الفصل الثاني .
ظلت بسنت تتحدث مع حاتم في أمور كثيرة ، علمت من خلالها أنه درس في كلية الصيدلة ، وأنه يمتلك مزرعة كاملة يزرع بها مجموعة نادرة من النباتات والأزهار التي يستخدمها في تصنيع خلطات طبيعيه للأمراض المختلفة ،أخبرها أنه دائم الترحال ، لا تبقي في مكان واحد لأكثر من ستة أشهر ، ولكنه يجب أن يأتي إلي تلك المزرعة بين كل رحلة والأخرى ، فهذه المزرعة هي حياته ، علمت مدي حبه للخيول ، أخبرها عن مجموعته النادرة من الخيول العربيه الأصيلة ، أخبرها أنه يمتلك سلالة نادرة من الخيول ، عددها محدود في العالم ، كانت تشعر بالفخر والزهو وهي تستمع إليه ، لاحظت كم إنه إنسان قوي يعتمد علي نفسه ، كم هو انسان لطيف ،
حاتم :
أنا تقريبا قولت كل حاجة عني ، وطبعا لو قولت لك إني أول مرة أفتح قلبي لحد بالطريقة دي مش هتصدقيني ، لأنها طريقة قديمة ،ومبتذلة ،يستخدمها الشباب للتعرف عن البنات ،بس والله دي الحقيقة . .
ابتسمت له بسنت ثم قالت له :
أكيد مصدقاك ،متخفش ،لأني أنا كمان أول مرة ارتاح لحد بصدق ، واحد مفيش بيني وبينه أي مصلحة ، معرفة يوم وهتنتهي العلاقة دي ، عشان كده أنا هعتبرك دكتوري النفسي وأقولك سبب خروجي من البيت في وقت متأخر .
أنا بسنت الجمال بنت رجل أعمال كبير ومشهور ، مخطوبة لرجل الأعمال يوسف الخولي ، كنت بحبه جدا ، وكنت فاكراه بيحبني ، لحد ما عرفت إنه بيكدب عليه ، وهي علي علاقة بالسكرتيرة ، ومن زمان ، وخطبني عشان مصالح مشتركة بينه وبين بابا ، المشكلة إني لما وجهته ما أنكرش ، ده اعترف وبكل برود ،وقالي بالحرف ، الجواز حاجة والحب حاجة تانية ، قتلني بسكينة تلمة ، جرحني جرح مش قادرة أداويه ، رجعت له حاجته ، وبرده م**م إنه يرتبط بيه ،امبارح رجعت البيت لقيته قاعد مع بابا ، بيحدد ميعاد الجواز ،كأني انتيكة بيشتريها ، وخلاص هتبقي بتاعته لو دفع فلوسها ، حسيت بالرخص قوي ، ثورت عليه وعلي بابا ، ورفضت بعلو صوتي ، وهو بدل ما يتأسف لي قالي بكل بجاحة وهو بيحاول يلمسني إنه هيكون زوج مثالي بالنسبة لي ، وعلاقته بالسكرتيرة مش هتأثر علي علاقته بيه ، شتمته وخرجت ، ركبت عربيتي وفضلت أجري بيها ، لحد ما وصلت لطريق مقطوع مش عارفة أخرج منه ، والباقي أنت عارفه .
كانت يستمع إليها بقلب مفتوح ، يشعر بألامها ويربدها أن تفرغ كل ما بداخلها من طاقة سلبية ،حتي تتمكن من مواصلة حياتها ، أراد أن يخرجها قليلا من ذلك الحزن الذي تغلغل بداخل خلاياها .
حاتم :
أيه رأيك تتف*جي علي بكر الحصان بتاعي ، ده سلالة نادرة جداً ، عددها خمسة بس في العالم .
بسنت بسعادة غامرة :
يلا بينا .
انطلقت معه لتري ذلك الحصان ، انبهرت بجماله الآخاذ عندما رأته ، لونه الأ**د اللامع ، وشعره الكثيف ، أهدابه الكثيفة ، كل هذه المقومات أعطته جاذبية لا توصف ، كانت تتأمل كل تفصيلة في جسد الحصان ، كان مثل لوحة فنية نادرة الوجود ، لذلك قالت بانبهار .
