. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
وصل هندرسون إلى شاطئ المحيط الغربي، إلى ذاك المكان الذي يعلم جيدًا أنه سيجد به صديقه.
يُحاول ترتيب أفكاره في رأسه لمُحاولة إقناع آرون بالعودة إلى صفوف الجيش مُجددًا.
وصل إلى ذاك المكان الذي لا يَقِل سحرًا وجمالً عن قصور الملوك.
أمواج مياهه تتضارب بهدوء وكأنهم يعزفون قطعة موسيقية ترتاح لها الروح.
فبالرغم من مهارة آرون في الحروب وقوته التي لا يُستهان بها، إلا أنه يبقى بداخله شيء من اللين، إن غلبته أحزانه أتى إلى هُنا.
يُراقِب مظهر تلك الأمواج الهادئة، حبات الرمل المتواجدة في كل مكان، السماء الزرقاء الصافية، هذا المنظر الذي يُريح القلب ويُهدِّئ روع الروح.
نظر هندرسون من بعيد فوَجد آرون يجلس على رمال الشاطئ، يلعب بحبات الرمل كطفل صغير يرسم على رمال الشط أحلامه.
تقدَّم هندرسون حتى صار بجوار ذاك الصامت.
"شاب عمره في منتصف ال*قد الثاني، ذو قامة مناسبة جدًا وجسم رياضي متناسق، مفتول العضلات، عريض المِنكبين إلى حدٍ ما، جسد مُحارب قوي، ذو بشرة بيضاء، وجه وسيم يُزيِّنه شارب متناسق ولحية مهذبة متوسطة الحجم، عينان بنيتان، شعر طويل بني اللون، يمتلك شخصية قوية بطبيعة كونه محاربًا قويًا، فَطِن، وأيضًا سريع البديهة، عقلاني جدًا في تصرفاته، يدرس تحركاته جيدًا وكل خطوة قبل أن يخطوها، له أسلوب خاص في القتال، لا يستطيع تقليده أي شخص آخر".
شَعَر آرون بوجوده، فنظر إليه قليلًا ثم ابتعد بناظريه إلى حبات الرمل التي كان يُداعبها منذ لحظات، هو يَعلَم جيدًا سبب مجيئ هندرسون هذا على أي حال، على الرغم من أن آرون يكره هيكتور ويبغضه أشد البغض، إلا أنه يحب أخيه كثيرًا، هو صديقه المُقرَّب والمُفضَّل دون الجميع.
أما عن ذاك الإمبراطور المتعجرف فهو يكره ذكر حروف اسمه من الأساس.
**تٌ ران على المكان وقت ليس بالقصير، حتى قرَّر آرون أن يقطعه، فتحدَّث قائلًا:
_ماذا هناك يا هندرسون؟
بالتأكيد لم تأتي إلى هُنا لتجلس في **تك.
نظر له هندرسون بابتسامة هادئة، محاولة منه إلى تخفيف تلك الأجواء المشحونة، فتحدَّث:
_هاي يا رجل، اشتقت لك فأتيت لرؤيتك، ماذا في ذلك؟!
_اشتقت إليّ!!
ألم تشتاق إليّ سوى الآن؟!
_لا، أشتاق إليك في كل وقت.
_هيّا أخبرني سبب حضورك إلى هُنا، أم أُزيح عنك الحرج وأخبرك بنفسي سبب مجيئك؟
هندرسون بتنهيدة:
_أُدرك جيدًا مقصدك يا آرون، لكن أخبرتك أنك صديقي المُفضَّل والوحيد تقريبًا، ألا تعلم ذلك يا رجل!
_أعلم ذلك، وأنت أيضًا الأقرب إليّ يا هندرسون، ولكن هل أرسلك هيكتور؛ لأنضم لجيش المحاربين الزاحفين إلى (إسكاردا)؟
_تعلم جيدًا أني أكره وأبغض طريقة أخي في التعامل مع الجنود أو حتى معك، لكن ليس بيدي شيء صدقني، إنه أخي الأكبر.
