عاد من سهرته مع مهاب خائر القوى يكاد يموت تعبا، وما ان دخل بيته حتى سمع صوته قادما من حجرة الجلوس: انت جيت يا كريم؟
على الفور توجه إليه كريم مبتسما بتعب ليقبل رأسه: ازيك يابو خليل، وحشتني والله.
أدار إبراهيم وجهه بعيدا بحزن مصطنع: بأمارة ايه وحشتك يعني؟ بأمارة أول ما وصلت جيت جري على هنا عشان تشوفني؟ دة لولا انك اتصلت بيا وانت في المطار ما كنتش عرفت انك جيت أصلا النهاردة، دة غير ان كل ما بتصل بيك تليفونك بيدي مقفول.
جثا كريم على ركبتيه أمامه وهو يحتضن كفيه بين أصابعه ليقول معتذرا: والله كان غصب عني يابو خليل، أنا قولت أعدي ع الشركة الأول عشان أطمن مهاب ع الصفقة اللي عملتها، وأول ما شافني يا سيدي طلب مني أعمله مشوار كدة خاص وبعدين خرجنا اتعشينا سوا، وكما ما خدتش بالي ان التليفون فصل شحن غير وانا جاي دلوقت.
ازدادت تجاعيد جبينه مع ازدياد عبوس وجهه وهو يعاتبه: يعني كمان اتعشيت برة وانا اللي كل دة مستنيك نتغدى سوا.
ظهر على وجه كريم شعوره ىالذنب وهو يقول: يا خبر! ليه بس كدة يابو خليل؟! وطبعا كبرت دماغك ونسيت تاخد العلاج، قولي بقا أقدر أنام أنا ازاي دلوقت وأنا ضميري هيقعد يأنب فيا طول الليل؟ مع اني والله هموت من التعب.
احتضن إبراهيم وجه ابنه بحنان ليقول له بتسامح: بعد الشر عنك يا حبيبي، ادخل انت خدلك دش سريع، وبعدين نام على طول عشان جسمك يرتاح، وأنا هاكلي لقمة صغيرة كدة وآخد علاجي وانام أنا كمان عشان عندي مرافعة بكرة الصبح بدري.
كريم بمرح: براءة ان شاء الله يابو خليل وليا الحلاوة.
لطمه خليل بلطف على خده وهو يقول: أنا أصلا محامي المدعي، ياللا، روح نام.
نهض كريم من مكانه متثاقلا وهو يتثاءب: ماشي، أنا أصلا مش قادر أفتح عينيا من النعس.
ثم أضاف مازحا: الله يحرقك يا مهاب انت وبنات عمك.
ثم التفت مجددا نحو والده وكأنه تذكر أمرا ما: اه بالحق يابو خليل، نسيتني أقولك أهم خبر في الليلة دي كلها.
انتبه له إبراهيم ب**ت، بينما اردف كريم قائلا في محاولة منه للاختصار بقدر الامكان: مش الواد مهاب طلع ليه عم، لا وايه؟ دة كمان مخلف ولما مات خلى مهاب الوصي على بناته.
...........
تستلقي شاكيناز باسترخاء على ذلك الكرسي على الشاطىء مساء بمفردها حيث قررت سارة أن ترتاح قليلا في الشاليه الخاص بهم وتستمتع بقراءة احدى الروايات الرومانسية ذلك النوع من الروايات الذي تفضله.
: مساء الخير يا أشكيناز هانم.
فتحت أشكيناز عينيها لتجد شابا في أواخر العشرينات من عمره وسيما مهندما إلى أبعد الحدود، سألته بترفع متجاهلة الرد على تحيته: انت تعرفني؟
رد مراد على الفور وقد كان أحد الشباب الثلاث الجالسين في المطعم: وهل يخفى القمر؟ مين في مصر ما يعرفش شكيناز هانم الوهداني؟ الحقيقة أنا كان نفسي أتعرف بحضرتك من زمان، بس للأسف ما جتش الفرصة المناسبة غير دلوقت لما شفتك النهاردة وانتي بتتعشي في المطعم، بس ما حبتش أسلم عليكي هناك عشان خفت لأخت حضرتك تضايق.
رفعت شكيناز حاجبها بتعجب وهي تتساءل: أختي!
أظهر مراد جهله بالأمر متعمدا: أنا قولت انها أكيد يا أختك يا صاحبتك، بس في الآخر رجحت انها أختك عشان فيه شبه كبير بينكم.
تداركت شاكيناز سوء التفاهم الذي حدث، فقالت مصححة بابتسامة بها بعض الإحراج: لا، دي سارة بنتي.
أبدى مراد اندهاشه من الأمر وقال معلقا: معقول! حضرتك صغيرة أوي على ان يكون عندك بنت في السن دة.
أخجلتها كلماته التي اعتبرتها مدحا نوعا ما، ثم أطرقت رأسها خجلا وهي تضيف: دي أصغر عيالي على فكرة، أنا عندي اتنين أكبر منها.
استمر مراد في إلقاء كلماته المعسولة اتباعا للنصيحة التي تقول(اطرق على الحديد وهو ساخن): والله يا هانم ولا يبان عليكي.
: مراد!
نادى عليه أحد أصدقاءه من بعيد، فاستأذن منها بتهذيب: طب عن اذنك يا شاكيناز هانم.
ثم مد يده ليلتقط كفها دون ممانعة منها فيقبل ظاهرها وهو يضيف بابتسامة موحية: ع العموم دي فرصة سعيدة اني قابلت واحدة في جمال و ذوق حضرتك، وأتمنى انها تتكرر مرة تانية.
ثم رحل قبل أن تتاح لها الفرصة للرد عليه، بينما ذهب هو إلى صديقه الذي ابتسم له بمكر وهو يسأله: هه! جيت في الوقت المناسب ولا ايه؟
أجاب مراد بابتسامة جامدة: يعني، ماشي الحال.
غمز له صديقه وهو يسير بجانبه: طب مش هتقولي عملت ايه؟
مراد باقتضاب: لسة ما عملتش.
صلاح بضيق من ردوده التي لا تروي ظمأه: طب ناوي على ايه معاها؟
مراد بغموض: بكرة تعرف.
علق صلاح بانزعاج: أنا عارف اني مش هاخد منك حق ولا باطل، بس مش مهم، المهم المصلحة اللي هتطلعلي.
مراد: أيوة كدة، خليك بس معايا ع الخط، واللي هنتفق عليه هتاخده.
.............
أما في فيللا الوهداني، فبعد تناول الطعام برفقة كريمة وتبادل الأحاديث البسيطة معها، استأذنت منها صفوة لترتاح هي وأختها في حجرتهما حيث أصرت صفوة أن تتشارك هي وأختها نفس ومع إلحاحها لم تجد كريمة بد من الرضوخ لطلبها، فأرسلت معهما احدى الخادمات الشابات لترشدهما إليها وتنفيذ طلباتهما ما ان احتاجا إليها، وما ان أرشدتهما الخادمة إلى الغرفة وعرضت على صفوة المساعدة، رفضت صفوة عرضها بتهذيب وشكرتها، ثم رحلت الخادمة ، طلبت صفوة من أختها أن تنهض وتساعدها في رص ثيابهما في خزانة الثياب، فتذمرت صفا وهي تلوم أختها: على فكرة بقا، انتي رخمة آخر حاجة، ما كنتي طلبتي من الخدامة انها ترصهم ولا انتي غاوية تعب وخلاص؟
صفوة بهدوء: لا يا ستي صفا، أنا مش غاوية تعب وخلاص، بس احنا اتعودنا اننا نخدم نفسنا دي مش حاجة جديدة علينا، واللي كنا بنعمله في بيتنا هنعمله هنا، دة غير ان دي مش حياتنا ومش لازم نتعود عليها لاننا مش ضامنين هنقعد هنا أد ايه ومهما قعدنا بردو مسيرنا هنرجع لحياتنا القديمة، ثانيا بقا ودة الأهم طوال قعدتنا هنا مش لازم نحسس أصحاب البيت اننا عبء عليهم، امتي فاهمة.
تأففت صفا فهي لم يعجبها طريقة أختها في التفكير حيث ردت قائلة: والله انتي طول عمرك نكدية وهتفضلي كدة.
صفوة بأمر: طب ياللا بطلي رغي، وقومي وضبي معايا الهدوم بلاش **ل.
نهضت صفا بتثاقل: حاضر.
وبدأت بالفعل تساعد أختها، ثم تذكرت أمرا فسألتها: إلا قوليلي صحيح، انتي ليه **متي اننا نقعد في أوضة واحدة، صحيح هي واسعة والسرير هيسعنا احنا الاتنين، بس بردو مش كان أريح ان لكل واحد فينا أوضة لوحدها.
بينما ردت صفوة معلله: يا بنتي احنا لسة ما نعرفش الناس اللي هنعيش معاهم ومش لازم تثقي في حد ما تعرفيهوش، احنا طول ماحنا مع بعض ان شاء الله هنبقا في أمان، غير كدة ما ضمنش.
دارت عينا صفا المليئة بالإعجاب في أنحاء الغرفة، وعلقت قائلة: بس بصراحة الفيللا حلوة أوي، كل حاجة فيها حلوة، أنا بصراحة مبسوطة اننا هنعيش هنا، وانتي ايه رأيك يا صفوة؟ مش مبسوطة بردو.
وقبل أن تجيب صفوة بملامحها ال**بسة، أسرعت صفا ترد بالنيابة عنها: ولا بلاش تجاوبي، أنا عارفة ردك هيكون ايه؟ مش بقولك انتي طول عمرك نكدية؟
قالت كلمتها الأخيرة ثم انفجرت في الضحك هي وش*يقتها.
..........
عاد مهاب من عمله متأخرا كالعادة، وتوجه على الفور إلى غرفة عمته التي كانت بانتظاره: مساء الخير يا عمتي؟
كريمة التي كانت تستلقي على سريرها: مساء الخير يا حبيبي، أنا الحمد لله بخير.
قبل مهاب رأسها قبل أن تضيف بعتاب: مع اني واخدة على خاطري منك شوية.
عبس وجه مهاب وهو يسألها: مني أنا؟ ليه يا ست الكل؟
كريمة: يعني حلوة الحركة اللي انت عملتها مع بنت عمك دي.
كلامها بأريحية بتلك الطريقة جعله يرفع حاجبه باندهاش: بنت عمي!
بدت الكلمة غريبة على أذنيه حتى ذكرته كريمة لائمة: انت نسيت ولا ايه يا مهاب؟ ولا لسة ما تعودتش ع الكلمة؟ صفوة بنت عمك كامل.
أومأ مهاب برأسه متذكرا: آه، مالها صفوة بقا؟
كريمة: ينفع يكون أول ميعاد بيكم كدة وما تروحش وكمان تبعت صاحبك بدالك؟ اه كريم واحنا كلنا بنعزه ومكانته عندنا في نفس مكانتك وأخلاقه ما تتخيرش عن أخلاقك، بس هي ما تعرفش كل دة؟ وكل اللي هييجي في تفكيرها دلوقت اننا مش مهتمين بيها أو ان قيمتها قليلة عندنا.
رد مهاب محاولا التحكم في انفعاله: يا عمتي، أنا جالي شغل فجأة ما كنش ينفع اني أءجله أو ان حد يعمله مكاني.
كريمة متفهمة: أنا مقدرة اللي انت بتقوله دة كويس بس هي لسة غريبة عننا ومش هتفهم دة دلوقت.
سأل مهاب وقدا بدا عليه نفاذ الصبر: أيوة يعني أنا أعمل ايه دلوقت؟
كريمة بلطف محاولة امتصاص غضبه الذي بدا يبوح في الأفق: ولا حاجة يا حبيبي، بس لما تشوفها ياريت تبقا تطايب خاطرها بكلمتين.
مهاب وقد بدأ يستعيد هدوءه: ان شاء الله، أي حاجة تانية؟
كريمة: تسلملي ياحبيبي.
مهاب وهو يقبل رأسها مجددا: طب تصبحي على خير.
كريمة بحنان: وانت من أهله يا حبيبي.
.............
اقترب قرآن الفجر وهي كالعادة استيقظت على صوت المنبه، أخذت بضعة لحظات قبل أن تتذكر أين هي؟ وما ان تذكرت أحداث الأمس حتى فرت دمعة من عينيها مسحتها بأناملها على الفور قبل أن تتبعها أخريات ثم استغفرت ربها وترحمت على والديها واستعاذت بربها من الشيطان الرجيم لتنهض من فراشها فتتوضأ وترتدي اسدالا للصلاة ثم تخرج سجادة صلاة صغيرة ثم احتارت في طريقة فرشها، فهي لا تعلم اتجاه القبلة في هذا المكان، ظلت في حيرتها تلك بعض الوقت إلى أن قررت أخيرا أن تسأل أحد سكان هذا البيت ولكنها لا تدري إن كان أحدهم مستيقظا في هذا الوقت من الليل، ولكن على الأقل يجب أن يكون هناك شخصا واحدا يصلي الفجر في أي مكان، خرجت من حجرتها وتحركت بهدوء حتى لا تزعج أحدا و أرهفت السمع عل أذنيها تلتقطان أي صوت ولكن يبدو أن لاحياة في هذا الدور العلوي، إذن فلتتجه نحو الأسفل أيضا بهدوء وربما على أطراف أصابعها، ولكن كان الوضع هادئا كذلك، كادت تعود أدراجها لولا أن استمعت لذلك الصوت الرخيم الذي يتلو القرآن، أرهفت السمع لتعلم من أي اتجاه يأتي هذا الصوت؟
ثم تتبعت تجاه الصوت حتى وصلت إلى تلك الغرفة المغلقة التي ينبعث الضوء من أسفلها، طرقت الباب عدة طرقات قبل أن يأتيها ذلك الصوت الدافىء الذي بدأت تعتاد عليه: أدخلي يا سناء.
فتحت الباب وتقدمت إلى الداخل على استحياء لتجد كريمة الجالسة على السرير وتضع ذلك المصحف الكبير على قدميها، ابتسمت ما ان رأت صفوة وقالت معتذرة: معلش يا بنتي، افتكرتك سناء، أصل هي اللي بتجيلي في الوقت دة عشان تساعدني أتوضا، خير يا حبيبتي؟ عايزة حاجة؟ ناقصك حاجة؟ قولي ما تت**فيش.
ردت صفوة بخجل، فلطالما أخجلتها كلمات كريمة اللطيفة والمهذبة: لا، حضرتك أنا بس كنت عاوزة أسأل حد عن مكان القبلة أصلي متعودة اني أصحى الوقت دة أصلي قيام قبل الفجر.
كريم بسعادة: ياااه، أخيرا لقيت حد يشاركني السنة دي، صحيح سناء بتيجي تساعدني في الوضوء بس ما بتصدق أقولها خلاص اني مش محتاجاها، تقوم تجري على أوضتها وتكمل نوم.
وعلى ذكر سناء أتت تلك الخادمة الشابة في تلك اللحظة وهي تفرك عينيها بأصابعها من شدة النعاس وتقول بتثاؤب: صباح الخير يا ست كريمة.
ردت كريمة تحيتها: صباح النور يا سناء.
ثم أردفت موجهة حديثها إلى صفوة: وأدي يا ستي سناء جت في وقتها.
انتبهت سناء أخيرا إلى تلك الشابة التي ترافق سيدتها، فحيتها قائلة باعتذار: صباح الخير يا ست صفوة، معلش مخدش بالي والله انك موجودة.
صفوة بابتسامة متسامحة: صباح النور، ولا يهمك يا سناء، حصل خير.
سألت سناء سيدتها: جاهزة يا ست كريمة؟
أومأت كريمة بالإيجاب: أيوة يا بنتي، تعالي ساعديني أنزل من ع السرير.
وعلى الفور تقدمت منها سناء لتأخذ بيدها، وتلقائيا وجدت صفوة نفسها تتقدم هي الأخرى لتمسك بيدها مع الخادمة.
فرفضت كريمة مساعدتها شاكرا: مفيش داعي تتعبي نفسك يا بنتي، هي سناء عارفة بتعمل ايه؟ ثم أشارت ناحية تجاه معين بالحجرة لتكمل: دة تجاه القبلة، روحي انتي أوضتك وصلي.
صفوة بإصرار: مش قبل ما حضرتك تتوضي الأول.
ومع عناد تلك الشابة استسلمت كريمة، فساعدتها صفوة برفقة الخادمة على النهوض من مكانها والوضوء إلى أن استقرت ثانية في مكانها ع السرير، فشكرت كريمة الاثنتان بامتنان: شكرا يا بنات، معلش تعبتكم، روحوا انتم بقا على أوضكم.
تساءلت صفوة: يعني حضرتك مش عاوزة مننا حاجة تانية.
هزت كريمة رأسها نافية: لا يا حبيبتي، تسلميلي، وربنا ما يحرمني منك أبدا.
خرجت صفوة من الغرفة خلف الخادمة التي قالت لها وهي تحاول أن تمنع ذلك التثاؤب الذي يهاجمها: طب مش عاوزة مني حاجة يا ست صفوة.
صفوة نافية بتهذيب: لا يا سناء، روحي انتي كملي نوم، ولو هتقدري تسهري شوية كمان لحد آذان الفجر ياريت عشان تصليه قبل ما تنامي.
أومأت سناء برأسها في غير اقتناع: ان شاء الله، تصبحي على خير.
ثم ذهبت تجاه غرفتها المجاورة لكريمة فهي خادمة خصصها مهاب فقط لخدمة عمته لذا كان من المحتم أن تكون غرفتها ملاصقة لها حتى تكون الأقرب في نجدتها ما ان احتاجت لأي مساعدة، ردت صفوة تحيتها وهي تتجه ناحية الدرج: وانتي من أهله.
ثم صعدت إلى غرفتها حتى تؤدي تلك السنة المحببة إلى قلبها والتي اعتادت عليها منذ صغرها، فقد كانت دائما ما تؤديها برفقة والدها بعد وفاة زوجته الغالية حيث اعتاد الاثنان على القيام بها، وما ان توفيت الزوجة حتى أخذت صفوة مكانها، كما أخذ الأب مكان زوجته في العناية ببناته، وها هي بعد وفاة والدها تجد من يشاركها قيام اللي، كريمة تلك السيدة التي بدأت تتغلغل إلى قلبها شيئا فشيء.