امام محطّة القِطار الذي يربِط القرى الريفية ببعضها البعض والمدينة توقف حسّان وبجانبه العُمدة الذي تقدّم من تلك العجوز التي ترجّلت من القِطار، قبّل كفّيها بإحترام وعانقها هامِسًا بسعادة:
- انرتِ القرية أُمّي.
ابتسمت العجوز بحنان وهي تُربّتُ على كتفّي ابنها الذي نال الشيبُ من خُصلات شعره السوداء وتركتهُ العموديّة اكبر بعشرات السنين من عُمره الحقيقي، سارا بهدوء ناحية السيّارة ذات الطِراز القديم التي يقودها حسّان؛ فهو يعمل كمُساعد وسائق للعُمدة.
تقدّمت السيّدة زينات ليستقبلها حسان قائلًا برسميّة:
- انِرت القرية سيّدتي.
ابتسمت واشارت إليه فاقترب مُقبّلًا كفّها بإحترام كعادة السلام على الأكبر سِنًّا واعادت نظرها الى ابنها قائلةً بتساؤل:
- ابن من هذا يا أحمد؟
اجاب ابنها بفخر:
- إنه حسان ابن زياد مصطفي أتذكُريه؟ كان يعملُ مُزارِعًا بحقول العنب الخاصّة بِنا.
اخفى حسان ضيقهُ وسارع بفتح الباب للجدّة التي اعادت النظر إليه بصورةٍ غريبة ودلفت للسيّارة وقد عادت بذاكرتها الى فترةٍ سوداء من حياتها، حاولت إخفاء ضيقها وحُزنها وكبحت نفسها عن تأمُّله من جديد شارِدةً في ما خططت لفعله مؤخرا.
وصلت السيّارة الى قصر العُمدة الكبير وكانت السيّدة وفاء زوجة العُمدة وبناتها في استِقبال الجدّة، سلّمت على والدة زوجها بحفاوةٍ بالِغة مُدرِكة لطبعها الحاد فردّت الجدّة ببرود وعيناها المُتغضّنتان تتتأملان وفاء من رأسِها الى أخمُص قدميها وزمّت شفتيها ب**ت؛ واقتربت فتاة بالسابعة عشر من عُمرِها والقت التحيّة على جدّتها ذات الملامِح الجامِدة، وايضا كانت بذات البرود مع الفتاتين الاصغر منها.
في تلك الأثناء ركضت نرجِس وقد افاقت على صوت السيّارة، سارعت بالنزول عن الدرج وثوب نومِها الناعِم يتهادى مُراقِصًا خطواتها السريعة قبل ان تُعانِق جدّتها هاتِفةً بسرور:
- مرحبًا بزينة النساء، اشتقتُ إليكِ حبيبتي.
تهللت اسارير زينات برؤية حفيدتها الكُبرى المُحببة الى قلبِها فضحِكت ونرجِس تُقبّلُ وجنتيها بقوّة لتُبعِدها هامِسةً بصرامة:
- ابتعِدي عنّي يا عديمة الأدب.
قهقهت نرجِس من نظرات والدتها التي تُشيرُ إلي ثيابها فقالت بدلال:
- انا عديمةُ الأدب يا زينات؟ هذا وانا أُصِرُّ على استقبالك ما ان عرِفتُ بقدومك؟ احزنتِني للغاية.
عبست زينات وهي تقرُصُ وجنة حفيدتها المُشاكِسة قائلة بعبوس:
- إن كُنتِ مُهتمّة بأمري كُنتِ استقبلتِني في محطّة القِطار.
نظرت الفتيات الى عتاب جدّتهن لأُختِهنّ الكُبرى وبمرور الوقت تلاشى استغرابهُنّ فالجدّة لا تُفضّل سوى نرجِس وهي الوحيدة التي تتعاملُ معها بمشاعر الحنان وكأنّها تستخسر حُبّها على البقيّة، جلس الجميعُ ليتناولون وجبة الغداء عقِب استراحة الجدّة من السفر وبعد تناولهم للطعام ب**ت قال احمد بهدوء:
- كيف حال مُحمد وابناءه يا أُمّي؟ انشغلتُ بالفترة الأخيرة ولم استطِع زيارتهم.
