الفصل الخامس

2418 Words
لم يكُن مرورك أمام عيناي مرورًا عاديًا، بل كان مرورًا اهتزَّ له عرش قلبي حُبًا". (٥) تجلس الأميرة لانا في غرفتها الخاصة بقصر الملك، تلك الغرفة التي أقل ما يُقال عنها أنها قصر في حد ذاتها، واسعة جدًا، تحتوي على سرير كبير، صُنِع من الذهب الخالص، فرشه من ريش النعام، ي**وه غطاء كُحلي اللون، كلون السماء ليلًا وهي مُزَيَّنة بالنجوم، مرآة كبيرة الحجم طُرِزت حوافها من الكريستال اللامع، تشعُر أن الغرفة جزء من الجنة، تزيد الأميرة جمالً فوق جمالها. طُرِق باب الغرفة ليعلن عن وصول الملكة أسيلا بابتسامة، مُظهرة رأسها مِن خلف الباب: _هل لي بالدخول؟ _بالتأكيد أسيلا، تفضلي. دلفت الملكة أسيلا إلى الغرفة حتى جلست إلى جوار لانا على حافة الفراش: _كيف هي أخبار أميرتنا الصغيرة! أجابت الأميرة لانا بثغر باسم: _بخير جلالة الملكة، ماذا عنكِ أنتِ؟! وعن الأمير الصغير؟ نظرت أسيلا أسفل، مُتحسسة بيديها على بطنها بفرح، وكأنها تُداعب ذاك الأمير الذي شَرُف على أن يُقبِل إلى الدنيا، ولي العهد القادم، متحدثة: _أنا بخير سمو الأميرة، لكن الأمير الصغير مُتعِب للغاية، لا يكُف عن الحركة. _لم يَعُد هناك الكثير من الوقت جلالة الملكة، أيام قليلة وتضعي، أشتاق كثيرًا لرؤياه، لا أعلم لمَ. لكن انتفاضة قوية بقلبي تجاهه، تعلَّقْت به قبل أن يأتي من الأساس، فبِت أخاف أن يُصيبني مكروه دون أن أراه. انتبهت الملكة أسيلا لحالة الحزن التي صاحبت حديث لانا، وكأن شيئًا ما يُطغي حزنًا على قلبها، ابتسمت بهدوء: _دعكِ من السؤال عني وعن حال الصغير، أخبريني ماذا بكِ ولمَ هذا الحديث؟ _أنا! لا شيء أبدًا، أنا بخير. _ألسنا صديقتين؟ تن*دت الأميرة لانا ثم أجابت بابتسامة: _بالتأكيد أنتِ صديقتي المُقرَّبة والوحيدة يا أسيلا، لست فقط زوجة أخي، لكن دون ذلك حقًا أنتِ صديقتي الوحيدة، تعلمين ذلك جيدًا دون أن أُخبركِ إياه. _إذًا لماذا تُخفين عني ما يُزعجكِ؟ _لا أُخفي عنكِ شيئًا، كل ما في الأمر أني خائفة. خائفة يا أسيلا بشكل يكاد يفتك بقلبي، ولا أدري لخوفي سببًا واضح. أخشى كثيرًا على إيزاك واوليفير، الحرب قريبة جدًا، أخشى على (إسكاردا) جميعها، أشعر كأنني مُقَيَّدة، لا أستطيع الحراك، لا أستطيع فعل أي شيء، وكأني جُندي سلبه عدوه سيفه، فسقط أرضًا، عاجزًا عن المقاومة. مشاعر تسرَّبت إلى قلب الملكة كتسرُّب السُم في مجرى الدماء، وكأنها أُصيبت بعدوى الخوف من الأميرة على زوجها. ذاك الذي سيكون أول المُقاتلين في الحرب، خوف على فقدانه أو إصابته بأي مكروه، خاصة وأنها قد أوشكت على الولادة. تخشى أن تلد ابنًا يفقد والده قبل رؤيته، حاولت أن تُخفي ما بداخلها في مُحاولة منها لأن تُطَمئِن الأميرة لانا، فتحدثت بابتسامة مُصطنعة: _دعي هذا الحديث