الفصل 2
أنتهت من تمام هيئتها وزينتها البسيطة المناسبة للصباح، وانضمت لوالديها حول مائدة الإفطار العامرة
ومن ثَمَ ذهبت مع سائقها تلحق بمحاضرات أول أيام الأسبوع!
ما أن رآها السائق، حتى ترجل من السيارة، واستدار ليفتح لها الباب الخلفي باحترام، هاتفا:
_ صباح الخير يا بلقيس هانم! أتفضلي!
أجابته وهي تستقل المقعد الخلفي، واضعة جوارها حقيبتها: صباح الخير يا عمو راغب"
وواصلت: صحتك عاملة أيه دلوقت.. السكر اتظبط!
أجاب: الحمد لله ياهانم احسن عن الأول!
هتفت بضجر: أنا بكره كلمة هانم دي منك ياعمو راغب، قولي بلقيس وبس!
منحها نظرة تنم عن إمتنانه الممتزج باحترامه:
يابنتي إنتي اه في معزة بنتي "مي" وربنا عالم.. بس بردو العين ماتعلاش على الحاجب.. انتي بنت عا** بيه ولي نعمتي.. وأمانتي اللي بحافظ عليها وماينفعش اكلمك بدون ألقاب!! سيبك من كده بقى وقوليلي ليه شكلك مضايق كده!
_ متغاظة ياعمو.. ماما وبابا رفضوا اتعلم السواقة بحجة إني مش مسموح أروح أي مكان لوحدي، ولازم انت توصلني.. ده غير رفضهم أطلع رحلة " راس البر" اللي منظماها الجامعة الأسبوع الجاي.. هو إمتى هيحسوا إني كبرت مش فاهمة! أنا حاسة بحصار مضايقني!
_ حقهم يخافوا عليكي، ده انتي الحيلة.. وبعدين مش عايزة عمك راغب يوصلك ليه؟! عايزة تقعديني في البيت من غير شغل..!
_ لأ طبعا.. أنا اقصد مشاوير معينة ابقى لوحدي فيها البنات في الجامعة بيلقحوا عليا بالكلام ان أهلي بيعاملوني كأني طفلة.. عايزة احس بالحرية شوية.. مش الخنقة دي! ده "جوري" بنت عمي الأصغر مني عندها حرية عني!
قال مواسيا: بردوا اعذريهم، وبكرة تفهمي وتقدري خوفهم ده، لما تتجوزي وتخلفي ولاد.. ساعتها هتحسي بيهم!
اتسعت عيناها وارتفع حاجبيها تعجبًا: انتوا بتغششوا بعض ولا أيه؟! ده نفس كلام ماما وبابا..!
ضحك مسترسلا: لأ دي مش محتاجة غش.. دي حاجة طبيعية.. وعمك العجوز أب وفاهم شعورهم!
مطت شفتيها: ماشي مش هخلص أنا من وصلة النصايح.. لعلمك لما اتجوز واجيب ولاد هخلى عندهم حرية مش هخنفهم ابدا و"أعد" عليهم أنفاسهم كده..!
ابتسم وعيناه مصوبة علي الطريق: ربنا يصلح حالك انتي واللي زيك قادر يا كريم!
وتابع قوله، التقاطه شيئا ما من تجويف أمامه:
اتفضلي يا أميرة المنصورة الشيكولاتة بتاعة كل يوم!
ابتهجت وهي تتناول مغلف الشيكولاتة الصغير:
_ أيوة كده لحقت نفسك، أنا كنت خلاص أخدت قرار أخا**ك عشان نسيت الشيكولاتة!
ابتسم بمحبة حقيقية: وأنا أقدر ياست الحسن.. ده أول حاجة بعملها الصبح إني بشتري أتنين ليكي انتي ومى بنتي!
شكرته، وراحت تستمتع بطعم "الشيكولاه" وهتفت بعد برهة: تفتكر ياعمو راغب لو أخواتي التؤام كانوا مش ماتو في حادث وهما صغيرين، وفضلوا عايشين.. كان ماما وبابا هيركزوا معايا كده؟
_ متهئلي كان اهتمامهم هيتقسم عليكم كلكم.. بس الله يرحمهم حادث غرقهم أكيد معلم جواهم.. وللسبب ده مش بيخلوكي تروحي أي مكان فيه بحر! ولازم تقدري خوفهم ده.. مافيش، اصعب من اللي حصل عليهم!
أومأت برأسها بتفهم: عندك حق، ماهو ده اللي بيخليني اعذرهم ساعات!
