تقدمت من مجلسهم بـ خطوات واثقة و هي تحدج ذلك الغريب بـ نظرة تفحصية ، كونه أنتظر مجيئها لـ يبوح عن سبب وجوده يجعلها تتوجس خيفة منه و من ما سوف يقوله ، جلست بين والدتها و جدتها و هي مربعة ذراعيها أمام ص*رها تطالع " ستيڤن " بـ تأهب منتظرة بدأ حديثه ، حمحم الأخير بـ خفوت قبل أن يقول بـ جدية :
- أنا أعمل عند السيد " ياسر سيف الدين " الأخ الأصغر لـ السيدة " فاطمة " .
الصدمة أستوطنت ملامح ثلاثتهن ، و ما زاد صدمتهن أضعاف مضعفة هو قوله الواثق :
- السيد " سيف الدين " والدك علي قيد الحياة حتي الأن و يريد رؤيتك و هذا ما آتي بي إلي هنا .
- أيــــة .. إزاي عايش لغاية دلوقت ؟ !
هتفت " هدي " بـ دهشة تخالجها ، أمر لا يُصدق .. جدها علي قيد الحياة حتي لحظتهم هذه ؟
أرتفع حاجبي " ميرال " بـ ذهول مما تسمعه من ذلك المدعو " ستيڤن " ، أيعقل أن يكون علي الأرض تلك النادرة ، شخص يبلغ التاسعة عشر بعد المائة و مازال يعيش حتي الآن ، رغم تعاطفها معه بسبب قصته هو و " زُبيدة " لكنها أستشاطت غيظًا منه بسبب تركه لـ جدتها كل هذا الوقت ، تمتمت بـ إستخفاف مستنكر و هي قاطبة الجبين :
- و هل تذكر الآن أنه يمتلك إبنه بعد تلك المدة الكبيرة ؟
**ت " ستيڤن " لثانية و هو يراقب تلك الفتاة اليافعة بـ تمعن ، هي ليست بـ السهلة أبدًا و يبدو أنها ستقف كـ حائل أمام رغبة رب عمله السيد
" ياسر " ، تن*د بخفة ثم أردف بـ رويه موجهًا حديثه لـ " فاطمة " الواجمة :
- قبل أن يترك السيد " سيف الدين " مصر مع الإحتلال كان يداوم علي البحث عنك و عن السيدة
" زُبيده " لكنه لم يجد لها أثر ، حتي أن تابع البحث حتي عندما عاد لـ إنجلترا ، للأسف أصابه اليأس بعد فراقه من السيدة " زُبيدة " بـ ثلاثة و عشرون عامًا و لم يكمل البحث ، و في هذه الأيام مرض مرضًا شديد و كان طلبه من إبنه أن يجد أخته و يجلبها له ، و تم تكليفي أنا بـ البحث عنك و بـ فضل التقدم و التكنولوجيا أستطعت إيجادك ، و ها أنا هنا الآن أطلب منكِ أن تحضري معي حتي يراكي السيد
" سيف الدين " و هو في أخر أيامه..
ران ال**ت في المكان لـ ثواني قطعته
" ميرال " و هي تهتف بـ ترقب :
- تيتة ، أنتي موافقة علي كلامه و لا أية ؟
أبتلعت " هدي " ريقها بـ توتر فـ لو أجابت والدتها بـ إجابة لن تُرضي إبنتها بـ التأكيد ستثور ثائرتها ، هي لا تتحمل غياب جدتها عنها لـ ساعات فـ ما بال لو قضت شهور هناك..؟
**تت " فاطمة " لـ برهه تُفكر في الأمر ، فـ شئ لا يُصدق أن والدها ما زال علي قيد الحياة ، لكن ليس أمامها الآن إلا تصديق ذلك البريطاني ، تن*دت تنهيدة مطولة ثم رفعت عينيها نحو " ستيڤن " قائلة بـ قوة :
- حسنًا ، أنا موافقة ، لكن إبنتي و حفيدتي سيرافقونني في تلك الزيارة .. !
إبتسامة ظفر ظهرت علي جانب شفتيه و هو يومأ بـ ترحاب متحمس ، ها هو قد نجح في مهمته المُكلف بها دون عناء يُذكر ، حتي أن تلك الفتاة ذات الأعين العنبرية لم تقف حائل أمامه كما كان مُعتقد ، فـ يبدو أن الكلمة الأولي و الأخيرة في ذلك المنزل لـ السيدة " فاطمة " .
ألقي نظرة عابرة نحوها ليجدها تشتعل غيظًا حتي أن وجهها الخمري قد ظهر عليه الإحمرار من فرط الغيظ و الحنق ، تلوي فمه بـ إبتسامة ماكرة و هو يتمتم :
- متأكد بـ أنها لن تمر من تحت أيدي السيد الصغير بـ سلام في تلك الزيارة ، سيريد أن يوقعها بـ شباكه بـ التأكيد .
ضحك ضحكة خافتة خبيثة فـ كيف و لا و هو يتحدث عن " آمن " .. ؟
صوتها الساخر أخرجه من حاله الإنتشاء و الظفر التي كان بها و هي تقول :
- و لما لم يأتي السيد " ياسر " بـ نفسه لـ هنا حتي يأتي بـ أخته ؟
رد عليها بـ هدوء رغم غيظه منها :
- ببساطة لأنه رجل مهم لا يمتلك الوقت لـ يأتي من إنجلترا لـ مصر .
رفعت حاجبها مغمغمه بـ سخرية :
- لا و الله ؟
قطب الآخر جبينه و هو يقول بـ عدم فهم :
- عفوًا !
هزت رأسها بـ لامباله و هي تردف :
- لا شئ .. لا شئ .
مال جانب فمه بـ تهكم و هو ينتصب واقفًا ، أردف بـ نبرة جافة :
- أعتقد أننا أتفقنا .. في خلال يومين ستكونون علي أرض إنجلترا .
ثم ذهب دون حتي أن يلقي السلام عليهن ، ما أن أقفل الباب حتي إلتفتت لـ جدتها قائلة بـ توجس :
- تيتة .. أنا مش مصدقة الراجل دا ، شكلة كدا مريب غير إن الكلام اللي بيقولوا دا مش منطقي .
رددت " فاطمة " بـ وجوم :
- بس أنا حاسة أنه صادق .
**ت دام لـ دقائق في المكان ، كل واحدة منهن تفكر في الموضوع من منظورها الخاص ، تن*دت " فاطمة " بـ تروي قبل أن تقول بـ حزم :
- حاليًا أنا بس اللي هسافر أنا و " هدي " .
أرتفع حاجبي كلًا من " هدي " و " ميرال " بـ ذهول لـ تسارع الأولي قائلة :
- و هنسيب " ميرال " لوحدها يا ماما ؟
ردت و هي تنهض من علي مقعدها بـ بطئ :
- " سديم " و " ليلي " موجودين .. يقعدوا معاها لغاية ما نشوف الوضع أية و بعدين هي تبقي تجيلنا .
هبت واقفة و هي تهتف بـ حنق :
- ماشي ، أعملي اللي أنتِ عايزاه يا تيتة ، بس أفتكري أني قولت إن أنا مش مستريحة للسفرية دي .
ثم خطت بـ إنفعال نحو غرفتها ، توقفت بـ منتصف الطريق تُفكر في شئ و قد رفعت حاجبها الأيمن و برمت ثغرها ، إستدارت لـ جدتها و والدتها مردفة بـ غيظ :
- علي فكرة أن أخدت مذكرات " زُبيدة " و قرأتها كمان و عرفت الحكاية كاملة .
أتسعت عينا جدتها بـ صدمة و ذهول لـ تستكمل طريقها نحو غرفتها بـ خطوات غاضبة تاركه
" فاطمة " تصرخ بـ إسمها غيظًا و حنقًا منها .
***
دلفت لـ منزلها و هي تدندن بـ إستمتاع و تتحرك بـ خفة لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوت شجار شقيقها و والدها الحاد ، أغمضت
" ليلي " عيناها زافرة بـ ضيق مكبوت ، كل يوم علي هذا المنوال ، شجار بين والدها و
" ماجد " .. و السبب أصدقاء شقيقها الوحيد ، رغم لينه و حبه لهم جميعًا إلا أنه ذا رأس صلب يتمسك بـ رأيه و لو كان خطأ و غير صحيح ، متأكدة بـ أنه يعلم أن والده يخاف عليه من تلك الصحبة الفاسدة لكنه دائمًا ما يردد : -
" أنا راجل و مسؤول عن تصرفاتي و أقدر أميز بين الحلو و الوحش "
أتجهت نحو غرفتها و هي تزفر بـ ملل لـ تجد والدتها تخرج من المطبخ بـ وجه متجهم لكنها ما أن رأتها حتي تهللت أساريرها و كيف و لا و هي مدللتها " ليلي " ، أردفت " سماح " بـ لطف :
- تحبي أحطلك العشا يا حبيبتي ؟
ردت و هي تضع كف يدها علي بطنها المسطح :
- لا يا ماما أنا أكلت مع البنات لغاية ما اتنفخت ، مش قادرة حتي أشرب ماية .
كادت " سماح " أن ترد لكن قاطعها خروج إبنها العاصف من غرفة الجلوس ، تابعته " ليلي " بـ عينيها حتي أختفي داخل غرفته صافقًا الباب وراءه ، تن*دت بـ قلة حيلة و هي تلتفت لـ والدتها مرددة بـ بعض الملل :
- هروح أهديه شوية يا ماما .
أومأت لها والدتها مشجعة و هي تقول بـ رجاء :
- حاولي تعقليه يا " ليلي " .. هو بيحبك و أكيد هيسمع كلامك .
هزت رأسها بـ إبتسامة صغيرة ثم وثبت نحو غرفة شقيقها .. " ماجد ".
دقت علي باب الغرفة بـ خفة ، ليأتيها صوته الغاضب و هو يقول :
- مش عايز حد يدخل .
فتحت الباب لـ تطل عليه برأسها قائلة بـ مرحها المعتاد :
- حتي أنا ؟
شبح إبتسامة ظهر علي فمه و هو يطالعها بـ حب أخوي ، فـ هي حبيبته الأولي و جميلته الجامحة ، تقدمت من فراشه بـ خطوات سريعة ثم رمت بـ ثقل جسدها بـ جانبه ، أندست بين أحضانه متشدقة بـ هدوء :
- الخناقة كانت لـ نفس السبب بتاع كل مرة ؟
زفر بـ ضيق و هو يهز رأسه لـ تهتف " ليلي " بـ رجاء :
- أنت عارف بابا بيحبنا و بيخاف علينا أد أية يا
" ماجد " ، هو عارف مصلحتنا أكتر مننا و أكيد هو شايف إن صحابك دول هيخدوك لـ سكة مش تمام .
تمتم بـ إختناق :
- الموضوع مش موضوع صحابي ، أنا حاسس أنه بيعاملني كأني طفل عنده خمس سنين مش خمسة و عشرين سنة .. بيحاسبني علي الغلطة مهما كانت صغيرة !
**تت لـ برهه ثم أردفت بـ لين :
- متركزش في بابا ، ركز بس أنت في شغلك و حاول تبعد عن الناس دول و كل حاجة هتبقي كويسة و أولهم بابا .
زفر و هو يومأ لها بـ **ت لـ تبتسم هي بـ خفة مُتمنية أن تنصلح الأمور بين والدها و شقيقها عاجلًا و ليس آجلًا ..
