واقفة أمام والدها و هي مطأطأة الرأس .. تنتظر سماع ما يريد قوله بـ ترقب أستطاعت إخفائه بـ مهارة ، ثواني من ال**ت قطعها
" عبد الحق " و هو يقول بهدوءه و رزانته المعتادة :
- بدايًة من الغد يا " زُبيدة " ستأخذك والدتك للسوق حتي تشتري الأغراض اللازمه لـ عرسك ، فـ لا يوجد وقت .. العرس الخميس المُقبل .
أتسعت عيناها بـ صدمة حقيقة و هي ترفع رأسها بـ حدة ، عرس ماذا و أغراض ماذا .. هل حددوا قرار مصيري في حياتها كـ هذا مع أنفسهم .. دون موافقتها ؟ !
صاحت بصوت مكتوم غاضب محاولة الإعتراض علي تلك الزيجة :
- أبي .. أنا حتي لم أراه و لا أعلم حتي إسمه و الأن تقول لي زواجي منه بعد أسبوع فقط ، أنتم حتي لم تأخذوا بـ موافقتي !
زجرها والدها قائلًا بـ حدة طفيفة :
- هذه عادتنا و تقاليدنا يا " زُبيدة " و لا يستطيع أحد التلاعب بها حسب أهواءه ، العروس لا تري عريسها إلا بعد عقد قرانهم ، كما أنكِ
مازلتِ صغيرة و لا تستطيعين تحديد ما تُريدين لـ هذا أن أقرر عنكِ .. لأنني أري أبعد منكِ كما أنني أعرف الصالح من الفاسق .
حسنًا بدأت تفقد أعصابها فعليًا ، فـ الكلام لا يعجبها البتة .. هو يخالف قاموس " زُبيدة " التي وقفت أمام أعتي الرجال بأسًا دون يهتز لها جفن ، حقًا تفتقد " سيڤ " الآن ، هو بـ التأكيد كان سينقذها من ذلك المأزق لا محالة ..
لكن أين هو ، منذ أخر لقاء بينهم في الأسبوع الماضي و هي لم تراه قط أو حتي تري جنديه الذي كان يُشكل حلقه وصل بينهما ، تنفست بـ تروي و هي ترد بـ نبرة هادئة نسبيًا :
- لكنني لست موافقة يا أبي .
أستشاط حينها " عبد الحق " غضبًا من إبنته الحمقاء ، كبرت و كبرت حتي أتي اليوم الذي تعارضه فيه و تعصي أمره به ، ألا يكفي عنادها و طول ل**نها الذي دفع الإنجليز إلي أن يعتقلوها ، واحدة أخري بـ وضعها كانت هللت و أطلقت الزغاريد العالية ، فـ هي فتاة مشكوك بها كـ عذراء ، فـ لا أحد يعلم ماذا فعل بها الإنجليز !
صاح بـ غضب و هو يهب من مجلسه :
- موافقتك من عدمها لا تعني لي شئ ، أنا قررت و زواجك من " نصري " سيتم الخميس المقبل .
أرتفعت وتيرة أنفاسها بـ غضب بائن و قبل أن يتثني لها الرد كان " عبد الحق " يدفع كتفها قائلًا بـ غيظ :
- و الأن إذهبي لـ غرفتك لا أريد أن أري وجهك
.
جاءت " خديجة " في تلك اللحظة مهرولة لـ تقول بـ لهفة و هي تجذب " زُبيدة " من ذراعها :
- تعالي معي يا إبنتي .. هيا تعالي .
ذهبت مع والدتها مُجبرة فـ هي لا تريد إفتعال المشاكل الآن حتي تخطط لما تريده بـ ذهن صافٍ ..
***
///بـعـد مـرور ثـلـاثـة أيـام
/// بـ الـقـاعـدة الـبـريـطـانـيـة
غارة أخري علي القاعدة دبرها الفدائيين ، لكن ليست كـ أي أخري ، فـ قد كانت أشد و أعنف غارة تعرضت لها القاعدة في التاريخ و ذلك بسبب تلك الأسلحة الحديثة _ نوعًا ما _ التي كانت معهم ، حقًا لا يعلم من أين جاءوا بها .. لكن لابد بـ أنهم أستولوا عليها من مكان أخر يخص الإنجليز ، هذا هو التفسير المنطقي لما حدث ..
تن*د تنهيدة مطولة كأنه يخرج كل ما يعتمل في ص*ره من ضيق و حزن و غضب و هو يلقي بـ جسده علي السرير الخاص به ، لا يعلم ماذا يفعل .. مشاكل عمله من ناحية و من ناحية أخري ذلك الذي تقدم لـ " زُبيدة " مؤخرًا ، مسح علي وجهه بـ إنهاك متمتمًا :
- الصبر يا الله .. الصبر .
قطع تفكيره صوت طرقات قوية علي الباب لينتفض من مكانه ممسكًا بـ سلاحه ظنًا منه أنها غارة أخري ، وثب بـ خطوات واسعة نحو الباب الخارجي و ما أن وقف قبالته حتي وضع يده علي المقبض و أداره بـ قوة لـ يتفاجئ بـ أحد جنوده يقف أمامه و هو يلهث بـ قوة ، هتف
" سيڤ " بـ تشكك :
- ما الأمر ؟
أجاب الجندي بعدما أستطاع تنظيم أنفاسه :
- هناك فتاة تُدعي " زُبيدة " تريدك في الخارج سيدي ، تقول أن الأمر أمر حياة و موت .
أرتفع حاجبيه بـ ذهول تام .. " زُبيدة " هنا و تطلب مقابلته ، لا هناك شئ خاطئ بـ الموضوع ، يجب أن يكون هناك مصيبة بـ التأكيد ، صاح بـ الجندي بـ إنفعال :
- و ماذا تنتظر أيها الغ*ي ، إجعلها تأتي حالًا .
أومأ الجندي بـ بعض التوتر من إنفعال
" سيڤ " ثم ذهب من أمامه مسرعًا ، دلف
مرة أخري لـ مكتبه و لكن تلك المرة بـ ملامح قلقه ، أخذ يزرع الغرفة ذهابًا و إيابًا يفكر فيما حدث معها ، فـ " زُبيدة " بـ طبيعتها العنيدة لا تحب أن تستعين بـ شخص ما .. لكن الأن و قد جاءت هي له يبدو أن هناك مصيبة كبري حلت علي رأسها ، دقائق و طُرق الباب ثم فُتح لـ يطل منه الجندي و معه " زُبيدة " ، أستدار بـ لهفة نحوهما لـ يجدها تقف أمامه بـ نقابها الأبيض و عباءتها السوداء تطالعه بـ أعين حائرة .. مشتتة ، مرر أنظاره فوقها بـ تلهف و هو يشير لـ الجندي بـ أن يخرج ، أومأ له الجندي بـ طاعة و ما هي إلا ثواني حتي صدح صوت إغلاق الباب الهادئ في المكان ، تقدم منها ببطئ حتي وقف علي بعد خطوة منها يتبادلان النظرات ، و بدون سابق إنذار قطعت تلك الخطوة الفاصلة بينهما رامية بـ نفسها بين أحضانه و قد علي صوت بكائها المُفاجئ ، صُدم بـ حق من تصرفها و قد راوده الشك بـ أن تفكيره صحيح ، لكن بدلًا عن أن يسألها حاوطها محتويًا إياها بين ذراعيه ثم رفعها ضامًا إياها إلي ص*ره ..
توجه نحو غرفة معيشته ثم أستقر بها علي إحدي الأرائك الموضوعة بـ عناية في أحد الأركان ، ظلت دقائق تبكي و تشهق بـ حرقة و هو ما كان عليه سوي هدهدتها كـ طفل صغير و هو يهمس لها بـ بعض العبارات المطمئنة ، رفعت وجهها له بعد بعض الوقت لـ يبتسم فور أن رأها ترفع نقابها لـ يظهر وجهها الخمري الذي **ته الحمرة بسبب بكاءها ، وضع كف يده علي جانب وجهها ثم قال بـ لطافة و هو يمرر إبهامه علي وجنتها :
- ماذا بكِ ؟
حكت جبهتها بـ إحراج عندما لاحظت وضعهما ، فـ هي يعتبر جالسة علي قدميه بـ كل أريحية ، حاولت التحرك ليتشبث بها مغمغمًا بـ رجاء عابث :
- لا تتحركِ يا فتاة .. أنا مرتاح هكذا و أنتِ جالسة بين أحضاني .
إحمر وجهها أكثر و هي تتشدق بـ إنزعاج :
- " سيڤ " إذا سمحت .
شهقت بـ صدمة عندما وجدته يقترب منها بـ وجهه مختطفًا ثغرها في قبله صغيرة جعلته يبتسم بـ إتساع بعدما إبتعد عنها ، أردف و هو يغمز لها بـ وقاحة :
- أول مرة تنطقين بها إسمي و أحببت أن تكون هذه مكافأتك يا فتاة .
وضعت كفها علي فمها شاهقة بـ خجل و هي تردف بـ غيظ واضح :
- أتعلم أنني أنا المخطئة حتي آتي لـ مُحتل فاسق عديم الأخلاق و التربية مثلك .. أتركني حالًا .
قهقه بـ خفة و هو يحاوط خصرها بـ قوة مقربًا إياها منه أكثر ، أردف بـ مكر و هو يرفع حاجبه بـ تحدي :
- هيا قولي الأن و إلا سأبدأ بـ فعل أشياء لن تعجبك بما أني مُحتل فاسق عديم الأخلاق و التربية .
أغمضت عيناها و زفرت بـ تمهل محاولة ترتيب أفكارها المشتتة ، نطقت بـ حزن و هي تفتح عينيها مرة أخري التي لمعت بـ ألم :
- عقد قراني بعد أربعة أيام .
تجمد وجهه بـ عدم تصديق لمَ قالته توًا و أرتخت ذراعيه من علي خصرها ، أصبحت عيناه الزرقاء داكنة بـ شكل مُخيف كأنها بحر ثائر سيبتلعك إن خطوت خطوة فيه ، أيعقل أن تصبح لـ أخر غيره ، أن تُكتب علي إسم أحد غيره ، أن يلمسها أحد غيره ؟
فارت الدماء في عروقه ، مجرد التفكير في الأمر يجعل شياطين الإنس و الجان تتراقص أمام حدقتيه .. هي لن تكون لـ أحد غير " سيڤ " و فقط ، أمر واقع علي الجميع التعايش معه و تصديقه ، أمسك بـ يدها بـ قوة مردفًا من بين أسنانه :
- و هل أنتِ موافقة علي تلك الزيجة " زُبيدة " ؟
هتفت بـ إستخفاف :
- و هل لو كنت موافقة كنت لآتي حتي هنا إليك حتي أطلب منك مساعدتي و حمايتي ؟
مع أنه غاضب في تلك اللحظة لكنه لا مانع لديه بـ التلاعب بـ مشاعرها قليلًا ، مرر أصبعه علي صدغها مرددًا بـ نبرة هادئة :
- لجأتي إلي لأجل منصبي " زُبيدة " ؟
تن*دت بـ ضيق و هي تغمض عينيها بـ غيظ من ذلك الوقح الذي يستغل أي فرصة لـ التقرب منها ، صاحت بـ قوة :
- أتيت لك لأنني متأكدة من أنك تستطيع مساعدتي و حمايتي " سيڤ " حتي دون منصبك .
إبتسامة صغيرة شقت ثغره و هو يتن*د بـ إرتياح
، أراح جبهته علي جبهتها و هو يتمتم بـ حرارة حرقت كليهما :
- أعشقك " زُبيدة " .
فتحت عيناها بـ ذهول تام لـ يباغتها بـ قوله الجاد :
- سأتزوجك ، سأخذك و نهرب بعيدًا عن عائلتك .
هنا أنتفضت واقفة بـ فزع ، فـ هذا لا يمكن هو إنجليزي و هي مصرية .. هو مسيحي و هي مسلمة .. هو لا يحكمه شئ و هي تحكمها الكثير من الأشياء ، هتف و هي تهز رأسها بـ عدم تصديق :
- لا لن يحدث ، هناك الكثير من الأشياء المختلفة بيننا .. هذا غير أن ديانتي لا تبيح لي أن أتزوج غير من مسلم مثلي لا لا ، لن يحدث .
أنتصب واقفًا هو الأخر ثم قال بـ لطف و هو يدنو منها بـ بطئ :
- لأجلك سأكون مسلمًا ، لأجلك سأترك ديانتي ، حتي و إن وصلت لـ ترك عملي الذي وصلت إليه بـ شق الأنفس سوف أفعلها ، سأحارب لأجلك حبيبتي فـ عشقك تسرب لـ دمائي و روحي
" زُبيدة " ، أصبحتي جزء لا يتجزء مني فـ كيف لي أن أتركك بهذه البساطة ؟
أحتضنها بـ رفق ثم أكمل بـ رقة :
- أعدك أنني سوف أحافظ عليكِ حتي من نفسي ، سألقنك فنون العشق حتي تصبحي في هواي ذائبة ، لكن إقبلي و لا ت**ري قلب عاشق متيم بكِ لا يريد من الحياة سواك .
تطلعت لزرقواتيه بـ أعين لامعة ، تشعر بـ أنه صادق بـ كل كلمة قالها ، تري الصدق في عينيه واضحًا ، لمَ لا تجرب فـ هي سواء هكذا أو هكذا خاسرة إن خدعها " سيڤ " ، فلتجازف تلك المرة و تتبع قلبها الذي يريده بـ شدة عله أن يكون صادقًا تلك المرة و يغلب عقلها ، إبتسمت بـ خفة قائلة :
- أقبل ، لكنك يجب أن تلتزم بـ كل كلمة خرجت من فاهك .
زرعها بين أحضانه بـ لهفة مجيبًا :
- بـ التأكيد سألتزم .. بـ التأكيد .
_ يُـتـبـع _