"والأشدُ إيذاءً للنفس حقًا هو خُذلانها لنفسها".
(٤)
بزُغت الشمس من مشرقها، أشعة مالت للون ذهبي هادئ على أرض تهتز قلوب من عليها؛ قَلَقًا لِمَ هو قادم.
نورُ بدأ يصدى في الأرجاء، صاحبته استعدادات قوات هيكتور؛ للمغادرة تجاه مملكة (إسكاردا).
جنود نال منهم التعب ما ناله من كثرة ترحالهم خلف إمبراطورهم الذي لا يشبع أبدًا من غزو البُلدان.
لا يهتم بحالة الجنود سوى أن يُرضي جشعة فقط لا غير.
حالة من الإرهاق كانت واضحة جليًا على وجه الجنود وعلى حركاتهم التي باتت ثقيلة عمَّا قبل.
جيشُ يتراص في صفوف وأعمدة متوازية، كُل منهم يَعلَم مكانه فيلزمه دون الحِراك يمينًا أو يسارً.
هيكتور يتفَقَّد قوات جيشه بصُحبة أخيه، بالمعنى الأدق هو لا يبحث عمّا إن كانت قواته بخير أم لا، فقط هو يُريد معرفة ما إن كان قد حضر آرون من عدمه.
رغم أنه يبغضه ويكره وجوده من الأساس، إلا أن احتلاله وسيطرته على (إسكاردا) هو
هَمُّه الأكبر وسبيله الأعظم، فلا ضرر عنده من في أن يتنازل عن شيء من كبريائه؛ للحصول على (إسكاردا) في المقابل.
يَعلَم جيدًا أن آرون هو الوحيد القادر على إسقاط تلك المملكة الع**دة ومَلِكها الذي لا يَقِل بطشًا عنها.
انتهى مِن تفقُّد الجنود، وجه كالح يستشيط غضبًا؛ لعدم وجود آرون ولا أي من جنوده حتى الآن.
تحرَّك بناظريه إلى أخيه مُتحدِّثًا:
_أين هو؟ لِمَ لم يأتي إلى الآن؟
تسرَّق هندرسون النظر إلى الطريق خلفه، لعله يرى قدوم صديقه، إلا أنه عاد بعينين خاليتي الوِفاض، تنهَّد بتوتر وضح جليًا عليه:
_سيأتي، أثق أنه سيأتي قريبًا، ربما هناك خطب ما، لكنه سيأتي.
هيكتور ومازالت ملامح الغضب تُسيطِر على وجهه:
_ومَنْ يكون هو لأنتظره؟! مَنْ يكون لأحسب له حسابً؟!
إن حضر أو لم يحضر فلن يشكل هذا فارقًا عندي، لن ننتظر أكثر، سنذهب من دونه وسنُحارب بدونه، وسنفوز أيضًا بدونه، جيش من آلاف الجنود لن يعتمد على فرد مع بعض كلابه، مُر الجنود بالتحرُّك حالً إلى (إسكاردا).
_انتظر قليلًا فقط، أنا أثق في آرون، سيأتي قريبًا.
_لن ننتظر، نفِّذ الأمر فورًا يا هندرسون.
استسلم هندرسون إلى قرار أخيه بحُزن يكاد يفتك بقلبه:
_حسنًا، أوامرك فخامة الإمبراطور.
فور أن أنهى حديثه، انحنى تحية الإمبراطور مُغادرًا من أمامه.
اتجه إلى صفوف جنوده يأمرهم بالاستعداد للذهاب نحو (إسكاردا).
فكانت لحظات بسيطة كفيلة باتخاذ جنوده وضع الاستعداد للتحرُّك.
عاد بمُقلتيه مُجددًا إلى الطريق خلفه، يأمل أن يأتي صديقه في أي لحظة هو وجنوده، يتمنَّى أن يأتي ليُخرِجه مِن ذاك المأزق الذي وُضِع فيه.
لكن في كل مرة تعود مُقلتاه دون رؤياه أحد، يخيب أمله في حضوره.
تنهَّد بحزن ثم اتجه إلى هيكتور يُخبِره بأن الجيش أصبح على أهُبة الاستعداد، يطلب منه إشارة التحرُّك.
هيكتور بتنهيدة أتت من **يم قلبه، قلبُ تيَقَّن بعدم حضور أقوى فرسانه، شكٌ تسلَّل إليه فيما إن سيستطيع إسقاط تلك المملكة العاتية أم لا.