***
أرتمت بـ جانبها علي الفراش بعدما أخبرت والديها بـ أنها سوف تبيت معها الليلة بسبب مرض جدتها الوهمي ، ضحكت " ميرال " بـ خفة مردفة :
- تيتة لو سمعتك و إنتِ بتقولي أنها تعبانة كانت فضحتك في مصر و العالم و المجرات المجاورة .
نفخت " سديم " بـ حنق و هي تقول :
- أعمل أية يعني ، كان لازم مروحش البيت عشان ميسألش علي العربية .
تشدقت بـ إهتمام :
- و الميكانيكي دا قالك أنه هيسلمهالك بكرة يعني ؟
أجابت بـ غيظ و هي تض*ب علي فخذيها بـ تحسر :
- لهف فلوس أد كدة الإنتهازي عشان يسلمهالي بكرة بليل لأ و كمان لسة في فلوس كمان هتتدفع .. حرقوا النار في جتته البعيد .
أخذت تتأكل غيظًا من ذلك العامل الإستغلالي و من ناحية أخري ذلك المختل الذي كان علي شفي حفرة من إلقاء تلك الرضيعة في المياة متضاربة الأمواج .. و بـ الأخير ظهر أنه ضابط و بـ رتبة عالية أيضًا .
حولت أنظارها لـ صديقتها الشاردة هاتفة بـ تفكير :
- مش غريبة إن في نفس اليوم اللي أخدتي فيه مذكرات جدتك يظهر واحد يقول إن جدك عايش ؟
ألتفتت لها بـ إهتمام لـ تتساءل بـ هدوء واجم :
- عندك حق إشمعنا لما شوفت المذكرات و قرأتها في يومها ظهر أن " سيف الدين " لسة عايش ؟
تصاعدت ضحكاتها و هي تصيح بـ مرح :
- دي لعنـــة .. لعنـــة علي العيلة دي يا
" ميرال " .
قهقهت هي الأخري بـ مرح علي كلمة صديقتها غير عابئة بـ الحقيقة التي لا تعرفها .. بـ أنها تعلم أنها بـ الفعل " لعـنة " ..
***
///بـعـد مـرور ثـلـاثـة أيـام
///الـسـابعة صباحًا بـ قـصـر سيف الدين
- تفضل .
صاح بها " سيف الدين " بـ نبرة مبحوحة عندما سمع صوت طرق الباب ، ثواني و فُتح الباب ببطئ لـ تطل منه " فاطمة " بـ نظراتها المشتة و الخائفة نوعًا ما من المواجهه ، ثُبتت أعينه الزرقاء عليها بـ صدمة ، هي .. نعم هي إبنته و إبنه حبيبته الأولي و الأخيرة " فاطمة " !
أرتفعت دقات قلبيهما بـ درجة ملحوظة ، هي لم تراه في حياتها و لا مرة سوي في أولي أيامها في الحياة التي مضت منذ آمد بعيد ، و هو لم يراها منذ أن أتمت الأسبوعين من عمرها .. لم يراها منذ ما يقارب التسع و الثمانون عامًا ، أدمعت عينيها زرقاء اللون التي ورثتها عن والدها بـ تأثر من هيئته و من الموقف ، حقدت به بـ حزن ، فـ جسده الذي كان يوم من الأيام ممشوق قوي كما كانت تحكي لها عنه والدتها أصبح الآن ضعيف موصل به أسلاك بـ جميع الأشكال و الألوان ، وجهه الذي كان في يوم وسيم مشدود أصبح مجعد ت**وه بعض البقع و النقاط البنية ، صوته القوي أصبح ضعيف مبحوح يكاد أن يخرج من حنجرته !