بسنت :
أيه الجمال ده ، فعلا أنا مشفتش حاجة زي دي قبل كده ، كل تفصيلة فيه تشدك ، جماله بيغيرك تفضل تبص له ، ربنا يحميه .
حاتم :
يارب ، معاكي حق في اللي قولتيه ، بكر بالذات غير كل الأحصنة الموجودة في المزرعة ، هو حصان نادر ، إرث عائلي ، زي ما بيقولوا ، ورث بابا السلاسة دي عن جدوده ، لما دخلت سباق بيه في إحدى السباقات في السعوديه انبهروا بجماله ، وقالوا لي إنه حصان عربي أصيل من سلالة نادرة ، وبيدوروا دلوقتي علي حصانة من نفس السلالة عشان الأزواج ، ويارب يلاقوها ، لأنه حصان علي قد ما هو جميل ، كمان سريع جدا ، بدون مبالغة مفيش سباق دخلته بيه إلا و**بته . .
لاحظت بسنت من حديثه أنه لا يوجد بحياته سوي السباقات ،لذلك سألته قائلة .
بسنت :
يعني أفهم من كلام حضرتك إن كل حياتك سفر وسباقات ، ورحلات لكل العالم ، طيب مفيش شغل ،أو وظيفة ثابتة ، لأن كل اللي حضرتك قولته ، اعذرني هيجي وقت وهينتهي ، يعني حضرتك سنك كام سنة .
حاتم :
ثلاثين ليه .
بسنت :
معلش سايرني ، ممكن تفضل لين كام تركب أحصنة وتدخل سباقات . .
حاتم :
قولي كمان عشرة سنين .
بسنت :
طيب مفكرتش بعد عشر سنين هتعمل أيه ، هتشتغل أيه . .
عقد حاتم حاجبيه ثم قال باستنكار .
حاتم :
واشتغل ليه ؟
استغربت بسنت من رده ، لذلك قالت .
بسنت :
تشتغل عشان تثبت وجودك في الدنيا ، عشان تأسس عمل يفيدك ويفيد المجتمع ، أنا مثلا بدرس في كلية فنون جميلة ، ولما هتخرج هشتغل مهندسة د*كور ، بالرغم من إني مش محتاجة اشتغل ، لأني بنت وحيدة ، ووالدي رجل أعمال ، بس أنا لازم أثبت ذاتي . .
امتعض حاتم من طريقتها في عرض وجهة نظرها ، أنقذه من هذا الجدال السخيف من وجهة نظره صديقه عمر . .
حاتم بابتسامة :
حبيبي اللي واحشني . .
قهقه عمر بشدة ثم قال :
أكيد مزنوق مع واحدة مثل العادة .
حاتم وهو ينظر إلي بسنت كي يستئذنها ليرد علي صديقه :
عن اذنك شوية وراجع .
أومأت برأسها ، وتوجهت كي تأخذ جولة في المكان .
أكمل حاتم حديثه قائلاً :
كنت مزنوق والله ،أنا عارفني مش بحب حد يكلمني في موضوع الشغل ده ، واحدة انقذتها امبارح من هجوم ب*ع ، بدل ما تشكرني عاملة نفسها مصلحة وهتغير لي حياتي .
عمر :
أمم شكله موضوع كبير علي كده ، أنا جاي بقي أشوف القمر دي ، لأنك بما إنك أتأخرت لازم تكون قمر .
حاتم وهو ينظر عليها :
دي صاروخ يا ابني مش قمر ، كل حاجة فيها حلوة ، زي ما بيقول الكتاب .
عمر بضحك :
شعر أصفر وعيون خضرا وكده . .
حاتم :
شعر أصفر أيه ،وعيون خضرا أيه ،الحاجات للعيال التوتو ، البنت عيونها سوداء وروموشها كثيفة ، وشعرها اسود سواد الليل ، أو ما شوفتها افتكرت بكر وجماله . .
عمر :
يا سيدي ، يا سيدي ، طيب ما هي عجبتك أهي ، أيه اللي حصل .
