(( الفصل الثاني ))

1438 Words
كان يسير في أحد الأروقة التي في المبني المخصص لـ حبس الخارجين عن القانون و الثائرين علي الإحتلال ممرًا عينيه علي المسجونين بـ حدة كأنه يرد علي نظراتهم الماقتة .. الساخطة ، توقف فجأة عند الزنزانة الخاصة بها محدقًا بـ جسدها المتكوم علي الأرضية الباردة ، تضم ركبتيها لـ ص*رها مسنده رأسها عليهما بـ قلة حيلة ؛ فـ ها هو قد مر أسبوعان علي مكوثها بـ تلك الزنزانة التي أصبحت تحفظ كل مللي بها ، زفر بـ ضيق و هو يشيح بـ وجهه بعيدًا عنها مُكملًا سيره في الرواق ، لا يعلم أهو غاضب منها و من سلاطة ل**نها أم من نفسه لأنه رمي بها في مكان لا يناسبها البتة .. *** جلس علي مقعد مكتبه مفكرًا بـ هدوء بـ شأن " زُبيدة " ، هو لن يجني شيئًا جراء حبسها هنا فـ لما لا يستغل تلك النقطة لـ صالحه حتي يلهو مع تلك القطة الشرسة قليلًا ، تن*د بـ إبتسامة عذبة أرتسمت علي شفتيه ثم أعتدل طالبًا أحد الجنود ، آتي له ذلك الجندي المدعو " لنديرڤ " لـ يأمره " سيڤ " بـ جدية : - أحضر لي تلك الفتاة التي تم القبض عليها مؤخرًا . أدي الجندي التحية هاتفًا بـ صرامة : - أمرك سيدي . ذهب من أمامه حتي يأتي بـ " زُبيدة " لـ يُريح " سيڤ " ظهره للخلف رافعًا حاجبه بـ تسلية ، يريد أن يري تعابير وجهها الغاضبة عندما يُلقي بـ وجهها تلك القنبلة ، حقًا يستمتع بـ ذلك كثيرًا تمتم بـ تنهيدة مُرتاحة : - لـ نري ماذا ستكون ردة فعلك .. " زُبيدة " أطلق صفير مستمتع و هو يهز رأسه للجانبين بـ بطئ ، و ما هي إلا دقائق حتي دلف " لنديرڤ " و هو جارًا " زُبيدة " التي علي وشك قتله بـ نظراتها خلفه ، أدي التحية العسكرية مرددًا بـ قوة : - تأمر بـ شئ آخر سيدي ؟ أشار له " سيڤ " بيده قائلًا بـ هدوء و هو مركز أنظاره علي " زُبيدة " : - لا .. أنصرف أنت لأعمالك الآن . هز رأسه بـ طاعة ثم أنصرف من المكان تاركًا أياهم وسط حرب العيون التي بينهم ، هما كـ القطبين ، كـ النار و الماء ، كـ الأبيض و الأ**د ، نقيضان يقفان أمام بعضهما جمع بينهما قدر غريب الأطوار ، تن*دت بملل هاتفة و هي تربع ذراعيها أمام ص*رها : - ماذا الآن ، لمَ أستدعيتني ؟ نهض من فوق المقعد متجهًا نحوها بخطوات واثقة ، وقف أمامها يطالعها بـ هدوء لـ ثانية قبل أن يقول بـ غموض : - أظن أنكِ قد أختنقتي من المكوث هنا .. أليس كذلك ؟ أجابت بـ سخرية مشيرة إليه بـ حاجبها الأيمن : - لا يا سيدي بل سأمت من رؤية وجهك يوميًا لا أكثر . إبتسم بـ برود يجعلها تقفد أعصابها ثم قال و هو يحك جانب فكه : - علي رسلك يا فتاة .. الحدة ليست وقتها الآن . حدجته بـ كره و إزدراء واضح يلوح بـ حدقتيها فـ تابع بـ عدم إكتراث و هو يتراجع مستندًا علي مكتبه : - سأعرض عليك عرض نادر أن يحدث يا فتاة حتي تعلمي أنكِ لكِ مكانة خاصة عندي . أص*رت صوت ساخر و هي تردد بـ إهتمام مصطنع : - حقًا ، أبهرتني حقًا بـ الإنسان الذي بـ داخلك . حدق بها بـ حدة جعلتها تنكمش من داخلها خوفًا من أن يتهور عليها لكنها لم تُبين ذلك و أستمرت بـ إرتداء قناع ال**ود و الثبات خاصتها ، تن*د تنهيدة طويلة متمتمًا بـ لغته الأم : - الرحمة يا ربي ، تلك الفتاة تجعلني أقفد أعصابي و أنا لا أريد هذا الآن . رفعت حاجبها بـ دهشة مجاولة فهم ما يقوله ذلك الأجنبي المتعجرف لـ يسارع بقوله الهادئ : - حريتك ، سأعطيكِ حريتك . لمعت عينيها بـ وميض خاص يراه لأول مرة ، وميض سعادة و شغف كأنها كانت محبوسة في المكان من زمن بعيد و تنتظر أن تأخذ بـ حريتها ، إبتسمت و ليتها لم تبتسم ، فقد قلبه حينها ، أنحني و خضع أمام تلك الحسناء التي لأول مرة يراها تضحك ، أصبح ملك يديها .. أقصي طموحاته أن يري تلك الإبتسامة مرة واحدة . تقدم منها بـ روية و هو مركز أنظاره عليها لـ تقطب " زُبيدة " جبينها بـ حيرة و هي تتأهب لـ أي حركة منه لكنها لم تستوعب أي شئ إلا بعدما جذبها من عنقها مقربًا إياها منه بـ خطورة ، تشدق بـ نبرة خاملة و هو يمرر عينيه علي قسمات وجهها : - حريتك مقابل مواعدتي .. " زُبيدة " . أتسعت عيناها بـ صدمة لـ يتابع و هو يملس بـ رفق علي وجنتها اليمني بـ إصبعه : - أمامك اليوم بـ طوله لـ تفكري بـ عرضي ، لكن تذكري أني لن أقبل إلا بـ الموافقة . *** تجلس في زنزانتها و يكاد الغيظ أن يأكلها بسبب ذلك المُحتل الفاسق ، فعلها و خيرها بين حريتها و المكوث بـ السجن و المقابل .. مواعدته ، لا تعلم من أي شئ مصنوع ذلك الكائن اللزج ، يا الله كم تمقته و الآن أصبحت تمقته و تكرهه أكثر و أكثر عديم الأخلاق ذاك لكن .. هو شئ متوقع من إنجليزي حقير مثله لا يركض سوي وراء المال و شهواته ، تنفست ببطئ محاولة التفكير و لو لـ مرة بـ عقلانية ، بقائها في ذلك الحبس لن يفيدها بـ شئ لكن إذا قبلت عرض " سيڤ " ستجني الكثير من ورائها ، فـ ماذا ستستمر تلك المواعدة المزعومة ، شهر .. إثنان .. ثلاث ؟ هو بـ الأخير رجل و بـ التأكيد سوف يمل منها بـ طباعها الحادة و سلاطة ل**نها معه لكن الحبس لن يمل منها أبدًا ، حسنًا فلتوافق علي عرضه لكنها ستعمل جاهدة علي أن تكون باردة و مملة معه لأقصي حد حتي يتركها و شأنها .. *** - موافقة . هتفت بـ ثبات و هي تقف أمامه قابضة علي طرفي عباءتها بـ قوة ، إبتسم " سيڤ " بـ ظفر قائلًا : - هذه هي فتاتي المطيعة . لمح نظرة إزدراء تلوح بـ حدقتيها لـ يقترب منها بـ ثقة ، وقف أمامها ثم أردف بـ تحذير جاد : - إعلمي " زُبيدة " أن أي خدعة منك أو شئ من هذا القبيل بخصوص موافقتك حتي تخرجي من هنا و تنقضي بـ وعدك سيكون أمامها أخاكي و والدك و والدتك . إبتلعت ريقها بـ توتر مراقبة ملامحه الجادة بـ ندم ، هل هي مكشوفة لـ تلك الدرجة التي تجعل " سيڤ " يعلم ما تفكر به ؟ تململت في وقفتها هاتفة و هي ترفع وجهها بـ شموخ : - لا تقلق .. أنا عندما يخرج من فمي الكلام أنفذه حتي و لو علي رقبتي . إبتسم بـ خفة و هو يقول بـ رضا : - هذا ما كنت أتوقعه منكِ يا صغيرة . أشار لها بـ ذراعه قائلًا بـ نفس الإبتسامة : - الأن يمكنك الخروج من هنا و لن يُعيقك أي شئ . شبه إبتسامة لاحت علي ثغرها و هي تستدير واثبة نحو الباب .. فلتفرح الآن و تنسي أي شئ يعكر صفو حياتها ، فـ قد نالت حريتها أخيرًا . *** - ماذا .. خاطب تقدم لكِ ؟ ! هتف " سيڤ " بـ حنق و هو يحدق بـ " زُبيدة " الهادئة بـ ذهول تام ، أيعقل أن هناك من تقدم لـ خطبه محبوبته .. أيعقل أن هناك من يرغبها له غيره ؟ شهر كامل مر منذ خروجها من حبس القاعدة و هما يلتقيان أسبوعيًا خفية عن أعين الجميع ، لا تنكر أنها بدأت تتقبله نوعًا ما .. هو ليس بـ هذا السوء حتي تكرهه ، بعيدًا عن أنه ضابط في الاحتلال إلا أنه كـ شخصية جيد للغاية ، لا تعلم لمَ لجأتله هو رغم علمها بـ أنه من الممكن أن تثور ثائرته لكنها شعرت بـ أنها تحتاج إلي أن تقول له هذا و أن تتحدث معه قليلًا لكنه لا ينفك لـ دفعها للغضب دفعًا بسبب طريقه حديثه التي تشعرها أنه ملكها . أجابت بـ نفاذ صبر : - نعم ، إبن صديق أبي العم " صادق " . ردد مستنكرًا : - و هل عائلتك موافقة ؟ قالت بـ سخرية : - بـ الإجماع و لما لا و هو متعلم و يمتلك وظيفة مرموقة هذا غير حسن خُلقه و وسامته . جز علي أسنانه متسائلًا بـ غيظ مكتوم : - و هل يعجبك ذلك الشئ ؟ مطت شفتيها للأمام قائلة بـ تفكير : - جيد بـ النسبة لي . ض*ب علي الحائط خلفها صائحًا بـ غضب : - و تقولين أمامي أيتها المعتوهه أنه جيد ؟ أنكمشت بـ ذعر من هيئته المُربكة ليتابع " سيڤ " صراخه عليها قائلًا بـ حنق : - أنتِ لن تكوني لأحد غيري " زُبيدة " .. لن يلمسك شخص غيري و لن يهنئ بكِ شخص بين ذراعيه غيري و لن تكوني زوجة لـ غيري و أم لأطفال أحدهم إلا لي . رفعت حاجبها مغمغمة بـ سخرية : - تحلم .. هذا تفسير ما تريده و ما يصوره له عقلك . إبتسم بـ مكر و قد تلاشي حنقه مُجيبًا بـ ثقة تناسبه كـ " سيڤ " : - الوقت أمامنا " زُبيدة " حتي أثبت لكِ . قطع تلك الخطوة التي كانت تفصلهما لـ يتابع بـ خبث و هو يلكز رأسها بـ خفة : - أنتي لن تكوني لأحدٍ غيري ، ضعي ذلك الكلام جيدًا في رأسك الصغير . تحجرت عينيها عليه بـ حنق لـ يغمزها بـ مكر ثم يذهب بـ خطواته الرزينة مبتعدًا عنها و قد تشكلت إبتسامة واثقة علي جانب ثغره ، هي له .. و لن تكون لـ غيره أبدًا فـ بداية من ذلك الوقت الذي خر قلبه صريعًا لـ تلك الأعين الشرسة بـ لون الذهب أصبحت " زُبيدة سيڤ مارك " و لن يغير أحدًا هذا الواقع حتي لو كانت هي .. ! _ يُـتـبـع _
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD