الفصل الحادي عشر

2439 Words
كانت ذاهبة لشراء قهوة، لكنها بدلت خطتها في آخر لحظة وسارت نحو طريق مغاير بعد أن سمعت بتأجيل بازار الجاليات العربية، قررت أن تراجعه وفضلت أن تقوم بمهمته سريعاً ولكن قبلاً ستذهب إلى البلدية حيث وعدها ملهم بأنها ستجد هناك من سيحقق لها ما طلبته بعد أن هاتفه بشكل شخصي لأجل حديقة الحي مشوشة الأفكار ويجب أن تخفف عبئها قبل أن تتراكم فوضاها العبثية، فلا تجد للأفكار التي تعج برأسها رفاً مناسباً تصرفها فيه! إنها العبث، فلا طاقة للقيود أن تنفث غبار الفوضى أنهت مشوارها السريع، إذ لم يعجبها كثيراً ما سيأتي لحديقة الحي، لكنها لم تعبأ كثيراً... فالشيء أهم بكثير من اللا شيء صرفت ذهنها وطفقت بتحضير الأفكار التي ستقدم بها بلدها ورسالتها كالمعتاد في البازار.. استقلت سيارة أجرة، ولحسن الحظ ولسوئه فشلت في فرصة التعرف على سيرة حياة السائق، والخوض فيها، والحديث عن الأزمة المعتادة كان السيارة مكتظة بأربعة ركاب غيرها، والسائق لاهٍ بأغانٍ شعبية تبعث التلوث السمعي جاورت النافذة وسرح خيالها بعيداً، لذا أعادت ضبطه بخوضه غمار التحضير ورسم الصورة المشرقة لبلدها يوم العرض، تجرأت أكثر وقررت المغامرة، وعدم العودة لدار النشر والذهاب لملهم المحطة هذه تُسعدها! محطة المغامرات من فورها، اتصلت بملهم وأخبرته قدومها، فحياها ببشاشته المعتادة وأباح سراً لها، أوقد شعل الحماس لديها.. منذ مواجهتهم الأخيرة وهو ملتصق كالغراء حرفياً بملهم، يسبقه إلى مكان عمله، أو أمام سيارته أحياناً، يزور بيت أهل علياء في مواعيد زيارته لكيلا يتسنى له أن يطرده أو يتركه! وملهم يعيش دور الفتاة الغاضبة من حبيبها، يتجاهله وينعته بألفاظه الب**ئة جداً، ويطرب مسامعه بمواعظ... كل هذا وهو غير مهتم! -كيف لو كنت مهتم يا ملهم! تأخر اليوم عن موعد تطفله على ملهم بسبب مروره إحدى دور الرعاية، فجاء وكله خوف ألا يجده! بص*ر رحب يتقبل كل شيء، كل شيء المهم ألا يغيب وجه ملهم الصبوح الذي أشرق فؤاده فيه وصل المصعد مكتسٍ بالسواد كعادته، وضع كفه اليمين في جيب سرواله، نصب هامته وأطرق برأسه ما أن سمع صوت أنثوي قادم باتجاهه، يتابع طرق خطوات حذائه التي تطرق الأرض.. ضحكة دوت في أروقة عقله، صوت مألوف، ونبرة مألوفة ومرتفعة يكاد أن يجزم بمعرفتها. التفت إليها علّه يتعرف وجهها، قابلته ابتسامة تحتل محياً أسمر فاتناً منشغلاً بمكالمة هاتفية، لم يتفحصها بل أعاد نظره للأرض، ولم يتعرفها! فُتح باب المصعد، دخلت معه وحين نقر حيث الطابق الذي سيكون وجهته، سألها فأخبرته الرابع، فطريقهم واحد.. -الرابع؟؟ أبعدت السماعة قليلاً وأجابته: -إيوه الرابع! ساد السكون في المصعد إلا من حديثها في الهاتف: -وهيني بدي أمر ع ملهم، حكالي عن معرض رسومات خيري عوائده رح تكون لمركز السرطان، مع زيارة إلهم.. -اسمعي قربت أوصل.. شوي وبكمل إلك.. وصل المصعد حيث الطابق المخصص، سارا حيث مكتب ملهم، أشّر لها بكفه أن تدخل، فأومأت له بتحية صامتة اختار أريكة في غرفة الانتظار، أما هي فطرقت الباب وحين همت بفتحه خرج ملهم بطريقة باغتتهما سوياً.. -أهلين ستنا، فوتي جوى الأغراض كلها موجودة شوي وبرجعلك! -أنا منيحة ملهم!! -بعدين ..بعدين! رفعت حاجبها: -طب استنى بدي أحكيلك علياء شو طلبتني!! التفت إليها بعد أن تجاوز نصف الممر: -شوي وبرجعلك.. وأشار لساعة يده.. دخلت بصدمة... ما باله ملهم! ولا تعلم أن ملهم يقف من الثامنة صباحاً حيث نافذة غرفته، ينتظر ثائر وقلبه يغلي لعدم حضوره، وما أن رآه حتى خارت قواه هل كان يائساً ألا يأتي مثلاً! ما الذي فعله رحيلك يا ثائر!؟ استجمع نفسه وأراد أن يستقبل ثائر، فصدمه أن عروبة هي المتواجدة عند الباب، لم ير دخولها لانشغاله في ترقب ثائر، وعروبة المكتب مكتبها حرفياً، لذا لا بأس أن يتركها خوفاً أن يذهب بليد المشاعر، ويخسر رؤيته اليوم! مشى بعنجهية يرسم خطوات واثقة غير منتبهة ولا تترقب غرفة الانتظار، وحين لمح ثائر افتعل صدمة وجوده بملامح كانت لتقلب ثائر ضحكًا لشدة فشل ملهم في تمثيله.. -شو بتساوي أنت هون، متأخر عن موعدك اليوم ساعة إلا! نهض بسماجة رآها ملهم: -تأخرت خمسة وأربعين دقيقة! ثم غمزه بمكر : -أووه لو بعرف إنك تستناني كان بكرت، ما كنت أتخيل أنك تعد الدقايق! كشر ملهم باشمئزاز : -يا الله ما أثقل دمك، عندي اجتماع مع نزيه عشان بازار الجاليات، مش فاضيلك... حاب تجي ما عندي مشكلة طبعاً أو إذا بدك تروح برضو براحتك! هو لم يتوسل البقاء من ثائر، نعم... ولم يعرض الذهاب عليه كما دأبوا مع نزيه يجتمعون قبل كل بازار ينظمون أفكار إبداعية رائعة! -أووه، نزيه زمان! ولم ينتظر ملهم أسرع بلومه وعتابه المبطن: -عادي أنت تتعامل مع زمان ببساطة، بعرفك وحش ما هان عليك اللي أعز من نزيه، بده يفرق نزيه يعني!؟ -بلشنا ديباجتك يا ملهم، امشي قدامي هيني جاي معك! ************************ الإبداع غير مرتبط بالحواس، بيتهوفن كان يتخيل صوت الموسيقى في مخيلته وينظم موسيقى صنفت عالمية لفرط إلهامها! السماعات في أذنيها، تفترش الأرض واللوحة أمامها ترسم الصورة أمامها لكي ينقلونها حية لمجسم، جسّد خيالها صورة قبة الصخرة، نظمت زواياها احتاجت مسطرة لضبط القياسات تكاسلت أن تذهب إلى الخزانة، هناك وتلتقطها.. تدندن على ألحان الأغنية التي تدوي في أذنيها، انفصلت شغوفة حيث جسدت بساحاته شاباً يرمي حجراً وفي لوحة أخرى جسدت المسجد الأموي ورغم صعوبة هندسته ورقياً إلا أنها لم تفشل وأضافت لمشهده شاباً بزي الدرويش يدور حول نفسه.. بدأت بالثالثة وكانت البتراء برعت فيها كالمعتاد والرابعة كانت لأهرامات أخذت الزوايا معها قياسات دقيقة حاولت أن تتقنها، أكرمت نفسها باستراحة كوب قهوة سريعة التحضير في مكتب ملهم العصري غير الشبيه بمكتبها المتواضع فقير كل الجماليات! دللت ذاتها ورشفت منه ما يحيي طاقتها، وانكبت على لوحتها وبدأت برسم صومعة حسان، رشفت من القهوة مجدداً وحين عادت لوضعها أرضاً صدمتها عبارة -الأساس اللي بتشتغلي عليه مش مضبوط!! رجفت كفها ووقع الكوب منها على الأربع لوحات التي أعطتها ساعتين من وقتها، رفعت نظرها حيث القابع فوق رأسها وكعادتها الغ*ية تنسى نفسها حين تنشغل بشيء ما ولم تنتبه دخوله مكاناً ليس مخولاً بدخوله ولا وقوفه مراقباً عملها.. ناظرت اللوحات مجدداً ونثرت الكوب بغضب.. -يا الله!!! شو عملت؟! وبعصبية تنفرط بسهولة ولا تستطيع جمعها: -ومين حضرتك أنت؟ وشو دخلك؟؟ الصراخ أيقظ ذاكرته الحديدية التي تحفظ الأصوات والأشكال والملامح والطبقة الجهورية هذه والضحكة التي شتت انتباهه وظنها لمعرفة قديمة لم تكن سوى -روبي-.. رأته يتفحصها بنظراته التي لم تكن نظرات عابثة، إنما شخص بدا وكأنه يتعرف إليها بطريقته.. أيقظته من رحلة تأمله: -شوف شو عملت! جهدي وتعبي ضيعته... غضبها سمح له النظر، جالت نظراته حول محياها.. - شو دخلك انت بالأساس شو ما كان، كيف رح إرجع أرسمهم وما في وقت؟؟ ملامحه مستفزة دعوة مهداة للانفجار .. - ممكن تشرحلي؟ أنت المسؤول، أنا مالي علاقة أبداً! استقامت من جلستها بعصبية : - الأستاذ ملهم هو المشرف على المشاريع رح أبلغه باللي صار كله.. وهمّت أن تخرج تترك الجمل بما حمل، فأشار بكفه باتراً نيتها.. التفت إليه منتبهة أن يده اليسار ثابتة بطريقة مريبة لها ولكنها لم تشغل بالها وتترك حيزاً لأموره الشخصية -هاد شغل مهم ومتعب، آراءك وأفكارك إلك مو عندي ولو سمحت تفضل من هون مو مسموح إلك تضل من بعد إذنك يعني.. بليد.. بليد.. ومرة أخرى بليد.. نطق أخيراً بعد جهد جهيد: -أنت روبي اللي دايماً بتكون بمقهى زمردة؟ ناظرته بصدمة... كيف له أن يعرفها؟! شمخت بأنفها له ونطقت: -عفوا اسمي مو روبي! وما بسمحلك تسألني هيك سؤال بصفتك مين مثلا؟ -الفكرة إنه صوتك ما بروح من البال، بيض*ب الآذان ض*ب، وسبق سمعته وضل عالق ببالي! هالتها إهانته ولكنها لم تظهر له أبداً ما أثارت في نفسها... قليل ذوق هذا ما فكرت به! صوتها معروف بجهوريته لطالما تغنت به عن أقرانها، لكن أن يقصف بوجهها مدى إزعاجه هذا مزعج لأنوثتها -ممكن تعطيني لوحات جداد أنظم الفوضى اللي عملتها واللي ما كنت مسؤول عنها بس شرودك؛ السبب! تغاضت عن كلامه، لن تجادله أبداً، ناولته لوحات جديدة، أخذ مكانها الذي كانت تفترشه وبين أنامله القلم الأسود.. انكب على اللوحة يفكر بتركيز، طرق بقلمه ثلاث مرات على الورقة الفارغة أمامه! ولا تعلم كيف بدأ بالعمل بيده اليمنى ببراعة يحسد عليها... لقد أذهلها بمقدرته على اختصار فوق نصف الوقت الذي أخذته في رسم قبة الصخرة.. طوى اللوحة الأولى وبدأ برسم المسجد الأموي، لم يعبأ بالقياسات لقد ظنت أنها شغوفة أين هي من الشغف والإبداع الذي تراه منه؟ -ما شاء الله! رسم الشاب بطريقة حيوية أكثر، وأضاف حمائم ترفرف حوله، طوى الثانية وبدأ بالثالثة فالرابعة وأنهاها بسرعة قياسية... سرعة أذهلتها.. وحين ختم الأعمال خط بتوقيع صغير على جانب اللوحات الثلاثة Arab_89 استقام من وقفته، ونفض يده اليمنى، أعاد اللوحات وأقلامها تحت نظراتها المدهوشة ونطق بكلامه مودعاً -هيني عدلت اللي خربته وطالع طبعاً.. ومضى دون أن يلتفت إلا أنه حين وصل الباب نطق بجملة أذهلتها: -أظن هيك أفضل بكتير! وخرج من الباب تشيعه نظراتها الذاهلة رنت هذه العبارة ببالها منذ وقت قريب، ولوهلة قارنت الصوت بذاكرتها فهالها ما اكتشفت... اكتشافاً أ** عينيها عن رؤية توقيعها الذي تذ*ل تعليقاتها به في صفحة كاتبها المفضل.. -ناهض عزيز! وملهم يتابع بعينيه ما حدث بنصر، ترقص له الضلوع والنبضات لقد دبّر اللقاء الذي أراد.. لقاء "الثائر بالعروبة!" ******************** "عرسي هنالك حيث يحملني فؤادي وأموت فيك.. أموت فيك متى تموتُ على بلادي؟؟" قضت سهرتها مع خالها الذي يشاهد التلفاز في بث حلقة سياسية كعادته وناني تقشر لهما فاكهة التفاح مدت إليه طبقه ضجرة: -ما بدكم تخلصونا من هالحوار اللي ما يجي من وراه إلا وجع الراس! نفت عروبة قائلة: -لأ بدنا نشوف الإعلام شو بزيف، ونكتب ع** اللي بوصلوه! التفتت إلى خالها : -شوف كيف ق**ح، قبح وسواد قلبه وخباثته ظاهرة ع وجهه اللي ما بتقدر تتقبله؟؟ أومأ خالها قائلاً : -يا خالي الكلمة اللي بنطقوا فيها بكونوا محفظينها إلهم حفظ! تناول شريحة تفاح يلوكها ببطء وعاد لحديثه: -هدول التلاميذ، بيتلمذوا بمدارس الفساد وللأسف بتفوقوا ع معلميهم! تدخلت ناني .. -لا بارك الله فيهم ولا بعلمهم! -وبارك بكل ثائر متفاني.. بفخر جاءت حروفها، رمقها خالها مبتسماً وتعقب .. -لا فناء لثائر يا روبي .. ضحكت والتفتت إليه .. -عبثاً تحاول ..لا فناء لثائر! انتهت سهرتها بض*ب قبضتها بقبضة خالها مؤكدة.. -الثورة للرجال..لمين؟؟ -للرجال! يسألها: -والحرب؟؟ تردد بصوت جهوري .. -يصنعها القوي تجبراً ..ويقع تحت ظلمها الضعفاء! ودّعتهم وعادت إلى منزلها خالها ينام باكراً لأنه يعمل في محل تصليح السيارت، يذهب قبل طلوع الشمس ويعود بعد مغيبها ..دخلت غرفتها وبدأت بجولتها السريعة لهاتفها .. لا تحديثات جديدة في صفحته! هذا الأسبوع الثاني على التوالي بلا تحديثات!! ما خطبه؟ دائماً ما تقرأ كلماته، تملأها مشاعر مجنونة، تنهب فيها ليلتها في التدقيق أو حياكة الصوف وحتى الرقص!! حيرت بصرها في أرجاء الغرفة.. ماذا ستفعل الآن؟ حدثت نفسها بخيبة واضحة، تقوست شفتاها بحزن كبير، كيف ستدب الحماس في روحها لهذه الليلة! ناظرت نفسها في منامتها ذات البنطال الأصفر والسترة الزرقاء، برمت شفتيها وقلبت عينيها! ولكن قبلاً ستنثر تحية المساء على الملأ .. -شعري مشعث كما عقلي، أرتدي منامة كل قطعة بها لا تخص الأخرى بصلة، نومي كما حياتي كل ما بها مضطرب وعشوائي **ولة و أقضي ساعات نوم لا يصدقها عقل بشري أعجز أحياناً عن فهمي، ومع ذلك أنا الشخص المفضل لدي... أحب نفسي كما لم يفعل أحد من قبل! -حان وقت الإشفاق على الذات وزيارتها لترتيبها، بدلت منامتها بمنامة صوفية ثقيلة، غطت خصلاتها العنقودية بطاقية ذات لون مناسب، سماعات في أذنيها، وموسيقى هادئة.. وهادئة.. أعدت كوب نسكافيه، اختارت له إحدى أكوابها الجميلة ذات الشكل المنمق.. تنقلت بين كتب مكتبتها الجميلة، إن لم يأت بتحديث، ويعطيها شغف ليوم إضافي، ستبحثه هي.. انتقت كتاب "وصفي.. الفكرة" مذ*ل في آخر غلافه -ناهض عزيز- ابتسمت بأمل خاص تخص قلمه به! سارت نحو أزرار الإضاءة وأغلقتها كبست زر الإضاءة الأخفت فعُتمت أجواء الغرفة، فتحت فسحة صغيرة من النافذة رغم شعورها بالبرد.. أدخلت فيها رائحة الليمون حين تنمو براعمه... إنها أقرب للياسمين في رائحتها وشجرة تين ع***ة إلا من قلة قليلة من الورقات تعطي الأغصان خدر بقائها.. تن*دت بحب تقدمت نحو السرير واضطجعت... أخذت وضعية القراءة ودثرت نفسها جيداً، بدأت قراءة المقدمة.. -لقد استشهد وصفي هذا ما أخبرتنا به زغرودة من اختارها أن تكون زوجته... وقفت على شرفة البيت وأطلقت زغرودة... أي شعور انتابها وهي تزغرد؟! إلى هذا الحد كنت فخورة؟! أتراه أخبرها أن أردنيته تستحق الموت؟!... إن هذه العروبة التي أورثها له أسلافه عزيزة إلى هذا الحد... رحل وصفي الأسمر المملح بتراب هذا البلد رحل جسداً وبقي نبضاً طرقت الفكرة برأسها، تابعت بنهم القراءة إلى أن أكملتها تلاعبت في خصلاتها وعبثت في هاتفها، اطمأنت على علياء التي قضت يومها في محافظة اربد ودعتها للذهاب إلا أنها اعتذرت شكت لها نأي ملهم بنفسه عنها وخصامه مذ علم بأنها خبأت عنه الخبر . -ما بحكي معي بالمرة روبي! متسائلة باستغراب : -هالقد شايل بخاطره عليك؟ -ما كان الموضوع مستاهل، بس هو أزمها كتير.. -معلش تصرفي معه بعقل .. ملهم واعي ورح يتفهم اللي صار! -بحكيلك شو بصير، ولا يهمك بستنى! حضرت ملابس الغد المكتظ بالعمل، وآخر ما خطته على حائط يومياتها كان . ******************** "يداكَ تلوّح للعائدين وتحمل خبزاً إلى الجائعين أحبُ يد*كَ.. وأكثر أكثر أحب بلادي" أن تقول الحب هو مرآتك، ترى نفسك في شيء ليس أنت، كذلك الأمر في الموسيقى... أنت تنسج نفسك، تبث روحك، تتسلل خباياك، تبوح للأوتار وثقب الناي، تهمس للمطارق في البيانو.. أنت تعزف ذاتك تشكلها بنوتات وطبقات.. والوطن والحب لهما كما الموسيقى والحب! أن تختصر الملاجئ، برقعة تضمك، تخبئك، تعطيك وتكفيك.. والحب كيف تعرف بأنك فيه؟؟ ما أن وُهبت سكن الأمومة ودفء الأوطان.. استيقظت بهمة عالية... إنه يوم الجمعة، اليوم الأحب إلى القلب... يوم الراحة والدفء.. موعدها مقهى زمردة من الثامنة صباحاً وحتى بعد مغيب الشمس، وصلت مبكراً وجدت جدارية لم تكتمل بدأت ليكملها كل شغوف، دخلت للمقهى طلبت من أبي محمود العدة وخرجت إليها تلون وتضيف مشاعر لها... اختارت الأزرق ورسمت فيه، عادت ووجدت الشمس تقف على منصة السماء تلوح وداعها! دخلت وجدتهم يقيمون جلسة كان ملهم فيها يمسك العود ويغني، تقدمت منه وطلبت منه أغنية ما صعدوا المنصة لتسجيلها بهاتفها.. في زاوية المقهى جاء متأخراً، رآها ترسم لوحة ولم تكملها فعلم أنها لوحة لأيادٍ عديدة.. لوحة لم تكتمل حتى يأتي من يخط حدود اكتمالها.. دخلت واستقرت إلى المكان الذي يتوسطه ملهم سرّته بشيء فأومأ لها به صعدوا درجات المنصة الصغيرة.. لم يكبح فضوله وسأل سياف اسمها.. -عَروبة- "عُروبة " صحح له الآخر اسمها : "لأ، اسمها عَروبة".. "عُروبة" "عُروبة" هل للأسماء وقع خاطف في النفوس؟ ابتسم بخفوت هامساً لنفسه.. "دائماً ما نأخذ الملامح من أسمائنا، وكأنها شكلت مزيجاً يمثلنا، ولكنني ولأول مرة أرى الاسم يأخذ الملامح من صاحبته.." أخذهم الصوت الذي علا في المقهى، والإضاءة تخفت، سوى من الشموع الصغيرة ونقرات العود الذي بدأ مُلهم بض*بها، تطرق بحبالها أوتار القلوب، تجاوره محط حديثهم، بزيها العبثي، بهالتها العبثية.. تمسك بيديها الميكرفون وأصابعها ملطخة ببقايا طلاء لون أزرق، تميل برأسها تغمض عينيها، تسبح في بحور العبث العاصف.. وتصدح بشذا صوتها "أمر باسمك كما يمر دمش*ي بأندلس هنا أضاء لك الليمون ملح دمي وهاهنا وقعت ريحٌ على الفرس....." انساق مع اللحن، والصوت يُذهب بعقله، والشموع تتراقص فتلهب مباريح الشعور عنده.. تركت لملهم مهمة العزف، واستراحت بصوتها تهبه السكن قبل العصف، وعادت بنغمة أحلى، أقوى، ترتفع وتنخفض، تشعرك بإعلانها الثورات في طبقاتها "أمر باسمك لا جيش يحاصرني ولا بلاد كأني آخر الحرس أو شاعر يتمشى في قصيدته" بلا شعور توجه لحاسبه، ارتدى نظارته الأنيقة، والصوت هاجس يحركه لأن يخط ما جال بخاطره، فتراقصت الحروف والكلمات، ترتع وتلعب بمخيلته تشعره بأنه على ضفاف شاطئ، وصوتها هدير أمواجه العاصفة نقر "عُروبة" بدون أي إضافة واستلهم وحيه زمام المبادرة، فلم يخرجه من الاستغراق بكتابة الصفحات إلا أصوات الهتاف والتصفيق.. عاد بنظره إليها فرآها تنزل السلالم الثلاثة القصيرة تضع كفيها بجيبي سروالها الواسع وتتوجه، لبائع القهوة، توليه ظهرها ولا يصله إلا صوتها الجهوري حك ذقنه بتركيز متمعن ونقر بطرف سبابته على الطاولة مستغرقاً برحلته حولها.. "ولأول مرة يترك عن غيره مهمة الاستقصاء، وتولاها بنفسه، متعة البحث فيها وعنها.. أجمل بكثير من أن يوليها لأحد غيره.."
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD