الفصل الثالث . .
عادت بسنت إلي منزلها وجدت والدها يجلس مكتئبا في مكتبه ، يسند رأسه علي يديه ، مغمض العينين ، اقتربت منه بسنت وهي تنادي بصوت عالي .
بسنت :
بابي ، حضرتك كويس . .
استيقظ والدها علي صوتها ، شعر بالسعادة لأنه رأها تقف أمامه سالمة بدون أي إضافات ، أسرع أليها ثم أخذها فى حضنه ، يكاد يبكي من شدة سعادته بعودتها .
أنس :
حمد لله علي سلامتك ،يا قلب بابي ،عاملة أيه ، كويسة ،جرى لك حاجة .
كان ينظر لكل إنش بها ،ليتأكد أنها بخير ، كانت دموعه تجاهد ألا تسقط ،فهذه ابنته الوحيدة ،لم ينجب سواها ،ولا يريد سواها ،من أجلها استحمل الأمرين ، عجرفة زوجة لا تهتم سوى بنفسها ،ماذا سوف تلبس ، وماذا سوف تأكل ،أين ستنفق أموالها . .
كانت بسنت تلوم نفسها ، كيف استطاعت أن تفعل هذا بأبيها ،سندها بالحياة ،كيف تمكنت من إحزانه بهذه الطريقة ،أمسكت بيده ، ثم قبلتها ،وقالت معتذرة .
بسنت :
أنا آسفة يا بابي مش هعمل كده تاني ، غصب عني والله ، أنا مش عارفة أيه هو السبب وراء ت**يمك إني أتجوز يوسف بعد اللي حصل ، واللي حكيته لك ، أنا شوفته بي**ني ، يا بابا ، ولما سألته مأنكرش ، أرجوك يا بابا قولي السبب وراء إصرارك إني أتجوز يوسف . .
عاد أنس للخلف كي يجلس علي الأريكة المصنوعة من الجلد الفاخر ، أخرج سيجاره ،ثم أشعله ، أخذ نفسا عميقا ،ثم زفره ببطء ،قال بألم وحسرة . .
أنس :
أنا آسف يا بنتي ،بس أنتي مضطرة تقبلي عشانك وعشاني ، وعشان والدتك ، أنا بمر بضائقة مالية ، أنا دخلت مع والد يوسف مشروع كبير ،كان فيه كل السيولة اللي معايا ، وللأسف المشروع ده خسر ،عدي وقت وأنا احتاجت فلوس لمشروع تاني ، بس كنت خلاص شبه مفلس ،وعايز استرد أموالي ، اقترضت من والد يوسف فلوس ، وللأسف المشروع برده خسر ، يوسف طلب ايدك أنا وافقت ، لأني مديون له بفلوس كتير ، وللأسف مقدرتش أردها ، وعشان أحافظ لك علي الفيلا دي والشركة ، وافقت علي طلبه من الجواز منك ، وإلا هنترمي في الشارع ،أنا مديون له بأكتر من خمسة مليون جنيه ، ومش عارف إزاي أسدها ،والست والدتك ، بدل ما تقف معايا وتساندي ، كل يوم تخسر فلوس علي ترابيزة القمار ،أعمل أيه ،قولي لي ، ودليني ، أنا خلاص زهقت ،فكرت أبيع له الشركة ، والأسهم ، والمشروعات كمان ، بس أنت هتقدري تعيشي في مستوي أقل من اللي أنت عائشة فيه ،
ن**ت بسنت رأسها ،فهي لن تتمكن من العيش في مستوى أقل من ذلك المستوى ، بالرغم من أنها تقدر قيمة العمل وأن كل الأشخاص متساويين ، وأن الحياة ليست بالمظاهر ، ولكنها لن تقدر علي العيش بدون مظاهر البهجه التي توفرها الأموال ،مظاهر البزخ والسفر والخروجات ، لن تستطيع أن تستغنى عنها ، لقد اعتادت عليها ، حكت رأسها ، دليلا علي التفهم ، قالت بصوت منخفض :
خلاص يا بابا ،أنا موافقة إني أتجوز يوسف ، أتصل بيه خليه يجي عشان نحدد ميعاد الخطوبة .شعر والدها بالسعادة ، لقد وعده يوسف أن دينه سوف ينقضي بمجرد أن يكتب المأذون كتابه على بسنت .