حاتم :
مش عارف ، الدنيا كانت تمام ، والقاعدة حلوة ، وعملت الفطار وزي الفل كده ،بس متعرفش الموضوع ليه قلب علي دروس تنمية بشرية . .
عمر :
والله يا حاتم هي عندها حق ،وأنا قولتلك قبل كده إنك لازم تشتغل أي حاجة ، افتح لك صيدلية ، ولا حتي بيع الخيول بتاعتك ،واعمل منها مشروع استثماري ، أي حاجة يا حاتم . .
حاتم بغضب :
أنت أهبل يا ابني ، أعمل أيه ولا أبيع أيه ،أبيع ولد من ولادي ، وبعدين ما أنا الحمد لله عايش حياتي بالطول وبالعرض ، ومش محتاج فلوس ، أنا أي سبق بدخله لازم أ**به الحمد لله ، وبعدين أنت عارف المكافآت بتاعة السباقات بتقي كبيرة قد أيه ، المهم بلاش كلام فاضي ، وأسمع أبعت عربية النقل تنقل بكر دلوقتي ، وتعالي نتغدي ونروح علي السباق متأخر ، وحاول بعد ما تسجل بكر في السباق تخفيه عن الأنظار ، عايز كل المشاركين يظنوا إني مش جاي السباق النهارده . .
تساءل عمر عن السبب .
عمر :
ليه كده ، أيه اللي تقصده بكده .
حاتم :
أن عرفت إن فيه مسابقين جدد علي مستوي عالي ، عايز أطمنهم إني مش موجود ، وقبل السبق يتصدموا أول ما يشوفوني ، ده اسمه ترهيب تكتيكي ، ملكش أنت دعوة بيه . .
عمر بابتسامة :
تحت أمرك يا باشا ، بس عندي سؤال هام جدا .
حاتم :
أسأل يا أخرة صبري .
عمر :
أنت هتعمل أكل أيه النهارده .
تبعها بضحكة بصوت عالي استفزت حاتم كثيرا .
حاتم :
غور يا واد دا أنت سمج ، أغلق الهاتف ، وذهب ليبحث عن بسنت ، ولكنه لم يجدها ، بحث عنها في اسطبل الخيول ، وجدها تجلس حزينة بجوار المهرة عزيزة ، ذهب إليها ، ثم أقترب منها وهو يلمس شعر عزيزة الأصفر .
حاتم بابتسامة :
عزيزة لما اتولدت ، كانت الدنيا بتشتي جامد ، ومفيش دكتور رضي ينزل في الجو ده عشان يولدها ، أنا كنت خايف علي فرحة مامتها قوي ، لأنها كانت المرة الأولى لها ، اضطريت إني أولدها بنفسي ، اتولدت علي أيدي عشان كده سمتها عزيزة . .
تأثرت بسنت كثيراً ، واقتربت كي تلمسها هي الأخري ، ولكن بدون قصد منها ، لمست يدها يداه ، وتقابلت عيونهما في نظرات طويلة ، خجلت منها بسنت .
بسنت :
آسفة ، مكنش قاصدي .
حاتم بابتسامة :
ولا يهمك . .
استأذنت منه بسنت كي تذهب لتبدل ملابسها ، فهي قررت العودة مرة أخري إلي منزلها .
بسنت :
أنا بشكر حضرتك جدا علي وقفتك جانبي ، وإنك أنقذتني ، أنا مضطرة أمشي النهارده ، فرصة سعيدة إني قابلتك .
سألها حاتم باستغراب :
أنت كنتي قولتي إنك هتفضلي لحد ما أرجع من السبق ، أيه اللي حصل ، نسيتي هديتك ولا أيه ؟
بسنت بخجل :
مفيش حاجة حصلت ، بابا بس صعب عليه بصراحة ، وخصوصاً بعد ما عرف موضوع الشباب اللي اتهجمت عليه ، وهو مريض سكر ، وأخاف عليه يحصل له حاجة بسببي . .
تفهم خاتم موقفها ، ولكنه سألها عن هديتها .
حاتم :
طيب والهدية ؟
ابتسمت له ثم قالت :
شكلك واثق في الفوز .
حاتم بكل ثقة :
مش بدخل في سباق غير لما أكون متأكد إني ه**ب . .