نهض آرون من مكانه، اتجه إلى الأمام قليلًا حتى صارت أمواج المحيط تُلاعب قدميه، وضع يديه في خصره رافعًا رأسه إلى الأعلى، حتى صارت نسمات الهواء المنبعثة من قلب المحيط تُداعب خصلات شعره المتطايرة خلفه وحول وجهه، تحدَّث بلهجة غاضبة:
_هيكتور أخوك لا أخي أنا، أنا لست مُجبَرًا أبدًا على التعامل معه، ولست مجبرًا على تحمُّل جُل إهاناته المتكرِّرة.
_أعلم، أعلم ذلك جيدًا، كما أعلم أيضًا أنك تحمَّلت كل ما فعله بك من أجلي.
أتعلَم، أحيانً أحسدك على حريتك تلك، على عدم قدرة أحدهم في السيطرة عليك، على كونك لست طوع الأوامر، لكن ماذا عني؟!!
فلا حول لي ولا قوة يا رفيقي، أعلم جيدًا سبب عدم خوضك لحرب (باليتا) مع صفوف الجيش.
عَزْل هيكتور لك من منصبك كقائد للجيش، أعلم كونه قد استهان بقوتك وجعلك كالبقية، أعلم كيف استهزأ بك.
وعلى الرغم من كل تلك الأشياء، والأهم هو عِلْمي كيف تبُث القوة بقلوب الجنود، وكيف تُحارب ببسالة وشجاعة.
لكن القادم هو الصعب بعينه، وبدونك لن نستطيع فعل أي شيء، بدونك لن نتمكَّن من إسقاط تلك المملكة اللعينة.
نظر آرون إلى هندرسون بحسرة، وكأن الحزن يكاد ينفجر من عينيه:
_ربحتم الحرب بدوني يا هندرسون، هزمتم (باليتا) ولم أكن ضمن صفوف جيشكم، بإمكانكم ربح القادم أيضًا يا صديقي، وبدوني.
اسمع يا رفيقي، لن أُحارب مجددًا، لقد انتهى الأمر.
_لكن الحرب القادمة مختلفة يا آرون، لست بحاجة لتنتظر أن أُخبِرك شيئًا كهذا، صحيح؟
حرب (إسكاردا) تَحمِل بين طيَّاتها ما حلمت به طوال سنواتك الماضية، هناك ستُحقِّق المجد، ستكون الأعظم في التاريخ.
هيكتور أمر بالزحف إليها مع إشراقة الشمس.
_عن أي جيش تتحدَّث! وبأي قوة يُمكِنكم إسقاط تلك المملكة!
بجيشك الذي أنهكته الحروب؟
انتهي الأمر، لقد جُنَّ أخوك، جنون العظمة والغرور سيطر عليه تمامً، أي جيش هذا الذي سيحارب مملكة كـ(إسكاردا) ويَحتلَّها وهو مُنهَك القوى هكذا!
أظن أن أخاك يود القضاء على الجيش بقراراته هذه، يُلقي به إلى التهلُكة دون أي اهتمام.
_لهذا نحن بحاجتك يا آرون، لم آتيك لنربح حرب أيًا كانت، لكن أتيتك؛ كي تكون داعمًا للجنود حتى يعود كل جندي لأهله سالمًا.
لأنك الوحيد القادر على جعلهم أ**د حرب لا كلاب نهب.
_وما العائد لي أنا من كل هذا؟
ما الذي سيعود لي من سقوط (إسكاردا)! لا شيء يا هندرسون، لا شيء.