_________
شركة " أولاد ابو المجد للتصدير والاستيراد" في القاهرة!
عا** مستمعا لمدير مكتبه، وهو يتفحص بعص الأوراق قبل توقيعها..!
علي: ده سيادتك افضل عرض أسعار أتقدم من شركة الشحن مع تسهيل في المعاملات الورقية والتخليص الجمركي وتعهدها بضمان نقل منتجنا بشكل آمن وسريع!
عا** بإيماءة: أنا فعلا شايف إن أسعارها مناسبة جدا خلاص على بركة الله!
أكمل " علي": وحددت معاد مع العميل الجديد، وهو هيوصل في خلال دقايق يافندم!
عا**: تمام، وانا منتظره.. روح انت على شغلك، وابعتلي قهوتي مع عم صابر!
_ حالا يا فندم هوصي عليها فورا..!
" وأما أدهم بيه يوصل خليه يعدي عليه"
التفت الموظف " علي" مرة أخرى:
حاضر يا فندم، أول ما يوصل هبلغه..!
" كنت بتكلم محمد أخونا يا عا**؟"
استدار مجيبًا، بعد أن أنهى مكالمة دولية:
أيوة يا "أدهم" ، كنت باخد رأيه في حاجات تخص شغلنا، إنت عارف بحب احطه في الصورة، هو شريك معانا وده حقه.. واستطرد: هو وبيسلم عليك وعلى الكل!
ابتسم بحنان: الله يسلمه ويرجعه بالسلامة، واحشني أوي.. الغربة واخداه مننا، ياريته ينزل قريب هو ومراته والولاد!
_ بيقول قريب هينزل ويستقر معانا.. ربنا يسهل!
أومأ برأسه: إن شاء الله..!
واستأنف: على قالي إنك قابلت عميل جديد!
_ أيوة، عميل أوكراني.. جاي يتفق علي استيراد عصير برتقال " أورجنك" من عندنا..! والحمد لله اتفقنا على السعر، وهتصل " بجلال" ابن عمنا اعرفه لأن هو المسؤل عن مصنع التعليب، وهيتابع معاه لحد ما يستلم الطلبية!
أدهم: بإذن الله، هتتسلم وتوصل بأمان!
عا** : على خير، كنت عايز اقولك اقتراح!
بما إننا بنص*ر فواكهة وموالح أراضينا للخارج، إيه رأيك نزود أصناف منتجاتنا.. مثلا ألبان ومشتقاته، ودجاج مجمد؟ بما إننا هنشتري المزرعة اللي انت قلت عليها!
أدهم وقد بدا أستحسانه للفكرة: والله ليه لأ..وأصلا المزرعة بالفعل جاهزة وقريبة في المنصورة جمبنا.. وعابد ابني بما إنه هيكون مهندس زراعي، هيتولى إدارتها ومتابعتها!
_ ما انا عارف وعشان كده عرضت الفكرة دي، واما قلت لمحمد وافق جدا..!
_ خلاص يبقي سيب عليا أنا وعابد القصة دي، وانت تظبط أنت اتفاقاتك مع العملاء والجزء التسويقي والاتفاقات المادية، وأحنا علينا الباقي!
وواصل: ياريت يزيد كان ينضم معانا في نفس المجال، بس للأسف هو حب مجال الهندسة المعمارية أكتر.. وحلمه يعمل المشروع ده اما يخلص جيشه، أهو فاضله أيام وينتهي تجنيده نهائي!
برقت عين عا** بإعجاب: المهم إنه مختار طريقه وهيشتغل في حاجة بيحبها.. ربنا يبارلك فيه، بصراحة ولادك ونعم الشباب يا ادهم، جادين ومحترمين وكل واحد محدد هدفه في الحياة، مش ماشين كده عبث..!
ادهم بلمعة فخر أبوي: الحمد لله يا اخويا، وبعدين دول ولادك انت كمان يا عا** ولا أيه؟
ابتسم عا**: اكيد واكتر، صحيح ربنا ماكتبش إن ولادي يعيشوا، بس بلقيس بنتي عندي بالدنيا كلها، وولادك سند ليها بعد ربنا من بعدي..!
_ ربنا يد*ك طولة العمر ويفرحنا بيهم كلهم!
تمتم عا**: اللهم امين!
_______
بعد أسبوع!
رائحة زكية تسللت لانفه فصاح بحماس:
ريحة خبز الكماج المفحفح واصلة "أوضتي" فوق!
تهلل وجه " كريمة" البشوش النضر رغم عمرها الذي تخطى منتصف الأربعين وهي تتلقى ثناء زوجها على ما صنعت!
_ صباح الورد يا أدهم.. أنت عارف الكماج بالذات "يزيد" بيحبه من إيدي..! عشان كده مخليتش "أم السعد" تعمله!
اجابها: بس تعبتي نفسك.. خدي بالك الدكتور موصي ما تجهديش ضهرك كتير..!
_ ماتقلقش يا حبيبي، وتعبكم يهون.. كفاية عليا اعمل حاجة بتحبوها..!
هتف بمدح: لازم نحبها يا " كرومتي" المنصورة كلها مافيهاش حد بيعمل خبز الكماج زي ما بتعمليه انتي!
وواصل بمشا**ة: طبعا بتجهزي وليمة فخمة على شرف حضور ابنك الكبير اللي نازل بكرة من جيشه.. أنما احنا في العادي بنتكروت!
ضحكت هاتفة: جرى ايه يا ادهم هتغير من ابنك، يعني عايزه يكون جاي وما اعملش كل اللي بيحبه؟!
_ لا يا ستي، اعملوا وانبسطوا.. وواصل: المفعوصة جوري، لسه نايمة؟
مطت شفتيها بتهكم: طبعا، هي وراها إيه غير الفيس والتركي والرغي مع عطر بنت خالتها..!
( سامع يادومي ماما بتقول عني ايه، وانا اللي سبت نومي وقمت عشان اساعدها يكون جزائي اسمع الكلام الجارح ده؟! )
أدهم بتحذير :احترمي نفسك يابت أنتي بلا دومي بلا اندومي!..مش حذرتك من السهر الزيادة؟!
اقتربت من أبيها واحاطت عنقه بدلال:
وحياتك يا بابا حاولت اصحي بدري ، بس اعمل ايه كنت سهرانة لوقت متأخر بذاكر.. ثانوية بقي ولازم تعذروني!
الأم مكذبة: بتذاكري ولا سهرانة على الفيس بوك الفاشل بتاعك!
جوري معترضة: الفيس مش فاشل، ده بقى شيء أساسي في الحياة يا مامتي..وبستفيد منه والله مش مجرد تسليه، واسحبي بقى كلامك بدال ما أزعل واجيب ناس تزعل معايا..!
أجابتها ببراءة: هتجيبي ناس تزعل معاكي ليه؟!
" مجاملة يا "كيما"
جائتها الأجابة على ل**ن عابد، الأبن الأوسط الذي انضم إليهم للتو!..فصفق أدهم كفيه بنفاذ صبر:
اتفضلي يا ستي ادي أخرتها مع ولادنا المؤدبين، واحدة بتقولي يا دومي والتاني بيقولك يا "كيما" كأنك بنت خالته مش امه!
عابد بعد أن تجرع بعض الماء من قنينة زجاحية:
_ عندك حق أدهم.. انت مخلفتش إلا يزيد!
نهره أبيه: أدهم في عينك، انا هروح اصلي احسن.. مش هنضيع يوم الجمعة في الاستظراف خلينا نروح المسجد بدري.. ثم نظر لابنته: وانتي يابرنسيسة، قولي "لأم السعد" تحضر الفطار!
أجابت بمزاح: حاضر يا دومي.. بس ادعيلنا وانت بتصلي ياحج!
_ هدعيلك تعقلي إن شاء الله!
حركت رأسها بيأس وهمت بالمغادرة، فأوقفها عابد:
_ سؤال رفيع يا ماما قبل ما تغطسي في المطبخ.. لأن في حاجة مهمة لازم اعقب عليها؟!
عقدت ذراعيها وطالعته بتهكم: أتحفني ياحبيب ماما وعقب براحتك!
هتف بعتاب مازح: دلوقتي يزيد هو حبيبك وأول فرحتك.. والمفعوصة دي اميرتكم الصغيرة واخر العنقود..! أنا بقى گ عابد، موقعي أيه في الأسرة السعيدة دي يا ست ماما؟
أقبلت عليه وقرصت إحدى وجنتيه:
أنت البكاش الوسطاني، اللي بتاكل بعقلنا حلاوة.. وحبيب الكل، وقلب أمك من جوة!
عابد بمشا**ة: ده اللي هو أنا بردو، ده انا الغلبان المركون على الرف! عموما مستعد أصدق لو وليمة بكرة فيها بشاميل!
دللته هاتفة: طبعا ياعبودي عاملة بشاميل عشانك مخصوص.. واستطردت: بس سيبني بقى وروح صلي على ما الفطار يجهز!
______