اجابت زينات بحنق:
- مُحمد سيكون بخير إن ترك تلك الشيطانة.
فهِم الجميع انّها تتحدّث عن الخالة اسماء زوجة ابنها الأكبر فكتمت نرجِس ضحكتها قائلة بتسلية:
- ماذا فعلت هذه المرّة؟
اجابت بانفِعال:
- اعمالها بشِعة **وء طلعتها، أتُصدّقي يا نرجس انّها صفعت زينات؟ صفعت حفيدتي التي سُمّيت على اسمي، مهما فعلت الفتاة لا يحِقُّ لها ان تض*بها واسنها زينات.
- بالطبع لا يحِقُّ لها، هل سكتّي عن الأمر يا جدّتي؟
قالت نرجِس بحماس وقد اشعلت فضول الجميع لمعرِفة ما حدث فأجابت زينات بعبوس:
- تشاجرتُ معها وكِدتُ ان اضرِبها إلّا ان عامِر ترجاني ان لا أُكبّر الأمر واجبرها على الاعتِذار لي وانتِ تعلمي محبّتي لحفيدي الوحيد، لم استطِع ان ارفُض طلبه ولكن سُرعان ما طلبتُ منه ان يأتي بي الى هُنا لأُريح اعصابي من والدته.
- لماذا لم يأتي معكِ؟
سألها ابنها لتُجِيب:
- بأخر لحظة تم استِدعاؤه لحالة طارئة واضطر ان يذهب ورفضتُ ان يأتي ابيه معي.
استمرّت الليلةُ هادئةً في قصر العُمدة وقد نامت الفتيات باكِرًا ولم يتشاجرن كالعادة خوفًا من جدّتهنّ وتحججت وفاء بالنُعاس لتنسحِب من السهرة ليبقى احمد برفقة والدته وابنته وقد فرِح كثيرًا بسعادة والدته بصُحبة نرجِس التي تحمِلُ خلف غرورها الظاهريّ قلب طفلةٍ صغيرة تزرعُ البسمة على شفاه من حولها، وبالرغم من انهُ لم يُرزق بأبناء إلّا ان نرجِس الإبنة البِكر بسنوات عُمرِها العشرين افضل من ألف ابن وقد كانت ولازالت سندًا لهُ من مصائب الحياة.
****
كان ايوان يجلِسُ على جِذع احد الأشجار وبجانبه ايلول التي جلبت لهُ وجبة الغداء في الحقل؛ فبالرغم من ان بإمكانه العمل في ايّ مكانٍ آخر إلّا انّهُ فضّل مِهنة والده وزرع العِنب الأحمر والأخضر بالحقل متوسّط الحجم الذي ورِثهُ والده عن جدّه، فكبرياءه لا يسمح لهُ العمل تحت يد أحد ولم يكُن راضيًا ان يعمل اخيه سائقًا للعُمدة إلّا ان حسّان لم يشأ ان يفوّت الفُرصة خاصّة وانّهم بحاجة للمال؛ فقد مرِض والدهُما بالفترة الأخيرة ولم يعُد قادِرًا على عناء العمل.
ازالت ايلول الوشاح الأزرق الذي يُغطّي سلّة الطعام وجلست على الأرض وبدأت بوضع الغداء المكوّن من قِطع من لحم الماعِز المطهوّة على الفحم إضافة للخُضروات المسلوقة وبعض الخُبز، تقدّم ايوان ليتشارك الطعام مع أُخته ونسيم الهواءِ المُصاحِب لرائحة المطر البعيدة تُعطي الأجواء طابِعًا من الانتعاش، تناولت ايلول عُلبة مُربّى العنب الاخضر المُفضّلة لديها وتناولتها بتلذُذ وكعادتها رفضت ان تُعطيه منها.