ابتسم هندرسون بمكر، شعر لوهلة أن عقل صديقه بدأ يلين إلى حدٍ ما، تنهَّد ثم تحدَّث:
_بالتأكيد سيعود عليك بالكثير، أنت تحيا؛ بحثًا عن المجد، تحيا ليبقى اسمك خالدًا فيما بعد، الجميع يتذكَّرك، وهذه لن تكون مجرد حرب، إنها المجد بعينه، إنها الخلود بعد الفناء، ستكون تلك الحرب ضمن سطور التاريخ يا رفيقي.
سيُسطر أبطالها في كُتُب من ذهب، سيُكتَب بين سطورها اسم آرون الذي استطاع بقوته وقوة جنوده إسقاط (إسكاردا).
سيُذكر في التاريخ كونك أسقَط اوليفير، ذاك الملك الذي لا يُشق له غبار، أعظم ملوك (إسكاردا)، ذاك الذي سيُصبح أنه لم يستطع أن يقف بوجهه إلا آرون.
سيعود لك الكثير يا صديقي، فكِّر قليلًا بالأمر، اجعل خلافاتك مع هيكتور جانبًا، اسعى فقط لتحقيق هدفك، تناسى وجود هيكتور تمامً.
فكِّر فقط في كيفية الفوز بتلك الحرب.
تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيه قبل أن يُتابع:
_سأغادر الآن يا صديقي، أنتظر منك ما أثق أنك ستفعله، سأنتظرك يا قائد آرون، واثق جيدًا في أنك لن تتركني وحيدًا في تلك الحرب، فقبل احتياج هيكتور وجيش (ليموريا) لك، صديقك في أَمَسِّ الحاجة إلى وجودك بجانبه، أثق في أنك لن تخذلني.
سنُغادر مع إشراقة شمس الغد، في انتظارك.
أنهى هندرسون كلماته ثم تحرَّك مُغادرًا المكان، حاول أن يُقنع آرون بالعودة وخوض الحرب، فلم يجد ل*قله طريقًا إلا حبال العاطفة.
هي حرب لن تكون **ابقتها على الإطلاق، حربُ للنصر فيها لا بُد من التنحي عن خلافات أو أمور جانبية والتمسُّك فقط بترابط جُل صفوف الجيش.
أما عن آرون، ذاك الذي غرق في دوامة أفكاره التي وضعه فيها صديقه وغادر.
تحرَّك بخطوات مُتثاقلة على رمال الشط، وكأن قدميه مُكبلتين بالأغلال لا عقله.
لا يُمكِنه أن يُنكر بحثه المُستمر عن المجد، يُحارب من أجله، يبحث عن أي طريق أو وسيلة تجعل اسمه يُسطَر في صفحات التاريخ.
طريقُ يسلكه فيكون المُختلف الأوحد عن الجميع، ليس كتلك الجنود أو القادة الذين يُحاربون ويموتون دون هدف أو حلم، فينساهم الجميع مِن كثرتهم.
سبيلُ يتذكَّره به الجميع بعد موته، يُخلد في ال*قول الحاضرة ويعلمه الأجيال القادمة.
توقف موضعه للحظات، فخرجت منه صرخة مُحارب أصابه التعب، صرخة تلين لها الأجساد القاسية قلوبهم.
قلة حيلة وعقلُ أُصيب بالشلل، يتحدَّث لنفسه، (إسكاردا)، تلك التي ستكون هي معركة التاريخ، عظمة (ليموريا) وعظمتها.
تلك المملكة التي لم يستطع أن يُسقطها أي جيش أو إمبراطور قبل ذلك.
مملكةُ وكأن الشياطين والجن تحميها، يتحوَّل جنودها إلى وحوش ضارية في وجه مَنْ يُقرِّر مساسها.
إلا أنه عاد من شروده إلى واقعه على تلك اليد التي وُضِعت على كتفه بحنان، وذاك الصوت الهادئ الذي ظهر عليه الهَرم:
_فيما تشرد يا بُني؟
استدار إليها، واضعًا قُبلة حانية بين كفيها:
_لا شيء يا أمي، لِمَ أنتِ هُنا ومنذ متى؟
_هُنا منذ وقت طويل يا عزيزي، منذ مُغادرة هندرسون تقريبًا.