شك تسلَّل إلى هذا الحلم الذي ظلَّ يحلُم به لسنوات طوال.
بعدما كان يحلم ويتخيَّل أنه قد ارتدى تاج مُلك (إسكاردا) وصار حاكمًا لها، أتتبخر كل تلك الأحلام بتلك السهولة!
أتتحوَّل بعد أن كانت مجالً للفرح والفخر إلى قلق رهيب وتوتر لعدم وجود جُندي واحد بين صفوف جيشه!
نظر إلى أخيه مُتحدِّثًا:
_ألم يأتي بَعدْ!
أجاب هندرسون بخيبة أمل:
_لا، ليس بعد.
_مُر الجنود بالتحرُّك.
_حسنًا فخامة الإمبراطور، لك ما أردت.
تحرَّك هندرسون آمرًا جنوده بالتحرُّك صوب بغيتهم.
جيشُ بدأ في الزحف نحو العظيمة (إسكاردا) دون أقوى مُحاربيه.
جيشُ أصاب عزيمة جنوده اليأس والإحباط، عزيمة تحطَّمت بالكامل وسقطت من أعلى جبل لتُهشَّم، بعد أن كانت قد وصلت عنان السماء بعد عِلْمهم بأن آرون سيأتي للحرب معهم.
خوفُ بدأ يتسرَّب إلى قلوبهم من المعركة، لعنة الخوف، تلك ا****ة التي ما إن أصابت محاربًا أو جنديًا قضت عليه، ذاك الشعور الأبغض لدى أي جندي.
فلا بُد من أن يتحلَّى الجندي بالثبات والشجاعة؛ ليصل إلى نصره المُنتظَر.
جيش بدا القلق يتخلَّله، كثُعبان سام بثَّ سُمه في جسد ضحيته، فأصابها بشلل مؤقت ثم موت تام.
عينان هندرسون اللتان تعودان؛ ليتسرقا الطريق من خلفهم خلسةً، لعله يلمح آرون أو أحدَ من جنوده أو أي أثر كان، أي شيء يُعيد إليه الأمل.
لكن لا فائدة، فآرون لم يأتي، ولم يأتي أيٌ من جنوده، حتى ستيفن ذلك الذي كان مولع بهذه الحرب وينتظرها على أحرِّ من الجمر، لم يأتي هو الآخر.
يعود بناظريه مجددًا خائبًا الأمل إلى الطريق أمامه.
هو يشعر أن هناك خطبًا ما، لا يَعلَم ما هو ولكن يشعر أن هناك شيئًا يُدَبَّر دون عِلْمِه.
أما عن ذاك المغرور الذي يقود الجيش، مُستقلًا حصانه الأ**د المماثل لسواد قلبه تمامً، وسرجه الذي صُنع من الذهب والفضة، كيف لا وهو يرى أنه أعظم أباطرة العالم.
هو الآخر من حين إلى آخر يجول بناظريه إلى الطريق خلفهم، ولكن بحذر حتى لا يراه هندرسون.
ينظر إلى الخلف؛ بحثًا عن بغية قلبه، يرى ما إذا كان قد أتى آرون أم لا.
لكن هو الآخر في كل مرة يخيب فأله حينما يرى الطريق فارغًا فيعود مجددًا بناظريه إلى الطريق أمامه.
بداخله يَسُب ويلعن آرون، يَعِده فور العودة والحصول على (إسكاردا) بأنه سيفصل رأسه عن عنقه.
هو وذاك الملك المتعجرف بيكير ملك (باليتا).
يتوعَّدهم بإقامة مُحاكمة عسكرية أمام الجميع في باحة (ليموريا)، يفصل رؤوسهم عن أجسادهم؛ حتى يكونا عبرةً لمَنْ لا يعتبر، عبرةً لأي شخص يُخالف أوامر الإمبراطور أيًا كانت مكانته أو قوته.
فمَنْ ذاك الأعظم قوة من آرون الذي سيُعدَم أمامهم في باحة الإمبراطورية!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أعلن الحاجب عن وصول الكومندار شيلدون والأمير إيزاك خارج القاعة.
أشار له الملك اوليفير بإدخالهم فورًا، فتحرَّك ليقف من كرسيه؛ احترامً لمُعلمه وأخيه الأصغر.