كانا يتناوشان كالعادة عندما سمِعا صوت سيّارة فالتفتا باستغراب لناحية الصوت حيث الطريق الرملي المُعد للسير؛ فالقرية لا تحتوي على العديد من السيارات بل ولا تكاد تتجاوز الخمس سيارات واحدة للعُمدة وُأخريات لبعض اعيان القرية حيث يستخدم عامة الشعب العربات التي تُجرّ بواسطة الخيل.
كانت السيارة تُصدِرُ صوتًا مُزعِجًا نتيجة لنفاد الوقود وسُرعان ما توقفت تمامًا امام حقل ايوان، عرِفت ايلول واخيها ان السيارة جديدة على سيارات القرية مما يعني ان سائقها غريبا عنهم، اعادة نظراتها لطعامها وكبحت فضولها مُستمتِعة بالاجواء الجميلة، وفي تلك الاثناء ترجّل شاب مليح القسمات يرتدي نظارات شمسية ويحمِلُ بيده هاتِفًا من الطِراز الحديث وعلى ملامحه علامات الضيق، تقدّم من ايوان وقال بصوتٍ ذي نغمة ثقيلة:
- مرحبا.
رحّب به ايوان وعرِف منه انّهُ يُريد الوصول لقصر العُمدة فأخبره ان الطريق طويل ولا يمكنه السير بقدميه الى هناك واقترح عليه ان يمتطي الحصان اذا كان من ق**د الخيول، وافق الشاب شاكِرًا فطلب ايوان من اخته ان تصعد برفقته على فرسه وتُعطي فرسها للغريب فحصانها هادئًا وليس بجموح حصانه شاهين، نهضت ايلول واطعمت فرسها المُسمّى ( بحر) القليل من الحشائش ومسحت بكفّها على ناصيته هامِسة ببسمة:
- كُنّ مُهذّبًا يا بحر، ولا تُسقِط الغريب.
صعدت خلف اخيها وسارا برفقة الشاب ليوصلانه لمنزل العُمدة، كان الطريقُ هادِئًا فإيوان بالرغم من عبثه ومزاحة الكثير إلّا انّهُ لا يُحبّ التدخُّل فيما لا يعنيه خاصة مع من لا يعرفهم فلم يستفسِر حتى عن اسم مُرافقه اما ايلول فقد شعرت بالنُعاس الذي يُساورها بهذه الفترة من النهار فتثائبت بنعاس واسندت رأسها على ظهر اخيها مُستسلِمة للنوم خاصّة وان الفرسان يسيران بهدوء.
امام قصر العُمدة ترجّل الغريب عن ظهر الفرس ليستقبله العُمدة امام البوابة وقد عاد لتوّه من مكان عمله، تقدّم منه قائلًا بسعادة:
- انرت القرية يا بُني، مرحبًا بعامر الساهر.
عانق عامر عمّهُ مُجيبًا بضحكة:
- حمدًا لله على وصولي؛ فقد كان من المُحتمل ان ابقى بمنتصف الطريق لولا هذا الشاب، فالوقود قد نفذ من سيارتي.
نظر احمد لإيوان قائلًا بفخر ومحبة غريبة تجتاحه تجاه هذين التوأمين:
- هذه الافعال ليست غريبة على ايوان، شُكرًا لك بُنيّ.
تقبّل الشُكر بإبتسامة بينما تقدم حسّان ليوقظ ايلول التي اجفلت بفزع وكادت ان تسقُط لولا انّ حسّان تلقّفها قائلًا بانزِعاج:
- لماذا جلبتها معك؟ الا تعلم نومها المُميت.
اجاب ايوان بتذمُّر:
- اردتُ ان أُعيدها الى المنزل.