أعجبت بسنت بتلك الثقة ، وقالت له :
طيب خليها للقدر ، لو اتقابلنا تاني يبقي عليك هدية تقدمها لي ، لو متقبلناش يبقي أنا مسامحة .
ابتسم لها حاتم ثم قال لها :
طيب استني ، ثانية واحدة ،
ذهب حاتم مسرعا إلي حديقته الخلفية يبحث بين جوانبها عن زهرة قيمة يقدمها لها هدية . .
لم يجد أجمل ولا أسمي من زهرة التوليب الأصفر ، التي تعبر عن البهجة والأمل ، والتفاؤل . .
أخذها حاتم ، وعاد إليها يخبأها وراء ظهره ، شعرت بالفضول ، ابتسمت عندما وجدته يضعها في شعرها قائلا بإعجاب لها ولملمس شعرها :
ملقتش أجمل من الزهرة دي ، كانوا بيقولوا أن معناها وجود إشراق للشمس ، كنت فاكرهم يبالغوا ولكن لما شوفتها علي شعرك حسيت باشراقة الشمس . .
خجلت بسنت منه ، وشعرت برجفة غريبة ، وقشعريرة شعرت بها لأول مرة ، لم تشعر بها حتي ما يوسف .
ابتعدت عنه ، ثم شكرته
بسنت :
متشكرة علي ذوقك ، وعلي الهدية الجميلة دي ، عن إذنك . .
تركته وذهبت بدون أن تستمع رده .
نظر حاتم في أثرها حتي اختفت عن الأنظار . .
ذهبت بسنت لتبدل ملابسها ، كانت تشعر ب*عور غريب ، ولكنها لامت نفسها كثيرا ، اعترفت بالحقيقة لنفسها ، هي سوف تذهب لأنها خائفة ، تخاف من تلك المشاعر التي اقتحمت قلبها ، جراء لمستها له ،
أنهت تبديل ملابسها ، وتوجهت إليه لتسأله عن مكان سيارتها ، طلب منها الانتظار قليلا ، ثم ذهب ليحضر دراجته النارية ، ليوصلها لمكان السيارة . .
ازدادت دقات قلبها وهي تصعد خلفه ، حاولت ترك مسافة بينهما ولكنها لم تستطع ، كأن تلك الدراجة صنعت خصيصا لفرد واحد ، قربه مهلك ، جدا ، تشعر بنغزات في ص*رها ، جعلتها تتنفس بصعوبة ، كان يشعر بها ، شعوره لم يختلف عنها كثيرا ، كان التصاقها به كفيل بأن يسحب الهواء ، ويجعله غير قادر علي التنفس . .
وصل أخيرا حيث توجد السيارة ، ترجلت بسنت مسرعة ، وذهبت لتقف بجوار سيارتها ،
مدت بسنت يدها ليسلم عليه ، وتشكره، أحتضن حاتم يدها برفق ،
قالت له بسنت بصوت هادئ :
أنا متشكرة جدا ، علي كل اللي عملته لي ، وأتمني أرد مساعدتك في أقرب وقت .
حاتم بابتسامة :
لا شكر علي واجب ، أنا سعيد إني اعترفت عليكي ، أنت عرفتي العنوان ، لو احتاجتي أي حاجة أنا موجود .
ابتسمت له ، ثم سحبت يدها ، وتركته واستقلت سيارتها عائدة إلي منزلها .
عاد هو أيضا إلي المنزل وجد عمر ينتظره .
عمر :
فين الصاروخ يا ابني ، شوقتني .
حاتم بشرود :
طار ، قاصدي مشيت ، رجعت بيتها ، بلا بلاش كلام كتير ، انقل بكر وأرجع بسرعة .
عمر :
تمام يا بوس .
تركه عمر شاردا وذهب ، جلس حاتم علي المقعد الخشبي ، ينظر إلي يده ، ثم رفعها إلي أنفه ، لينعم برائحتها التي مازالت عالقة في يده . .
يا تري أيه اللي هيحصل بين حاتم وبسنت . .
ده اللي هنعرفه الفصول القادمة بإذن الله . .
أتمنى لكم قراءة ممتعة . .
دمتم بخير وعافية . .