لشخصٍ آخر يا لانا، دعي هذا الحديث لشخصٍ لا يعلم مَنْ هو اوليفير، أنتِ أكثرنا معرفةً بالملك، تعرفينه أكثر مني أنا زوجته. جلالة الملك قادر على حماية نفسه وشعبه، كما أنه لن يتحرك خطوة دون دراستها جيدًا، لن يُضَحي بأي من جنوده. _أعلم ذلك جيدًا، لكن الحرب هذه المرة تختلف، أشعر وكأنني سأفقد اوليفير قريبًا. هي جملة دخلت إلى قلب أسيلا لتُمزِّقه إربًا إربًا، فتَجمَّع الدمع في عينيها كغيامة في سماء أمسكت عن المطر سنوات عجاف، فانفجرت فجأة، حاولت مُقاومة بُكائها جاهدة، إلا أنها لم تفلح هذه المرة ليسقط دمع عينيها في **ت ل**نها. عقلُ كل ما يَدُر به هو الملك اوليفير وما يمكن أن يحدث له نتيجة هذه الحرب! هل حقًا ستخسره! تَعلَم هي الأخرى أن الحرب هذه المرة مختلفة عن أي حرب حدثت، لكن، لكن هل يمكن أن تخسر زوجها في هذه الحرب؟! حبيبها قبل أن يكون زوجها، قبل أن يكون ملك (إسكاردا). أحد أطراف قصة الحب تلك التي تحدَّث بها جُل ل**ن في أرض (إسكاردا). ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ ذاك الأمير الشاب، أقوى مقاتلي جيش (إسكاردا) وابن ملكها العظيم، كيف له أن يتزوَّج من فتاة من فقراء المملكة. ذاك الأمير الشاب الذي كان حلمًا لكل فتاة في المملكة؛ لوسامته وقوته، يتجوَّل في المملكة بحصانه الأبيض الذي تُزيِّنه بعض النقاط السوداء فوق جبينه، لتزيده جمالً فوق جماله، يَصطدم بفتاة تحمل إناءً فوق رأسها، فتسقط أرضًا. ترجَّل الأمير مُسرِعًا من فوق جواده، مُحاولًا أن يعين تلك الفتاة على النهوض، معتذرًا منها عمَّا حَدَث منذ لحظات. لترفع وجهها الذي انقلبت ملامحه إلى ذعر على ما سُكب منها. ذاك الوجه الساحر، الذي أوقف كل كلمات الاعتذار في حَلْقِه، لم يستطع البوح أو الحديث بكلمة واحدة، وكأن ل**نه قد بُتِر وأصبح أخرسًا لا يتحدث. نهضت الفتاة مُزيحة خصلات الشعر المتناثرة على وجهها، ليظهر وكأنه قمر في ليلة تمامه. وجه أبيض كنقاء الحليب يشوبه قليل من الحُمرة الطبيعية على خديها تُزيدها جمالً، بعينيها الخضراوين وخصلاتها الشقراء، يا إلهي ما هذا؟؟ كيف يكون لبشرٍ على الأرض هذا الجمال الساحر! هذا الذي خَطَف قلب الأمير من الوهلة الأولى، تلك الفتاة بجسدها النحيف وملابسها المُرقَّعة البالية التي تزيد أيضًا من جمالها، وكأن كل شيء حولها خُلِق وسُخِّر ليزيدها جمالً. تلك الفتاة التي تُدعى أسيلا من أفقر أحياء المملكة، وكأن القَدَر يُعيدها إلى الحياة مجددًا بوقوع الأمير الشاب أسير حبها. نهضت وأزاحت الغبار الذي لَحِق بثيابها بعد سقوطها أرضًا، نظرت إلى الإناء الذي كانت تحمله، فوجدته قد سُكِب جميعه أرضًا، فانهالت دموعها على خديها من خوفها بسبب فعلتها تلك. سُكِب جميع اللبن الذي كانت تحمله، بكت؛ خوفًا من عقاب سيدتها التي