عيناه اللتان رأتا الحزن والقلق اللذين يختلطا بملامح وجهيهما، وكأن رُمحًا صُوِّب إلى قلبيهما بإتقان، ففتك بهما، فتحدَّث بابتسامة:
_أهلًا سيادة الكومندار، كيف حالك أخي؟ ما الأمر؟ أراكما لستُما بخيرًا كما يبدو؟
نظر الكومندار شيلدون إلى الأمير إيزاك وكأنه يأخذ منه الإذن بأن يبدأ في الحديث، حتى أماء له إيجابً، فتحدَّث:
_لا خير ولا راحة فيما يَحدُث الآن جلالة الملك.
نظر لهما بعينين قلقتين من طريقة الحديث وتلك الرهبة التي على وجهيهما:
_أخبراني ما الأمر؟!
تحدَّث إيزاك بحزن هذه المرة:
_وصلت إلينا منذ دقائق معلومات تؤكِّد تحرُّك جيش هيكتور نحو مملكتنا، وفي خلال يومين على الأكثر سيكون خلف أسوار (إسكاردا).
تنهَّد اوليفير بهدوء عائدًا إلى كُرسيه:
_توقَّعت هذا منذ أن أسقط (باليتا)، فما الجديد في الأمر؟
إيزاك بصوتٍ قلق:
_لكننا لم نكن ندري أنه سيتحرَّك بهذه السرعة، ما الحل الآن؟ كيف سنتصرَّف برأيك؟!
جيش هيكتور أكبر عددًا وعِتادً، ومهما كانت عظمة أسوار مملكتنا فلن تتحمَّل الهجوم لوقت طويل، لقد تحرَّك بسرعة لم نكن نتوقَّعها، لم يعطي لنا أي فرصة للاستعداد.
نظر الكومندار شيلدون إلى الأمير إيزاك، فتحدَّث:
_لا يا سمو الأمير، أسوار (إسكاردا) تتحمَّل ملايين السنين، ولكن الجنود!
الخوف الوحيد يَكمُن في عدم قدرة الجنود على تحمُّل القِتال لوقت طويل!
_وما العمل الآن؟!
لقد أخذ جنودي مواقعهم فوق الأسوار، وفي أعالي الأبراج كما أمرت جلالة الملك، لا أعلم ما الداعي في أن نتواجد على الأسوار وهذه الحربُ تُجبِرنا على الخروج لمواجهتهم خارج المملكة، ولكن على أي حال جنودي مُدرَّبين بشكل رائع، ولديهم من القوة والصبر للتحمُّل، بالإضافة لكونهم على استعداد تام لأي اشتباك.
الكومندار شيلدون:
_كذلك أنا، أمرت بتوزيع جُل الأسلحة المتواجدة في المخازن إلى الجنود والمُزارعين الذين انضموا إلينا، وأعلنت حالة الطوارئ؛ استعدادً للهجوم في أية لحظة.
أما عن الملك اوليفير فبقى في **ته ذاك دون البوح بأي كلمة واحدة.
هذا ال**ت الذي انتبه إليه اثنتاهما، فتحدَّث شيلدون:
_ماذا بك جلالة الملك!
لِمَ هذا ال**ت! فيما تُفكِّر؟!
أفاق الملك اوليفير من شروده ناظرًا إلى أخيه، فتحدَّث:
_ما الداعي مِن تواجد الجنود على الأسوار؟!
ستعلم قريبًا على أي حال، لكن الأهم هل هو بين صفوفهم؟
فَهِم الكومندار شيلدون مقصد اوليفير، فتحدَّث بهدوء:
_لا أدري، لقد أرسلت أحد المُستكشفين لتبين الأمر.
_حقًا ومن كل قلبي أتمنى ألا يكون بينهم.
_عمَّنْ تتحدثان! ولِمَ طريقة الألغاز في الحديث!
نظر الكومندار شيلدون إلى إيزاك مُتحدِّثًا:
_نتحدث عن القائد آرون سمو الأمير.
_ آرون؟!
تقصد!!
_أجل، المحارب العظيم.
تسرَّب شيء من القلق إلى قلب إيزاك فور سماعه بذاك الاسم، هو يَعلَم أنه قوي للغاية، يسمع عنه كثيرًا، يسمع عن قوته، يسمع عن حروبه، ولكن لم يكن يتخيَّل أبدًا أنه سيكون خ**ه في يوم من الأيام، وكأن الوضع الذي باتوا فيه أنساه أنه جندي من جنود جيش(ليموريا)، فتحدَّث:
_لكن لِمَ سيأتي؟! أقصد ماذا يُريد!