تقدمت منه ببطئ و هي تستند علي عكازها الأبنوسي ثم وقفت قبالته تحدق به بـ إشتياق قبل أن تنهار باكية بـ حرقة كـ طفلة صغيرة مات عصفورها ليبكي " سيف الدين " هو الآخر علي بكاء إبنته الغائبة منذ البعيد ، رفع ذراعيه إليها فاتحًا إياهما و هو يشير لها بـ وهن بـ أن تقترب ، سارعت " فاطمة " بـ الجلوس جانبه ثم دخلت بين أحضانه بـ حذر حتي لا تؤذيه بـ رغم إشتياقها الجارف له ، ضمها والدها بـ حنان و شوق دفين إليه و أخذ يستنشق عبيرها و هو يقول بـ بكاء :
- رائحة " زُبيدة " عالقة بكِ .. أستطيع أن أشمها .. أنتِ إبنتي " فاطمة " .. نعم .
لـ تزيد بعد ذلك نوبة بكائهما غافلين عن
" هدي " و " ياسر " الذين يقفون علي باب الغرفة و يشاركونهم بكاءهم بـ تأثر ..
***
///بـعـد عـدة سـاعـات
أغلق الباب خلفه بـ هدوء و هو يجر حقيبته متوغلًا داخل القصر ، صعد درجات السُلم بـ ترويٍ ثم أتجه للجناح الغربي من القصر حيث غرفته هو و جده و والده ، تن*د بـ ملل و هو يضع يده علي مقبض غرفته فـ ها هي ظهرت الساقطة من بعيد ، ركضت " ماري " نحوه صائحة بـ لهفة :
- " آمن " .
ثم أنطلقت بعدها كـ القذيفة مستقرة بين أحضانه ، أمسك بذراعها نافضًا إياها بعيدًا عنه بـ قسوة لـ تنظر له بـ ذهول ، إقترب منها مرددًا من بين أسنانه بـ غضب :
- ذهب عقلك أدراج الرياح بـ التأكيد لـ تنسي مكانتك و تقتربي مني هكذا !
تلعثمت في قولها المصدوم :
- أنـ .. أنا ..
فرقع أمام وجهها بإصبعيه قائلًا بـ توعد و هو يقرب وجهه منها بـ تعابير خطره :
- لا تحتمي بـ الذي حدث بيننا أيتها الساقطة و لا تظني بـ أن مكانتك ستتغير يومًا ما في هذا المكان ، لأنكِ مجرد رخيصة كنت أضيع معها وقت فراغي .
صدمت مما لفظه ، ظنت بـ أنه يحبها و يذوب بها عشقًا و أقنعت نفسها بـ ذلك مما جعلها تطير و ترفرف بـ السماء من السعادة ، و كيف و لا و من يحبها هو " آمن سيف الدين " ، طيار و وسيم و ذو نفوذ واسعة و مال كثير ملك لـ جده و والده لو ظل طوال عمره ينفق منه لن ينتهي إلي جانب الأموال الكثيرة التي توفرها له مهنته ، لكن الآن صدمها بـ حق بـ كلماته التي جعلتها تسقط لـ الأرض السابعة بعدما كانت ترفرف في السماء السابعة حتي أنه لم يكترث بها و دلف لـ غرفته مُغلقًا الباب خلفه بـ كل وقاحة
.
***
///فـي الـيـوم الـتـالـي
تململت بـ مقعدها في الطائرة حتي تعدل من جلستها ثم قامت بـ ربط حزام الأمان كما أرشدتها المضيفة ، تن*دت تنهيدة مطولة و هي تسند رأسها للخلف .. تُفكر في تلك المعجزة التي فعلها ذلك المدعو " ستيڤن " بـ عمل تأشيرة لها هي و والدتها و جدتها بـ تلك السرعة الهائلة ، ما تعلمه أن الحصول علي تأشيرة لأحد الدول الكبري كـ إنجلترا يأخذ الكثير من الوقت !
لكن لا يهم ، هي مستفيدة بـ الأول و الأخير ، فـ أخيرًا ستذهب إلي إنجلترا !
***
وضعت يدها أسفل خدها و هي تقول بـ ضجر :
- وحشتني بنت اللذينة .