عادت بسنت إلي غرفتها ، ولكنها مرت بغرفة والدتها أولا ، وجدتها نائمة ،ولا تهتم لها كالعادة ، ابتسمت بسخرية ، ثم توجهت إلي غرفتها تفكر فيما حدث ، ابتسمت عندما وضعت يدها علي شعرها ، ووجدت تلك الزهرة ،زهرة التوليب الصفراء ، التي تعني إشراق الشمس ، دليلا علي الأمل والتفاؤل ، تذكرت كلماته ووصفه لتلك الزهرة ، تذكرت نظراته الحانية ، طالما افتقدت تلك النظرات مع يوسف ، دائما يعاملها كأنها وظيفة يؤديها فقط ، وليست في حكم خطيبته ،وأنهما علي وشك الارتباط . .
شعرت بالحزن لموافقتها على الزواج من يوسف ، ولكن من أجل أبيها تفعل أي شئ . .
أتصل والدها بيوسف ، ولكنه كان يغلق الخط ، شعر أنس بالغرابة ،حاول مرة أخرى ، ولكنه كان يحصل علي نفس الرد . شعر أنس بالاكتئاب ، ولكنه حاول ألا يفكر في أي شئ سئ .
مر اليوم ولم يتصل يوسف ، تملك الاكتئاب من أنس ، صعد إلي الغرفة ، وجد زوجته سهيلة تستعد للخروج ، بملابسها الفاضحة ، تذكر بألم شجارهما المتواصل حتي تحاول الالتزام ، وأن ترتدي ملابس مستورة ، ولكنها كانت تتهمه بالرجعية والتخلف ، تذكر دائما نصائح صديقه بالابتعاد عنها ، لأنها سبب ضيقه ، ولكنه لم يستمع إليه ، ليس حبا فيها ، ولكن خوفا على ابنته الوحيدة من الضياع ، وسط أب مشغول دائما ، وأما غير مسئولة ، ظن أن ما به ، أفضل بكثير من الطلاق ، ولكنه كان علي خطأ ، ابتسم لها بسخرية ، وقال لها بغضب .
أنس :
أنت بتلبسي عشان تخرجي ، وأنت متعرفيش حاجة عن بنتك . .
نظرت له بازدراء ثم قالت :
عرفت إنها رجعت ، دخلت عليها لقيتها نائمة ، أعمل لها أيه تاني . .
صفق أنس بيديه ثم قال لها وهو ينظر إليها بكره :
فعلا أنت كده عملتي كل اللي تقدري عليه ، بنتك كانت بايتة بره امبارح ،وكان فيه ناس هتغتصبها ، والله أعلم أيه اللي حصل ، وسيادتك بدل ما تقومي بدورك زي أي أن بتحب ولادها وتخاف عليهم ،وتطمني وتسألي أيه اللي حصل لها ،وكانت بايتة عند مين ، خارجة ببرود ،وبدون أي اهتمام لبنتك الوحيدة ، وياريتك رايحة مكان محترم ، تعملي حاجة مفيدة ، ده أنت رائحة لشقة مشبوهة عشان تلعبي فيها قمار ، حاجة كده قذرة ، مش عارف أنت طايقة الحياة دي إزاي . .
سحبت سهيلة حقيبتها كي تخرج ، مشيت خطوتين للأمام ، ثم وقفت أمامه ، واقترب من أذنه ثم قالت :
طايقة الحياة دي ، زي ما طقت حياتي المفرغة معاك ، أنت مش عارف أنا بعمل أيه عشان استحمل أشوف قدامي ، وأنت لو كان عندك كرامة كنت زمانك طلقتني ، بس هتجيب منين الكرامة يا ابن الفراش .
أمسك أنس يدها بقسوة ، ثم ضغط علي ذراعها بيده ، ثم والألم يعتصر قلبه :
ابن الفراش ده اللي كنتي هتموتي عشان يبص لك ، مش يتحوزك ، مجرد نظرة واحدة منه كانت بتسهرك طول الليل .