_ما هذا السؤال سمو الأمير!
بالطبع سيأتي للحرب مع جيشه وبالتأكيد كما تَعلَم أنه لن يُضيِّع من بين يديه حرب كهذه، دائمًا ما كان يبحث عن أن يكتب تاريخًا جديدًا على أسوار (إسكاردا).
كم مرة تمنيت أن أحاربه وجهًا لوجه، بالطبع هو محارب عظيم، والموت بسيفه وعلى يديه شرف عظيم.
_ما الذي تقوله؟ أتُمَجِّد مَنْ يود حربنا!
ماذا أصاب عقلك؟ أجُننت!!
أنهى صوت الملك اوليفير جِدالهم الذي كاد أن يندلع، موجهًا حديثه إلى الكومندار شيلدون:
_عليك جمع الطعام والشراب الذي يُمكِن أن يكفينا لأطول وقت ممكن داخل أسوار (إسكاردا).
وأنت يا إيزاك، مُر البحارة باصطياد أكبر قدر ممكن من الأسماك في أسرع وقت، أُريد أن يكون كل هذا جاهزًا قبل غروب شمس اليوم.
نظرات الكومندار شيلدون إلى الأمير بعضهم إلى بعض كانت تُوضِّح التعجُّب والتساؤل من هذه القرارات حتى تحدَّث شيلدون مُتعجبًا:
_لِمَ كل ذلك؟! فيما تفكر جلالة الملك؟؟
_حينما يصل هيكتور لأسوار (إسكاردا) ويتيقَّن أنه لن يستطيع اختراق حصونها ويمل من عدم قدرته على الانتصار، أول شيء سيفكِّر فيه هو قطع المؤنة عن شعبها؛ ليُجبرنا على الاستسلام.
لكن لن نعطِه فرصة كهذي أبدًا، لا أود أن تكون أسوار (إسكاردا) سبب هلاك شعبها بعدما كانت مأمنهم ونجاتهم وحمايتهم في كل الحروب.
شيلدون بتفهم:
_أوامرك مُجابة جلالة الملك.
ابتسم إيزاك هو الآخر؛ فخرًا بفكر أخيه، فتحدَّث:
_ضع في الاعتبار أن الأمر قد تم سيدي.
_هيّا افعلا ما يُمكِنكما فعله بأسرع وقت، وأبلغاني بكل جديد.
أماء إيزاك وشيلدون بالموافقة وغادر كل منهما المكان؛ تنفيذًا لِما أُمِرا به.
أمر الكومندار شيلدون مجموعة من الجنود بحفر آبار مياه جديدة في منتصف باحة (إسكاردا)؛ لتخزين المياه بها، على أي حال فـ(إسكاردا) غنية جدًا بمائها العذب والمتوافر دائمًا، لكن لن يضر في شيء إن حفروا آبارً جديدة كاحتياط، ثم أخذ مجموعة أخرى من الجنود وبدأوا في البحث عن الطعام في كل مكان خارجها، يجمعون ما يمكن جمعه، أيضًا أرضها الخصبة بها من الزرع ما يكفيها شهور، لذلك قرَّر الكومندار البحث خارجها أولًا.
أما إيزاك فاتجه بنفسه مع جنوده إلى المُح لجمع كل ما يمكن جمعه من الأسماك.
أخذوا أكبر سفن أسطولهم البحري وبدأوا في الصيد والتخزين.
أما اوليفير فاتجه إلى مقر الجيش يشاركهم التدريبات، يرفع من الروح المعنوية للجنود مُحفزًا إياهم، فهُم في أشد الحاجة في هذا الوقت بالذات إلى مَنْ يُشجِّعهم ويُطمئِن قلوبهم.
يَطمَئن على قوتهم وحالتهم البدنية، يَعلَم جيدًا أن الآتي لن يكون سهلًا أبدًا، يَعلَم أن ما هو قادم سيكون أشد اختبارً لـ(إسكاردا) على مرِّ تاريخها.
ليست مجرد حرب، بل هي معركة للبقاء، معركة لن تعترف أبدًا بالخاسر ولن تُعطيه فرصة أخرى للانتقام.
معركة الخاسر فيها ميتًا لا شك، لذلك تحتاج بذل كل جُهد ممكن