نظر عامر باستِغراب للتشابهُ الكبير بين الشابّين ولكن استغرابه الاكبر كان لحالة الفتاة التي تقِفُ مُتكأةً على حسان ويبدوا انها مُستغرِقة بالنوم الشديد، ساورته رغبة جامحة بالضحِك ولكنّهُ كبحها عندما قال العُمدة:
- الفتاة ناعِسة دعها تُكمل نومها بالداخل وبعدها يُمكنها العودة.
اعترض ايوان وسارع بجلب دلو من الماء ورشقه بقوّة على وجهِها فهي الطريقة الوحيدة التي تنفع لإيقاظها من تلك الحالة، شهقت وقد تبللت بالكامل بالماء والتصقت خُصلات شعرها المُجعّدة على وجهها لتُضفي الى ملامحها بلاهةً طفولية بالرغم من طول قامتها، افاقت لتزمّ شفتيها بإحراج ما ان وجدتهم جميعًا ينظرون اليها فسارعت بامتطاء جوادها والركض به بسُرعة متوجهة الى منزلها وغضبًا حارِقًا يحتاحها تجاه تصرُّف ايوان؛ فلم يكُن عليه ايقاظها بتلك الهمجية وبذات الوقت تُدرِكُ تمامًا انّها لم تكُن لتستفيق سوى بتلك الطريقة.
دلف العُمدة وابن اخيه للداخل لتستقبلهم زينات بسعادة لرؤية حفيدها المُحبب الذي لم يستطِع عدم الوفاء بعهده لها وجاء في اليوم التالي لقدومها بعد ان انهى اعماله ليقى بضعة ايام في القرية ليُريح اعصابه فحياة المدينة صاخِبة ومليئة بالضغوطات.
*****
في المساء جلب ايوان هديّة قيمة لأيلول ثمنًا للاعتذار عما فعله وحكيا الموفق لوالديهما فضحِك زياد مُتخيلًا منظر ابنته بينما زجرتهُم زهرة مُدرِكة مدى انزعاج ابنتها من عادتها الغريبة فإذا ساورها النعاس تنام بأي وقت واي مكان كجُثة هامِدة ولا تستيقظ الا بعد ان تنال كفايتها من النوم، راحت ايلول تتأفف وغادرت لغُرفتها ليبقى التوأمان برفقة والديهما لتقول والدتهُما بعد **تٍ قصير:
- لقد زارتني اليوم السيدة ليلى زوجة احسان باشا وطلبت يد ايلول لأبنها جمال فما رأيُكُم؟
___________________________
عيد مبارك اعزائي جعله الله فاتحة خير وسعادة عليكم.
ها قد عدت من جديد مع رواية من طراز مختلف وبيئة مغايرة لأعمالي السابقة سيستعر فيها لهيب الحب والانتقام واجترار مأسي الماضي، بأرض الكروم بلاد العنب ستنمو مشاعر متضاربة متسلقة هضاب الاختلاف لتصنع ملاحم خالدة.
عناقيد مُرّة رواية عاطفية بإمتياز يندمج فيها الخيال مع الواقع حيث ان القرية والاماكن والازمنة من الخيال ولا ترتبط مع المواقع الطبيعية.
الرواية تدور حول صراع بين ثلاث عوائل بماضيها وحاضرها وبعض الشخصيات الاضافية وهي (للتوضيح):
- عائلة العمدة (احمد الساهر)
- عائلة المزارع (زياد مصطفى)
- عائلة اخرى ستظهر في الاحداث القادمة.
ملاحظة اخيرة (سيتم ايقاف تنزيل المجموعة القصصية رحيل الى اجل غير مسمى مع التركيز على كتابة عناقيد مرة)
وسيكون التنزيل بنسبة فصل بالاسبوع.
اتمنى ان تنال الاحداث اعجابكم والى حين الفصل القادم اتمنى لكم وقت جميل.
مع حبي ?????
فايا❤❤❤