لكن لا تهتم لأمري وأخبرني ما بك، هل أتى ليُقنعك بخوض الحرب معهم؟
_أجل أمي، يُريدني قائدًا للجيش في تلك الحرب.
_وبِمَ أجبته يا بُني!
_رفضت الأمر، لن أُحارب مع هيكتور مجددًا، انتهى الأمر بالنسبة لي، لن أكون بصفوف جيش و*د مثله بعد كل ما فعله معي.
_وكيف تقبَّل هندرسون رفضك؟
_تركني أفكر لا أكثر، لكن بشيء غريب لامست كلماته ذاك الجزء الكامن في قلبي.
_حسنًا يا عزيزي، اسمعني جيدًا، أنت لا تُحارب لأجل هيكتور على أي حال، أنت تُحارب لأجل نفسك، لأجل حماية جنودك، تُحارب لأجل التاريخ، لأجل شعبك.
أنت لا تُحارب لأجل مُسمى شخص يا بُني، تُحارب لأجلي ولكل فرد بالإمبراطورية.
رفعة لشأننا ومقامنا بين الجميع، يومًا كنا نُعاني الأمرَّيْن من كل محتلٍ لأرضنا حتى صِرنا نحن الأقوى، لا تُحارب لكون شخص بل شعب.
هل تفهمني آرون؟!
نظر لها بعينين شاردتين مُتحدِّثًا:
_لا أدري يا أمي، صدقيني أنا لا أدري، لكن هيكتور لا يستحق، لا يستحق أي شيء على الإطلاق، أود رؤيته مهزومًا من قِبل جيش (إسكاردا) الأقل عددًا وعتادً.
لو بإمكاني فعل شيء لرؤيته ذليلًا، ما تردَّدت للحظة، هو أبغض القلوب إليّ.
_لكنه لا يُريد الهزيمة يا آرون، وهذا فارق التفكير بينه وبينك.
يعلم جيدًا كيف يستخدم الظروف والأشخاص لخدمته.
يعلم ويعترف أنه لن يفوز بدونك ولهذا أرسل لك هندرسون.
اسمعني جيدًا آرون، عليك أن تُفكر بنفسك، فَكِّر بالتاريخ وباسمك، هو لا شيء، وبفوزك في هذه الحرب ستكون أنت تاريخ (ليموريا) القادم، اذهب معهم يا آرون ولا تتردَّد.
الأمر يصعب كثيرًا عليّ كأُم تطلب من ابنها خوض حربًا.
أعلم جيدًا أنك إن ذهبت إلى تلك الحرب من الممكن ألا أراك مجددًا، حالي كحال أي أُم في جيش (ليموريا).
تخاف أن تفقد ابنها، وكأي زوجة أيضًا تودِّع زوجها وقلبها يحترق ألمًا لأنها قد لا تراه مجددًا.
أمر ذهابك إلى تلك الحرب ليس بالأمر الهيِّن أبدًا على قلبي صدقني، لكنني أثق بك يا عزيزي، اذهب، سوف تنتصر وتعود سالمًا، تلك الحرب خُلِقت لأجلك أنت، لكي تكون أنت فارسها الأعظم.
أمسك آرون يد والدته وقبَّلها بحنان، ناظرًا إلى عينيها بحنو طفل لقى في عيني والدته حنان العالم:
_دعي الأمر للوقت يا أمي، لنرى ماذا سيحدث حتى الغد، بين كل طرفة عين والأخرى تتبدَّل الأحوال من حالٍ إلى حال.
لا أُخفي عنكِ أن قلبي يشتاق أن يكون أول الفرسان في تلك الحرب، لكن ذاك اللعين هو السبب في كل ما يَحدُث لي.
على أي حال لنترك الأمر للوقت.
اتركِ أمر تلك الحرب جانبًا الآن وأخبريني أين ستيفن؟ لم أره مُنذ الصباح!
_إنه يتدرَّب، يتدرَّب لثقته العمياء بأخيه، يدري أنك ستُشارك في حرب (إسكاردا) ويود أن يكون معك؛ لتكونا بمأمن معًا، يد واحدة.
_لا يزال الوقت مبكرًا جدًا لينضم ستيفن لصفوف المحاربين يا أمي.
_لكنه مُتشبث بك كثيرًا عزيزي، يود أن يكون محاربًا عظيمًا كأخيه، يراك قُدوَته في كل شيء يفعله، يطمح أن يكون مثلك يومًا ما.
_يومًا ما سيكون أعظم مني يا أمي، يومًا ما سيحكم (ليموريا)، لا أرى حاكمًا لها في المستقبل سواه، أتخيَّل حين يكون هو الإمبراطور!
على يقين أن العدل والخير سيكونان دربه الأول في الحُكم.
_إنه بخير وفي أمان بوجودك بُني، أنت درعه وسيفه أمام أي شخص أراد به سوءًا.
تحدَّث وهو يُغادر المكان:
_لكن الحقيقة أنه هو درعي وسيفي، لو طُلِب مني إفناء عمري جُله فداءً له، لن أتأخر للحظة واحدة يا أمي، عودي إلى المنزل، سأذهب لرؤيته.
_حسنًا، ولكن فكِّر بالأمر بُني، عليك أن تنسى وجود هيكتور.
فكِّر فقط بنفسك وبجيش (ليموريا) الذين يحتاجونك وبشدة، افعل كما يفعل هو.
هو لا يفكر إلا بنفسه و بمُلكه؛ ليُحكى عنه طويلًا، افعل أنت كما يفعل، اصنع المجد لنفسك، لا تجعله ينتصر عليك يا عزيزي.
لا تستسلم بهذه الطريقة وتنسحب من المعركة، فالانسحاب والاستسلام من صفات الضعفاء والجبناء فقط، أما الأبطال هم مَنْ يصنعون مِن سقوطِهم الأول درعًا قويًا صامدًا أمام العدو ليكون النصر لهم في النهاية، الأبطال لا يعرفون طريق اليأس أو الاستسلام يا عزيزي، الأبطال لا يعرفون إلا طريق الانتصار والمجد، فكِّر جليًا في الأمر، لا بُد أن تذهب لحرب (إسكاردا)، لا بُد مِن ذلك آرون.
توقَّف آرون موضعه بعد أن كان مُغادرًا، وكأن كلمات والدته لامست تلك المشاعر التي لامستها من قبل كلمات هندرسون.
ذاك الجزء الكامن في قلبه الذي يود خوض الحرب، لكن كبرياءه يقف حائلًا بينه وبين تلك الحرب، لا ينسى كيف تم عزله من الجيش بعد أن كان هو قائده الأعظم، لا يستطيع تجاهل كيف تم الاستغناء عنه كخيل حرب أصابها العجز، فذُبحت دون ذكرى لحروب طوال خاضتها دون تردُّد.
لكن في الأخير عاد أدراجه، وقف موازيًا لوالدته، واضعًا على رأسها قُبلة هادئة وأخرى على كفيها، ثم تحدَّث:
_أخبرتكِ أن نترك كل شيء للوقت يا أمي، هيّا عودي للمنزل، سأذهب لرؤية ستيفن ومن ثم سأعود.
_حسنًا بُني، لك ما أردت.
غادر آرون مُتجهًا حيث يتواجد ستيفن، تاركًا خلفه والدته في طريق عودتها إلى المنزل الذي لا يبعُد كثيرًا عن هُنا، وأيضًا ساحة التدريب تلك التي لا تبتعد عن هُنا إلا أمتار قليلة.