نظرت لها " سديم " بـ دهشة لـ تهتف بعدها :
- أحنا سايبنها في المطار من ساعتين تقريبًا يعني مش سنتين يا ست أحاسيس !
لوحت " ليلي " بيدها في الهواء قائلة بـ غيظ :
- شوفي نفسك الأول ياختي .. دا أنتي كنتي شوية شوية هتنطي معاها في الطيارة و خدني معاك يا سي دوني !
طالعتها الأخري بـ غيظ مكبوت و هي تقبض علي الكوب الذي في يدها بـ قوة مرتشفة منه بعضًا من محتواه لكنها سرعان ما تبدلت ملامحها لـ الصدمة عندما وجدت ذلك الضابط المختل أمامها .. و ها هي تلتقي به مرة أخري !
***
خطت نحو القصر و هي تطلع حولها بـ نظرات مشدوهه من فرط جمال المكان تاركة السائق التابع لـ جدها الأكبر خلفها في سيارة من أحدث موديل ، لم تكن تتوقع بـ أن جدها الأكبر بـ مثل ذلك الثراء و البذخ في العيش حتي يمتلك قصر بـ مثل تلك الفخامة ، تنبهت حواسها عندما فُتح الباب الضخم أمامها لـ تظهر من خلفه فتاة في مقتبل العمر تبتسم لها مرحبة بـ لطف :
- أهلًا بكِ آنسة " ميرال " .. تفضلي .
أومأت لها بإبتسامة صغيرة لـ تصتحبها تلك الفتاة لـ الداخل ، سارت بـ جانبها لـ تقول الأخري بـ إبتسامة واسعة و هي تخطو بـ رشاقة :
- أدعي ماتيلدا .. أعمل في القصر هنا كـ خادمة .
أرتفع حاجبيها بـ ذهول و هي تتمتم بـ لاوعي :
- يالهوي الطلقة دي خدامة .. دا أنا أفتكرتها مرات حد من اللي هنا !
قطبت " ماتيلدا " جبينها مُغمغمة بـ عدم فهم :
- ماذا قُلتي ؟
رددت بـ بإبتسامة بلهاء :
- كنت أقول أين السيدة " فاطمة " و السيدة
" هدي " ؟
أردفت و هي ترتقي درجات السُلم :
- هما و السيد " ياسر " في غرفة السيد
" سيف الدين " .
أومأت لها و هي تبتسم بـ إتساع ، فـ قد تسرب لها الحماس لـ رؤية ذلك العاشق المُتيم ..
***
- أجلب لي تلك الصورة من هنا .
تشدق " سيف الدين " موجههًا حديثه لـ
" ياسر " و هو يشير لـ درج الكومود ليتحرك الأخير جالبًا إياها له بـ طاعة ، أعطاها إياه مردفًا بـ إحترام :
- تفضل يا أبي .
أخذها منه مُتطلعًا لها بـ حب و هو يتلمس وجه
" زُبيدة " الضاحك في تلك الصورة التي تضمهما و معهما " فاطمة " ، ألتُقطت تلك الصورة لهم فور أن ولدت إبنتهما و قبل إعتقاله بـ بضع أيام ، ناولها لـ " فاطمة " قائلًا بصوت ضعيف :
- فور أن ولدتي أخذنا تلك الصورة .. كانت حينها بـ الأبيض و الأ**د ، لكن منذ عدة أعوام جعلت " ياسر " يأخذها لـ مختص لـ يحولها بـ الألوان حتي تظهر ملامحها بـ وضوح .
تطلعت لـ الصورة بـ نظرات فخورة و هي تري والدها يقف بـ شموخ محاوطًا كتف والدتها الضاحكة و هي علي يدها يظهر منها فقط وجهها ، حتي إنها كانت نائمة أيضًا ، أختطفتها
" هدي " منها هاتفة بـ حماس :
- وريني كدا يا ماما .
