفولية زادت من وسامتها، ناظرة إلى الملك، ثم تحدَّثت بصوتٍ مصحوب بالغضب المُزيَّف:
_هل هذا صحيح جلالة الملك؟!
نظر اوليفير إلى اللا شيء في الفضاء أمامه محاولًا الابتعاد بناظريه عن لانا، مُحاولًا البحث عن مخرج من المأزق الذي وضعته به الملكة أسيلا، حتى اهتدى إلى أمر، فتحدَّث بمكر:
_قادم يا إيزاك، أسمعك تُنادي، ها أنا قادم.
لم تستطع لانا أو أسيلا إخفاء ضحكاتهما على هذا التصرُّف أو الهروب الطفولي من الملك، فأرادت الملكة مُسايرته في الحديث:
_أجل، هذا هو الهروب الاضطراري، هل تسمعين إيزاك وهو ينادي كما أسمعه يا لانا؟
_أجل، أسمعه جيدًا.
تحدَّث الملك اوليفير وهو يغادر المكان ضاحكًا:
_حسنًا، ها أنا قادم إيزاك.
تحوَّل المكان بأكمله إلى صوت ضحكات وابتسامات تخرج من **يم القلب، بعد أن كان مليء بالتوتر والخوف والحزن منذ لحظات قليلة.
ضحكات وكأن قلوبهم كانت تبحث عنها في شتى بقاع الأرض؛ لتُهوِّن عليهم أمرهم، جميعهم أُصيبوا برعب ما هو قادم.
جميعهم على يقين أن الأيام القادمة ستكون أيام عصيبة على المملكة بأكملها.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وصل هندرسون إلى شاطئ المحيط الغربي، إلى ذاك المكان الذي يعلم جيدًا أنه سيجد به صديقه.
يُحاول ترتيب أفكاره في رأسه لمُحاولة إقناع آرون بالعودة إلى صفوف الجيش مُجددًا.
وصل إلى ذاك المكان الذي لا يَقِل سحرًا وجمالً عن قصور الملوك.
أمواج مياهه تتضارب بهدوء وكأنهم يعزفون قطعة موسيقية ترتاح لها الروح.
فبالرغم من مهارة آرون في الحروب وقوته التي لا يُستهان بها، إلا أنه يبقى بداخله شيء من اللين، إن غلبته أحزانه أتى إلى هُنا.
يُراقِب مظهر تلك الأمواج الهادئة، حبات الرمل المتواجدة في كل مكان، السماء الزرقاء الصافية، هذا المنظر الذي يُريح القلب ويُهدِّئ روع الروح.
نظر هندرسون من بعيد فوَجد آرون يجلس على رمال الشاطئ، يلعب بحبات الرمل كطفل صغير يرسم على رمال الشط أحلامه.
تقدَّم هندرسون حتى صار بجوار ذاك الصامت.
"شاب عمره في منتصف ال*قد الثاني، ذو قامة مناسبة جدًا وجسم رياضي متناسق، مفتول العضلات، عريض المِنكبين إلى حدٍ ما، جسد مُحارب قوي، ذو بشرة بيضاء، وجه وسيم يُزيِّنه شارب متناسق ولحية مهذبة متوسطة الحجم، عينان بنيتان، شعر طويل بني اللون، يمتلك شخصية قوية بطبيعة كونه محاربًا قويًا، فَطِن، وأيضًا سريع البديهة، عقلاني جدًا في تصرفاته، يدرس تحركاته جيدًا وكل خطوة قبل أن يخطوها، له أسلوب خاص في القتال، لا يستطيع تقليده أي شخص آخر".
شَعَر آرون بوجوده، فنظر إليه قليلًا ثم ابتعد بناظريه إلى حبات الرمل التي كان يُداعبها منذ لحظات، هو يَعلَم جيدًا سبب مجيئ هندرسون هذا على أي حال، على الرغم من أن آرون يكره هيكتور ويبغضه أشد البغض، إلا أنه يحب أخيه كثيرًا، هو صديقه المُقرَّب والمُفضَّل دون الجميع.
أما عن ذاك الإمبراطور المتعجرف فهو يكره ذكر حروف اسمه من الأساس.
**تٌ ران على المكان وقت ليس بالقصير، حتى قرَّر آرون أن يقطعه، فتحدَّث قائلًا:
_ماذا هناك يا هندرسون؟
بالتأكيد لم تأتي إلى هُنا لتجلس في **تك.
نظر له هندرسون بابتسامة هادئة، محاولة منه إلى تخفيف تلك الأجواء المشحونة، فتحدَّث:
_هاي يا رجل، اشتقت لك فأتيت لرؤيتك، ماذا في ذلك؟!
_اشتقت إليّ!!
ألم تشتاق إليّ سوى الآن؟!
_لا، أشتاق إليك في كل وقت.
_هيّا أخبرني سبب حضورك إلى هُنا، أم أُزيح عنك الحرج وأخبرك بنفسي سبب مجيئك؟
هندرسون بتنهيدة:
_أُدرك جيدًا مقصدك يا آرون، لكن أخبرتك أنك صديقي المُفضَّل والوحيد تقريبًا، ألا تعلم ذلك يا رجل!
_أعلم ذلك، وأنت أيضًا الأقرب إليّ يا هندرسون، ولكن هل أرسلك هيكتور؛ لأنضم لجيش المحاربين الزاحفين إلى (إسكاردا)؟
_تعلم جيدًا أني أكره وأبغض طريقة أخي في التعامل مع الجنود أو حتى معك، لكن ليس بيدي شيء صدقني، إنه أخي الأكبر.
نهض آرون من مكانه، اتجه إلى الأمام قليلًا حتى صارت أمواج المحيط تُلاعب قدميه، وضع يديه في خصره رافعًا رأسه إلى الأعلى، حتى صارت نسمات الهواء المنبعثة من قلب المحيط تُداعب خصلات شعره المتطايرة خلفه وحول وجهه، تحدَّث بلهجة غاضبة:
_هيكتور أخوك لا أخي أنا، أنا لست مُجبَرًا أبدًا على التعامل معه، ولست مجبرًا على تحمُّل جُل إهاناته المتكرِّرة.
_أعلم، أعلم ذلك جيدًا، كما أعلم أيضًا أنك تحمَّلت كل ما فعله بك من أجلي.
أتعلَم، أحيانً أحسدك على حريتك تلك، على عدم قدرة أحدهم في السيطرة عليك، على كونك لست طوع الأوامر، لكن ماذا عني؟!!
فلا حول لي ولا قوة يا رفيقي، أعلم جيدًا سبب عدم خوضك لحرب (باليتا) مع صفوف الجيش.
عَزْل هيكتور لك من منصبك كقائد للجيش، أعلم كونه قد استهان بقوتك وجعلك كالبقية، أعلم كيف استهزأ بك.
وعلى الرغم من كل تلك الأشياء، والأهم هو عِلْمي كيف تبُث القوة بقلوب الجنود، وكيف تُحارب ببسالة وشجاعة.
لكن القادم هو الصعب بعينه، وبدونك لن نستطيع فعل أي شيء، بدونك لن نتمكَّن من إسقاط تلك المملكة اللعينة.
نظر آرون إلى هندرسون بحسرة، وكأن الحزن يكاد ينفجر من عينيه:
_ربحتم الحرب بدوني يا هندرسون، هزمتم (باليتا) ولم أكن ضمن صفوف جيشكم، بإمكانكم ربح القادم أيضًا يا صديقي، وبدوني.
اسمع يا رفيقي، لن أُحارب مجددًا، لقد انتهى الأمر.
_لكن الحرب القادمة مختلفة يا آرون، لست بحاجة لتنتظر أن أُخبِرك شيئًا كهذا، صحيح؟
حرب (إسكاردا) تَحمِل بين طيَّاتها ما حلمت به طوال سنواتك الماضية، هناك ستُحقِّق المجد، ستكون الأعظم في التاريخ.
هيكتور أمر بالزحف إليها مع إشراقة الشمس.
_عن أي جيش تتحدَّث! وبأي قوة يُمكِنكم إسقاط تلك المملكة!
بجيشك الذي أنهكته الحروب؟
انتهي الأمر، لقد جُنَّ أخوك، جنون العظمة والغرور سيطر عليه تمامً، أي جيش هذا الذي سيحارب مملكة كـ(إسكاردا) ويَحتلَّها وهو مُنهَك القوى هكذا!
أظن أن أخاك يود القضاء على الجيش بقراراته هذه، يُلقي به إلى التهلُكة دون أي اهتمام.
_لهذا نحن بحاجتك يا آرون، لم آتيك لنربح حرب أيًا كانت، لكن أتيتك؛ كي تكون داعمًا للجنود حتى يعود كل جندي لأهله سالمًا.
لأنك الوحيد القادر على جعلهم أ**د حرب لا كلاب نهب.