دقائق معدودة كلَّفته بالوصول إلى مُبتغاه، ناظرًا من بعيد ليرى أخاه يتدرب بالسيف يمينًا ويسارً في هذا الميدان الواسع.
بشكل تلقائي يحاول أن يُقلِّد حركاته في المراوغة والجري وتسديد الض*بات، تلك المهارة التي يمتلكها آرون دون غيره في الجيش.
ابتسامة دون إرادة زيَّنت ثغره، يعلم جيدًا مقدار الحب الذي يكِنُّه ستيفن له، حتى أنه من فرطه صار يُقلِّده في كل شيء، حركات سيفه ومراوغاته، نظراته وطريقة حديثه.
واقفًا ب**ت تام خيَّم على جسده بأكمله إلا عقله الذي لا يتوقف عن التفكير.
بداخله يتمنى أن يبتعد ستيفن عن الحروب والمعارك من الأساس.
مازال يتذكَّر تلك الحرب التي قُتِل فيها والده وخسره للأبد.
يخاف أن يخسر أخاه هو الآخر بسبب تلك الحروب اللعينة.
المُقاتل الأعظم، ذاك الذي خُلِق للحرب وسفك الدماء، أصبحت المعارك أبغض الأشياء إلى قلبه، يخشى خسارة أخيه كما خسر والده من قبل، يُحاول بكل السُبل منعه من خوض أية حروب؛ خوفًا من إصابته بمكروه، فيُصاب قلبه قبل أخيه.
لكن رغبة ستيفن الكبيرة في أن يكون محاربًا عظيمًا تحول بينه وبين ما يتمنى.
ذاك الأمر الذي جعله يتمنى أن يرى أخاه من أعظم محاربي (ليموريا)، كتحقيقًا لرغبة يسعى إليها.
يطمح في أن يراه الإمبراطور الأعظم، حتى أفضل منه هو شخصيًا.
"ستيفن، ذاك الشاب الصغير، صاحب الاثنين وعشرين ربيعًا، يُشبِه أخاه آرون كثيرًا في الجسد، إلا أنه أنحف وأقل طولًا منه؛ بسبب فارق العمر بينهما، فارق لا يكاد يلاحظ على أي حال.
لكن الفارق الواضح بينهما يَكمُن في ملامح الوجه، حيث أن ستيفن يمتلك وجه أبيض أملس، بعينين زرقاوين ساحرتين، وشعر طويل أصفر اللون يكاد يصل إلى نهاية عنقه، مولع بالتدريب والحياة العسكرية، يُحب جدًا الحروب وخوض النزالات، يتمنى أن يكون يومًا ما كأخيه".
أحاديث الجميع عن قوة وشجاعة وبسالة آرون في الحروب باتت تمثل أكبر حافزًا ليُصبح مثله.
الجميع يتحدثون عن المحارب العظيم ذاك الذي لا يَهاب شيئًا، لا يَهاب أي ملك، لا يَهاب أي عدو، حتى أنه لا يَهاب الموت نفسه.
يتدرَّب بلا توقف، يُراقب جُل تصرفات أخيه، الكبيرة منها أو الصغيرة، يشعر أن حرب (إسكاردا) هي الطريقة الأعظم للوصول إلى هدفه، حربُ سيتحدَّث عنها الكبير والصغير، الحالي ومَنْ سيأتي بعد ذلك.
أنهى آرون شروده أخيرًا رغم ابتسامته تلك التي مازالت تُزيِّن وجهه، اقترب أكثر من ستيفن، فتحدَّث:
_أظن أنك بعد وقتٍ وجيز جدًا ستصبح مُتمكِّنًا تمامً لجميع حركاتي ومهاراتي القتالية.
توقف ستيفن حين سمع ذاك الصوت الذي أتى من خلفه، صوت يعلم صاحبه حق العِلم، استدار سريعًا لتسقط مُقلتاه على أخيه.
أسقط سيفه مُهرولًا إليه، تشبَّث بعنقه كطفل في الثامنة من عمره عاد والده بعد غياب طال، عينان أعربا عن تلك الفرحة التي سكنت قلبه في رؤيا لأخيه:
_آرون! اشتقت لك أخي، بحثت عنك في الصباح فلم أجدك.
_وأنا كذلك يا بطل اشتقت إليك، أردت الانعزال بنفسي قليلًا، هل بإمكاني مشاركة تلميذي المجتهد التدريب!
ابتعد ستيفن خطوات بسيطة، ناظرًا إلى أخيه بفرحة اجتاحت كيانه، بقلب اشتاق إلى مشاركة أخيه التدريبات.
دائمًا ما كان هدفه الأسمى هو مشاركته للتَعلُّم منه المزيد والمزيد:
_أأنت جاد!
مَرَّ وقت طويل لم تُشاركني فيه تدريباتي سيادة القائد.
_أعلم، لكن هل تسمح لي!
_بكل تأكيد سيدي.
أخرج آرون سيفه من غ*ده، فاتجه ستيفن إلى سيفه الذي أسقطه على الأرض منذ دقائق مُلتقطًا إياه، مُتخذًا وضع الاستعداد للنزال.
مناورات بالسيف يُمنى ويُسرى أخذت فترة ليست بالطويلة، أتبعها مواجهة زادت حِدتها بينهما، اشتدت الفترة التدريبية.
ستيفن يهاجم بقوة وشراسة وكأنه في حرب حقيقية لا في مباراة تدريبية، يُريد الفوز على آرون في هذا النزال، دائمًا ما يخسر أي نزال بينه وبين أخيه ولكن هذه المرة يعزم على تحقيق الفوز ولا شيء آخر سواه.
يشن هجومًا متواصلًا بض*بات قوية لا تتوقف.
أما عن آرون فقد أخذ وضع الدفاع، لا يفعل شيئًا سوى أنه يدافع عن نفسه بسيفه، حركات دفاعية وتفادي لض*بات ستيفن، ذاك الأمر الذي بثَّ الفرحة والأمل في قلب الفتى الصغير؛ حيث شعر أنه المُسيطِر على المباراة وأنه صار قريبًا جدًا جدًا من الفوز.
ابتسامة عَلُت وجهه، فوز طال انتظاره سنوات يقترب، لكن في غفلة باغته آرون بحركة سريعة على حين غرة منه، ضاربًا على سيف ستيفن، لشدة الض*بة سقط السيف من قبضته.
ابتسم آرون هذه المرة واضعًا سيفه على عنق أخيه مُتحدِّثًا:
_خسرت مجددًا يا عزيزي.
أن** ستيفن رأسه بحزن طغى جليًا على ملامحه، ناظرًا بطرف عينه إلى سيفه الساقط إلى قدميه، ونظرة أخرى إلى نصل ذاك الموجود إلى عُنقه، تنهَّد مُتحدثًا بغضب وهو يبتعد عن أخيه:
_كيف هذا؟! كنت الأفضل طوال المباراة، لِمَ أخسر في كل مرة!
_لا تزال بحاجة للتدريب يا رجل، لا تزال بحاجة لجهد أكبر وتدريبات مضاعفة، اجتهد أكثر يا عزيزي، يومًا ما ستصبح من أقوى المحاربين، أعدك بذلك.
_ حُلمي يومًا أن يُصبح لي درع وخوذة كهذين اللذين تمتلكهما أخي.
حقًا أنها مُميزة عن الجميع، كانت لأبي وبعده أصبحت مٍلكك، الجميع يعرفك من بين الآلاف بسببها.
على أي حال، سمعت من هندرسون أن الجيش سيتحرك في الصباح لـ(إسكاردا)، وأخبرني أيضًا أنك رافض الذهاب، أهذا صحيح!
ترك آرون سيفه من يده على الأرض، فتحرَّك هو الآخر حتى وقف بجانب أخيه ينظر كل منهما إلى اللا شئ أمامهما، عقد يديه أمام ص*ره مُتحدِّثًا بشرود:
_يوم ما ستكون لك ستيفن.
كما سمعت أنا أيضًا أنك عازم على خوض الحرب بين صفوف جيش (هيكتور).
_لا .. اممم .. أجل .. اا .. حسنًا، في حقيقة الأمر فعلًا أود الذهاب إلى الحرب، ولكن، ولكن تصحيح بسيط، أود الذهاب مع جيش (ليموريا) وليس(هيكتور).
الجيش ليس جيش هيكتور، والحرب ليست لذاته، أود خوضها لذاتي أنا، لا لشيء آخر.
إنها، إنها الحرب الأعظم في التاريخ، أود أن يُكتب اسمي في التاريخ ضمن أبطال حرب (إسكاردا).
_خسرت نزال منذ لحظات، هو فترة تدريبية فقط، أما في الحرب غفوة كالذي فعلتها الآن كفيلة بفصل رأسك عن جسدك، لا عليك خوض الحرب، مازلت في حاجة إلى تدريبات مُكثَّفة حتى تُصبح مُحاربًا قويًا.
_جزء من حديثك صحيح والآخر جانبك الصواب به، أجل خسرت تدريبي لأني أبارز آرون، الأعظم والأقوى بعصرنا هذا، لكني واثق بأني قادر على هزيمة أي محارب آخر أيًا كانت قوته.
أرى أطفالً أقل مني عمرًا يخوضون الحروب دون خوف، أنت نفسك خُضت معارك بعمر أقل من عمري هذا.
_الفارس لا يُقَيَّم بعمره يا عزيزي، بل بقوته وتحمُّله، لكن على أي حال لن يُجدي حديثي نفعًا مهما أخبرتك.
هكذا أنت، إن أردت فعل شيء لا يمكنك تغيير قناعاتك.
لكن أتعلم إن ذهبت أنا إلى تلك الحرب ماذا سيكون الدافع؟؟
_ماذا!
_سيكون السبب الأوحد لذهابي هو أنت، لأكون قريبًا منك، لأحميك، لن أحتمل أن يُصيبك أي مكروه يا أخي.
اعتدل ستيفن في وقفته، مُحوِّلًا نظراته إلى أخيه، عاقدًا حاجبيه بابتسامة ماكرة:
_حقًا لأجلي !
يبدو أنك تتناسى مع مَنْ تتحدَّث، إن أردت المشاركة، سيكون لأنها أعظم حرب في التاريخ يا عزيزي وليس لأجلي.
_رُبما، ربما هو أحد الأسباب، لكن السبب الأكبر هو أنت، أعلم أني مهما حاولت إقناعك بعدم الذهاب فلن تستجيب، لكني على أي حال لم أقرِّر بعد ذهابي إلى هناك من عدمه.
لكن الأشد إيذاءً لقلبي حقًا هو شعوري تجاهك، لا أعلم متى سيكُف قلبي عن القلق بشأنك، وكأنك جزء من جسدي خارجه.
بابتسامة تَحمِل في طيَّاتها السعادة والفخر تحدَّث ستيفن:
_أنت الأعظم يا آرون، أنت المحارب الأقوى في التاريخ، لا بُد أن تأتي، لا بُد أن يرتبط اسمك بهذه الحرب، أما خوفك تجاهي فلن ينتهي أبدًا، ولعلمك أن هذا الأمر يُسعدني كثيرًا.
**ت آرون للحظات، ثم تحدَّث وهو يغادر المكان:
_أعلم أنه لن ينتهي، لا تتفاخر بذلك، لنرى ما يُمكِن أن يَحدُث، تابع تدريباتك جيدًا