تطلعت لها بـ إبتسامة واسعة و ما لبست أن تبدلت تلك الإبتسامة بـ صدمة و هي تقول :
- " ميرال " !
قطب " سيف الدين " جبينه المتجعد بـ بطئ و هو يراقب ذلك التحول المريب في ملامح وجهها حتي أن تلك الكلمة التي نطقتها توًا أثارت حفيظته ، تمتمت بـ عدم إتزان :
- مش معقول !
ثم غابت بعدها عن الوعي أثر تلك الصدمة التي تلقتها .
***
خرج من غرفته بعدما أنهي حمامه و هو يرتدي بنطال قطني أ**د ملتصق علي الساق و كنزة بيضاء صيفية مدون عليها بعض العبارات الإنجليزية بـ اللون الأ**د ، إتجه لـ غرفة جده حتي يطمئن عليه و يري عمته و إبنتها المبجلتين ، قطب جبينه و هو يتوقف عندما رأي
" ماتيلدا " تتقدم من غرفة جده و بجانبها فتاة جميلة لحدٍ ما من وجهة نظره ، فـ هو يري يوميًا الشقراء و البيضاء و السمراء و يري أجمل الجميلات بـ العالم لـ هذا تلك الفتاة تعتبر ذات جمال متوسط بـ النسبة له ، توقفت " ماتيلدا " أمامه هاتفة بـ لطف :
- صباح الخير سيد " آمن " .
رد عليها التحية بـ إبتسامة لا تصل لـ عينيه لـ تتابع هي بـ حماس :
- هذه الآنسة " ميرال " حفيدة السيدة
" فاطمة " وصلت اليوم من مصر .
تطلع لـ بـ قوة و هو يراها تتهرب بـ عينيها الذهبية الفريدة من نوعها بعيدًا ثم إبتسم بـ خبث و هو يميل عليها مقبلًا وجنتيها بـ خفة مردفًا بـ همس :
- تشرفت بـ لقاءك .
شهقة مستنكرة خرجت منها و هي تدفعه بعيدًا عنها ، ذلك الوقح .. الإنجليزي .. البارد ، كيف تجرأ علي تقبيل وجنتيها هكذا بدون خجل ، أحمر وجهها بـ غضب ممتزج بـ خجل و هي تصرخ به بـ حنق :
- أيها الوقح كيف تجروأ علي هذا ؟
رفع كتفيه قائلًا بـ لامبالاة :
- هذا شئ عادي عزيزتي ، هنا تضل لـ تقبيل الشفاه في الترحيب .. أتريدين التجربة ؟
تبع جملته الأخيرة بـ غمزة خبيثة ليكن رد
" ميرال " تلك المرة بـ صفعة مدوية سقطت علي وجهه ..
///بـ داخـل غـرفـة سـيـف الـديـن
إستطاعوا إيفاق " هدي " عن طريق جعلها تشم إحدي المواد السائلة ذات الرائحة النفاذة ، تأوهت و هي تعتدل في جلستها علي الأريكة لـ يسألها " ياسر " بـ إهتمام :
- بـ خيرٍ الأن ؟
أومأت له و هي تفرك رأسها بـ ألم ، كادت أن تشكره لكن صوت ذلك الشجار الحاد القادم من الخارج أسترعي إنتباههم ، تمتمت " فاطمة " بـ صدمة :
- دا صوت " ميرال " !
أتسعت عينا " هدي " بـ ذهول ، فـ متي أتت إبنتها و هي من المفترض أن تصل الساعة الثانية مساءًا و الساعة الآن لم تتعدي الثانية عشر ظهرًا ؟
أنتفضت من مجلسها هي و والدتها مهرولين للخارج لـ تتصنما عندما وجدتها تتشاجر مع
" آمن " بـ حدة ، غمغمت " هدي " بـ خفوت :
- دا .. دا هو !
ثم وقعت بعدها مغشيًا عليها غير متحملة للصدمة الثانية ..
_ يُـتـبـع _