تعمل لديها، إن عَلِمت بذلك فلا شك أبدًا أنها ستُذيقها كل أنواع ال*قاب والت***ب، فهي رغم أنها سيدة عجوز، إلا أنها قاسية القلب، فظَّة الطباع. أخيرًا استطاع الأمير اوليفير أن يتلفَّظ بصوت مُتحشرِج؛ لطول **ته: _أعتذر، لم أكن أقصد. تحدثت أسيلا باكية تندب حظها العاثر، ناظرة إلى الذي تبعثر أمامها، غير ناظرة إلى ذاك الذي يُحدِّثها، عقلها هو الآخر غادر إلى تلك العجوز وتصوَّر ما ال*قاب الذي ستردع له هذه المرة بعد أن تعود دون اللبن! _علَّام تعتذر؟ وما الذي لا تقصده؟؟ لن يفيدني شيئًا اعتذارُك، ما الذي أفعله الآن؟ كيف أعود إلى المنزل؟؟ سأُعاقب أشد ال*قاب من سيدتي على فعلتي هذي. تنهَّد اوليفير بحزن للورطة التي أوقع فيها الفتاة دون قصد: _لا أدري حقًا ماذا أقول، ولكن إن كان من أجل اللبن المسكوب، فبإمكاني تعويضك بثمنه، لم أكن أقصد ذلك. تحوَّل حال الفتاة بعد البكاء والعويل إلى فرح بعد سماعها لحديثه، لم تهتم إن كان يعتذر أو لا، لكنه قال أنه سيعوضها ثمن اللبن. ابتهج وجهها فتحدثت بفرحة: _حقًا! هل ستعطيني ثمنه لأُحضِر غيره؟؟ ابتسم الأمير لرؤيته تلك الفرحة العارمة على وجهها فأماء إيجابً. لتبدأ من هنا قصة حب الأمير الشاب للفتاة الفقيرة، وتبدأ معها مُعاناة طالت حتى تكون له ومن نصيبه، تحمَّل أذى كبير وضرر لا يتحمَّله أحد، تأذَّى من الجميع، حتى من والده، فكيف لابن الملك أن يتزوَّج من خادمة؟! كيف لابن الملك أن يتزوَّج من فتاة تخدم عجوز فقيرة أيضًا؟! هو أمرٌ مرفوض تمامً، فاختلاف الطبقات بينهم كان هو الحاجز الأكبر لرفض والده وكل الأسرة الحاكمة، لم يؤيِّده أحد سوى الأميرة لانا. لم تكن تؤيِّده حبًا فيما يفعل أو حبًا في أسيلا، هي من الأساس لم ترى أسيلا، ولكنها لم تكن تحب أن ترى أخاها حزينًا، هي تحبه وقلبها مولع به؛ لذا كانت تسانده دائمًا. الشيء الذي سهَّل الأمور هو كونها الأميرة المُدلَّلة للجميع، فكانت تتوسط له عند والده، لتُصبح لها الفضل الكبير في إتمام زواجِهما. حاول والده أن يؤذي الفتاة آلاف المرات، لكنه كان يمنعه ويتصدَّى له في كل مرة يحاول إيذاءها، حتى حصل على ما أراد في النهاية وتزوَّج بها. فصارت خادمة العجوز ملكة (إسكاردا)، تلك الفتاة التي كانت تبكي؛ خوفًا من عقاب سيدتها، الآن أصبحت سيدة المملكة بأكملها. تلك القصة التي لم تكن تخطر على بال شخص من سكان (إسكاردا). ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ أفاقت أسيلا من شرودها على يدي الأميرة لانا، تُجفِّف دمعَها. _أعتذر، لم أقصد. الملكة أسيلا بهدوء وابتسامة رسمتها على ثغرها: _لا يهم، لست غاضبة من حديثكِ، أنا فقط أخشى عليه. أتعلمين!! اوليفير خاض حروبًا كثيرة، فلا يجب أن نخشى عليه، سيفوز بالحرب، والإله (آسر) سيحميه ويقف بجانبه، أليس صحيحًا؟ _بالتأكيد هذا صحيح، وأنا سأدعو له بالنصر. _دعاؤكِ مستجاب ومحبَّب عند الإله (آسر) يا لانا، أنتِ خادمته المخلصة. _سأذهب في الصباح إلى المعبد، أدعو للجميع وأعود بأخر اليوم. _تعودين بأمان حبيبتي، سأذهب؛ لأطمئن على اوليفير. _تفضلي. غادرت أسيلا الغرفة بقلبها الذي يعتصر ألمًا ووجعًا، تَارة من الحرب التي أوشكت على الاندلاع، وتارة أخرى من حديث الأميرة لانا بتذكُّرها أن من الممكن فَقْد اوليفير في هذه الحرب، قلب يتألم من مجرد التفكير فقط في موت زوجها. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ في مُعسكر جيش (ليموريا): أسدل الليل ستارته السوداء على الجيش، الجميع مُنهَك مِن المَسير في تلك الصحراء القاحلة، لم يتبقى أمامهم إلا كيلومترات قليلة جدًا على أسوار (إسكاردا) وعلى هدفهم وحِلمِهم الذي جاءوا مِن أجله. قرَّر هندرسون أن يتوجَّه إلى الإمبراطور هيكتور ويستأذنه في المبيت هُنا وإراحة الجنود قليلًا؛ ليستعيدوا ولو القليل مِن قواهم التي اُنتهكت في الترحال والحروب التي لا تنتهي. إلا أنه وجد رفضًا من أخيه ومعارضة لقرار التوقف هُنا، بحجة أنه يَوَد مُباغتتهم ليلًا وأهلها نيام، غير جاهزين للمواجهة، فتحدَّث هندرسون بهدوئه: _أُخالفك الرأي فخامة الإمبراطور، جنودنا مُنهَكة تمامً، فقد ترَحَّلنا لمسافة طويلة في هذه الصحراء الشاسعة، يلزمُنا بعض الراحة. أقترح أن ننصب خيامنا هُنا الليلة، وفي الصباح نُكمِل الزحف إلى (إسكاردا)، على الأقل يكون الجيش أخذ قسطًا من الراحة واستعاد نشاطه. _ترى أن هذا هو الصواب؟؟ _نعم هو الصواب فعلًا فخامة الإمبراطور. ترجَّل هيكتور من على جواده ينظر إلى الطريق من خلفهم بعين غاضبة: _صديقك لم يأتي، لا هو ولا أحد من جنوده! تنهَّد هندرسون بحزنه الذي يقتلع قلبه على ما حدث، لم يكن أبدًا يتخيَّل أن يخذله صديقه بهذا الشكل، لم يكن ينتظر منه ما فعله. لكن هيهات فقد فات الأوان، يُردِّد في نفسه بقلبه الذي يكاد يُقتلع من ص*ره: كأن الشيء المُحبِط حقًا يا صديقي، أني استهلكت كُل أعذاري في الدفاع عنك. فلم تترُك لي شيئًا واحدًا إضافيًا يُمَكِّنني من مُواصلة الدفاع. لقد استنفذت كل الأعذار، أنهيت فوق السبعين عُذرًا أضعافهم دون فائدة. ما يُؤلمني حقًا أنك لم تخذل في حياتك شخصًا لجأ إليك حتى وإن كان ظالِمك، وحين قرَّرت خُذلان أحدهم، كان خُذلانك الأول لي أنا. أنهى شروده مُتحدِّثًا: _لعل لديه مانعًا، لعل الأمر الذي منعه أو أخره أمر جَلَل. _كفاك، كفاك إلى هذا الحد يا هندرسون، أمازلت تدافع عنه؟! تدافع عن ذاك الحقير؟ أخبرتك مرارً وحذَّرتك منه ألف مرة قبل ذلك، لكن هيهات، أنت دائمًا لا تسمع مني ولا تهتم لكلامي. هذا شخص ليس له انتماء لأحد. ذهبت إليه بنفسك، ولم يُعِرك اهتمامً، لم يُقدِّر زيارتك له، ولم يُقدِّر صداقتكما. تنهَّد هندرسون بحزن، وكأن ل**نه تحجَّر في فمه، غير قادرٍ على النُطق بشيء، لا يَجِد أي سبيل آخر يُدافع به عن صديقه بعد خذلانه الأخير. _أنا لا أدافع عنه كذبًا أو رياءً، أنا لا أُجامل آرون يا هيكتور، آرون أقوى محارب، وأغلب انتصاراتنا كانت بفضله. حقًا ذهبت إليه، لكنه لم يعدني بالقدوم لأعاتبه أو أتحدَّث عنه بسوء لعدم حضوره. إذا لم يأتي، فأنت السبب، غرورك وكبرياؤك أنت. لماذا تلومني أنا على عدم حضوره؟؟ يجب أن تلوم نفسك أولًا، ألست أنت مَنْ أهانه أمام جنوده! ألست مَنْ أزال الرتبة العسكرية عن أقوى جندي في جيشي وتسبَّبت في عداوة نحن في غنى تمامً عنها! يا فخامة الإمبراطور، ما فعلته جعلنا نخسر آرون، بخسارتنا إياه، فقد خسرنا معه نصف قوة جيشنا، وإن لم يَكُن أكثر من ذلك. ما هو السبب؟؟! ما الذي جعلك تفعل هذا؟؟ لأن الشعب تحدَّث عن آرون!! لأنهم قالوا أنه السبب في انتصاراتنا! فعلًا هُم على حق، هو السبب الرئيسي في نصرة جيشك في معظم حروبه، إن لم يكن جميعها، هو السبب في اتساع مساحة إمبراطوريتك وازدهارها. بدون آرون لم تكن تستطيع فعل شيء، أيها الإمبراطور العظيم. إياك أن تنسى مَنْ كان بجانبك وكان السبب فيما وصلت إليه اليوم. ابتعد هيكتور بوجهه عن أخيه، لا يجد ردًا على هذا الحديث سوى ال**ت التام. فكل ما قاله صحيح، إلا أن غطرسته المعتادة وكبرياءه منعاه من الاعتراف، فعاد ليتحرك جهة أخيه حتى صار أمامه تمامً، ناظرّا لعينيه، رافعًا يديه ليصفق باستفزاز ساخرًا: _جيد، بل رائع هندرسون، وماذا أيضًا؟ هل هناك شيء آخر تريد قوله؟! **تٌ ران لثوانٍ، تبعه تغيُّر لون وجهه لتُسَيطر عليه حالة من الغضب، بمُقلتين تقدحان شرارً. ض*ب على ص*ر هندرسون بيده مُتحدثًا بصوت جهوري غاضب استدعى انتباه جميع الجنود: _ماذا هناك لتقوله أيها القائد الشجاع والصديق المخلص؟! ماذا قال لك آرون عني أيضًا؟؟ كُلي آذان صاغية، اكمل! اعلم أني أنا هيكتور، إمبراطور (ليموريا)، أقوى إمبراطور في التاريخ، أنا مَنْ جعل (ليموريا) هكذا. أنا مَنْ كوَّن الجيش وليس آرون، أنا مَنْ شيَّد (ليموريا) وليس آرون. آرون الذي تتحدث عنه مثله مثل أي شخص في الخدم، يُريد أن يَذكُر الشعب أنه هو البطل الذي لا يُهزَم! لا، وألف لا، مُخطِئ جدًا. البطل الوحيد هُنا واحدٌ فقط يا سيادة القائد، وهذا الشخص هو أنا. اعلم يا هندرسون أنها المرة الأخيرة التي أسمح لك فيها بالتجاوز معي هكذا. مِن هذه اللحظة سأنسى أنك أخي، أنت بالنسبة إليّ جندي فقط في جيش عدده آلاف المُقاتلين. أي تجاوز آخر ستكون عواقبه وخيمة ولن يتحمَّلها غيرك، مفهوم؟؟ انحنى هندرسون بحزن ظهر جليًا على محياه، لا يعلم إن كان غاضبًا ممّا قاله أخوه أو حزين على الحال الذي وصل إليه؟؟ لكن الشيء الذي يعلمه جيدًا أنه في كافة الأحوال يبقى هيكتور أخاه وش*يقه الأكبر، لا بُد أن يتحمَّله ويبقى بجواره مهما حَدَث، يحبه، يتحمَّل كل طِباعه القاسية، ليست قاسية في الحديث فقط، بل تصل إلى حد العنف، لكن إن لم يبقى بجوار أخيه في مثل تلك الظروف، فما جدوى وجوده من الأساس! تحدَّث بهدوء: _أوامرك فخامة الإمبراطور. هدأ هيكتور قليلًا، فتحرك ليبتعد عن أخيه: _مُر الجيش بالمبيت هُنا الليلة والاستعداد صباحً للحرب. _سمعًا وطاعة، أستأذنك سيدي. غادر المكان طالبّا مِن الجنود نصب الخيام للراحة والتخييم هُنا الليلة، مُستعدين للحرب صباحً. دقائق بسيطة كلَّفت الجنود نصب الخيام وسط نظرات هندرسون الذي يترقَّب أحوال الجيش وما إذا كان ينقصه شيئًا. لكن كل ما كان يراه على وجه الجنود هو الإرهاق الشديد جراء سَيْرهم، وأيضًا الحروب المُتعاقبة، التي لا تنتهي خلف حاكم لا يشبع، فلا يكل أو يمل من الغزوات. لا يلتفت أبدًا إلى حال هؤلاء المساكين، فمنهم مَنْ ترك زوجته وأبناءه خلفه وأتى؛ تنفيذًا لأوامره، ومنهم مَنْ ترك والديه أيضًا خلفه؛ خوفًا من عقابه إن تأخر أحد منهم عن صفوف الجيش. كل واحد منهم يتمنَّى أن يعود سالمًا وبسرعة إلى أهله، لكن جشع وطمع ذاك المغرور الذي لا يهتم إلا بنفسه وبتوسيع إمبراطوريته يكاد يقضي عليه وعلى الجيش. يرى نظرات التوتر والخوف من جهة، ونظرات الترقُّب من جهة أخرى. فمنهم مَنْ فقَدَ الثقة في حضور آرون، وبذلك سيلقون حتفهم على أسوار (إسكاردا) لا محالة، ومنهم الذي مازال يتشبَّث بأمل حضوره حتى وإن كان الأمل ضعيفًا، إلا أنه ما زال يؤمن به، يؤمن بأن آرون لن يتركهم وسيأتي هو وجنوده لنصرتهم ومساعدتهم في هذه الحرب. كل جندي في هذا الجيش المَهول ملامح وجهه لا تُخفي ما في قلبه من التوتر والخوف والترقُّب، لكن ما باليد حيلة. إن أصعب الأمور على المرء هي الانتظار، ذاك الذي إن طال، يتحوَّل إلى خوف ويأس في القلوب. هندرسون نفسه يعلم أن الفوز والانتصار في معركة الغد دون آرون وجنوده صعب ويكاد يكون مستحيلًا. لا يُخفي أن القلق واليأس بدأ يتسرَّب إلى داخله، لكن يجب عليه أن يكون واثقًا ثابتًا وقويًا أمام جنوده حتى لا يض*بهم الخوف، فأصبح عليه أن يتماسك بصفته قائد الجيش. أما هيكتور، فذاك لا يهتم لأي شيء سوى النصر وبقائه على عرش المُلك فقط، أما أمور الجيش والحرب كلها كانت على عاتق القائد آرون والكومندار هندرسون. فأصبح في عدم حضور آرون المسؤولية كلها على عاتق هندرسون. حياة الجنود أصبحت الآن بين يديه وقرار واحد خاطئ في مثل هذه المواقف، قد يُكلِّفهم الكثير والكثير، تنهَّد باستسلام مُتجهًا إلى خيمته؛ لنيل قسط من الراحة هو الآخر والاستعداد لحربٍ دُقت طبولها.
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD