ابتسم زياد بسعادة؛ فنسب احسان باشا اكبر تجار القرية مُشرّف جدا، وجمال كوالده تمامًا شاب مُهذّب وراقي جدًا إضافة لكونه تاجر ايضًا كوالده، وعائلته صديقة للعائلة مما سيضمن لابنته حياة طيبة برفقتهم، كانت ملامح التوأم متنافرة فإيوان ابدى اعتراضه قائلًا بسخط:
- لا اظُنّ انّ الوقت مُناسِب لهذا الأمر؛ فأيلول صغيرة على الارتباط.
بينما تحدّث حسان:
- العُمر ليس عائقًا وجمال رجُل مُمتاز وايضًا لا تنسى انّهُ اخ جلال ونحن نعرِفُ عائلتيهما منذ زمنٍ طويل، وللصراحة ايلول لن تجِد رجُلًا مثله.
اومأ الأب موافِقًا على حديث حسان واضاف:
- عائلة احسان باشا عائلة مرموقة ولها مكانة عالية بالقرية وابنتنا تستحق السعادة.
اكتست ملامحه لمحة حُزنٍ غريب واضاف بحسرة:
- تمنيتُ ان استطيع ان اوفّر لكُم حياةً رائعة كأبناء العوائل الكُبرى ولكن الاقدار شاءت ان اكون مُجرّد مُزارع بسيط، كُنتُ دائما ادعوا الله ان يمنح أُختكُما زوجًا يعوضها ما افتقدتهُ من رفاهية وراحة.
- ابي!
همس ايوان وحاجِباهُ يقترِنان بضيق واردف:
- نحنُ لا ينقُصنا شيء، واموال العالم اجمع لن تشتري لحظة اجتماعنا على طاولة واحدة، انتَ منحتنا اكثر بكثير مما نستحق، الأمان والراحة والشعور بالرضا لم نكن لنمتلكه بالمال يا ابي فأرجوك لا تُعيد هذا الحديث.
وضع زياد كفّاهُ على وجهه بتعب وشعور الذنب يقتُله؛ فإبناه لا يستحقّان هذه الحياة.
نهض ايوان وبقلبه حُرقة من الألم لرؤية ملامح والده ال**يرة وسارع بامتطاء خيله السريع علّهُ يقوده الى حيث لا عوز ولا انهزام.
نهض بعده حسان غير قادر على اضافة حرف واحد واتجه لغُرفته سابحًا في التفكير علّهُ يستطيع ايجاد حلّ لحالة والده؛ فمنذُ ان ترك العمل وهو دائم السرحان كثير الحُزن وان حاول التظاهُر بالع**، وكأنما ثمّة حمل ثقيل على كاهله ولا يُريد الافصاح عنه.
في الطريق المُعبّد بالرمل والليل يرسوا على سفينة السماء باسِطًا كفّيه بأنجُمٍ لمّاعة سار فرسان بهدوءٍ رتيب اثناء **ت قائديهما، كانت نرجِس ترتدي بنطالًا اسودًا ضيّقًا تعلوه سُترة زرقاء واسعة تاركة العنان لخُصلاتها السوداء حُرّة تسبحُ على امواج الهواء البارد ووشاحًا ازرقًا مُذهّبًا يرتاحُ على عُنقِها، شارِدةً بتفكير جعل عامر يقول بصوتٍ عالٍ:
- نرجس! يا فتاة!.
التفتت اليه قائلة بتلعثُم:
- نعم يا عامر، اعتذر شردتُ قليلًا، ماذا كُنتَ تقول؟
ابتسم ابن عمّها قائلًا:
- لا شيء، انتِ ماذا بكِ؟ من الذي يشغلُ تفكيركِ؟.
اوقفت فرسها امام النهر حيث انع**ت اضواء النجوم على وجه المياه وتقدّمت لتجلِس على اسفل شجرةٍ عتيقة ليقترب منها ويشاركها ال**ت قبل ان تُجيب بعد زفرة ضيق:
- اشعُرُ بأن الحياة باهِتة، لا اعلم يا عامر ماهية مشاعري تجاه الاشياء ولكن كُلّ شيء يبدوا مُملًّا وكئيبا.
نظر الى ملامحها ال**بسة وقال بعد تفكير:
- لماذا لا تُجرّبي فعل شيء مُختلف؟! حاولي تعلُّم هواية جديدة او تعرفي على اصدقاء جُدُد، لا يليقُ بكِ الحُزن وانتِ تعيشين بهذه القرية الساحِرة وهذا الهدوء الرائع.
تحدّثا لبعض من الوقت حول حياة عامر والضغوطات التي يواجهها بعمله فعلاقتهما وطيدة للغاية خاصّة وانّهما الحفيدان المُفضّلان للجدة زينات مما حتّم عليهما التواصل كصديقين مُقرّبين بالرغم من الفرق الكبير بين عُمريهما.
تعتبر نرجِس عامر الأب الروحي لها والأخ الذي لم تحظى به بينما هو يُبادلها ذات المشاعر الاخوية الصادقة إضافة لمعزّة خاصّة نظرًا لكونها الفتاة الوحيدة التي يستطيع ان يبوح لها بهمومه ومشاعره.
استمرّ كلاهُما في تأمُّل السماء الصافية قبل ان يضحك عامر فجأةً وصورة الفتاة النائمة تمُرّ بخياله، اجفلت نرجس من شرودها وهي تراه يضحك من اعماق قلبه وللحظةٍ ابتسمت بحنان وهي تلمح بريقًا افتقدته طويلًا بنظراته فقالت بفضول:
- ما المُضحك؟
حكى لها الموقف فشاركتهُ الضحِك قائلة:
- إنها أُختهُما الصغيرة، لا يغُرّك نومها الكثير إنها كنمل السُكّر، لا تجد مكانًا للفاكهة الا وهي بداخله، اذكُرُ قبل بضعة اشهُر قبض عليها حرس حقولنا تسرِقُ حبّات التُفّاح الناضجة.
واكملت مقهقِهة بجنون ولم تستطِع نُطق الكلمات من شدّة اندماجها بالضحِك:
- وجدوها نائمة اسفل الشجرة بعد ان تناولت التُفاح.
- اوه يا إلهي! تخيلتُها كالاميرة النائمة تتناول التُفاح وتغفوا.
قال عامر ضاحِكًا واردف بعد **ت:
- حقًّا احتجتُ لهذه الاجواء، وأُفكّرُ جدّيًّا بالاستقرار هُنا بدلًا عن المدينة.
تحمست لفكرته وابدت سعادتها باحتمالية بقاءه فهي تُدرِك عُمق الضيق الذي يكتنف مشاعره.
ظلّا لبعض من الوقت وعادا ادراجهُما ولكن في طريق العودة لمحا فرسًا على حافّة النهر، كان الفرسُ يصهلُ بجنون وكأنّهُ مُنزعِجٌ من امرٍ ما، وسُرعان ما تعرّفت عليه نرجس إذ انّهُ (شاهين) حصان عدوّٰها اللدود، اصرّ عامر الترجُّل من حصانه ليرى ما حلّ بإيوان خاصّة وانّ ثيابهُ مُلقاة بجانب النهر ومن المُمكن ان يكون عُرضة للغرق.
- هل من احدٍ هُنا!
هتف عامر بصوتٍ جهور ليرتفِع جسد ايوان عن الماء وقد اذهبت السباحة القليل من الضيق الذي كان يشتعلُ بقلبه فخرج الى الشاطئ الرملي قائلًا بنبرته التي تّثيرُ حنق نرجِس:
- مرحبًا بالغريب.
ابتسم عامر وقد عرِف انّهُ الشاب الذي ساعدهُ صباحًا فعرّفه على نفسه وتحدّثا قليلا لتقطع نرجِس حديثهُما قائلة:
- انا ذاهبة يا عامر، هل ستأتي معي؟
التفت في تلك الاثناء ايوان لينظُر الى تلك التي لم تترجّل عن فرسها وكالعادة ثمّة لِثام على وجهها، صهل حصانها فقال بتهكُّم:
- انتبهي فقد يُسقِطكِ الجواد.
استشاطت غضبًا وترجّلت لتتقدّم منه قائلةً بنبرة حاقِدة:
- لا دخل لك يا ابن المُزارِع، ولا تخف ليست نرجس الساهر من تسقُط.
استغرب عامر من نبرتها المُتعالية ولم تُعجبه فهمس باسمها بتحذير ليقول ايوان بهدوء شديد:
- ما الذي يُزعجكِ منّي يا فتاة؟! اعطني سببًا واحدًا لمُعاملتكِ المُتعالية لي؟
**ت لثوانٍ قبل ان يضحك دون مرحٍ ويُضيف:
- يا إلهي! انت بالفِعل بعقل طفلة، اتغضبين لأنني افوز عليكِ، سأحاول بالمرّة القادمة ان اجعلك تفوزين...
لم يُكمِل جُملته وصوت صفعة قاسية يطرُقُ على خدّه.
كانت نرجس تنتفِضُ من فرط الغضب ويدها التي صفعتهُ ترتعِشُ بشدّة بينما اتسعت عيناهُ القاتِمتان بصورةٍ مُفزِعة ويُحاوِلُ عقلهُ استيعاب ما يحدُث، تجمّد عامر بمكانه من الصدمة واستمرّ ال**تُ الغريب لثوانٍ قبل ان يتقدّم ايوان -بمظهره الشرِس عاري الص*ر والمياه تقطُرُ من خُصلات شعره الطويلة- من نرجس والتي لخوفها لم تستطِع التحرُّك من مكانها وكُلّ ما فعلتهُ انّها طالعتهُ بعيناها الشريرتان بجمودٍ غريب، نفث انفاسهُ الحارِقة على وجهها كلهيب بُركانٍ مُتّقد واحكم القبض على كفّيه بشدّة واسنانه تضغطُ على شفتيه بقوّةٍ اشعرتهُ بطعم الدماء، رمش بعيناها مرتين وقال ببرودٍ يُغلّفهُ الوعيد:
- أُقسِمُ بمن خلقني ان أسترِدّ ثمن هذه الصفعة اضعافًا مُضاعفة، سأجعلكِ تتمنّين الموت على ما سأفعلهُ بكِ يا ابنة العُمدة.
انهى حديثهُ بتهكُّم ولم يسمعهُ احدٌ سواها وسُرعان ما ابتعد مُلتقِطًا ثيابه وركِب (شاهين) وانطلق بسُرعةٍ مُفزِعة حينها فقط ادركت حماقة ما اقترفته ولأوّل مرّة بحياتها تندم على فِعل شيء؛ فلم تكُن اساءة الأدب من شيمها.
استمعت لتأنيب عامر وقسوته عليها ب**ت الى ان وصلا للمنزِل وتوجّهت مُباشرةً لغُرفتها مُتحجِجةً بالنعاس وغطّى عامر على غيابها ببقاءه مع جدّته وعمّه.
بينما وقفت هي امام المياه البارِدة لتسقُط على رأسها وجلست على حوض الاستحمام ولا زال جسدها ينتفِض وقلبها يخفِقُ بجنون؛ فنظرة عينا ايوان اخافتها كثيرًا فلم تكُن نظرة غضبٍ فحسب بل نظرة رجُل مهزوم وم**ور.
حاولت التخلُّص من اضطرابها ولكن دون فائدة الى ان وضعت رأسها على وسادتها واغمضت عيناها لا زالت نظرة عينيه تمُرُّ بخيالها كلقطةٍ سينيمائيةٍ بطيئة وظلّت ليلتها ساهدة بقلب مُرهق الى ان غفت اخيرًا مع ساعات الصباح الاولى اما ايوان فقد خرج باكِرًا للعمل ولأول مرّة لم يوقظ أُخته ليتشاجرا كعادتهما في الصباح، حتى انّهُ رفض تناول الطعام بحُجّة تأخُره عن العمل.
وصل الى الحقل الذي يعتني به وحده واستطاع اخيرًا التنفيث عن غضبه بأخذ الجاروف الزراعي وحفر الارض يجنون الى تصبب العرق على جبينه واحمرّ كفّاه، جلس اسفل الشجرة ومرر كفّه المُخضّب بالتُرب على خدّه وهمس بجنون:
- سأُربّيكِ يا حقيرة، أُقسِمُ ان أُريكِ جنون ابن المُزراع، أُقسِم!.