ألقاها كالقمامة بعيدك عنه وأخذ يمسح يده بتقزز . . .
لم تعلم ماذا تجيبه ، أو حتي ترد عليه ، ظلت تبكي لبعض من الوقت ،ثم قامت كي تعدل من هيئتها .
ذهب حاتم إلي السباق ، الذي استمر لمدة يومين ،اليوم الأول كان عبارة عن تعريف بالمهرجان وحفل افتتاح ،وكان هناك عرضا من قبل المتسابقين ،ظهر فيه حاتم وحصانه بكر غير مؤهلين للمهرجان ، كانت نظرات السخرية تحاوطه من قبل باقي المتسابقين ، أنحني حاتم كي يصل إلي رأس بكر ثم قال له بصوت منخفض ،وهو يربت علي رقبته بحنو بالغ :
متقلقش يا صاحبي ، بكرة هيعرفوا كانوا بيضحكوا علي مين . .
أما عند بسنت . .
استيقظت بسنت في الصباح ، ارتدت ملابسها ، ثم توجهت إلى جامعتها ، بدون أن تلتقي بوالدتها حتي الآن ، كانت تفكر طوال اليوم بحاتم ، كل ثانية تلمح طيفه ب*عره الأ**د الطويل ، وابتسامته الناعمة ، ونظرات عيونه السوداء الثاقبة ، ملامح رجولية بداية من حاجبيه الكثيفين ، وعضلات يده القوية ، عيونه سوداء مثل سواد الليل ، لون بشرته يتلون بالسمرة من شدة بقائها أسفل أشعة الشمس ، شعر ذقنه القصير أ**به مظهرا وسيما ، كل تلك المقومات جعلتها تفكر به بدون انقطاع ، حاولت أن تفكر في يوسف ، ولكن صورة حاتم كان تقفز داخل تخيلتها دائما ، لقد ظنت أن يوسف سيتصل بها بعد ما أخبره والدها بقرارها بالزواج به ، ولكنه لم يتصل ، لن تخفي اندهاشها واستغرابها ، تمنت أن تنتهي المحاضرات لتعود إلي المنزل لتسأل والدها عن سبب عدم اتصال يوسف بها . .
أصبحت الساعة الخامسة ، وصلت بسنت للمنزل ، حاولت أن تتصل بوالدها ولكن هاتفه مغلق ، بدأ ت تشعر بالخوف والقلق علي والدها ، صعدت إلي الأعلي ، كي تسأل والدتها عنه ، ولكنها كالعادة لم تجدها ، لا تعلم إلي متى ستظل تستحمل أفعال والدتها ، بعد فترة جاء والدها ، ذهبت إليه تحتضنه ، شعرت بالاطمئنان عندما رأته .
بسنت بلهفة :
حمد لله على السلامه يا بابا ، اتصلت على حضرتك كتير ، بس تليفونك كان مقفول .
أنس :
الله يسلمك يا حبيبتي ، ده التليفون فصل شحن ، تعالي نقعد الأول وقولي لي كنتي عايزة أيه .
ذهبت لتجلس بجواره علي الأريكة ، ثم قالت وهي تفرك أصابعها من شدة التوتر .
بسنت :
بصراحة كنت عايزة أعرف أيه اللي حصل لما عرفت يوسف إني موافقة علي الجواز منه .
أنس :
محصلش حاجة ،عشان هو مردش علي إتصالاتي كلها ، مش عارف أيه السبب .
بسنت :
عادي يا بابا يمكن مشغول .
أنس :
أبدا يا بنتي ،ده حتي هو كان موجود في النادي ، أتصلت بيه عشان أكلمه ، شاف رقمي مردش ، أنا خائف قوي يا بسنت ، أنا من غير الشركة ممكن يجري لي حاجة .
تقدمت بسنت وجلست أسفل قدمه ، قبلت يده ثم قالت له بحب نابع من القلب :
متخفش يا بابا إن شاء الله خير ، متزعلش نفسك .
استأذنت منه لتخرج بعض الوقت ، أذن لها والدها ، صعدت إلي غرفتها ، أختارت أفضل الثياب ، دخلت إلي المرحاض لتأخذ حماما دافئا تنعش به جسدها ، ارتدت ملابسها ثم وضعت زينتها ، تركت شعرها منسدلا ، أخذت حقيبتها ، وذهبت لتقود سيارتها إلي شركة يوسف الخولي .
وقفت أمام البناء الضخم ، أخذت نفسا عميقا ، ثم صعدت إلي مكتبه ،وجدت سيلا غريمتها ، وعشيقة يوسف ، لا تعلم إلي ماذا وصلت علاقتها به ، ولكنها أمام تحدي كبير ويجب عليها أن ت**به أولا من أجل والدها ،وعندما يفرغ منه ، سوف تتحول للتخلص من تلك الساقطة .
بسنت بغرور :
قولي ليوسف إني عايزة أقا**ه .
سيلا وهي تجاوبها بدلال ، أمسكت سماعة الهاتف ، ثم تحدثت بصوت هادئ :
مستر يوسف ، آنسة بسنت واقفة ،عايزة تقابل حضرتك .
يوسف :
خليها تدخل .
سيلا :
اتفضلي .
دخلت بسنت إلي المكتب ، وهي تشتم تلك الساقطة سيلا علي طريقتها المستفزة في الحديث .
كان يوسف يجلس علي المكتب ، غير مكترث لها ، ينظر إلي بعض الأوراق أمامه ، استغربت عدم اهتمامه بها ، لذلك ظلت واقفة أمامه حتي ينتهي مما يفعله .
انتهي من عمله ،قم رفع نظره إليها ، وجدها ما زالت واقفة ، طلب منها الجلوس .
يوسف :
أيه ده يا بسنت أنت لسة واقفة ؟ اتفضلي اقعدي .
جلست بسنت ثم قالت بعتاب :
ما هو محدش قالي اقعدي .
يوسف :
متزعلش مني ، أنا مش فاضي ،اعذريني .
بسنت بعتاب :
أيه اللي اتغير ، زمان كنت مش فاضي ولما بتصل بيك كنت بتسيب اللي في إيدك وتكلمني .
يوسف :
كل حاجة اتغيرت ، الدنيا مش بتفضل علي حالها .
بسنت بتساؤل :
ممكن أعرف أيه اللي اتغير ، وأعرف أنت مش بترد علي بابا ليه .
يوسف ببرود :
وأرد ليه .
حاولت بسنت أن تبتلع ريقها ، ثم قالت :
عشان يبلغك بموافقتي علي الجواز .
ترك يوسف القلم من يده ، ثم رجع ليسند علي ظهر الكرسي ، نظر إليها بتفحص ثم قال :
ممكن أعرف أيه اللي اتغير .
بسنت :
أبدا مفيش حاجة غير إن والدي اقنعني بالموافقة .
يوسف بقلة أدب :
باباكي أقنعك ، ولا اللي حصل من الشباب التلاتة هو اللي أقنعك .
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم سألته :
تقصد أيه .
يوسف :
أقصد ا****بك يا هانم ، فيه كلام كتير إن تم ا****بك من ثلاث شباب في اليوم اللي هربتي فيه ، يعني أنت خلاص معنتيش لازماني ، أنا مش بحب أشيل شيلة غيري . .
بسنت بغضب ونرفزة :
مين اللي اتجرأ وقال كده ، وأنت ازاي تتجرأ وتعيد كلام زي ده ، أيه لسة زي ما أنا ،ومفيش حد يقدر يقول غير كده .
يوسف ببرود :
وأيه اللي يثبت صحة كلامك ده .
جحظت عيونها بعدم تصديق ، سألته مستفهمة :
يعني أيه ، أيه اللي ممكن يثبت حاجة زي دي .
يوسف وهو ينظر للأوراق التي أمامه :
كشف عذرية . .
بسنت بغضب :
أنت أكيد اتجننت ، وأنا غلطانة إني كملت في الحوار ده معاك .
تركته وذهبت وهي تشتعل غضبا .
يا ترى أيه اللي هيحصل .
هل بسنت هتوافق علي طلب يوسف ولا لأ .
ده اللي هنعرفه الفصل اللي جاي . .
أتمنى لكم قراءة ممتعة . .
دمتم بخير وعافية . .
إلي اللقاء في الفصل القادم . . .